إسلام ويب

تفسير سورة الكهف [18-21]للشيخ : عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من أعظم الدلالات على قدرة الله ووحدانيته وإحيائه للموتى وبعثه لمن في القبور ما حكاه سبحانه لنا عن أصحاب الكهف، حيث ناموا بأمر الله ثلاثمائة سنة وازدادوا تسعاً، ثم بعثهم الله ليكونوا عبرة لمن خلفهم وآية على أن الله يحيي الموتى ويبعث من في القبور.

    1.   

    تفسير قوله تعالى (وتحسبهم أيقاظاً وهم رقود ...)

    قال الله تعالى: وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا [الكهف:18].

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ذكر بعض أهل العلم أنهم لما ضرب الله على آذانهم بالنوم لم تنطبق أعينهم لئلا يسرع إليها البلى، فإذا بقيت ظاهرة للهواء كان أبقى لها ].

    يعني: بقيت أعينهم مفتوحة، وهذا من حفظ الله لهم، وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ [الكهف:18]، فإذا جاء أحد ودخل الغار وجد أعينهم مفتوحة أصابه الرعب وخاف؛ لأنه يرى أنهم أيقاظ بينما هم في الحقيقة نائمون، ولهذا حفظهم الله هذه المدة، فناموا ثلاثمائة سنة بالسنة الشمسية، وثلاثمائة وتسع سنين بالسنة القمرية؛ لأن السنة القمرية تزيد على السنة الشمسية في كل مائة ثلاث سنوات، وفي كل مائتي سنة ست سنوات، وفي كل ثلاثمائة سنة تسع سنوات.

    ولهذا قال سبحانه: وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ [الكهف:25] يعني: بالسنة الشمسية، وَازْدَادُوا تِسْعًا [الكهف:25] بالسنة القمرية.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ذكر بعض أهل العلم أنهم لما ضرب الله على آذانهم بالنوم لم تنطبق أعينهم لئلا يسرع إليها البلى، فإذا بقيت ظاهرة للهواء كان أبقى لها، ولهذا قال تعالى: وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ [الكهف:18]، وقد ذكر عن الذئب أنه ينام فيطبق عيناً ويفتح عيناً ثم يفتح هذه ويطبق هذه وهو راقد كما قال الشاعر:

    ينام بإحدى مقلتيه ويتقي بأخرى الرزايا فهو يقظان نائم ].

    هذا الذئب، وهو معروف بشدة الحذر، إحدى العينين تنام والأخرى مفتوحة، ثم تنام الأخرى وتفتح الثانية.

    ينام بإحدى مقلتيه

    قوله: الرزايا في البيت معروف، وقيل: المنايا، ولعله رواية له.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقوله تعالى: وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ [الكهف:18] قال بعض السلف: يقلبون في العام مرتين، قال ابن عباس : لو لم يقلبوا لأكلتهم الأرض.

    وقوله: وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ [الكهف:18] قال ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وقتادة : الوصيد الفناء، وقال ابن عباس : بالباب، وقيل: بالصعيد وهو التراب، والصحيح أنه بالفناء وهو الباب، ومنه قوله تعالى: إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُوصَدَةٌ [الهمزة:8] أي: مطبقة مغلقة، ويقال: وصيد وأصيد ].

    يعني: إن الكلب أصابه ما أصابهم من نوم، نام مثلهم في الباب، باسط ذراعيه في باب الغار، فالكلب أصابه ما أصابهم.

    وهذا من حفظ الله لهم أن جعل أعينهم مفتوحة؛ حتى تأتي عليها الريح، ويقلبون ذات اليمين وذات الشمال حتى لا تأكلهم الأرض.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ربض كلبهم على الباب كما جرت به عادة الكلاب ].

    فالكلب ربض على الباب وأصابه ما أصابهم.

    والإيصاد: هو الإغلاق، قال تعالى: إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُوصَدَةٌ [الهمزة:8] يعني: مغلقة مطبقة، والوصيد: الباب، فيغلق عليهم الباب حراسة، فالكلب بسط ذراعيه بالباب؛ فأصابه ما أصابهم، ونام معهم هذه المدة.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ قال ابن جريج : يحرس عليهم الباب، وهذا من سجيته وطبيعته، حيث يربض ببابهم كأنه يحرسهم، وكان جلوسه خارج الباب؛ لأن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه كلب -كما ورد في الصحيح- ولا صورة ولا جنب ولا كافر كما ورد به الحديث الحسن ].

    لا تدخل الملائكة بيتاً فيه كلب ولا صورة، ثبت في الحديث أن جبرائيل واعد النبي صلى الله عليه وسلم أن يأتي يوماً فتأخر؛ فشق ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم جاء بعد ذلك فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (تأخرت، فقال: إنا لا ندخل بيتاً فيه كلب ولا صورة، وكان في الحجرة ستر فيه تمثال، فقال جبرائيل: مر بالتمثال فيقطع، فيكون قطعتين -ووجد جرواً وهو كلب صغير للحسن - وأمر بجرو الكلب فيخرج؛ فأخرج فدخل جبرائيل). التمثال: صورة في ستر أو خرقة يستر بها الباب؛ فقطعت الصورة وأخرج الجرو فدخل جبرائيل.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ شملت كلبهم بركتهم فأصابه ما أصابهم من النوم على تلك الحال، وهذا فائدة صحبة الأخيار فإنه صار لهذا الكلب ذكر وخبر وشأن ].

    هذه فوائد صحبة الأخيار، حيث استفاد الكلب، وهو الآن معروف أنه من أخس الحيوانات، ومع ذلك لما صاحب الأخيار صار له شأن وذكر، فذكر معهم في القرآن وأصابه ما أصابهم، فمصاحبة الأخيار فيها خير، وبين النبي صلى الله عليه وسلم أن صحبة الأخيار فيها فائدة عظيمة، حيث قال: (مثل الجليس الصالح وجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك: إما أن يحذيك وإما أن تبتاع منه وإما أن تجد منه ريحاً طيبة)، يعني: هو مستفيد على كل حال، إما أن يعطيك، وإما أن يبيع عليك، وإما أن يعلق فيك رائحة طيبة، كذلك الجليس الصالح: إما أن يأمرك بالخير، وإما أن ينهاك عن الشر، وإما أن يدعوك إلى الخير ويحضك عليه، فأنت مستفيد.

    قال صلى الله عليه وسلم: (وجليس السوء كنافخ الكير، إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد منه ريحاً كريهة)، فكذلك جليس السوء إما أن يزهدك من الخير أو يرغبك في الشر، فأنت متضرر على كل حال.

    فهذا الكلب لما صاحب الأخيار صار له ذكر وأصابه ما أصابهم، كما أن الكلب المعلم لما تعلم صار له ميزة بالعلم، وصار يصيد بالتعليم، وله حكم يختلف عن بقية الكلاب.

    فأباح النبي صلى الله عليه وسلم صيد الكلب المعلم، قال: (إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله عليه فكل)، وقال تعالى: مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ [المائدة:4]، فالكلاب صار لها شرف بالعلم، فهذا يدل على شرف العلم، حتى الكلاب إذا تعلمت صار لها شرف ومزية على غيرها.

    جاء في الصحيح: (أن عمر سأل النبي صلى الله عليه وسلم أينام أحدنا وهو جنب؟ قال: نعم إذا توضأ).

    وهذا لا شك أن فيه رخصة على أن للجنب إذا توضأ له أن ينام، لكن الحديث في السنن، ليس فيه جنب، فيحتاج إلى تأمل في صحته، أما حديث: (لا تدخل الملائكة بيتاً فيه صورة ولا كلب ولا جنب) فهذا صحيح ثابت.

    أما: (ولا جنب ولا كافر) فيحتاج إلى تأمل ونظر في صحة الحديث.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقد قيل: إنه كان كلب صيد لأحدهم وهو الأشبه وقيل: كلب طباخ الملك وقد كان وافقهم على الدين وصحبه كلبه فالله أعلم، وقد روى الحافظ ابن عساكر في ترجمة همام بن الوليد الدمشقي : سمعت الحسن البصري يقول: كان اسم كبش إبراهيم عليه الصلاة والسلام جرير، واسم هدهد سليمان عنقز، واسم كلب أصحاب الكهف، قطمير، واسم عجل بني إسرائيل الذي عبدوه بهموت، وهبط آدم عليه السلام بالهند، وحواء بجدة، وإبليس بدست بيسان، والحية بأصفهان، وقد تقدم عن شعيب الجبائي أنه سماه حمران ].

    والجبائي سماه حمران يعني: كلبهم، وكل هذه من أخبار بني إسرائيل ما عليها دليل.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ واختلفوا في لونه على أقوال لا حاصل لها، ولا طائل تحتها، ولا دليل عليها، ولا حاجة إليها، بل هي مما ينهى عنه، فإن مستندها رجم بالغيب ].

    صدق رحمه الله، ما عليها دليل ولا يترتب عليها شيء.

    ولا يهمنا اسمه حمران أو غير ذلك، المهم القصة وما فيها من العبرة والفوائد، أما كون الاسم حمران أو غير حمران أو عنقز أو غير ذلك كل هذا من أخبار بني إسرائيل.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقوله تعالى: لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا [الكهف:18] أي: أنه تعالى ألقى عليهم المهابة بحيث لا يقع نظر أحد عليهم إلا هابهم؛ لما ألبسوا من المهابة والذعر؛ لئلا يدنو منهم أحد، ولا تمسهم يد حتى يبلغ الكتاب أجله وتنقضي رقدتهم التي شاء الله تبارك وتعالى فيهم؛ لما له في ذلك من الحكمة والحجة البالغة والرحمة الواسعة ].

    فمن حفظ الله لهم أنه لا يدنو منهم أحد إلا أصابه الرعب؛ حتى لا يمسهم أحد، وحتى تنتهي الرقدة التي قدر الله أنهم ينامونها لما له في ذلك من الحكمة.

    وفي هذا دليل على البعث، فهو من أوضح الأدلة على البعث بعد الموت, وكان المشركون ينكرون البعث بعد الموت، فالذي أنامهم هذه المدة الطويلة ثم أحياهم قادر على البعث.

    فالله أنامهم ثلاثمائة سنة وتسع سنين، وهي مدة طويلة، ولما استيقظوا ظنوا أنه يوم واحد.

    قال بعضهم: كَمْ لَبِثْتُمْ [الكهف:19]، قال بعضهم: لبثنا يوماً، وبعضهم قال: نصف يوم؛ لأنهم لما ناموا في أول النهار استقيظوا في آخره فظنوا أنه هذا اليوم الأول وقد مضى عليهم ثلاثمائة سنة وتسع سنين، ولا شك أن هذا من الأدلة على قدرة الله تعالى على البعث، والله تعالى لا يعجزه شيء، قال تعالى: إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس:82].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وكذلك بعثناهم ليتساءلوا بينهم قال قائل منهم كم لبثتم...)

    قال الله تعالى: وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا * إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا [الكهف:19-20].

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ يقول تعالى: كما أرقدناهم بعثناهم صحيحة أبدانهم وأشعارهم وأبشارهم لم يفقدوا من أحوالهم وهيئاتهم شيئاً؛ وذلك بعد ثلاثمائة سنة وتسع سنين، ولهذا تساءلوا بينهم: كَمْ لَبِثْتُمْ أي: كم رقدتم؟ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ؛ لأنه كان دخولهم إلى الكهف في أول النهار، واستيقاظهم كان في آخر نهار؛ ولهذا استدركوا فقالوا: أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ أي: الله أعلم بأمركم، وكأنه حصل لهم نوع تردد في كثرة نومهم فالله أعلم.

    ثم عدلوا إلى الأهم في أمرهم إذ ذاك وهو احتياجهم إلى الطعام والشراب، فقالوا: فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ أي: فضتكم هذه؛ وذلك أنهم كانوا قد استصحبوا معهم دراهم من منازلهم لحاجتهم إليها، فتصدقوا منها، وبقي منها، فلهذا قالوا: فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ أي: مدينتكم التي خرجتم منها والألف واللام للعهد.

    فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا أي: أطيب طعاماً؛ كقوله: وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا [النور:21]، وقوله: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى [الأعلى:14]، ومنه الزكاة التي تطيب المال وتطهره، وقيل: أكثر طعاماً، ومنه زكا الزرع إذا كثر قال الشاعر:

    قبائلنا سبع وأنتم ثلاثة والسبع أزكى من ثلاث وأطيب

    والصحيح الأول؛ لأن مقصودهم إنما هو الطيب الحلال سواء كان كثيراً أو قليلاً.

    فأزكى طعاماً في اللفظ، أي: أطيب طعاماً.

    قال بعضهم: أكثر، والصواب: أن المراد الطعام الطيب الحلال، وليس المراد الكثرة.

    وهذا من حكمة الله تعالى، فقد أحسوا بالجوع لما استيقظوا، فأرسلوا واحداً منهم يشتري طعاماً حتى يطلع الناس عليهم، ويعلموا خبرهم، فلما ذهب وجد المدينة تغيرت والناس قد تغيروا، وكذلك أيضاً العملة تغيرت، فاستغربوا لما أعطاهم العملة ووقد مضى عليها ثلاثمائة وتسع سنين!

    فالعملة قد تغيرت، وتغيرت البلاد ومن عليها، وتغير الناس والملوك؛ فظنوا أن ملكهم الأول ما زال باقياً، فخافوا منه.

    قوله: كَمْ لَبِثْتُمْ ؟ قال بعضهم: لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ ، فهم يتكلمون فيما بينهم.

    وفيه: أنه يجب على الإنسان أن يكل العلم إلى الله في الشيء الذي لا يعلمه.

    وفيه: أن اليقظة بعد النوم تسمى بعثاً، والوفاة بالليل تسمى الموتة الصغرى، قال تعالى: اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا [الزمر:42]، وقال: وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ [الأنعام:60].

    فالنوم في الليل وفاة صغرى، واليقظة بعد ذلك حياة.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقوله: (يتلطف) أي: في خروجه وذهابه، وشرائه وإيابه، يقولون: وليختف كل ما يقدر عليه وَلا يُشْعِرَنَّ أي: ولا يعلمن بِكُمْ أَحَدًا ، إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أي: إن علموا بمكانكم يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ يعنون أصحاب دقيانوس يخافون منهم أن يطلعوا على مكانهم فلا يزالوا يعذبونهم بأنواع العذاب إلى أن يعيدوهم في ملتهم التي هم عليها أو يموتوا، فإن وافقتموهم على العود في الدين فلا فلاح لكم في الدنيا ولا في الآخرة.

    ولهذا قال: وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا ].

    يعني: أنهم أرسلوا واحداً منهم ليشتري الطعام، وقالوا: اختف عن الناس، وظنوا أن ملكهم باقٍ، فقالوا: اختف واشتر بخفية وائت لئلا يطلع عليك؛ لأنهم إن اطلعوا علينا وعرفوا مكاننا: إما أن يفتنونا عن ديننا وإما أن يرجمونا، وإذا فتنونا في ديننا ووافقناهم هلكنا أبد الدهر.

    ولا يلزم من هذا أنهم يؤاخذون بالإكراه يعني: قد يفتنوهم في دينهم من شدة الفتنة يوافقونهم، فقد يكره الإنسان ثم يوافق بعد ذلك.

    ولهذا قال الله تعالى: مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ [النحل:106]، قال العلماء: إلا من فعل الكفر متعمداً فهذا يكفر، ومن فعل الكفر هازلاً يكفر، ومن فعل الكفر خائفاً يكفر، ومن فعل الكفر مكرهاً واطمأن قلبه بالكفر يكفر، ومن فعل الكفر واطمأن قلبه بالإيمان لا يكفر.

    فإذاً: قد يكره الإنسان ثم بعد ذلك يطمئن قلبه بالكفر والعياذ بالله نسأل الله السلامة والعافية.

    فهذه خمس حالات أربع حالات منها يكفر فيها، ولا يكفر إذا فعل الكفر مكرهاً وقلبه مطمئن بالإيمان.

    فهذا هو الاطمئنان، قال تعالى: مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ [النحل:106].

    فهذه خمس حالات، الإنسان في الحالات الأربع يكفر، وفي الحالة الأخيرة لا يكفر، وهي: ما إذا أكره واطمأن قلبه بالإيمان، نسأل الله السلامة والعافية.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وكذلك أعثرنا عليهم ليعلموا أن وعد الله حق...)

    قال الله تعالى: وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا [الكهف:21].

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ يقول تعالى: وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ أي: أطلعنا عليهم الناس لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيهَا ذكر غير واحد من السلف أنه كان قد حصل لأهل ذلك الزمان شك في البعث وفي أمر القيامة، وقال عكرمة : كان منهم طائفة قد قالوا تبعث الأرواح ولا تبعث الأجساد فبعث الله أهل الكهف حجة ودلالة وآية على ذلك ].

    وهذا قول الفلاسفة يقولون: تبعث الأرواح ولا تبعث الأجساد، وهذا كفر وضلال بإجماع المسلمين، فمن قال: إن الجسد لا يبعث فهو كافر بإجماع المسلمين ونص القرآن.

    قال الله تعالى: زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ [التغابن:7] أمر الله نبيه أن يقسم ويحلف على القيامة والساعة في ثلاثة مواضع من كتابه العزيز، هذا الموضع الأول في سورة التغابن.

    الموضع الثاني في سورة يونس: قال تعالى: وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ [يونس:53] يعني: البعث بعد الموت، قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ [يونس:53] أمره أن يحلف قُلْ إِي وَرَبِّي .

    الموضع الثالث في سورة سبأ: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ [سبأ:3].

    فهذه المواضع الثلاثة أمر الله نبيه فيها أن يقسم على الساعة والبعث.

    فمن أنكر بعث الأجساد فهو كافر بإجماع المسلمين، والفلاسفة ينكرون البعث، كـابن سينا، وبعض الناس يقولون: إنه الفيلسوف الإسلامي، واغتر به بعض الصحفيين والمذيعين فقالوا: الفيلسوف الإسلامي، وهو كافر ملحد أنكر البعث.

    ويقول عن نفسه كما نقل ابن القيم رحمه الله في إغاثة اللهفان: أنا وأبي من دعوة الحاكم العبيدي ، والحاكم العبيدي رافضي خبيث لا يؤمن بالله، ولا ملائكته، ولا كتبه، ولا رسله، ولا اليوم الآخر، ولا القدر، نسأل الله السلامة والعافية!

    وهو الذي حاول أن يقرب الفلسفة من دين الإسلام؛ لأن ابن سينا يسمى المعلم، ولو سميت باسمه المدارس ومستشفيات فهو ملحد، وهو طبيب أيضاً له كتاب: القانون في الطب، لكنه ملحد حاول أن يجمع بين الفلسفة والإسلام، فـأرسطو وهو المعلم الأول للفلاسفة المتأخرين، ثم أبو نصر الفارابي المعلم الثاني، ثم المعلم الثالث أبو علي ابن سينا حاول أن يقرب الفلسفة من دين الإسلام، لكنه في محاولته الشديدة لم تصل إلى ما وصلت إليه الجهمية الغالية في التجهم، فالجهمية الغالية في التجهم أشد وأصح مذهباً من مذهب ابن سينا .

    فالفلاسفة ينكرون بعث الأجساد ويقولون: البعث إنما هو للأرواح، والذي فتح لهم الباب الجهم بن صفوان ؛ لأن الجهم بن صفوان قال: إن هذه الأجساد إذا بليت لا تبعث، وإنما تبعث أجساد أخرى.

    فـالجهم يقول: هذه الأجسام تستحيل تراباً ولا تبعث، وإنما تبعث أجساد أخرى، وهذا من أبطل الباطل؛ لأن معناه: تبعث أجساد أخرى ما عصت الله وتكون في النار والعياذ بالله! وهذا معناه أن يوصف الله تعالى بالظلم.

    فهذه الأجساد -الذرات- التي استحالت يعيدها الله، فالإنسان يبلى إلا عجب الذنب، وهو آخر فقرة في العمود الفقري، فهذا لا تأكله الأرض وإنما يبقى، فمنه خلق ابن آدم كما في الحديث: (كل ابن آدم يبلى إلا عجب الذنب، منه خلق ابن آدم، ومنه يركب) ويعيد الله الذرات التي استحالت تراباً كما أخبر الله سبحانه.

    قال تعالى: وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ [يس:78-79] فهو سبحانه عليم بالذرات التي استحالت فيعيدها، حتى ولو استحالت تراباً، ولو أكل الإنسان السباع، وأكلت السباع سباع أخرى، أو أكلته الحوت وأكل الحوت حوت آخر، أو صارت المقبرة في مزرعة وزرعت.

    فالله تعالى يعيد الذرات التي استحالت خلقاً جديداً، نفس الذوات هي هي! ولكن تبدل الصفات، فينشأ الناس تنشئة قوية يتحملون فيها الوقوف يوم القيامة هذه المدة الطويلة، ويتحملون فيها رؤية الله عز وجل، فالصفات هي التي تبدل.

    وكذلك الأرض قال تعالى: يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ والسَّمَوَات [إبراهيم:48]، تبديل صفات لا تبديل ذوات، وبين الله هذه الحكمة من اطلاع الناس على أهل الكهف: ليعلموا أن وعد الله حق وأن الساعة لا ريب فيها، ليعلموا أن وعد الله حق، وأن البعث حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وكأن أهل ذلك الزمان شكُّوا في البعث وفي القيامة، فأطلع الله عليهم أهل الكهف؛ ليعلموا أن وعد الله حق، وليعلموا صحة البعث، فالذي أنامهم ثلاثمائة سنة وتسع سنين ثم أيقظهم قادر على أن يبعث الإنسان بعد موته.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وذكروا أنه لما أراد أحدهم الخروج ليذهب إلى المدينة في شراء شيء لهم ليأكلوه تنكر وخرج يمشي في غير الجادة حتى انتهى إلى المدينة، وذكروا أن اسمها دقسوس وهو يظن أنه قريب العهد بها، وكان الناس قد تبدلوا قرناً بعد قرن، وجيلاً بعد جيل، وأمة بعد أمة، وتغيرت البلاد ومن عليها، كما قال الشاعر:

    أما الديار فإنها كديارهم وأرى رجال الحي غير رجاله

    فجعل لا يرى شيئاً من معالم البلد التي يعرفها، ولا يعرف أحداً من أهلها لا خواصها ولا عوامها؛ فجعل يتحير في نفسه ويقول: لعل بي جنوناً أو مساً أو أنا حالم، ويقول: والله ما بي شيء من ذلك، وإن عهدي بهذه البلدة عشية أمس على غير هذه الصفة ].

    يعني: أنهم دخلوا عند طلوع الشمس واستيقظوا عند غروبها، فظنوا أنه يوم واحد، كيف تغيرت الدار في يوم واحد؟!

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ثم قال: إن تعجيل الخروج من هاهنا لأولى لي، ثم عمد إلى رجل ممن يبيع الطعام فدفع إليه ما معه من النفقة وسأله أن يبيعه بها طعاماً، فلما رآها ذلك الرجل أنكرها وأنكر ضربها، فدفعها إلى جاره وجعلوا يتداولونها بينهم، ويقولون: لعل هذا وجد كنزاً فسألوه عن أمره، وهو من أين له هذه النفقة؟ لعله وجدها من كنز وممن أنت؟! فجعل يقول: أنا من أهل هذه البلدة وعهدي بها عشية أمس وفيها دقيانوس ؛ فنسبوه إلى الجنون فحملوه إلى ولي أمرهم، فسأله عن شأنه وخبره حتى أخبرهم بأمره وهو متحير في حاله وما هو فيه، فلما أعلمهم بذلك قاموا معه إلى الكهف -ملك البلد وأهلها- حتى انتهى بهم إلى الكهف فقال لهم: دعوني حتى أتقدمكم في الدخول لأعلم أصحابي، فدخل، فيقال: إنهم لا يدرون كيف ذهب فيه، وأخفى الله عليهم خبرهم، ويقال: بل دخلوا عليهم ورأوهم وسلم عليهم الملك واعتنقهم وكان مسلماً فيما قيل، واسمه يندوسيس؛ ففرحوا به وآنسوه بالكلام، ثم ودعوه وسلموا عليه وعادوا إلى مضاجعهم وتوفاهم الله عز وجل. فالله أعلم.

    قال قتادة : غزا ابن عباس مع حبيب بن مسلمة فمروا بكهف في بلاد الروم فرأوا فيه عظاماً، فقال قائل: هذه عظام أهل الكهف، فقال ابن عباس : لقد بليت عظامهم من أكثر من ثلاثمائة سنة، رواه ابن جرير .

    وقوله: وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ [الكهف:21] أي: كما أرقدناهم وأيقظناهم بهيئاتهم أطلعنا عليهم أهل ذلك الزمان لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ [الكهف:21] أي: في أمر القيامة، فمن مثبت لها ومن منكر، فجعل الله ظهورهم على أصحاب الكهف حجة لهم وعليهم.

    فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ [الكهف:21] أي: سدوا عليهم باب كهفهم، وذروهم على حالهم.

    قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا [الكهف:21].

    حكى ابن جرير في القائلين ذلك قولين: أحدهما: إنهم المسلمون منهم، والثاني: أهل الشرك منهم، فالله أعلم، والظاهر أن الذين قالوا ذلك هم أصحاب الكلمة والنفوذ، ولكن هل هم محمودون أم لا؟ فيه نظر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد) يحذر ما فعلوا، وقد روينا عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه لما وجد قبر دانيال في زمانه بالعراق أمر أن يخفى عن الناس وأن تدفن تلك الرقعة التي وجدوها عنده فيها شيء من الملاحم وغيرها ]

    ولا شك أن الذين قالوا: لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا [الكهف:21] فهو مخطئون سواء كانوا مسلمين أو غير ذلك، فإن قيل: إنهم مسلمون فهم عصاة، وإن قيل: إنهم كفار فلا إشكال، لكن إذا كانوا مسلمين فهم عصاة؛ لأن هذا من وسائل الشرك، فبناء المساجد على القبور والجلوس عندها وكتابة الأسماء عليها، ووضع الزهور والرياحين، وبناء القبب، كل هذه من وسائل الشرك.

    يقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك).

    فلعل الذين أمروا بأن يتخذ عليهم مسجداً هم أصحاب الكلمة والنفوذ، وهم مخطئون، وإن كانوا مسلمين فهم عصاة؛ لأن فعلهم هذا من وسائل الشرك، وإن كانوا كفاراً فلا إشكال.

    وبين الله سبحانه وتعالى أن الحكمة من اطلاع أهل ذلك الزمان على أصحاب الكهف أن يعلموا أن وعد الله حق وأن الساعة لا ريب فيها؛ لأنهم تنازعوا، فبعضهم أثبت القيامة وأكثرهم نفاها، فالله تعالى أطلعهم على أصحاب الكهف؛ ليكون هذا دليلاً وحجة على البعث، فالبعث حق، وهو أصل من أصول الإيمان، لا يصح الإيمان إلا به، ومن لم يؤمن بالبعث فهو كافر.