إسلام ويب

تفسير سورة الكهف [9-17]للشيخ : عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من أحسن القصص التي ذكرها الله في القرآن قصة أهل الكهف، فهي ذكرى وعظة لكل من آمن بربه وسلك طريق الدعوة إليه، وقد بشر الله سبحانه أنه سيحسن عاقبته ويحفظه ويحفظ له دينه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجباً)

    قال الله تعالى: أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا * إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا * فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا * ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا [الكهف:9-12].

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ هذا إخبار من الله تعالى عن قصة أصحاب الكهف على سبيل الإجمال والاختصار، ثم بسطها بعد ذلك فقال: أَمْ حسبت يعني: يا محمد أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا أي: ليس أمرهم عجيباً في قدرتنا وسلطاننا؛ فإن خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار وتسخير الشمس والقمر والكواكب وغير ذلك من الآيات العظيمة الدالة على قدرة الله تعالى، وأنه على ما يشاء قادر ولا يعجزه شيئ أعجب من أخبار أصحاب الكهف، كما قال ابن جريج عن مجاهد : أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا [الكهف:9] يقول: قد كان من آياتنا ما هو أعجب من ذلك.

    وقال العوفي : عن ابن عباس أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا [الكهف:9] يقول: الذي آتيتك من العلم والسنة والكتاب أفضل من شأن أصحاب الكهف والرقيم.

    وقال محمد بن إسحاق : ما أظهرت من حججي على العباد أعجب من شأن أصحاب الكهف والرقيم، وأما الكهف فهو الغار في الجبل، وهو الذي لجأ إليه هؤلاء الفتية المذكورون، وأما الرقيم فقال العوفي : عن ابن عباس : هو وادٍ قريب من أيلة، وكذا قال عطية العوفي وقتادة .

    وقال الضحاك : أما الكهف فهو غار الوادي، والرقيم اسم الوادي وقال مجاهد : الرقيم كتاب بنيانهم ويقول بعضهم: هو الوادي الذي فيه كهفهم ].

    الرقيم هو لوح كتب فيه أسماء أصحاب الكهف وقصتهم، ثم وضع على باب الكهف، وكان من الرصاص، وقيل: من حجارة، وعن ابن عباس : أن الرقيم اسم الوادي الذي فيه أصحاب الكهف، وقال كعب الأحبار : هو اسم للقرية التي خرج منها أصحاب الكهف، وقيل: اسم الجبل الذي فيه أصحاب الكهف، أو هو اسم للوح الذي كتب فيه أسماؤهم، أو اسم للوادي، أو اسم الجبل القريب، والأقرب أن الرقيم هو الكتاب قال تعالى: كِتَابٌ مَرْقُومٌ [المطففين:9] مرقوم يعني: مكتوب يكتب فيه.

    إذاً: الرقيم هو الشيء الذي يكتب فيه، هذا هو الأقرب.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقال عبد الرزاق : أخبرنا الثوري عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس ، رضي الله عنهما في قوله: الرقيم كان يزعم كعب أنها القرية، وقال ابن جريج عن ابن عباس : الرقيم الجبل الذي فيه الكهف، وقال ابن إسحاق : عن عبد الله بن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس قال: اسم ذلك الجبل بنجلوس، وقال ابن جريج : أخبرني وهب بن سليمان عن شعيب الجبائي أن اسم جبل الكهف بنجلوس، واسم الكهف حيزم، والكلب حمران ].

    اسم الكلب واسم الجبل والبنيان كل هذه الأشياء لا يترتب عليها كبير فائدة، وهي من أخبار بني إسرائيل، وليس عليها دليل.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقال عبد الرزاق : أنبأنا إسرائيل عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس قال: القرآن أعلمه إلا حناناً والأواه والرقيم.

    وقال ابن جريج : أخبرني عمرو بن دينار أنه سمع عكرمة يقول: قال ابن عباس : ما أدري ما الرقيم كتاب أم بنيان.

    وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس : الرقيم الكتاب وقال سعيد بن جبير : الرقيم لوح من حجارة كتبوا فيه قصص أصحاب الكهف، ثم وضعوه على باب الكهف.

    وقال عبد الرحمن بن زيد ابن أسلم : الرقيم الكتاب، ثم قرأ: كتاب مرقوم وهذا هو الظاهر من الآية، وهو اختيار ابن جرير ، قال: الرقيم فعيل بمعنى مرقوم، كما يقال للمقتول: قتيل، وللمجروح جريح والله أعلم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إذ أوى الفتية إلى الكهف ...)

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ قوله تعالى: إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا [الكهف:10] يخبر تعالى عن أولئك الفتية الذين فروا بدينهم من قومهم، لئلا يفتنوهم عنه، فهربوا منهم فلجئوا إلى غار في جبل ليختفوا عن قومهم، فقالوا حين دخلوا سائلين من الله تعالى رحمته ولطفه بهم: رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً أي: هب لنا من عندك رحمة ترحمنا بها وتسترنا عن قومنا، وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا أي: وقدر لنا من أمرنا رشداً هذا، أي: اجعل عاقبتنا رشداً، كما جاء في الحديث: (وما قضيت لنا من قضاء فاجعل عاقبته رشدا)، وفي المسند من حديث بسر بن أرطأة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يدعو: (اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها، وأجرنا من خزي النار وعذاب الآخرة) ].

    هذا حديث مشهور، لم يذكر المؤلف سنده.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عدداً)

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقوله: فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا [الكهف:11] أي: ألقينا عليهم النوم حين دخلوا إلى الكهف، فناموا سنين كثيرة ].

    هذه الآيات فيها أن هؤلاء الفتية فروا بدينهم من الفتن، وهذا له أصل في شريعتنا, فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يوشك أن يكون خير مال المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر، يفر بدينه من الفتن) قال العلماء: إن هذا يكون عند فساد الزمان وخلو المدن والقرى من العلم والخير، بحيث لا يكون فيها جمعة ولا جماعة ولا نصيحة، فحينئذ يفر المسلم من الفتن، يفر بدينه إلى البوادي والصحاري ويتبع بغنمه شعف الجبال، وإلا فلا يجوز الفرار إلى البوادي، وترك الجمعة والجماعة؛ لأنه قد جاء الوعيد الشديد لمن رجع أعرابياً بعد أن كان من أهل المدينة أو القرية كما جاء في الحديث.

    إذاً: فالمقصود أن التعرب والسكن في البادية لا يجوز إلا عند خلو المدن والقرى من الخير، بحيث لا يكون فيها جمعة ولا جماعة ولا أمر ولا نهي، وخاف الإنسان على نفسه، فله أن يفر بدينه من الفتن، وهؤلاء الفتية أصحاب الكهف فروا بدينهم؛ لئلا يفتنهم قومهم، فقد أرادوهم على الشرك ففروا بدينهم، فأووا إلى الكهف، وهؤلاء الفتية شباب فروا بدينهم، وولجئوا إلى الله عز وجل وسألوه أن يهيئ لهم من أمرهم رشداً، فجعلهم آية وعبرة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ثم بعثناهم لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمداً)

    قال الله تعالى: [ ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ [الكهف:12].

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ أي: من رقدتهم تلك، وخرج أحدهم بدراهم معه ليشتري لهم بها طعاماً يأكلونه كما سيأتي بيانه وتفصيله، ولهذا قال: ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ [الكهف:12]أي: المختلفين فيهم، أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا [الكهف:12] قيل: عدداً، وقيل: غاية، فإن الأمد الغاية كقوله: سبق الجواد إذا استولى على الأمد ].

    الأمد يطلق على العدد، كأن حزبين اختلفا في مدتهم، فالله تعالى قص عليهما قصة أصحاب الكهف، فقال: أي الحزبين موافق للصواب.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (نحن نقص عليك نبأهم بالحق... )

    قال الله تعالى: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى [الكهف:13]

    ذكر الله تعالى قصة أصحاب الكهف مختصرة ثم هاهو يذكرها مفصلة فقال: نحن نقص عليك أحسن القصص.. [الكهف:13]، وهذا أسلوب بلاغي معروف في اللغة العربية، وهو أن يذكر الشيء مختصراً مجملاً ثم يفصل بعد ذلك، فالله تعالى أجملها ثم فصلها، قال: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ [الكهف:13] فهنا بدأ في التفصيل، بعد أن ذكرها مجملة فقال: أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا * إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا * فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا * ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا [الكهف:9-12] ثم فصلها سبحانه بعد ذلك فقال: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ [الكهف:13].

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ من هاهنا شرع في بسط القصة وشرحها، فذكر الله تعالى أنهم فتية وهم الشباب، وهم أقبل للحق وأهدى للسبيل من الشيوخ الذين قد عتوا وانغمسوا في دين الباطل، ولهذا كان أكثر المستجيبين لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم شباباً، وأما المشايخ من قريش فعامتهم بقوا على دينهم، ولم يسلم منهم إلا القليل. وهكذا أخبر تعالى عن أصحاب الكهف أنهم كانوا فتية شباباً ].

    يعني: أن الشباب هم أقبل للحق من غيرهم، أما الشيوخ الكبار الذين شاخوا على معتقداتهم مثل: شيوخ الرافضة وشيوخ البهائية والبابية وغيرهم فيثبتون على عقائدهم الفاسدة، وإنما الذي يتأثر منهم بالحق هم الشباب، وكذلك أيضاً الدعوات الهدامة يقبلها في الغالب الشباب، أما الشيوخ الكبار الذين تربوا على الحق وشابوا لا يقبلونها، فالشباب هم المحك، وهم عماد الأمة، وهم الذين تبني عليهم الأمم الآمال، وهم عماد المستقبل، والشباب سريعو التأثر، فأصحاب الكهف فتية كانوا شباباً آمنوا بربهم، ثبتهم الله لما آمنوا، وزادهم هدى، وهذا فيه أن الإيمان يزيد وينقص، ولهذا قال تعالى: وَزِدْنَاهُمْ هُدًى .

    إذاً: الشباب هم أقبل للدعوات، للحق وللباطل من غيرهم، وهؤلاء الشباب أصحاب الكهف لما آمنوا واستجابوا وانقادوا أثابهم الله وزادهم هدى، وربط على قلوبهم وثبتهم، وهؤلاء الشباب لجئوا إلى الله وتضرعوا إليه ودعوه أن يهيئ لهم من أمره رشداً، فعلى المؤمن أن يفعل الأسباب ويلجأ إلى الله عز وجل، ويجاهد نفسه على العمل الصالح، ويضرع إلى الله أن يثبت قلبه، وإلا يزيغ قلبه بعد أن هداه.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقال مجاهد : بلغني أنه كان في آذان بعضهم القرطة. يعني الحلق، فألهمهم الله رشدهم وآتاهم تقواهم فآمنوا بربهم أي اعترفوا له بالوحدانية، وشهدوا أنه لا إله إلا هو وَزِدْنَاهُمْ هُدًى استدل بهذه الآية وأمثالها غير واحد من الأئمة كـالبخاري وغيره ممن ذهب إلى زيادة الإيمان وتفاضله وأنه يزيد وينقص، ولهذا قال تعالى: وَزِدْنَاهُمْ هُدًى كما قال: وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ [محمد:17] وقال فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ [التوبة:124] وقال: لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ [الفتح:4] إلى غير ذلك من الآيات الدالة على ذلك ].

    يعني: الآيات الدالة على أن الإيمان يزيد وينقص كثيرة، وكذلك النصوص في أن الكفر يزيد وينقص، من ذلك قوله تعالى: وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ [التوبة:125] فالإيمان يزيد وينقص والكفر أيضاً يزيد وينقص، هذا هو معتقد أهل السنة والجماعة، خلاف أهل البدع الذين يقولون: إن الإيمان شيء واحد لا يزيد ولا ينقص، وإيمان أهل السماء وإيمان أهل الأرض واحد، والتفاوت بينهم بالأعمال، وهذا باطل؛ لأن النصوص في أن الإيمان يزيد وينقص كثيرة منها قوله تعالى: لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ [الفتح:4] وقوله: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ [الفتح:4] وقوله: فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ [التوبة:124] وقوله: وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا [المدثر:31] فالإيمان يزيد وينقص ويقوى ويضعف، وهذا هو مذهب أهل السنة والجماعة.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقد ذكر أنهم كانوا على دين المسيح عيسى ابن مريم، فالله أعلم، والظاهر أنهم كانوا قبل ملة النصرانية بالكلية، فإنهم لو كانوا على دين النصرانية لما اعتنى أحبار اليهود بحفظ خبرهم وأمرهم لمباينتهم لهم ]؟

    يعني: يقول: إن هؤلاء لم يكونوا في زمن المسيح أو قبله؛ لأن أحبار اليهود اعتنوا بحفظ خبر هؤلاء الفتية، ولو كانوا في زمن المسيح لما اعترفوا بهم؛ للعداوة التي بينهم وبين النصارى.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقد تقدم عن ابن عباس : أن قريشاً بعثوا إلى أحبار اليهود بالمدينة، يطلبون منهم أشياء يمتحنون بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبعثوا إليهم أن يسألوه عن خبر هؤلاء، وعن خبر ذي القرنين ، وعن الروح، فدل هذا على أن هذا أمر محفوظ في كتب أهل الكتاب، وأنه متقدم على دين النصرانية والله أعلم ].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وربطنا على قلوبهم إذ قاموا فقالوا ربنا رب السماوات والأرض ...)

    قال الله تعالى: وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا [الكهف:14].

    قال المؤلف رحمه الله: [ يقول تعالى: وصبرناهم على مخالفة قومهم ومدينتهم، ومفارقة ما كانوا فيه من العيش الرغيد والسعادة والنعمة، فإنه ذكر غير واحد من المفسرين من السلف والخلف أنهم كانوا من أبناء ملوك الروم وسادتهم، وأنهم خرجوا يوماً في بعض أعياد قومهم، وكان لهم مجتمع في السنة يجتمعون فيه في ظاهر البلد، وكانوا يعبدون الأصنام والطواغيت، ويذبحون لها، وكان لهم ملك جبار عنيد يقال له: دقيانوس ، وكان يأمر الناس بذلك ويحثهم عليه ويدعوهم إليه، فلما خرج الناس لمجتمعهم ذلك وخرج هؤلاء الفتية مع آبائهم وقومهم، ونظروا إلى ما يصنع قومهم بعين بصيرتهم، عرفوا أن هذا الذي يصنعه قومهم من السجود لأصنامهم والذبح لها لا ينبغي إلا الله الذي خلق السماوات والأرض، فجعل كل واحد منهم يتخلص من قومه وينحاز منهم، ويتبرز عنهم ناحية، فكان أول من جلس منهم وحده أحدهم، جلس تحت ظل شجرة فجاء الآخر فجلس إليها عنده، وجاء الآخر فجلس إليهما، وجاء الآخر فجلس إليهم، وجاء الآخر وجاء الآخر، ولا يعرف واحد منهم الآخر، وإنما جمعهم هناك الذي جمع قلوبهم على الإيمان.

    كما جاء في الحديث الذي رواه البخاري تعليقاً من حديث يحيى بن سعيد عن عمرة عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف) وأخرجه مسلم في صحيحه من حديث سهيل عن أبيه عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والناس يقولون: الجنسية علة الضم، والغرض أنه جعل كل أحد منهم يكتم ما هو عليه عن أصحابه خوفاً منهم، ولا يدري أنهم مثله حتى قال أحدهم: تعلمون والله يا قوم إنه ما أخرجكم من قومكم وأفردكم عنهم إلا شيء، فليظهر كل واحد منكم بأمره، فقال آخر: أما أنا فإني والله رأيت ما قومي عليه فعرفت أنه باطل، وإنما الذي يستحق أن يعبد وحده ولا يشرك به شيء هو الله الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما، وقال الآخر: وأنا والله وقع لي كذلك، وقال الآخر كذلك، حتى توافقوا كلهم على كلمة واحدة، فصاروا يداً واحدة، وإخوان صدق، فاتخذوا لهم معبداً يعبدون الله فيه، فعرف بهم قومهم، فوشوا بأمرهم إلى ملكهم، فاستحضرهم بين يديه فسألهم عن أمرهم وما هم عليه، فأجابوه بالحق ودعوه إلى الله عز وجل، ولهذا أخبر تعالى عنهم بقوله: وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا و(لن) لنفي التأبيد، أي: لا يقع منا هذا أبداً؛ لأنا لو فعلنا ذلك لكان باطلاً، ولهذا قال عنهم: لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا أي: باطلاً وكذباً وبهتاناً ].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (هؤلاء قومنا اتخذوا من دونه آلهة...)

    قال تعالى: هَؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا [الكهف:15].

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ أي: هلا أقاموا على صحة ما ذهبوا إليه دليلاً واضحاً صحيحاً، فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا يقولون: بل هم ظالمون كاذبون في قولهم ذلك، فيقال: إن ملكهم لما دعوه إلى الإيمان بالله أبى عليهم وتهددهم وتوعدهم، وأمر بنزع لباسهم عنهم الذي كان عليهم من زينة قومهم، وأجلهم لينظروا في أمرهم لعلهم يرجعون عن دينهم الذي كانوا عليه، وكان هذا من لطف الله بهم، فإنهم في تلك النظرة توصلوا إلى الهرب منه، والفرار بدينهم من الفتنة ].

    يعني: استدل المؤلف الحافظ ابن كثير رحمه الله على أن أصحاب الكهف الذين فروا بدينهم من قومهم لم يتعارفوا، وإنما جمعهم الإيمان، واستدل بقوله صلى الله عليه وسلم: (الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف) وأن أرواحهم ائتلفت بعضها ببعض، ولهذا هرب كل واحد من قومه واجتمعوا في مكان واحد، ثم بعد ذلك أظهر كل واحد منهم ما عنده.

    فهذا سبب في انضمام بعضهم إلى بعض، فهم اجتمعوا وأبدوا ما عندهم، ثم بعد ذلك اجتمعوا في مكان يعبدون الله؛ فعلم بهم هذا الملك -ملكهم الظالم- فدعاهم، فجاءوا ودعوه إلى الله وإلى توحيده وإخلاص الدين له، فأبى عليهم وهددهم وتوعدهم، وبينوا له صحة التوحيد ووجوبه، وأن الشرك باطل وأظلم الظلم.

    ولهذا قالوا له: هَؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا [الكهف:15].

    وقالوا: رَبُّنَا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا [الكهف:14]؛ ولهذا يستفاد من قصة أصحاب الكهف صحة التوحيد وبطلان الشرك، فهذا من أعظم الفوائد.

    فأصحاب الكهف دعوا مكلهم إلى توحيد الله عز وجل، قال سبحانه وتعالى: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى * وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ [الكهف:13-14].

    وقبل هذه الآيات قال سبحانه: أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا [الكهف:9]، الكهف: هو الغار في الجبل، والرقيم: هو الكتاب المرقوم الذي كتبت فيه قصتهم.

    يقول سبحانه وتعالى: إن قصة أصحاب الكهف والرقيم ليس عجيباً في سلطاننا وقدرتنا؛ فخلق السماوات والأرض، واختلاف الليل والنهار، وتسيير الشمس والقمر والنجوم أعجب من ذلك: أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا [الكهف:9].

    ومن فوائد هذه القصة: أن من أسلوب القرآن البلاغي الإجمال ثم التفصيل؛ فإن الله تعالى أجمل قصة أصحاب الكهف ثم فصلها، فهذا أسلوب بلاغي معروف في اللغة العربية، والقرآن في الأسلوب البلاغي وصل إلى درجة عالية، فهو حجة في الأسلوب البلاغي؛ ولهذا فإن الله سبحانه وتعالى أجمل قصة أصحاب الكهف ثم فصلها.

    وبين سبحانه وتعالى أن أصحاب الكهف دعوا إلى توحيد الله عز وجل، وأظهروا التوحيد ودعوا إليه، وبينوا بطلان الشرك، ولهذا قال سبحانه: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى * وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا [الكهف:13-14].

    فيه: أن الله تعالى من عليهم وهداهم.

    وفيه: أن الشباب أقرب إلى الحق من الشيوخ الذين نشئوا على الشرك والباطل، فالشباب في الغالب هم الذين يقبلون الحق، أما الشيوخ الذين نشئوا على الشرك وشاخوا عليه ففي الغالب أنهم لا يتزحزحون.

    وفيه: منة الله سبحانه وتعالى على أصحاب الكهف، حيث قال سبحانه: وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ ، حيث ثبتهم على التوحيد والإيمان مع شدة الفتنة، وتركوا زينة الدنيا ومظاهرها والترف، وكان قومهم أصحاب ترف.

    وكذلك أنهم أبناء ملوك، ومع ذلك ثبتهم الله على التوحيد وهداهم، وربط على قلوبهم، ففارقوا قومهم وفارقوا ما هم فيه من الترف ورغد العيش، وثبتوا على التوحيد والإيمان، ودعوا قومهم إلى التوحيد وناظروهم وبينوا لهم بطلان الشرك.

    ولهذا أخبر الله عنهم، فقال: إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا [الكهف:14] يعني: قولاً باطلاً.

    قوله: هَؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً [الكهف:15] هذا فيه دليل على أن قومهم كانوا على الشرك، لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ [الكهف:15]، يعني: هلا أتوا عليهم بسلطان، ولا يوجد سلطان ولا دليل على الشرك، فالشرك واضح، ولهذا قال سبحانه وتعالى: فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا [الكهف:15].

    وفي هذه القصة: إثبات النبوة لنبينا صلى الله عليه وسلم؛ فإنه أخبر عن هذه القصة وهي وقعت في الدهر الأول، ولا يعلم هذا إلا من الوحي، ولهذا استدل بذلك اليهود على صحة نبوة النبي صلى الله عليه وسلم، فهم سألوه عن أصحاب الكهف وعن ذي القرنين، وقالوا: لا يعلم بهذا إلا نبي، فكان هذا دليلاً على نبوته عليه الصلاة والسلام.

    وفي هذا دليل على إثبات البعث والمعاد، فإن الله تعالى أنامهم ثلاثمائة سنة وتسع سنين، ثم أيقظهم بعد ذلك.

    وفيه دليل على أن اليقظة بعد النوم تسمى بعثاً، ولهذا قال: ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ [الكهف:12]، فاليقظة بعد النوم: بعث، والنوم في الليل: وفاة صغرى، ولهذا قال: ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا [الكهف:12].

    وقال سبحانه وتعالى في آية سورة الأنعام: وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى [الأنعام:60]، فسمى النوم بالليل وفاة، وسمى اليقظة بالنهار بعثاً.

    فهذه القصة فيها هذه الفوائد العظيمة: صحة التوحيد ووجوبه، وبطلان الشرك، وإثبات النبوة، وإثبات البعث والمعاد.

    أما قول المؤلف: (إن لن للنفي المؤبد المستقبلي) فهي لنفي المستقبل، لكنها لا تدل على التأبيد على الصحيح، ولهذا أخبر الله عن الكفار أنهم لن يتمنوه، قال: وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا [البقرة:95]، ثم أخبر في آية أخرى أنهم تمنوه في النار، قالوا: يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ [الزخرف:77]، فلو كانت للتأبيد لما تمنوا الموت.

    ولهذا يقول ابن مالك رحمه الله في ألفيته:

    ومن رأى النفي بلن مؤبداً فقوله اردد وسواه فاعضدا

    أي: قوله مردود وضعيف، والصواب: أن لن ليست للتأبيد، وإنما هي للنفي في المستقبل، لكنها لا تدل على التأبيد حتى ولو قيدت للتأبيد، كما قيدها الله في قوله: وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا [البقرة:95]؛ لأنها لو كانت للتأبيد لما أجاز تحديد الفعل بعدها في قول الله تعالى عن إخوة يوسف: فَلَنْ أَبْرَحَ الأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي [يوسف:80].

    فَلَنْ أَبْرَحَ الأَرْضَ ثم جاء تحديدها بقوله: حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي فليست للتأبيد؛ لأنه حدد الفعل بعد لن.

    حتى لو قيدت للتأبيد فلا تدل على دوام النفي في الآخرة، قال تعالى: وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا [البقرة:95]، ثم أخبر أنهم تمنوا الموت في النار، فقال الله عنهم: وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ [الزخرف:77] وهذا تمنٍ للموت.

    المعتزلة يقولون: إن الله تعالى لا يُرى في الآخرة، واستدلوا بقول الله تعالى عن موسى: لَنْ تَرَانِي [الأعراف:143]، قالوا: لن تفيد النفي المؤبد.

    فبين العلماء أنها لا تدل على النفي المؤبد، وإنما لَنْ تَرَانِي المراد لن تراني في الدنيا؛ لأن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وهذا هو المشروع عند وقوع الفتن في الناس أن يفر العبد منهم خوفاً على دينه، كما جاء في الحديث: (يوشك أن يكون خير مال أحدكم غنمًا يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر يفر بدينه من الفتن)، ففي هذه الحال تشرع العزلة عن الناس ولا تشرع فيما عداها؛ لما يفوت بها من ترك الجماعات والجمع ].

    نعم هذا هو المشروع للمسلم أن يبقى في المدن والقرى يشهد الجمعة والجماعة والدعوة إلى الله وحلق الذكر والتعليم.

    فالمدن والقرى إذا كان فيها خير فلا يجوز للإنسان أن يخرج إلى البراري ويتعرب، ويكون في البادية، بل إن التعرب جاء النهي عنه، التعرب والسكنى في الصحراء والبادية منهي عنه، وهو من المعاصي؛ لأن التعرب والسكنى في الصحراء يفوت الجمع والجماعات، ويفوت سماع الذكر والخير، ولو لم يفت عليه إلا الجمعة وسماع الخطبة التي هي موعظة الأسبوع، وكذلك الجماعة لما فيها من الخير، وكذلك سماع النصائح.

    ولهذا فإن الأعراب أخبر الله عنهم بقوله: الأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [التوبة:97].

    وليس هذا هو الغالب، ولهذا قال: وَمِنَ الأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ [التوبة:99]، لكن إذا فسدت القرى والمدن ونزع الخير منها، ولم يوجد جمعة ولا جماعة، وصار الإنسان يخشى على دينه، ولا يسمع في المدن، آمراً ولا ناهياً، وصار كل إنسان معجب برأيه، ففي هذه الحال يفر الإنسان بدينه من المدن والقرى إلى البراري والقفار والكهوف والجبال، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث الصحيح: (يوشك أن يكون خير مال المرء غنم يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر، يفر بدينه من الفتن) هذا عند فساد الزمان.

    وفي آخر الزمان إذا نزع الخير من المدن والقرى، ولم يكن فيه جمعة ولا جماعة، ولا آمر ولا ناهٍ، وخشي الإنسان على دينه فإنه يفر بدينه من الفتن، ويعمل بهذا الحديث. أما قبل ذلك فلا، ولهذا يأتي هذا المعنى في قول الشاعر:

    عوى الذئب فاستأنست بالذئب إذ عوى وصوت إنسان فكدت أطير

    وجاء في الحديث: (أنه في آخر الزمان يأتي الرجل إلى القبر ويتمرغ عليه، ويقول: يا ليتني مكانه!)؛ بسبب البلاء والفتن التي ابتلي بها، نسأل الله العافية!

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله ...)

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ فلما وقع عزمهم على الذهاب والهرب من قومهم، واختار الله تعالى لهم ذلك، وأخبر عنهم بذلك في قوله: وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ [الكهف:16] أي: وإذا فارقتموهم وخالفتموهم بأديانكم في عبادتهم غير الله، ففارقوهم أيضًا بأبدانكم، فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ [الكهف:16] أي: يبسط عليكم رحمة يستركم بها من قومكم، وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ [الكهف:16] أي: الذي أنتم فيه، مِرفَقًا [الكهف:16] أي: أمرًا ترتفقون به، فعند ذلك خرجوا هرباً إلى الكهف، فأووا إليه، ففقدهم قومهم من بين أظهرهم، وتطلبهم الملك فيقال: إنه لم يظفر بهم، وعمى الله عليه خبرهم، كما فعل بنبيه محمد صلى الله عليه وسلم وصاحبه الصديق ، حين لجآ إلى غار ثور، وجاء المشركون من قريش في الطلب، فلم يهتدوا إليه مع أنهم يمرون عليه، وعندها قال النبي صلى الله عليه وسلم حين رأى جزع الصديق في قوله: يا رسول الله! لو أن أحدهم نظر إلى موضع قدميه لأبصرنا، فقال: (يا أبا بكر ، ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟)، وقد قال تعالى: إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [التوبة:40] ].

    وهذه معية خاصة، فمعية الله للنبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر ، هي معية خاصة عند أهل العلم، وهي معية نصر وتأييد وتوفيق وتسديد.

    وهناك معية أخرى تسمى المعية العامة، فهذه المعية تحصل لكل أحد، وهي عامة للمؤمن والكافر، ومقتضاها الاطلاع والإحاطة والمحاسبة والمجازاة، أما المعية الخاصة فهي معية نصر وتأييد، ومقتضاها الحفظ والكلاءة والنصرة والتأييد.

    فالمؤمن له المعيتان: المعية العامة والمعية الخاصة، والله سبحانه وتعالى قال: إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ [النحل:128] وقال: وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ [الأنفال:46] هذه معية خاصة.

    وينفرد الكافر بالمعية العامة، فالمعية العامة من مقتضاها الإحاطة والاطلاع، وتأتي في سياق المحاسبة والمجازاة والتخويف، والمعية الخاصة مقتضاها النصر والتأييد والحفظ والكلاءة، وتأتي في سياق المدح والثناء.

    فالمؤمن تجتمع في حقه المعيتان، والكافر له المعية العامة، فالعامة للمؤمن والكافر، والمعية الخاصة خاصة بالمؤمن.

    والمعية مقتضاها المصاحبة ولا تقتضي الاختلاط والامتزاج كما قد يفهمه بعض أهل الزيغ والضلال، فهو سبحانه وتعالى مع كل أحد باطلاعه وعلمه وإحاطته ومحاسبته ومجازاته، ومع المؤمنين بنصره وتأييده وهو فوق العرش سبحانه وتعالى، لا يخفى عليه خافية.

    فإن العرب تقول: مازلنا نسير والقمر معنا، مازلنا نسير والنجم معنا، والقمر فوقهم، فهذه معية تقتضي المصاحبة.

    ولها معانٍ متعددة منها: أن يكون الإنسان ذاته مع الشخص، فيقول: أنا معك يعني: بذاته.

    ومن معانيها: أن يكون معهم بقوته، فيقول: اذهب وأنا معك، يعني: بقوتي، ويقول الملك: اذهب وأنا معك، يقصد الجيش معه بالقوة وهو في مكانه.

    ومن معانيها: أن يكون معه بالمال كأن يقول: اذهب وأنا معك يعني: بمالي، وتقول العرب: فلان وزوجته معه، وقد تكون هي في المشرق وهو في المغرب، فهذه المعية لا تقتضي المماسة ولا المحاذاة.

    ويطلع الإنسان على الصبي وهو يبكي أسفل ويكون في الدور الثاني أو الثالث، فيقول للطفل: أنا معك، فيسكت الطفل، فهذه معية.

    وبالمناسبة الأحناف يقولون: لو تزوج مشرقي من مغربية يعني: رجل في المشرق تزوج امرأة في المغرب، ثم أتت منه بولد في ستة أشهر، ألحقنا الولد به ولو لم يستطع الاتصال، وكان في ذلك الوقت يصعب الاتصال بين الناس بالمشرق والمغرب.

    ولهذا بقية بن مخلد سافر من الأندلس في المغرب إلى المشرق في العراق إلى الإمام أحمد خلال سنتين وهو في الطريق، يريد أن يطلب الحديث عنه فلما جاء وجده مفتوناً بخلق القرآن فدق عليه الباب، وقال: إنني جئت لأطلب الحديث، فأخبره أنه مفتون، فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، أسافر مدة سنتين ومفتون! فأمره بأن يأتيه كل يوم على شكل شحات، يأتي ويملي عليه الحديث أو الحديثين.

    فالاتصال من المشرق إلى المغرب في ذلك الوقت شبه مستحيل، والمواصلات صعبة ومع ذلك يقول الأحناف: نلحق به الولد؛ حفظاً للأنساب ولجواز أن يكون من أهل الخطوة، يعني: الكرامة، من أنه جاء واستغفل بها، وإلا ما يمكن؛ لأن المدة طويلة يقطعها من المشرق إلى المغرب.

    لكن الآن المواصلات سهلة، ففي نصف يوم يأتي من المشرق إلى المغرب.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ فقصة هذا الغار أشرف وأجل وأعظم وأعجب من قصة أصحاب الكهف ].

    أي قصة الغار الذي اختفى فيه النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر لما طلبهم قريش لا شك أنه أشرف وأعلى وأفضل.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقد قيل: إن قومهم ظفروا بهم ووقفوا على باب الغار الذي دخلوه، فقالوا: ما كنا نريد منهم من العقوبة أكثر مما فعلوا بأنفسهم، فأمر الملك بردم بابه عليهم ليهلكوا مكانهم ففعلوا ذلك، وفي هذا نظر. والله أعلم.

    فإن الله تعالى قد أخبر أن الشمس تدخل عليهم في الكهف بكرة وعشياً، كما قال تعالى: وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا [الكهف:17].

    فهذا فيه دليل على أن باب هذا الكهف كان من نحو الشمال؛ لأنه تعالى أخبر أن الشمس إذا دخلته عند طلوعها تزاور عنه ذَاتَ الْيَمِينِ أي: يتقلص الفيء يمنة كما قال ابن عباس وسعيد بن جبير وقتادة : تَزَاوَرُ أي: تميل؛ وذلك أنها كلما ارتفعت في الأفق تقلص شعاعها بارتفاعها حتى لا يبقى منه شيء عند الزوال في مثل ذلك المكان، ولهذا قال: وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ [الكهف:17] أي: تدخل إلى غارهم من شمال بابه وهو من ناحية المشرق فدل على صحة ما قلناه، وهذا بين لمن تأمله وكان له علم بمعرفة الهيئة وسير الشمس والقمر والكواكب، وبيانه أنه لو كان باب الغار من ناحية الشرق لما دخل إليه منها شيء عند الغروب، ولو كان من ناحية القبلة لما دخله منها شيء عند الطلوع ولا عند الغروب ولا تزاور الفيء يميناً ولا شمالاً؛ ولو كان من جهة الغرب لما دخلته وقت الطلوع، بل بعد الزوال ولم تزل فيه إلى الغروب فتعين ما ذكرناه ولله الحمد ].

    وهذا من فضل الله تعالى وإحسانه على أصحاب الكهف؛ وذلك أنهم لجئوا إلى الله وسألوه أن يلطف بهم وأن يجعل عاقبتهم رشداً، قال تعالى: فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا [الكهف:10]، فيه اللجوء إلى الله والضراعة إليه عند الملمات والشدائد.

    فأصحاب الكهف لجئوا إلى الله وتضرعوا إليه، وسألوه أن يلطف بهم ويرحمهم، وأن يجعل عاقبتهم رشداً، فلطف بهم سبحانه وتعالى، وحفظهم من قومهم، وأراحهم وجعلهم آية وعبرة في هذا الكهف، حيث أنامهم هذه المدة الطويلة، ومن فضله سبحانه وتعالى وإحسانه إليهم أن جعل باب الغار جهة الشمال حتى لا تحرقهم الشمس، إذ لو كانوا في الشرق أو الغرب لأحرقت الشمس أبدانهم، ولكن لما كانوا جهة الشمال صارت الشمس تزاور عن كهفهم ذات اليمين، وإذا غربت تقرضهم ذات الشمال.

    وهذا من فضل الله تعالى وإحسانه إليهم، حيث حفظ أبدانهم عن الفساد وجعلهم آية، وحفظهم من قومهم لئلا يفتنوهم في دينهم.

    فكان من نعمة الله تعالى على هؤلاء المؤمنين أن قبل دعاءهم لما فعلوا الأسباب وفروا بدينهم، ولجئوا إلى الله وتضرعوا إليه وسألوه أن يلطف بهم، وأن يجعل عاقبتهم رشداً.

    فهم فعلوا الأسباب حين فروا بدينهم من قومهم، وبذلوا ما يستطيعون من الأسباب بعد أن دعوا قومهم إلى الله وبينوا ما هم عليه من الشرك والباطل، لذلك فإن الله تعالى حفظهم، وحفظ دينهم وأبدانهم، وجعلهم عبرة وآية.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقال ابن عباس ومجاهد وقتادة : (تقرضهم) تتركهم، وقد أخبر الله تعالى بذلك وأراد منا فهمه وتدبره، ولم يخبرنا بمكان هذا الكهف في أي البلاد من الأرض، إذ لا فائدة لنا فيه ولا قصد شرعي، وقد تكلف بعض المفسرين فذكروا فيه أقوالاً، فتقدم عن ابن عباس أنه قال: هو قريب من أيلة، وقال ابن إسحاق : هو عند نينوى، وقيل: ببلاد الروم، وقيل: ببلاد البلقاء، والله أعلم بأي بلاد الله هو ].

    وهذه الأقوال كلها لا دليل عليها، كونه من أيلة، أو بنينوى في العراق، أو بلاد البلقاء، أيضاً كذلك في الشام، أو في بلاد الروم، فكل هذه الأقوال تخمين لا دليل عليها.

    ولا يترتب على معرفة المكان فائدة، ولو كان يترتب عليه فائدة لبينه الله لنا، إنما الفائدة في قصتهم وما جرى لهم.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ولو كان لنا فيه مصلحة دينية لأرشدنا الله تعالى ورسوله إليه، فقد قال صلى الله عليه وسلم: (ما تركت شيئاً يقربكم إلى الجنة ويباعدكم من النار إلا وقد أعلمتكم به) فأعلمنا تعالى بصفته ولم يعلمنا بمكانه فقال: وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ [الكهف:17] قال مالك عن زيد بن أسلم : تميل ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ [الكهف:17] أي: في متسع منه داخلاً بحيث لا تصيبهم، إذ لو أصابتهم لأحرقت أبدانهم وثيابهم قاله ابن عباس .

    ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ [الكهف:17] حيث أرشدهم إلى هذا الغار الذي جعلهم فيه أحياء والشمس والريح تدخل عليهم فيه لتبقي أبدانهم.

    ولهذا قال تعالى: ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ ، ثم قال: مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ.. [الكهف:17] الآية، أي: هو الذي أرشد هؤلاء الفتية إلى الهداية من بين قومهم، فإنه من هداه الله اهتدى، ومن أضله فلا هادي له ].

    وهذا فيه دليل على أن الله سبحانه وتعالى بيده الهدى والضلال، قال تعالى: مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا [الكهف:17].

    فالله تعالى هو الهادي وهو المضل، وعبده المهتدي والضال، خلافاً للمعتزلة الذين أنكروا أن يكون الله هادياً أو مضلاً، وقالوا: إن العبد هو الذي يهتدي بنفسه، وهو الذي يضل بنفسه، والله لا يقدر أن يهدي أحداً ولا أن يضل أحداً، وتأولوا في الآيات، فقالوا في قوله تعالى: مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ [الكهف:17]، المهتدي يسميه: مهتدياً، والمضل يسميه: ضالاً، وهذا من أبطل الباطل، فالله تعالى بيده الهدى والضلال، ولله تعالى نعمة سابغة على المؤمن خصه بها، حيث هداه وقذف في قلبه الإيمان، كما قال سبحانه وتعالى: فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً [الحجرات:8].

    وأما الكافر فإن الله سبحانه وتعالى خذله لحكمة بالغة؛ لأنه يعلم المحل الذي يصلح للهداية، والمحل الذي لا يصلح للهداية، إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [يوسف:6].