إسلام ويب

تفسير سورة الكهف [1-8]للشيخ : عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • سورة الكهف من السور العظيمة التي ورد في فضلها أحاديث كثيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقد تناولت هذه السورة في مطلعها حمداً لله على نعمه العظيمة وآلائه الجسيمة، وأول هذه النعم إنزال القرآن الكريم، ثم جاءت بتسلية النبي صلى الله عليه وسلم بعد حزنه على عدم إيمان الكفار برسالته، وبشرت المؤمنين به وأنذرت الكفار المعاندين له والذين افتروا على الله ونسبوا إليه الولد سبحانه وتعالى عما يقولون علواً كبيراً.

    1.   

    فضل سورة الكهف والعشر الآيات من أولها وآخرها

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ سورة الكهف مكية وآياتها عشر ومائة.

    ذكر ما ورد في فضلها والعشر الآيات من أولها وآخرها، وأنها عصمة من الدجال.

    قال الإمام أحمد حدثنا محمد بن جعفر , حدثنا شعبة عن أبي إسحاق , قال: سمعت البراء يقول: (قرأ رجل الكهف وفي الدار دابة، فجعلت تنفر، فنظر فإذا ضبابة أو سحابة قد غشيته، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: اقرأ فلان، فإنها السكينة تنزل عند القرآن، أو تنزلت للقرآن) أخرجاه في الصحيحين من حديث شعبة به، وهذا الرجل الذي كان يتلوها هو أسيد بن الحضير كما تقدم في تفسير سورة البقرة.

    وقال الإمام أحمد : حدثنا يزيد أخبرنا همام بن يحيى عن قتادة عن سالم بن أبي الجعد عن معدان بن أبي طلحة عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف عصم من الدجال) رواه مسلم وأبو داود والنسائي والترمذي من حديث قتادة به، ولفظ الترمذي : (من حفظ ثلاث آيات من أول الكهف) وقال: حسن صحيح.

    (طريق أخرى ) ـ قال الإمام أحمد : حدثنا حجاج حدثنا شعبة عن قتادة سمعت سالم بن أبي الجعد يحدث عن معدان عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من قرأ العشر الأواخر من سورة الكهف عصم من فتنة الدجال) ورواه مسلم أيضاً والنسائي من حديث قتادة به، وفي لفظ النسائي : (من قرأ عشر آيات من الكهف) فذكره ].

    هذه الأحاديث فيها فضل سورة الكهف، فهي تبين أن لها فضلاً عظيماً، فالحديث الأول: (لما قرأ الصحابي سورة الكهف وفي الدار دابة، فجعلت تنفر، وقال له النبي صلى الله عليه وسلم: قال له النبي تلك السكينة تنزلت للقرآن) , والسكينة هي الملائكة, وقيل غير ذلك, وثبت في صحيح مسلم عن الرسول صلى الله عليه وسلم, أنه قال: (ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله، يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة, وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده) فهذا فضل عام في قراء ة القرآن والاجتماع عليه وتدارسه وتفهم معانيه، فهؤلاء تنزل عليهم السكينة وتغشاهم الرحمة وتحفهم الملائكة ويذكرهم الله فيمن عنده، وفي الأحاديث التي بعده فضل قراءة عشر آيات من أول سورة الكهف وآخرها, فمن حفظها وتدبرها وتأمل معانيها ووثق بوعد الله على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم, فإنه يحصل على فضل عظيم, وأنها عصمة من الدجال , والدجال يخرج في آخر الزمان يدعي الصلاح أولاً ثم يدعي النبوة, ثم يدعي الربوبية, ويقول للناس: أنا ربكم الأعلى, ومعه خوارق عظيمة.. يأتي ومعه جنة ونار، ويقطع رجلاً بالسيف ويسلط عليه ولا يسلط على أحد بعده, ويأمر السماء أن تمطر فتمطر، والأرض أن تنبت فتنبت, ويمكث في الأرض أربعين يوماً، يوماً طوله كسنة ويوماً كشهر ويوماً كجمعة, وبقية أيامه كسائر أيامنا, هو فتنة عظيمة حتى إنا أمرنا في كل صلاة أن نستعيذ بالله من فتنة المسيح الدجال , وجاء في صحيح مسلم : (ما بين خلق آدم إلى قيام الساعة أمر أو خلق أكبر من الدجال).

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ (حديث آخر) - وقد رواه النسائي في اليوم والليلة عن محمد بن عبد الأعلى عن خالد عن شعبة عن قتادة عن سالم بن أبي الجعد عن ثوبان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من قرأ العشر الأواخر من سورة الكهف فإنها عصمة له من الدجال) فيحتمل أن سالماً سمعه من ثوبان ومن أبي الدرداء .

    وقال أحمد : حدثنا حسين حدثنا ابن لهيعة حدثنا زبان بن فايد عن سهل بن معاذ بن أنس الجهني عن أبيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من قرأ أول سورة الكهف وآخرها كانت له نوراً من قدمه إلى رأسه، ومن قرأها كلها كانت له نوراً ما بين السماء والأرض) انفرد به أحمد ولم يخرجوه ]

    هذا الحديث ضعيف، في سنده ابن لهيعة وهو ضعيف، وفيه زبان بن فايد وهو أيضاً ضعيف، وأخرجه الإمام أحمد وانفرد به، ولم يخرجه أصحاب الكتب الستة, والأحاديث الثابتة هي التي سبق ذكرها، ومنها (من حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف عصم من الدجال), أما هذا الحديث أنه يكون له نور من قدمه إلى عنان السماء فهذا ضعيف.

    قال: [ وروى الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسيره بإسناد له غريب عن خالد بن سعيد بن أبي مريم عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة سطع له نور من تحت قدمه إلى عنان السماء، يضيء له يوم القيامة، وغفر له ما بين الجمعتين) وهذا الحديث في رفعه نظر، وأحسن أحواله الوقف ].

    يعني: هذا الحديث موقوف على ابن عمر ولا يصح رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وهكذا روى الإمام سعيد بن منصور في سننه عن هشيم بن بشير عن أبي هاشم عن أبي مجلز عن قيس بن عباد عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه قال: (من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة أضاء له من النور ما بينه وبين البيت العتيق) هكذا وقع موقوفاً، وكذا رواه الثوري عن أبي هاشم به من حديث أبي سعيد الخدري ، وقد أخرجه الحاكم في مستدركه عن أبي بكر محمد بن المؤمل حدثنا الفضيل بن محمد الشعراني حدثنا نعيم بن حماد حدثنا هشيم حدثنا أبو هاشم عن أبي مجلز عن قيس بن عباد عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة أضاء له من النور ما بينه وبين الجمعتين) ثم قال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وهكذا رواه الحافظ أبو بكر البيهقي في سننه عن الحاكم ، ثم قال البيهقي : ورواه يحيى بن كثير عن شعبة عن أبي هاشم بإسناده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من قرأ سورة الكهف كما نزلت كانت له نوراً يوم القيامة) وفي المختارة للحافظ الضياء المقدسي من حديث عبد الله بن مصعب عن منظور بن زيد بن خالد الجهني عن علي بن الحسين عن أبيه عن علي مرفوعاً: (من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة فهو معصوم إلى ثمانية أيام من كل فتنة وإن خرج الدجال عصم منه).

    هذه الأحاديث كما سبق فيها فضل هذه سورة الكهف، وفيها فضل حفظ عشر آيات من أولها ومن آخرها, وأنها عصمة من الدجال لمن تدبرها وتأملها وقرأها عن تصديق وإيمان.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا)

    قال الله تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَاً * قَيِّمًا لِيُنذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا * مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا * وَيُنذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا * مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لِآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا [الكهف:1-5].

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ قد تقدم في أول التفسير أنه تعالى يحمد نفسه المقدسة عند فواتح الأمور وخواتمها، فإنه المحمود على كل حال، وله الحمد في الأولى والآخرة، ولهذا حمد نفسه على إنزاله كتابه العزيز على رسوله الكريم محمد صلوات الله وسلامه عليه، فإنه أعظم نعمة أنعمها الله على أهل الأرض، إذ أخرجهم به من الظلمات إلى النور، حيث جعله كتاباً مستقيماً لا اعوجاج فيه ولا زيغ، بل يهدي إلى صراط مستقيم واضحاً بيناً جلياً نذيراً للكافرين، بشيراً للمؤمنين، ولهذا قال: وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَاً أي: لم يجعل فيه اعوجاجاً ولا ميلاً بل جعله معتدلاً مستقيماً ولهذا قال: (قَيِّمًا) أي: مستقيماً، لِيُنذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ أي: لمن خالفه وكذبه ولم يؤمن به، ينذره بأساً شديداً: عقوبة عاجلة في الدنيا وآجلة في الأخرى، مِنْ لَدُنْهُ أي: من عند الله الذي لا يعذب عذابه أحد، ولا يوثق وثاقه أحد، وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ أي: بهذا القرآن، الذين صدقوا إيمانهم بالعمل الصالح، أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا أي: مثوبة عند الله جميلة، مَاكِثِينَ فِيهِ في ثوابهم عند الله، وهو الجنة خالدين فيه أَبَدًا دائماً لا زوال له ولا انقضاء.

    وقوله: وَيُنذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا قال ابن إسحاق : وهم مشركو العرب في قولهم: نحن نعبد الملائكة وهم بنات الله، مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ أي: بهذا القول الذي افتروه وائتفكوه، وَلا لِآبَائِهِمْ أي: لأسلافهم، كَبُرَتْ كَلِمَةً نصب على التمييز تقديره: كبرت كلمتهم هذه كلمة، وقيل: على التعجب تقديره: أعظم بكلمتهم كلمة، كما تقول: أكرم بزيد رجلاً، قاله بعض البصريين، وقرأ ذلك بعض قراء مكة: كبرت كلمة، كما يقال: عظم قولك وكبر شأنك، والمعنى على قراءة الجمهور أظهر، فإن هذا تبشيع لمقالتهم واستعظام لإفكهم ].

    قوله: (كلمة) إما تمييز وإما تعجب, كما تقول: أكرم بزيد على التعجب، أما التمييز فالتقدير: كبرت كلمتهم هذه كلمة، على التنوين المنصوب وهي قراءة حفص ، وهي أيضاً قراءة الجمهور، وقرأ بعض قراء مكة: كبرت كلمةٌ بالرفع كما يقال: عظم قولك وكبر شأنك، والمعنى على قراءة الجمهور أظهر، فإن هذا تبشيع لمقالتهم واستعظاماً لإفكهم وافترائهم.

    قال: [ ولهذا قال: كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ أي: ليس لها مستند سوى قولهم، ولا دليل لهم عليها إلا كذبهم وافتراؤهم، ولهذا قال: إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا ].

    يعني: هذه الآيات الكريمة من أول سورة الكهف افتتحها سبحانه وتعالى بالحمد, فقال: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَاً والحمد: هو الثناء على المحمود بصفاته الجميلة، مع حبه وإجلاله وتعظيمه, فإذا خلا الحمد عن الحب صار مدحاً, والفرق بين المدح والثناء أن كلاً منهما فيه ثناء على المحمود.

    إذاً: إذا كان الثناء مع حب وإجلال وتعظيم سمي حمداً، وإن خلا من الحب والإجلال والتعظيم سمي مدحاً, والحمد أيضاً يكون على الصفات والأفعال الاختيارية التي يفعلها الإنسان باختياره يقال له: حمد، أما الثناء على الصفات التي لا اختيار للإنسان فيها يسمى مدحاً، ولا يسمى حمداً, كالجمال، فأنت تمدح إنساناً بجمال، فالجمال لا صنع له فيه، فهذا لا يسمى حمداً وإنما يسمى مدحاً, وبخلاف ما إذا أثنيت على إنسان بخلقه وإحسانه للناس فهذا يسمى حمداً؛ لأنه ثناء على أفعاله التي يعملها باختياره مع حبه، ولهذا جاء في حق الرب: الحمد لله؛ لأنه ثناء على أفعاله الاختيارية مع حبه وإجلاله وتعظيمه.

    الفوائد المستنبطة من الآيات الأولى من سورة الكهف

    يستفاد من الآية عدة فوائد: الأولى: أن جميع المحامد ملك لله مستحقه له.

    الثانية: أن الله سبحانه وتعالى هو أعرف المعارف، والله هو المألوه المستحق للعبادة، وهو ذو الألوهية والعبودية على خلقه أجمعين, وأنه مستحق لجميع العبادة وإفراده بها دون ما سواه, واسم الله مستلزم لجميع صفات الكمال, واسم الله لا يسمى به غيره, وأسماء الله مشتقة، كل اسم يثبت الاسم لله، فالله مشتق من الألوهية, والرحمن مستلزم صفة الرحمة، والعليم لصفة العلم, والقدير لصفة القدرة, والحليم لصفة الحلم وهكذا.

    والإله هو المألوه الذي تألهه في القلوب محبة وإجلالاً وتعظيماً وخشية ورغبة ورهبة, فاسم الله فيه إثبات الألوهية لله, وهو مستلزم لجميع صفات الكمال، وكل عمل يراد به غير وجه الله فهو باطل, وكل محبوب سوى الله فهو محبوب بالباطل, وعبادة غيره وحب غيره تجلب الفساد، كما قال سبحانه: لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا [الأنبياء:22].

    الفائدة الثالثة من الآية: أن القرآن الكريم منزل من عند الله عز وجل، وأن الله تكلم به بحرف يقرأ وبصوت يسمع، ولهذا قال: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ [الكهف: 1] فالله تعالى أنزل القرآن على عبده وهو محمد صلى الله عليه وسلم بواسطة جبرائيل , وتكلم سبحانه بالقرآن وسمعه جبرائيل من الله بحرف وصوت, فألقاه جبريل على قلب محمد, كما قال سبحانه وتعالى في الآيات الأخرى: نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ [الشعراء:193-194] فهذه الآيات فيها الرد على المعتزلة الذين يقولون: إن القرآن مخلوق , لأن الله أخبر أنه منزل, فالقرآن منزل غير مخلوق, ومن قال: القرآن مخلوق فهو كافر, كما قال العلماء، كالإمام أحمد وغيره, وقوله: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ فيه أن القرآن منزل غير مخلوق, وكما فيه الرد على المعتزلة، فإن فيه الرد على الأشاعرة الذين يقولون: القرآن ليس بحرف ولا صوت, وإنما هو معنى قائم بنفس الرب, والأشاعرة يقولون: القرآن غير منزل، وليس في المصاحف كلام الله , ولو داسه شخص بقدميه فليس فيه كتاب الله، أعوذ بالله؛ لأن كلام الله عندهم معنى قائم بنفسه، ويقولون: إن جبريل اضطره الله ففهم معنى قائماً بنفسه، فعبر بهذا القرآن, وهذا هو القول الأول للأشاعرة.

    القول الثاني للأشاعرة: أن الذي عبر به محمد صلى الله عليه وسلم, والقول الثالث للأشاعرة: أن جبريل أخذه من اللوح المحفوظ، والله تعالى لم يتكلم بكلمة وليس بحرف.

    نقول: قوله: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ فيه الرد على المعتزلة والأشاعرة؛ لأن القرآن منزل على النبي صلى الله عليه وسلم من عند الله, كما قال تعالى: قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي [النحل:102].

    فهذه الآية التي في أول سورة الكهف وما بعدها فيها أن القرآن منزل غير مخلوق.

    وفيها إثبات العلو لله عز وجل, لأن القرآن منزل، والتنزيل يكون من الأعلى إلى الأسفل.

    وفيها أن الله سبحانه وتعالى محمود على كل حال عند فواتح الأمور وخواتمها، وله الحمد في الأولى وفي الآخرة.

    وفيها أن الله محمود على إنزال الكتاب العظيم؛ لأنه أعظم نعمة أنعم بها على الخلق, حيث أخرجهم به من الظلمات إلى النور.

    وفيها أن الكتاب قيم لا اعوجاج فيه ولا زيغ, بل هو واضح جلي يهدي إلى الصراط المستقيم, ولهذا قال سبحانه الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا * قَيِّمًا [الكهف:1-2] فكتاب الله قيم لا زيغ فيه ولا اعوجاج، بل هو واضح بين يهدي إلى الصراط المستقيم.

    وفيها أن القرآن إنذار وبشارة، فهو إنذار للكافرين وبشارة للمؤمنين, ولهذا قال: قَيِّمًا لِيُنذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ [الكهف:2] فالقرآن إنذار للكافرين وتبشير للمؤمنين.

    وفيها أن المؤمنين هم الذين يعملون الصالحات.

    وفيها إثبات الثواب على الأعمال, وأن المؤمن يجازى على أعماله بالثواب, والكافر يجازى على عمله بالعقاب.

    وفيها أن القرآن إنذار للذين قالوا: اتخذ الله ولداً.

    وفيها أن هذه الكلمة وهي قوله: اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا [البقرة:116] من أعظم الكفر والضلال، ولهذا بين الله تعالى أن هذا القرآن إنذار لمن قال: اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا [البقرة:116].

    وفيها أن قائل هذه الكلمة لا مستند له ولا دليل، وإنما هو الافتراء والكذب, ولهذا قال سبحانه وتعالى: وَيُنذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا * مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لِآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا [الكهف:4-5].

    فهذه فوائد كلها مستنبط من الآيات.

    سبب نزول سورة الكهف

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقد ذكر محمد بن إسحاق سبب نزول هذه السورة الكريمة فقال: حدثني شيخ من أهل مصر قدم علينا منذ بضع وأربعين سنة عن عكرمة عن ابن عباس ، قال: بعثت قريش النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط إلى أحبار يهود بالمدينة، فقالوا لهم: سلوهم عن محمد وصفوا لهم صفته وأخبروهم بقوله، فإنهم أهل الكتاب الأول، وعندهم ما ليس عندنا من علم الأنبياء، فخرجا حتى أتيا المدينة فسألوا أحبار يهود، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووصفوا لهم أمره وبعض قوله، وقالا: إنكم أهل التوراة وقد جئناكم لتخبرونا عن صاحبنا هذا، قال: فقالوا لهم سلوه عن ثلاث نأمركم بهن، فإن أخبركم بهن فهو نبي مرسل، وإلا فرجل متقول فتروا فيه رأيكم: سلوه عن فتية ذهبوا في الدهر الأول ما كان من أمرهم، فإنهم قد كان لهم حديث عجيب؟ وسلوه عن رجل طواف بلغ مشارق الأرض ومغاربها، ما كان نبؤه؟ وسلوه عن الروح ما هو ؟ فإن أخبركم بذلك فهو نبي فاتبعوه، وإن لم يخبركم فإنه رجل متقول فاصنعوا في أمره ما بدا لكم، فأقبل النضر وعقبة حتى قدما على قريش فقالا: يا معشر قريش قد جئناكم بفصل ما بينكم وبين محمد، قد أمرنا أحبار يهود أن نسأله عن أمور فأخبروهم بها، فجاءوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا محمد أخبرنا، فسألوه عما أمروهم به، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أخبركم غداً عما سألتم عنه) ولم يستثن، فانصرفوا عنه ومكث رسول الله صلى الله عليه وسلم خمس عشرة ليلة لا يحدث الله له في ذلك وحياً، ولا يأتيه جبرائيل عليه السلام حتى أرجف أهل مكة، وقالوا: وعدنا محمد غداً، واليوم خمس عشرة قد أصبحنا فيها لا يخبرنا بشيء عما سألناه عنه، وحتى أحزن رسول الله صلى الله عليه وسلم مكث الوحي عنه، وشق عليه ما يتكلم به أهل مكة، ثم جاءه جبرائيل عليه السلام من الله عز وجل بسورة أصحاب الكهف، فيها معاتبته إياه على حزنه عليهم، وخبر ما سألوه عنه من أمر الفتية والرجل الطواف، وقول الله عز وجل وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ [الإسراء:85] الآية ].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فلعلك باخع نفسك على آثارهم...)

    قال الله تعالى: فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا * إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا * وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا [الكهف:6-8].

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ يقول تعالى مسلياً لرسوله صلوات الله وسلامه عليه في حزنه على المشركين، لتركهم الإيمان وبعدهم عنه, كما قال تعالى فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ [فاطر:8] وقال: وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ [الحجر:88] وقال: لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ [الشعراء:3].

    باخع أي: مهلكن نفسك بحزنك عليهم، ولهذا قال: فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ يعني: القرآن، (أسفا) يقول: لا تهلك نفسك أسفاً.

    قال قتادة : قاتل نفسك غضباً وحزناً عليهم، وقال مجاهد : جزعاً, والمعنى متقارب، أي: لا تأسف عليهم، بل أبلغهم رسالة الله، فمن اهتدى فلنفسه، ومن ضل فإنما يضل عليها، ولا تذهب نفسك عليهم حسرات ].

    يقول تعالى في هذه الآية: فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا [الكهف:6] المراد بالحديث في هذه الآية القرآن، ففيها عناية الله تعالى برسوله صلى الله عليه وسلم, وفيها تسلية له، حتى تخفف من حزنه, قال تعالى: فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ [فاطر:8] وقال: إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلاغُ [الشورى:48] وقال: إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ [الغاشية:25-26] وقال: مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ [المائدة:99] وقال تعالى: فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ [الأحقاف:35] فالله تعالى يسلي نبيه ويصبره ويعتني به، لشدة شفقته صلى الله عليه وسلم وحرصه على هدايتهم, حتى إنه من حرصه عليه الصلاة والسلام وحزنه على عدم إيمانهم يكاد يقتل نفسه، ولهذا قال سبحانه: فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا [الكهف:6] وقال: فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ [فاطر:8] وقال: إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ [القصص:56] وذلك لما توفي عمه أبو طالب ومات على الشرك سلاه بهذه الآية، وهنا قال له سبحانه: فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا [الكهف:6].

    حقيقة الدنيا ومآلها

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ثم أخبر تعالى أنه جعل الدنيا داراً فانية، مزينة بزينة زائلة، وإنما جعلها دار اختبار لا دار قرار، فقال: إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا [الكهف:7] قال قتادة عن أبي نضرة عن أبي سعيد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها، فناظر ماذا تعملون، فاتقوا الدنيا واتقوا النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء)، ثم أخبر تعالى بزوالها وفنائها وفراغها وانقضائها وذهابها وخرابها، فقال تعالى: وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا [الكهف:8] أي: وإنا لمصيروها بعد الزينة إلى الخراب والدمار، فنجعل كل شيء عليها هالكاً صعيداً جرزاً لا ينبت ولا ينتفع به، كما قال العوفي عن ابن عباس في قوله تعالى: وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا يقول: يهلك كل شيء عليها ويبيد. وقال مجاهد : صعيداً جرزاً بلقعاً، وقال قتادة : الصعيد الأرض التي ليس فيها شجر ولا نبات، وقال ابن زيد : الصعيد الأرض التي ليس فيها شيء، ألا ترى إلى قوله تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنفُسُهُمْ أَفَلا يُبْصِرُونَ [السجدة:27].

    وقال محمد بن إسحاق : وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا [الكهف:8] يعني: الأرض، وأن ما عليها لفان وبائد، وأن المرجع لإلى الله، فلا تأس ولا يحزنك ما تسمع وترى ]

    قوله تعالى: إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا [الكهف:7] هذه الآية الكريمة فيها دليل على أن الله تعالى جعل مع الأرض زينة لها للابتلاء والامتحان لعباده أيهم أحسن عملاً, وفيه أنما على الأرض فان وزائل، وأن الدنيا دار ممر لا دار قرار، والله جعل ما عليها من زينة ابتلاءً وامتحاناً، فكل ما عليها زائل, وسيضمحل ولا يبقى, ولهذا قال: وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا [الكهف:8] والصعيد هو الذي لم يكن فيه شيء لا نبات ولا غيره، والجرز الأرض التي لا تنبت، قال تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا [السجدة:27] يعني: أن الأرض الميتة يسوق الله إليها الماء فتنبت.

    وقوله تعالى: إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا [الكهف:7] كما قال سبحانه وتعالى: الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ [الملك:2] يعني: الله تعالى جعل في هذه الدنيا زينة؛ ليبلو الناس أيهم أحسن عملاً، فمنهم من ينخدع بالدنيا وزينتها وزخرفها ويفضلها على الآخرة , ومنهم من يعصمه الله فلا يغتر بالدنيا.

    ما جاء في تفسير الخازن عند قوله تعالى: (الحمد الله الذي أنزل على عبده الكتاب ...)

    وجاء في تفسير الخازن عند هذه الآية أنه قال: (قوله عز وجل: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ [الكهف:1] أثنى الله سبحانه وتعالى على نفسه بإنعامه على خلقه وعلم عباده كيف يثنون عليه ويحمدونه على أجزل نعمائه عليهم وهي الإسلام وما أنزل على عبده محمد صلى الله عليه وسلم, من الكتاب الذي هو سبب نجاتهم وفوزهم، وخص رسوله صلى الله عليه وسلم بالذكر لأن إنزال القرآن كان نعمة عليه على لخصوص وعلى سائر الناس على العموم).

    فمن الفوائد التي تستنبط من قوله تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ أن نزول القرآن نعمة على عبده محمد على الخصوص ونعمة على العباد على العموم؛ لأن الله شرفه بإنزال هذا الكتاب عليه فهو تشريف له وهو نعمة على العباد جميعاً لأن الله أخرجهم به من الظلمات إلى النور.

    قال: (وقوله: وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا [الكهف:1] أي شيئاً من العوج والعوج قط في المعاني كالعوج في الأعيان).

    يعني: العوج يكون في المعاني ويكون في الأعيان التي هي الذوات، فالإنسان قد يكون عنده اعوجاج في رجليه أو في يديه فهذا عوج في الأعيان، والمعاني إذا كانت غير سليمة صارت فيها اعوجاج وإذا كانت مستقيمة لا يكون فيها اعوجاج، فالاعوجاج يكون في الذوات والأعيان ويكون في المعاني.

    قال: (والمراد نفي الاختلاف والتناقض عن معانيه).

    أي: لا اختلاف في هذا القرآن ولا تناقض في معانيه بل هو يصدق بعضه بعضاً.

    قال: (وقيل معناه لم يجعله مخلوقاً، وروي عن ابن عباس في قوله تعالى قُرآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ [الزمر:28] قال غير مخلوق).

    قَيِّمًا أي: مستقيماً، وقال ابن عباس عدلاً، وقيل: قيماً على الكتب كلها مصدقاً لها وناسخاً لشرائعها, لِيُنذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا معناه: لينذر الذين كفروا بأساً شديداً, وهو قوله سبحانه وتعالى : بِعَذَابٍ بَئِيسٍ [الأعراف:165]، مِنْ لَدُنْهُ أي: من عنده، وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا [الكهف:2] يعني: الجنة مَاكِثِينَ فِيهِ أي: مقيمين فيه أبداً وَيُنذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا [الكهف:4] مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ [الكهف:5] أي: بالولد وباتخاذه، يعني: أن قولهم لم يصدر عن علم بل عن جهل فقط، فإن قلت: اتخاذ الله ولداً في نفسه محال، فكيف قيل: ما لهم به من علم؟ قلت: انتفاء العلم قد يكون للجهل بالطريق الموصل إليه وقد يكون في نفسه محالاً لا يستقيم تعلق العلم به).

    يعني هنا: إن القائلين بهذا ليس لهم علم لجهلهم أو لأن هذا الأمر لا يتعلق به العلم لاستحالته.

    قال: (وقوله: وَلا لِآبَائِهِمْ[الكهف:5] أي: ولا لأسلافهم من قبل، كَبُرَتْ أي: عظمت كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ [الكهف:5] أي: هذا القول الذي يقولونه لا تحكم به عقولهم ولا فكرهم البتة، إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا ، ثم قال: (وقوله: فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ [الكهف:6] أي: قاتل نفسك، عَلَى آثَارِهِمْ أي: من بعدهم، إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ [الكهف:6] يعني: القرآن أَسَفًا حزناً، وقيل: غيظاً إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَهَا [الكهف:7] أي: مما يصلح أن يكون زينة لها ولأهلها من زخارف الدنيا وما يستحسن منها، وقيل: يعني النبات والشجر والأنهار، وقيل: أراد بها الرجال خاصة، وقيل: أراد به العلماء والصلحاء, وقيل: جميع ما في الأرض هو زينة لها، فإن قلت: أي زينة في الحياة والعقارب والشياطين؟ قلت: زينتها كونها تدل على وحدانية الله وكمال قدرته، وقيل: إن جميع ما في الأرض ثلاثة: معدن ونبات وحيوان، وأشرف أنواع الحيوان الإنسان، قيل: الأولى ألا يدخل في هذه الزينة المكلف، بدليل قوله تعالى : لِنَبْلُوَهُمْ فمن يبلو يجب ألا يدخل في ذلك ومعنى (لنبلوهم) نختبرهم، أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا أي: أصلح عملاً، وقيل: أيهم أترك للدنيا وأزهد فيها وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا [الكهف:8] أي: من الزينة صَعِيدًا جُرُزًا [الكهف:8] يعني: مثل الأرض لا نبات فيها بعد أن كانت خضراء.