إسلام ويب

تفسير سورة البقرة [183-185]للشيخ : عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • شرع الله تعالى لعباده صوم رمضان تحصيلاً منهم للخير والتقوى، وابتلاء منه تعالى لهم بالتكليف، وأوجب تعالى صيامه على المقيم القادر، ورخص للمريض والمسافر ومن في حكم المريض في الفطر مع القضاء، كما رخص للشيخ الفاني والمريض المزمن في الفطر مع الإطعام تيسيراً على العباد ورفعاً للحرج عنهم، ولذا كان الواجب عليهم شكر هذه النعمة والهداية، مظهرين ذلك بصوم هذا الشهر وقراءة القرآن فيه مع أداء سائر العبادات، ثم تكبيرهم الله تعالى في يوم فطرهم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: ( يا أيها الذي آمنوا كتب عليكم الصيام ... )

    قال الله تعالى: [ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة:183-184].

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ يقول تعالى مخاطباً للمؤمنين من هذه الأمة وآمراً لهم بالصيام، وهو الإمساك عن الطعام والشراب والوقاع بنية خالصة لله عز وجل؛ لما فيه من زكاة النفوس وطهارتها وتنقيتها من الأخلاط الرديئة والأخلاق الرذيلة، وذكر أنه كما أوجبه عليهم فقد أوجبه على من كان قبلهم، فلهم فيه أسوة، وليجتهد هؤلاء في أداء هذا الفرض أكمل مما فعله أولئك، كما قال تعالى: لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ... [المائدة:48] الآية، ولهذا قال هاهنا: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة:183]؛ لأن الصوم فيه تزكية للبدن وتضييق لمسالك الشيطان، ولهذا ثبت في الصحيحين: (يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم؛ فإنه له وجاء) ].

    في هذه الحديث جملة مهمة، فقوله: (يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء) هذه الجملة فيها بيان حكمة مبادرة الشباب والشابات إلى الزواج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج.

    والصيام له حكم وأسرار عظيمة لا تعد ولا تحصى، فهو يضيق مجاري الشيطان؛ لأن فيه تضييق مجاري الطعام والشراب، والصيام يذكر الأغنياء بالأكباد الجائعة، وفيه صحة للبدن وتزكية للنفوس، ومن أعظم الحكم الحكمة التي أشار إليها الرب سبحانه وتعالى في قوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة:183]، وليست (لعل) للترجي هنا، وإنما هي للتعليل، والمعنى: لكي تتقوا، أي: كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لكي تتقوا، ولأجل أن تتقوا، وهذه الحكمة من أعظم الحكم، فالصيام سبب عظيم في تقوى الله عز وجل، وتقوى الله هي جماع الدين، فمن اتقى الله فقد وحد الله وأخلص له العبادة؛ لأن أصل التقوى توحيد الله وإخلاص الدين له.

    فهذه حكمة خاصة في الصيام، وهناك حكمة عامة في التشريع، وهي ابتلاء العباد واختبارهم؛ ليبلوهم سبحانه وتعالى أيهم أحسن عملاً، وليتبين المطيع من العاصي، والصادق من الكاذب، والمؤمن من الكافر، قال سبحانه: الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ [الملك:2]، وقال سبحانه: وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا [هود:7] يعني: ليختبركم، فالتكليف اختبار للعباد، ليظهر ظهور عيان من يطيع ممن يعصي، وإلا فالله سبحانه وتعالى يعلم أحوال عباده لا يخفى عليه منهم شيء، لكن ليعلم علم ظهور، فيظهر في الواقع من يطيع ممن يعصي، ويظهر الصادق من الكاذب، والمؤمن من الكافر، ولذا قال: لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ [الملك:2]، ولم يقل: ليبلوكم أيكم أكثر عملاً فليست العبرة بالكثرة، وإنما العبرة بالإحسان والإتقان، ولهذا جاء في الأثر أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه ما فاق غيره بكثرة الصوم ولا بكثرة الصلاة، ولكن بما وقر في قلبه من الإيمان والتقوى والخشية والصدق، ولهذا جاء في الحديث: (لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان الأمة لرجح إيمان أبي بكر)، وهذا فيه الرد على المرجئة الذين يقولون: إن الناس يتساوون في الإيمان، وإن إيمان أهل السماء وأهل الأرض سواء، فأفجر الناس وأتقى الناس سواء عند المرجئة! وهذا من أبطل الباطل، بل الناس يتفاوتون في الإيمان تفاوتاً عظيماً.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ثم بين مقدار الصوم وأنه ليس في كل يوم؛ لئلا يشق على النفوس فتضعف عن حمله وأدائه، بل في أيام معدودات، وقد كان هذا في ابتداء الإسلام، يصومون من كل شهر ثلاثة أيام، ثم نسخ ذلك بصوم شهر رمضان، كما سيأتي بيانه، وقد روي أن الصيام كان أولاً كما كان عليه الأمم قبلنا من كل شهر ثلاثة أيام عن معاذ وابن مسعود وابن عباس وعطاء وقتادة والضحاك بن مزاحم ، وزاد: لم يزل هذا مشروعاً من زمان نوح إلى أن نسخ الله ذلك بصيام شهر رمضان.

    وقال عباد بن منصور عن الحسن البصري : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ [البقرة:183-184] فقال: نعم، والله لقد كُتب الصيام على كل أمة قد خلت كما كتبه علينا شهراً كاملاً وأياماً معدودات عدداً معلوماً.

    وروي عن السدي نحوه، وروى ابن أبي حاتم من حديث أبي عبد الرحمن المقرئ : حدثني سعيد بن أبي أيوب حدثني عبد الله بن الوليد عن أبي الربيع -رجل من أهل المدينة- عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (صيام رمضان كتبه الله على الأمم قبلكم) في حديث طويل اختصر منه ذلك.

    وقال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عمن حدثه عن ابن عمر قال: أنزلت كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ ، كتب عليهم إذا صلى أحدهم العتمة ونام حرم عليه الطعام والشراب والنساء إلى مثلها ].

    هذا الأثر ضعيف؛ لأنه قال: (عمن حدثه)، ولا يعرف من حدثه ولا ما حاله، والقول بأن الصيام في الزمن السابق كان الواجب عليهم فيه صيام ثلاثة أيام من كل شهر ليس هناك ما يدل على أنه مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فهذا يحتاج إلى دليل، والقول بأنه في أول الإسلام كان الواجب صيام ثلاثة أيام من كل شهر ثم نسخ الله ذلك بصيام شهر رمضان يحتاج إلى دليل، وهكذا القول بأن هذه الثلاثة الأيام هي الأيام المعدودات، والأصل أن الأيام المعدودات هي أيام الشهر، وهذا ظاهر الآية.

    فقوله: أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ ظاهر الآية أنها هي الشهر، والقول بأنها ثلاثة أيام من كل شهر يحتاج إلى دليل وهذه الأقوال الأقرب فيها أنها أخذت عن بني إسرائيل.

    قال الحافظ ابن حجر في (فتح الباري): وأما قوله (كما) فاختلف في التشبيه الذي دلت عليه الكاف هل هو على الحقيقة فيكون صيام رمضان قد كُتب على الذين من قبلنا، أو المراد مطلق الصيام دون وقته وقدره، فيه قولان، وورد في أول حديث مرفوع عن ابن عمر أورده ابن أبي حاتم بإسناد فيه مجهول ولفظه: (صيام رمضان كتبه الله على الأمم قبلكم)، وبهذا قال الحسن البصري والسدي ، وله شاهد آخر أخرجه الترمذي من طريق معقل النسابة ، وهو من المخضرمين، ولم تثبت له صحبة، ونحوه عن الشعبي وقتادة .

    والقول الثاني أن التشبيه واقع على نفس الصوم، وهو قول الجمهور، وأسنده ابن أبي حاتم والطبري عن معاذ وابن مسعود وغيرهما من الصحابة والتابعين، وزاد الضحاك : (ولم يزل الصوم مشروعاً من زمن نوح) ا.ه.

    ظاهر الآية أن التشبيه في جنس الصيام، أما الحديث ففيه مجهول، لكن له شاهد.

    فينظر في الشاهد، والمجهول.

    فالمسألة فيها قولان للأئمة: الأول: التشبيه، وهو أن الأمم التي قبلنا فرض عليهم صيام شهر كشهر رمضان.

    والثاني: أن المراد جنس الصيام، وهذا هو قول الجمهور، وهو الأقرب.

    وأما حديث ابن أبي حاتم ففيه مجهول، وعلى هذا فهو ضعيف.

    وله شاهد آخر عند الترمذي من طريق معقل النسابة ، وهو من المخضرمين ولم تثبت له صحبة، وعلى هذا فهو تابعي، فيكون السند منقطعاً، فهو ضعيف.

    فالظاهر -والله أعلم- أن المراد التشبيه في جنس الصيام لا في كونه شهراً كاملاً، فجنس الصيام كتب على من قبلنا، أما العدد وكونه شهر رمضان فالظاهر أنه خاص بهذه الأمة، وأما الأمم السابقة فقد كتب الله عليهم الصيام، ولكن الله أعلم بعدده.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عمن حدثه عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: أنزلت كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كتب عليهم إذا صلى أحدهم العتمة ونام حرُم عليه الطعام والشراب والنساء إلى مثلها، قال ابن أبي حاتم : وروي عن ابن عباس وأبي العالية وعبد الرحمن بن أبي ليلى ومجاهد وسعيد بن جبير ومقاتل بن حيان والربيع بن أنس وعطاء الخرساني نحو ذلك.

    وقال عطاء الخرساني عن ابن عباس : كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ يعني بذلك أهل الكتاب، وروي عن الشعبي والسدي وعطاء الخرساني مثله ].

    بيان معنى قوله تعالى: (فمن كان منكم مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر)

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ثم بيّن حكم الصيام على ما كان عليه الأمر في ابتداء الإسلام فقال: فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ [البقرة:184] ، أي: المريض والمسافر لا يصومان في حال المرض والسفر؛ لما في ذلك من المشقة عليهما، بل يفطران ويقضيان بعد ذلك من أيام أخر.

    وأما الصحيح المقيم الذي يطيق الصيام فقد كان مخيراً بين الصيام وبين الإطعام، إن شاء صام وإن شاء أفطر وأطعم عن كل يوم مسكيناً، فإن أطعم أكثر من مسكين عن كل يوم فهو خير، وإن صام فهو أفضل من الإطعام، قاله ابن مسعود وابن عباس ومجاهد وطاوس ومقاتل بن حيان وغيرهم من السلف، ولهذا قال تعالى: وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة:184] ].

    هذا هو الطور الأول من أطوار مشروعية الصيام، ففي أول الإسلام كان الإنسان مخيراً بين الصيام وبين الإطعام، فكان من شاء صام ومن شاء أفطر وأطعم عن كل يوم مسكيناً، والصوم أفضل، كما قال سبحانه: وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ ، ثم جاء الطور الثاني فأوجب الله الصوم على الصحيح المقيم القادر بقوله: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ، ولكن إذا صلى العشاء ونام فإنه يحرم عليه الطعام والشراب إلى الليلة القابلة.

    وشق ذلك على المسلمين مشقة عظيمة، وخوّن بعض الصحابة نفسه، وحصل لـصرمة قصة، وهي أنه كان يعمل في بستان له طيلة يومه وهو صائم، ثم لما غربت الشمس جاء إلى أهله فقال: هل عندكم طعام؟ فقالوا: لا، ثم ذهبت امرأته لتأتي له بطعام، فنام، فلما نام حرُم عليه الطعام، ثم استيقظ وصام اليوم الثاني، فلما كان في نصف النهار غشي عليه، فأنزل الله الرخصة: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ وفي آخرها: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ [البقرة:187]، فخفف الله ورخص الفطر من غروب الشمس إلى طلوع الفجر سواء أنام أم الإنسان لم ينم.

    1.   

    أطوار مشروعية الصلاة والصيام

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقال الإمام أحمد : حدثنا أبو النضر حدثنا المسعودي حدثنا عمرو بن مرة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: (أحيلت الصلاة ثلاثة أحوال، وأحيل الصيام ثلاثة أحوال..) ].

    في هذا السند المسعودي ، والمسعودي اختلط، قال في تهذيب الكمال: وقال حنبل بن إسحاق : سمعت أبا عبد الله يقول: سماع أبي النضر وعاصم وهؤلاء من المسعودي بعدما اختلط، إلا أنهم احتملوا السماع منه فسمعوا.

    وقوله: (أحيلت الصلاة ثلاثة أحوال وأحيل الصيام ثلاثة أحوال) يعني أن الصلاة مرت بثلاثة أطوار في شرعيتها، وحولت ثلاث تحويلات، وهكذا الصيام مر بثلاثة أحوال، وكانت شرعيته على ثلاثة أطوار.

    قال: [ فأما أحوال الصلاة فإن النبي صلى الله عليه وسلم قدم المدينة وهو يصلي سبعة عشر شهراً إلى بيت المقدس، ثم إن الله عز وجل أنزل عليه: قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا ... [البقرة:144] الآية، فوجهه الله إلى مكة، هذا حول) ].

    يعني: هذا هذا هو الطور الأول، وهو أنه عليه الصلاة والسلام لما هاجر إلى المدينة وُجِّه إلى بيت المقدس، ومكث يصلي إلى بيت المقدس ستة عشر شهراً أو سبعة عشر شهراً، ثم حولت القبلة، ووجهه الله إلى الكعبة.

    قال: [ (وكانوا يجتمعون للصلاة ويؤذن بها بعضهم بعضاً) ].

    يعني: يُعلِم ويخبر بعضهم بعضاً إذا جاء وقت الصلاة، فيخبر الجار جاره، وهذا يخبر هذا، ولم يكن ثم إعلان، وكان هذا قبل أن يشرع الأذان، فكل واحد كان يأتي إلى من حوله ويقول: هيا نذهب إلى الصلاة.

    قال: [ (حتى نقسوا أو كادوا ينقسون) ].

    يعني: ضربوا الناقوس، أو كادوا أن يضربوا الناقوس تشبهاً بالنصارى، يعني أنهم لم يكونوا يدرون ماذا يعملون حتى يعلموا بدخول وقت الصلاة، فضربوا الناقوس أو كادوا يضربون الناقوس.

    قال: [ (ثم إن رجلاً من الأنصار يقال له: عبد الله بن زيد بن عبد ربه أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! إني رأيت فيما يرى النائم، ولو قلت: إني لم أكن نائماً لصدقت، إني بينا أنا بين النائم واليقظان إذ رأيت شخصاً عليه ثوبان أخضران، فاستقبل القبلة فقال: الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله مثنى، حتى فرغ من الأذان، ثم أمهل ساعة، ثم قال مثل الذي قال غير أنه يزيد في ذلك: قد قامت الصلاة مرتين. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: علمها بلالاً فليؤذن بها، فكان بلال أول من أذن بها، قال: وجاء عمر بن الخطاب فقال: يا رسول الله! قد طاف بي مثل الذي طاف به غير أنه سبقني، فهذان حالان) ].

    وهذه الرؤيا كانت سبباً في تشريع الأذان، مثل قصة الطفيل أخي عائشة لأمها لما رأى رؤيا فأخبر بها النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني مررت بنفر من اليهود فقلت: إنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: عزير ابن الله، فقالوا له: وأنتم إنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: ما شاء الله وشاء محمد، قال: ثم مررت بنفر من النصارى فقلت لهم: إنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: المسيح ابن الله، فقالوا: وأنتم إنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: ما شاء الله وشاء محمد.

    وقد كان الناس في أول الإسلام يقولون: ما شاء الله وشاء محمد، ثم بعد ذلك خطب النبي صلى الله عليه وسلم الناس فقال: (أما بعد: فإن طفيلاً رأى رؤياً فأخبر بها من أخبر منكم، وإنكم كنتم تقولون كلمة كان يمنعني كذا وكذا أن أنهاكم عنها -يعني: الحياء-، فلا تقولوا: ما شاء الله وشاء محمد، ولكن قولوا: ما شاء الله وحده) فكانت هذه الرؤيا سبباً في منع هذه الكلمة، ولأن المنع منها حماية لجناب التوحيد، وقد كان الحياء يمنعه عليه الصلاة والسلام قبل أن يُنهى، ثم لما نُهي زال ما كان يمنعه من الحياء.

    فالمقصود أن الرؤيا كانت سبباً للتشريع، وهذه الرؤيا التي في الأذان كذلك، وليس المراد أن الرؤيا هي نفس التشريع، بل المراد أن الرؤيا هي سبب في التشريع، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم هو الذي أمر بذلك.

    قال: [ (وكانوا يأتون الصلاة وقد سبقهم النبي صلى الله عليه وسلم ببعضها، فكان الرجل يشير إلى الرجل إذاً كم صلى؟ فيقول: واحدة أو ثنتين فيصليهما، ثم يدخل مع القوم في صلاتهم، قال: فجاء معاذ فقال: لا أجده على حال أبداً إلا كنت عليها، ثم قضيت ما سبقني، قال: فجاء وقد سبقه النبي صلى الله عليه وسلم ببعضها، قال: فثبت معه، فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم قام فقضى، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنه قد سن لكم معاذ ، فهكذا فاصنعوا) ].

    وفي لفظ: (إنه قد سن لكم معاذ سنة فاتبعوه)، وأما الحولان الأولان ظاهران، وأما الحول الثالث فيحتاج إلى تأمل؛ فإنه يحتمل أن الناس كانوا يتكلمون في الصلاة، ثم بعد ذلك نهى الله عن الكلام.

    ومن ذلك قصة معاوية بن الحكم السلمي لما جاء والنبي صلى الله عليه وسلم يصلي، فدخل في الصلاة، ولما عطس رجل قال: الحمد لله، فقال له: يرحمك الله، فصار الناس يسكتونه، فقال: ما لكم؟! واثكل أمياه! فجعلوا يضربون أفخاذهم يسكتونه، ثم أخبره النبي صلى الله عليه وسلم أن الكلام نُسخ، فيحتمل أن الطور الثالث هو أن الناس كانوا يتكلمون في الصلاة ثم نهي عن ذلك، ولكن هذا فيه أنه كان الواحد يسأل ويقضي ما فاته، ففيه أنه كان الواحد إذا جاء وقد سبق بالصلاة يسأل أحدهم: كم صلوا؟ فيشير إليه: ركعة أو ركعتين، فيقضي الركعة أو الركعتين، ثم يلحق بالنبي صلى الله عليه وسلم، ثم نُسخ ذلك، كما جاء في هذا الحديث.

    وقد جاءت قصة الصلاة هذه من طريق أخرى في مسند الإمام أحمد ، قال أحمد : حدثنا عبد الصمد حدثنا عبد العزيز -يعني ابن مسلم - حدثنا الحصين عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن معاذ قال: (كان الناس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سُبق الرجل ببعض صلاته سألهم فأومئوا إليه بالذي سُبق به من الصلاة، فيبدأ فيقضي ما سبق ثم يدخل مع القوم في صلاتهم، فجاء معاذ بن جبل والقوم قعود في صلاتهم فقعد، فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم قام فقضى ما كان سُبق به، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اصنعوا كما صنع معاذ) وظاهر هذا السند أنه لا بأس به.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ (وأما أحوال الصيام فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة فجعل يصوم من كل شهر ثلاثة أيام، وصام عاشوراء، ثم إن الله فرض عليه الصيام، وأنزل الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ [البقرة:183] إلى قوله: وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ [البقرة:184] ، فكان من شاء صام ومن شاء أطعم مسكيناً فأجزأ ذلك عنه، ثم إن الله عز وجل أنزل الآية الأخرى: شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ إلى قوله: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ [البقرة:185]، فأثبت الله صيامه على المقيم الصحيح، ورخص فيه للمريض والمسافر، وثبت الإطعام للكبير الذي لا يستطيع الصيام، فهذان حالان، قال: وكانوا يأكلون ويشربون ويأتون النساء ما لم يناموا، فإذا ناموا امتنعوا، ثم إن رجلاً من الأنصار يقال له: صرمة كان يعمل صائماً حتى أمسى، فجاء إلى أهله فصلى العشاء ثم نام، فلم يأكل ولم يشرب حتى أصبح، فأصبح صائماً، فرآه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد جهد جهداً شديداً، فقال: ما لي أراك قد جهدت جهداً شديداً؟ قال: يا رسول الله! إني عملت أمس فجئت حين جئت فألقيت نفسي فنمت فأصبحت صائماً، قال وكان عمر قد أصاب من النساء بعدما نام، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر له ذلك، فأنزل الله عز وجل: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ [البقرة:187] إلى قوله: ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ [البقرة:187])، وأخرجه أبو داود في سننه والحاكم في مستدركه من حديث المسعودي به، وقد أخرجه البخاري ومسلم من حديث الزهري عن عروة عن عائشة أنها قالت: (كان عاشوراء يصام، فلما نزل فرض رمضان كان من شاء صام ومن شاء أفطر)، وروى البخاري عن ابن عمر وابن مسعود مثله ].

    وفي لفظ: (أن صرمة لما جاء إلى أهله قال: هل عندكن من طعام؟ قالت: لا، ولكن أنطلق فأطلب لك، فنام، فلما جاءته بالطعام وجدته نائماً، فقالت: خيبة لك! فلم يأكل، وأصبح صائماً، فلما انتصف النهار غشي عليه وسقط)، فكانت قصته هذه سبباً في التشريع، فرخص الله تعالى في تناول المفطرات من غروب الشمس إلى طلوع الفجر.

    بيان معنى قوله تعالى: (وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين ....)

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقوله تعالى: وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ [البقرة:184] كما قال معاذ رضي الله عنه: (كان في ابتداء الأمر من شاء صام ومن شاء أفطر وأطعم عن كل يوم مسكيناً).

    وهكذا روى البخاري عن سلمة بن الأكوع أنه قال: (لما نزلت: وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ كان من أراد أن يفطر يفتدي، حتى نزلت الآية التي بعدها فنسختها).

    وروى أيضاً من حديث عبيد الله عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: هي منسوخة. وقال السدي عن مرة عن عبد الله قال: (لما نزلت هذه الآية وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ ، قال: يقول (وعلى الذين يطيقونه) أي: يتجشمونه، قال عبد الله : فكان من شاء صام ومن شاء أفطر وأطعم مسكيناً، (فمن تطوع) يقول: أطعم مسكيناً آخر (فهو خير له وأن تصوموا خير لكم) فكانوا كذلك حتى نسختها: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ .

    وقال البخاري أيضاً: أخبرنا إسحاق حدثنا روح حدثنا زكريا بن إسحاق حدثنا عمرو بن دينار عن عطاء سمع ابن عباس رضي الله عنهما يقرأ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ ، قال ابن عباس : (ليست منسوخة، هو الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما فيطعمان مكان كل يوم مسكيناً)، وهكذا روى غير واحد عن سعيد بن جبير عن ابن عباس نحوه ].

    والجمهور على أنها منسوخة، لكن ابن عباس يقول: ليست منسوخة، بل هي باقية في حق الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة، ويؤيده قراءة: (وعلى الذين يطيّقونه) أي: يتجشمونه، يعني: إذا كان يشق على الشيخ الكبير فإنه يفطر ويطعم، ويَلحق به المريض المرض المزمن، فإن هؤلاء شُرع في حقهم أنهم يطعمون عن كل يوم مسكيناً، ومن ذلك أن أنس بن مالك رضي الله عنه لما كبر سنه وتجاوز المائة في آخر حياته أطعم السنة والسنتين. فالآية منسوخة إلا في حق الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة والمريض المزمن، فهي باقية في حقهم، فيطعمون عن كل يوم مسكينا.

    وهنا في تفسير ابن كثير : كان ابن عباس يقرأ: وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ [البقرة:184]، ولكن في صحيح البخاري : وَعَلَى الَّذِينَ يُطوقُونَهُ بالواو، وفي قراءة العامة: يُطِيقُونَهُ [البقرة:184] وهي أكثر.

    قال الحافظ في الفتح: (يطوَّقونه) بفتح الطاء وتشديد الواو مبنياً للمفعول مخفف الطاء من (طُوِّق) بضم أوله بوزن (قُطع)، وهذه قراءة ابن مسعود أيضاً، وقد وقع عند النسائي من طريق ابن أبي نجيح عن عمرو بن دينار (يطيْقونه): يكلَّفونه، وهو تفسير حسن، أي: يكلَّفون إطاقته.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ وقال أبو بكر بن أبي شيبة : حدثنا عبد الرحيم بن سليمان عن أشعث بن سوار عن عكرمة عن ابن عباس قال: (نزلت هذه الآية: وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ في الشيخ الكبير الذي لا يطيق الصوم ثم ضعف، فرخص له أن يطعم مكان كل يوم مسكيناً).

    وقال الحافظ أبو بكر بن مردويه : حدثنا محمد بن أحمد حدثنا الحسين بن محمد بن بهرام المخرمي حدثنا وهب بن بقية حدثنا خالد بن عبد الله عن ابن أبي ليلى قال: دخلت على عطاء في رمضان وهو يأكل، فقال: قال ابن عباس : (نزلت هذه الآية: وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فكان من شاء صام، ومن شاء أفطر وأطعم كل يوم مسكيناً، ثم نسخت الأولى إلا الكبير الفاني؛ إن شاء أطعم عن كل يوم مسكيناً وأفطر.

    فحاصل الأمر أن النسخ ثابت في الصحيح المقيم؛ لإيجاب الصيام عليه بقوله: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ [البقرة:185]، وأما الشيخ الفاني الهرم الذي لا يستطيع الصيام فله أن يفطر ولا قضاء عليه، لأنه ليست له حال يصير إليها يتمكن فيها من القضاء، ولكن هل يجب عليه إذا أفطر أن يطعم عن كل يوم مسكيناً إذا كان ذا جدة؟ فيه قولان للعلماء: أحدهما: لا يجب عليه إطعام؛ لأنه ضعف عنه لسنه، فلم يجب عليه فدية، كالصبي؛ لأن الله لا يكلف نفساً إلا وسعها، وهو أحد قولي الشافعي .

    والثاني -وهو الصحيح وعليه أكثر العلماء-: أنه يجب عليه فدية عن كل يوم، كما فسره ابن عباس وغيره من السلف على قراءة من قرأ: (وعلى الذين يطيَّقونه) أي: يتجشمونه، كما قاله ابن مسعود وغيره ].

    وهذا هو الأقرب، فإنه يختلف عن الصبي، فالصبي غير مكلف وليس معه عقل وهذا معه عقل، إلا أنه ضعيف لا يستطيع، والقاعدة أن من لم يستطع فإنه الصيام ينتقل إلى الفدية، والقراءة تؤيدها، أي: قراءة (يطوَّقونه) أو (يطيَّقونه) وهو قول ابن عباس وجماعة، فالأقرب أن عليه فدية.

    والقول الأول -وهو أنه مقيس على الصبي- قول مرجوح؛ لأن الصبي غير مكلف حتى يبلغ، وعقله غير تام، أما هذا الشيخ الكبير فعقله تام، وهو مكلف، بدليل أنه إذا فقد عقله صار مثل الصبي، ولا يكلف، لكن ما دام أن عقله ثابت فإن عليه فدية.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: وهو اختيار البخاري ، فإنه قال: وأما الشيخ الكبير إذا لم يطق الصيام فقد أطعم أنس بعدما كبر عاماً أو عامين عن كل يوم مسكيناً خبزاً ولحماً وأفطر، وهذا الذي علقه البخاري قد أسنده الحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده فقال: حدثنا عبد الله بن معاذ حدثنا أبي حدثنا عمران عن أيوب بن أبي تميمة قال: (ضعف أنس عن الصوم فصنع جفنة من ثريد فدعى ثلاثين مسكيناً فأطعمهم)، ورواه عبد بن حميد عن روح بن عبادة عن عمران -وهو ابن حدير - عن أيوب به، ورواه عبد -أيضاً- من حديث ستة من أصحاب أنس عن أنس بمعناه.

    حكم صوم الحامل والمرضع إذا خافتا على نفسيهما أو ولديهما

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ومما يلتحق بهذا المعنى الحامل والمرضع إذا خافتا على أنفسهما أو ولديهما، ففيهما خلاف كثير بين العلماء، فمنهم من قال: يفطران ويفديان ويقضيان، وقيل: يفديان فقط ولا قضاء، وقيل: يجب القضاء بلا فدية، وقيل: يفطران ولا فدية ولا قضاء، وقد بسطنا هذه المسألة مستقصاة في كتاب الصيام الذي أفردناه، ولله الحمد والمنة ].

    هذه أربعة أقوال في الحامل والمرضع، فقيل: يفطران ويقضيان ويطعمان، وقيل: يفطران ويقضيان ولا يطعمان، وقيل: يطعمان ولا يقضيان، وقيل: ليس عليهما قضاء ولا إطعام والأقرب أن عليهما القضاء بدون فدية، فيفطران ويقضيان.

    والحنابلة يفرقون بين ما إذا خافتا على أنفسهما أو على ولديهما؛ فإن خافتا على أنفسهما فعليهما القضاء فقط، وحكمهما حكم المريض، وإن خافتا على ولديهما فعليهما القضاء والفدية، والأقرب: أنه لا يجب عليهما إلا القضاء، وحكمهما حكم من أفطر لإنقاذ غريق من هلكة، فإنه أفطر خوفاً على غيره، ومع ذلك يجب عليه القضاء فقط.

    وقد روي عن أنس بن مالك الكعبي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله قد وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة، وعن الحبلى والمرضع الصوم) رواه الخمسة وحسنه الترمذي ، وفي لفظ: (إن الله وضع شطر الصلاة أو نصف الصلاة والصوم عن المسافر والمرضع والحبلى) وهذا يؤيد أنه يجب عليهم القضاء فقط، كالمريض والمسافر.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: ( شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن ... )

    يقول الله عز وجل: شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [البقرة:185].

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ يمدح تعالى شهر الصيام من بين سائر الشهور بأن اختاره من بينهن لإنزال القرآن العظيم، وكما اختصه بذلك قد ورد الحديث بأنه الشهر الذي كانت الكتب الإلهية تنزل فيه على الأنبياء.

    قال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله: حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم حدثنا عمران أبو العوام عن قتادة عن أبي المليح عن واثلة -يعني: ابن الأسقع - رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أنزلت صحف إبراهيم في أول ليلة من رمضان، وأنزلت التوراة لست مضين من رمضان، والإنجيل لثلاث عشرة خلت من رمضان، وأنزل الله القرآن لأربع وعشرين خلت من رمضان) وقد روي من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه وفيه (أن الزبور أنزل لاثنتي عشرة خلت من رمضان، والإنجيل لثماني عشرة) والباقي كما تقدم، رواه ابن مردويه .

    وأما الصحف والتوراة والزبور والإنجيل فنزل كل منها على النبي الذي أنزل عليه جملة واحدة، وأما القرآن فإنما نزل جملة واحدة إلى بيت العزة من السماء الدنيا، وكان ذلك في شهر رمضان في ليلة القدر منه، كما قال تعالى: إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ [القدر:1]، وقال: إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ [الدخان:3]، ثم نزل بعده مفرقاً بحسب الوقائع على رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    هكذا روي من غير وجه عن ابن عباس رضي الله عنهما، كما قال إسرائيل عن السدي عن محمد بن أبي المجالد عن مِقْسَم عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه سأله عطية بن الأسود فقال: وقع في قلبي الشك؛ قول الله تعالى: شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ [البقرة:185]، وقوله: إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ [الدخان:3] ، وقوله: إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ [القدر:1]، وقد أنزل في شوال وفي ذي القعدة وفي ذي الحجة وفي المحرم وصفر وشهر ربيع! فقال ابن عباس : (إنه أنزل في رمضان في ليلة القدر وفي ليلة مباركة جملة واحدة، ثم أنزل على مواقع النجوم ترتيلاً في الشهور والأيام)، رواه ابن أبي حاتم وابن مردويه وهذا لفظه.

    وفي رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (أنزل القرآن في النصف من شهر رمضان إلى سماء الدنيا، فجعل في بيت العزة، ثم أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم في عشرين سنة لجواب كلام الناس).

    وفي رواية عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (نزل القرآن في شهر رمضان في ليلة القدر إلى هذه السماء الدنيا جملة واحدة، وكان الله يحدث لنبيه ما يشاء، ولا يجيء المشركون بمثَل يخاصمون به إلا جاءهم الله بجوابه، وذلك قوله: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا * وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا [الفرقان:32-33]) ].

    هذا الذي ذكره مشهور جاء من طرق ثابتة عن ابن عباس ، وهو أن القرآن أنزل جملة واحدة إلى السماء الدنيا، ثم أنزل منجماً على حسب الحوادث في مدة الثلاث وعشرين عاماً، وهذا قول لبعض العلماء.

    والقول الثاني: أن المعنى أنه ابتدأ نزوله في ليلة القدر في رمضان، فقوله: شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ يعني: ابتدأ نزوله في رمضان، ثم لم يزل ينزل حتى كمل في ثلاث وعشرين سنة.

    وقول ابن عباس يحتمل أنه أخذه عن بني إسرائيل ، فإن ابن عباس معروف بالأخذ عن بني إسرائيل، وعلى هذا القول -وهو أنه نزل جملة واحدة- فإن الله تكلم به مرة واحدة، ثم بعد ذلك أنزله الله على محمد صلى الله عليه وسلم منجماً حسب الحوادث.

    والقول الثاني: أنه لم ينزل جملة، وإنما ابتدأ نزوله في رمضان، ثم لم يزل ينزل حتى كمل في ثلاثة وعشرين عاماً.

    والقول بأن الله تكلم بالقرآن مرة واحدة ثم أنزله بعد ذلك منجماً لا يشبه كلام الأشاعرة؛ لأن الأشاعرة يقولون: إن الله لم يتكلم به، وإنما هو معنى قائم في نفسه، ففهم جبريل المعنى القائم في نفسه فعبر عنه بهذا القرآن، فهذا كلام جبريل، ومنهم من يقول: هو كلام محمد عبارة عبر به عن الله، ومنهم من قال: إن جبريل أخذه من اللوح المحفوظ، ولم يتكلم الله به. هذه هي أقوال الأشاعرة، وهي لا توافق قول من قال: إن القرآن تكلم الله به جملة واحدة مرة واحدة، وأنزله إلى بيت العزة، ثم أنزله منجماً على نبيه صلى الله عليه وسلم.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقوله: هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ [البقرة:185] هذا مدح للقرآن الذي أنزله الله هدى لقلوب العباد ممن آمن به وصدقه واتبعه، (وبينات) أي: ودلائل وحجج بينة واضحة جلية لمن فهمها وتدبرها، دالة على صحة ما جاء به من الهدى المنافي للضلال والرشد المخالف للغي، ومفرقاً بين الحق والباطل والحلال والحرام، وقد روي عن بعض السلف أنه كره أن يقال إلا: شهر رمضان، ولا يقال: رمضان.

    يعني أن بعض السلف يقول: لا تقل رمضان، بل قل: شهر رمضان.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي حدثنا محمد بن بكار بن الريان حدثنا أبو معشر عن محمد بن كعب القرظي وسعيد -هو المقبري - عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (لا تقولوا رمضان؛ فإن رمضان اسم من أسماء الله تعالى، ولكن قولوا: شهر رمضان) ].

    وهذا ضعيف؛ فـأبو معشر فيه كلام.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ قال ابن أبي حاتم : وقد روي عن مجاهد ومحمد بن كعب نحو ذلك، ورخص فيه ابن عباس وزيد بن ثابت قلت: أبو معشر هو نجيح بن عبد الرحمن المدني إمام المغازي والسير، ولكن فيه ضعف، وقد رواه ابنه محمد عنه فجعله مرفوعاً عن أبي هريرة ، وقد أنكره عليه الحافظ ابن عدي ، وهو جدير بالإنكار؛ فإنه متروك، وقد وَهِم في رفع هذا الحديث، وقد انتصر البخاري رحمه الله في كتابه لهذا فقال : (باب يقال: رمضان) وساق أحاديث في ذلك.

    في البخاري : (باب: هل يقال رمضان؟ أو شهر رمضان، ومن رآه واسعاً) يعني أنه واسع أن تقول رمضان، أو تقول: شهر رمضان، فالأمر في هذا واسع، فيصح أن تقول: صمنا رمضان وصمنا شهر رمضان، ويؤيد هذا الحديث: (من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه)، ولم يقل: من صام شهر رمضان، فلا بأس بأن تقول: رمضان أو شهر رمضان، فالأمر واسع مثلما قال البخاري .

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وساق أحاديث في ذلك، منها: (من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه) ونحو ذلك ].

    وهو حديث في الصحيحين، وليس فيه شهر رمضان.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقوله: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ [البقرة:185] هذا إيجاب حتم على من شهد استهلال الشهر، أي: كان مقيماً في البلد حين دخل شهر رمضان وهو صحيح في بدنه أن يصوم لا محالة، ونسخت هذه الآية الإباحة المتقدمة لمن كان صحيحاً مقيماً أن يفطر ويفدي بإطعام مسكين عن كل يوم كما تقدم بيانه ].

    الآية الأولى هي قوله تعالى: وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة:184]، هذا هو التخيير، وقد نُسخ هذا التخيير بقوله تعالى: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ [البقرة:185].

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ولما ختم الصيام أعاد ذكر الرخصة للمريض وللمسافر في الإفطار بشرط القضاء، فقال: (وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) معناه: ومن كان به مرض في بدنه يشق عليه الصيام معه أو يؤذيه، أو كان على سفر -أي: في حالة السفر- فله أن يفطر، فإذا أفطر فعليه عدة ما أفطره في السفر من الأيام.

    ولهذا قال: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [البقرة:185]، أي: إنما رخص لكم في الفطر في حال المرض وفي السفر مع تحتمه في حق المقيم الصحيح تيسيراً عليكم ورحمة بكم ].

    مسائل متعلقة بقوله تعالى: (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن...)

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وههنا مسائل تتعلق بهذه الآية:

    إحداها: أنه قد ذهب طائفة من السلف إلى أن من كان مقيماً في أول الشهر ثم سافر في أثنائه فليس له الإفطار بعذر السفر والحالة هذه؛ لقوله: (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ)، وإنما يباح الإفطار لمسافر استهل الشهر وهو مسافر، وهذا القول غريب نقله أبو محمد بن حزم في كتابه (المحلى) عن جماعة من الصحابة والتابعين، وفيما حكاه عنهم نظر، والله أعلم ].

    هذا القول ضعيف وهو غريب كما قال الحافظ ، ومعنى هذا أن الذي يسافر في أثناء الشهر لا يفطر؛ إذ لا يفطر إلا الذي أدركه رمضان وهو في السفر، وهذا القول ضعيف، والصواب أن المسافر يجوز له أن يفطر، سواء أستهل عليه الشهر في السفر أو في الحضر، لكن إذا كان السفر قصيراً -مثل السفر في الطائرة- والحال أنه إذا وصل سوف يقيم ويمسك؛ فالأولى ألا يفطر في هذه الحالة، بل يتم يومه صائماً؛ لأنه إذا أفطر ساعة ثم أمسك وقضى فماذا استفاد؟! لكن إذا كان سفره في الطائرة يتطلب منه أن يقيم يوماً أو يومين أو ثلاثة فقط، فهذا لا بأس بأن يفطر، فإن صام فلا بأس.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ فإنه قد ثبتت السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (أنه خرج في شهر رمضان لغزوة الفتح، فسار حتى بلغ الكديد ثم أفطر وأمر الناس بالفطر) أخرجه صاحبا الصحيح. ].

    (الكديد) موضع بالحجاز على اثنين وأربعين ميلاً من مكة، وفي صحيح البخاري : الكديد ماء بين عسفان وقديد.

    فالنبي صلى الله عليه وسلم استهل عليه شهر رمضان وهو في المدينة، وسافر في أثناء الشهر، ومع ذلك أفطر، وهذا يرد القول الذي نقله ابن حزم أنه لا يفطر إلا إذا استهل عليه الشهر وهو مسافر.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ الثانية: ذهب آخرون من الصحابة والتابعين إلى وجوب الإفطار في السفر؛ لقوله فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ، والصحيح قول الجمهور أن الأمر في ذلك على التخيير وليس بحتم؛ لأنهم كانوا يخرجون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في شهر رمضان، قال: (فمنا الصائم ومنا المفطر، فلم يعب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم) فلو كان الإفطار هو الواجب لأنكر عليهم الصيام، بل الذي ثبت من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان في مثل هذه الحالة صائماً؛ لما ثبت في الصحيحين عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: (خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في شهر رمضان في حر شديد، حتى إن كان أحدُنا ليضع يده على رأسه من شدة الحر، وما فينا صائم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعبد الله بن رواحة) ].

    ذكر هنا أن طائفة من السلف يقولون بوجوب الفطر، حيث قالوا: لو صام في السفر لم يصح صومه، لكن هذا قول ضعيف يرد عليه هذا الحديث الصحيح، فقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم وعبد الله بن رواحة يصومان في السفر، وكذلك الصحابة كان منهم الصائم ومنهم المفطر، ولا يعيب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم.

    فالصواب أن المسافر مخير بين الصيام والإفطار، ولكن: أيهما أفضل؟

    قيل: الفطر أفضل؛ لأن فيه الأخذ بالرخصة، وقيل: الصوم أفضل؛ لأنه أسرع في براءة الذمة، وقيل: هما على حد سواء، إلا إذا كان عليه مشقة في الصوم فهذا يتأكد في حقه الفطر ويفطر.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ الثالثة: قالت طائفة -منهم الشافعي -: الصيام في السفر أفضل من الإفطار؛ لفعل النبي صلى الله عليه وسلم كما تقدم، وقالت طائفة: بل الإفطار أفضل أخذاً بالرخصة، ولما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن الصوم في السفر فقال : (من أفطر فحسن، ومن صام فلا جناح عليه)، وقال في حديث آخر (عليكم برخصة الله التي رخص لكم)، وقالت طائفة : هما سواء؛ لحديث عائشة رضي الله عنها (أن حمزة بن عمرو الأسلمي رضي الله عنه قال: يا رسول الله! إني كثير الصيام، أفأصوم في السفر؟ فقال: إن شئت فصم وإن شئت فأفطر) وهو في الصحيحين وقيل : إن شق الصيام فالإفطار أفضل؛ لحديث جابر رضي الله عنه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً قد ظلل عليه فقال: ما هذا؟ قالوا: صائم، فقال: ليس من البر الصيام في السفر) أخرجاه ].

    لاشك في أنه إذا شق الصوم عليه فإن الفطر أفضل، لكن إذا لم يشق -كأن يكون الوقت بارداً- فأيهما أفضل: الفطر أم الصوم؟ هذا محل تأمل.

    فمن العلماء من قال: إن الفطر أفضل؛ لأن فيه الأخذ بالرخصة، وفي الحديث: (عليكم برخصة الله التي رخص لكم فاقبلوها)، ومنهم من قال: الصيام أفضل؛ لأنه أسرع في براءة الذمة، ومنهم من قال: هما سواء، هذا إذا لم يشق عليه، أما إذا كان فيه مشقة فالفطر أفضل.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ فأما إن رغب عن السنة ورأى أن الفطر مكروه إليه فهذا يتعين عليه الإفطار ويحرم عليه الصيام والحالة هذه؛ لما جاء في مسند الإمام أحمد وغيره عن ابن عمر وجابر وغيرهما: (من لم يقبل رخصة الله كان عليه من الإثم مثل جبال عرفة) ].

    هذا إذا رأى أنه لا ينبغي له أن يفطر، وترك الفطر زهداً في السنة ورغبة عنها، ورأى أنه لا حاجة إلى الفطر، فهذا يجب عليه الفطر في هذه الحالة؛ حتى يزول هذا الاعتقاد الفاسد، أما إذا كان يعتقد بأن الصوم والفطر كل منهما جائز، ويرى أنه إذا صام مع الناس فإنه يسير عليه وأسرع في براءة الذمة فهذا لا بأس به.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ والرابعة: القضاء هل يجب متتابعاً أو يجوز فيه التفريق؟ فيه قولان: أحدهما: أنه يجب التتابع؛ لأن القضاء يحكي الأداء. والثاني: لا يجب التتابع، بل إن شاء فرق وإن شاء تابع، وهذا قول جمهور السلف والخلف، وعليه ثبتت الدلائل؛ لأن التتابع إنما وجب في الشهر لضرورة أدائه في الشهر، فأما بعد انقضاء رمضان فالمراد صيام عدة أيام ما أفطر، ولهذا قال تعالى : فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ .

    الصواب أنه لا يجب التتابع، وإنما يجب عدد الأيام؛ لقوله تعالى: فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ففي صوم رمضان يجب التتابع؛ لأنه هو الصوم الواجب الذي أوجبه الله على العباد، ولا يجوز لأحد أن يفطر إلا من عذر، أما القضاء فإنما الواجب فيه عدد الأيام.

    سماحة الإسلام ويسره

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ثم قال تعالى: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [البقرة:185] ، قال الإمام أحمد : حدثنا أبو سلمة الخزاعي حدثنا أبو هلال عن حميد بن هلال العدوي عن أبي قتادة عن الأعرابي الذي سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (إن خير دينكم أيسره، إن خير دينكم أيسره) ].

    بهذا الحديث أصح منه حديث: (إن هذا الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه) وقوله صلى الله عليه وسلم: (سددوا وقاربوا).

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقال أحمد أيضاً: حدثنا يزيد بن هارون أخبرنا عاصم بن هلال حدثنا عامر بن عروة الفقيمي قال: حدثني أبي عروة قال: (كنا ننتظر النبي صلى الله عليه وسلم، فخرج يقطر رأسه من وضوء أو غسل، فصلى، فلما قضى الصلاة جعل الناس يسألونه: علينا حرج في كذا؟، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن دين الله في يسر، ثلاثاً يقولها).

    ورواه الإمام أبو بكر بن مردويه في تفسير هذه الآية من حديث مسلم بن أبي تميم عن عاصم بن هلال به.

    وقال الإمام أحمد حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة حدثنا أبو التياح سمعت أنس بن مالك يقول: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (يسروا ولا تعسروا، وسكنوا ولا تنفروا) أخرجاه في الصحيحين، وفي الصحيحين -أيضاً- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لـمعاذ وأبي موسى حين بعثهما إلى اليمن: (بشرا ولا تنفرا، ويسرا ولا تعسرا، وتطاوعا ولا تختلفا) ].

    ولهذا ينبغي للدعاة أن يسلكوا هذا المسلك، وهو التيسير وعدم التنفير، وإذا كان هناك أمران فإنه يُختار الأيسر منهما ما لم يكن إثماً، وذلك لحديث: (كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خير بين أمرين اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً).

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وفي السنن والمسانيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (بعثت بالحنيفية السمحة) ].

    فينبغي للدعاة ألا يكون بينهم نزاع وشقاق في المسائل الفروعية، أما إذا كان الخلاف في أمر الاعتقاد فلا بد من تصحيح العقيدة، لكن في الفروع ينبغي للدعاة أن يتطاوعوا ولا يختلفوا.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقال الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسيره: حدثنا عبد الله بن إسحاق بن إبراهيم حدثنا يحيى بن أبي طالب حدثنا عبد الوهاب بن عطاء حدثنا أبو مسعود الجريري عن عبد الله بن شقيق عن محجن بن الأدرع : (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً يصلي فتراءاه ببصره ساعة فقال: أتراه يصلي صادقاً؟ قال: قلت: يا رسول الله! هذا أكثر أهل المدينة صلاة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تسمعه فتهلكه، وقال: إن الله إنما أراد بهذه الأمة اليسر ولم يرد بهم العسر)، ومعنى قوله (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) أي: إنما أرخص لكم في الإفطار للمرض والسفر ونحوهما من الأعذار لإرادته بكم اليسر، وإنما أمركم بالقضاء لتكملوا عدة شهركم ].

    بيان معنى قوله تعالى: (ولتكبروا الله على ما هداكم)

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ قوله: وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُم ْ[البقرة:185] أي: ولتذكروا الله عند انقضاء عبادتكم، كما قال: فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا [البقرة:200]، وقال: فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [الجمعة:10]، وقال: وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ * وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ [ق:39-40]، ولهذا جاءت السنة باستحباب التسبيح والتحميد والتكبير بعد الصلوات المكتوبات.

    وقال ابن عباس : (ما كنا نعرف انقضاء صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بالتكبير) ولهذا أخذ كثير من العلماء مشروعية التكبير في عيد الفطر من هذه الآية: (وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ) حتى ذهب داود بن علي الأصبهاني الظاهري إلى وجوبه في عيد الفطر؛ لظاهر الأمر في قوله: وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ [البقرة:185]، وفي مقابلته مذهب أبي حنيفة رحمه الله أنه لا يشرع التكبير في عيد الفطر، والباقون على استحبابه على اختلاف في تفاصيل بعض الفروع بينهم.

    وقوله: (وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) أي: إذا قمتم بما أمركم الله من طاعته بأداء فرائضه وترك محارمه وحفظ حدوده، فلعلكم أن تكونوا من الشاكرين بذلك ].

    التكبير في عيد الفطر، وفي عيد الأضحى ثلاثة عشر يوماً: من دخول عشر ذي الحجة إلى غروب الشمس من يوم الثالث عشر من شهر ذي الحجة، أما قول داود : إنه واجب فهذا ضعيف، وقد استدل بقوله تعالى: (ولتكبروا الله) فـداود الظاهري ظن أن اللام في قوله: (ولتكبروا الله) للأمر، واللام ليست للأمر، وإنما هي للتعليل، يعني: لأجل أن تكبروا الله، فلهذا قال بالوجوب.

    إذاً: الصواب أن التكبير مستحب ليس بواجب كما عليه الجمهور، أما قول أبي حنيفة : إنه غير مشروع فهو ضعيف.

    وقوله: (لا تسمعه فتهلكه) يعني: لأنه قد يعجب، وهذا الحديث فيه بعض النكارة، والأقرب أنه ضعيف.

    1.   

    الأسئلة

    حكم قول (والنبي) بغير قصد اليمين

    السؤال: تستعمل كلمة (والنبي)، في كثير من الأحيان في بعض المناطق ولا يراد بها القسم، ولكنها عادة جرت الألسنة عليها، ألا يعتبر هذا جائزاً من باب: (أفلح وأبيه إن صدق

    الجواب: لا قول: (والنبي) شرك؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك)، وأما رواية: (أفلح وأبيه إن صدق) فإن العلماء أجابوا عنها بأجوبة أرجحها أن هذا كان قبل النهي، وبعضهم قال: أصل الرواية: (أفلح والله) لكن تصحف على بعض الرواة فقال: (أفلح وأبيه)، ومنهم من قال: إنه هذا مما يجري على اللسان.

    إذاً: الصواب أن هذا كان قبل النهي، فينبغي للإنسان ترك هذه العادة، وأن يجاهد نفسه حتى يترك هذه العادة، وقد جاء في الحديث الآخر: (من قال: واللات والعزى فليقل: لا إله إلا الله).

    حكم إهداء ثواب قراءة القرآن للميت

    السؤال: ما هو القول الصحيح في مسألة إهداء ثواب قراءة القرآن؟

    الجواب: فيه خلاف بين أهل العلم، فالمالكية والشافعية يرون المنع، والحنابلة والأحناف يرون الجواز، والأصل في هذا أن النصوص وردت في وصول الثواب للميت بأربعة أشياء: بالدعاء والصدقة والحج والعمرة.

    فهذه وردت فيها نصوص، وذهب الحنابلة وجماعة كثيرون والأحناف إلى أنه يقاس عليها إهداء ثواب قراءة القرآن، وإهداء ثواب الصوم، وإهداء ثواب الصلاة، كأن تصلي ركعتين وتهدي ثوابهما للميت، وتقرأ قرآناً وتهدي ثوابه، وتسبح وتهدي ثوابه للميت، وذهب آخرون من أهل العلم إلى الوقوف عند النصوص، وهذا هو الأرجح؛ لأن العبادات توقيفية، وإنما تقرأ القرآن لنفسك وتدعو للميت، وتصلي لنفسك ركعتين وتدعو للميت، وتصوم لنفسك وتدعو للميت، إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من مات وعليه صيام صام عنه وليه)، رواه البخاري في الصحيح عن عائشة رضي الله عنها، فإذا أفطر شخص لعذر ومات وعليه صوم من رمضان أو نذر أو كفارة؛ فإنه يقضى عنه استحباباً، وإن لم يرغب وليه في القضاء فإنه يطعم عنه عن كل يوم مسكيناً.

    إذاً: إهداء ثواب الصوم وإهداء ثواب الصلاة وإهداء ثواب القراءة وإهداء ثواب الطواف بالبيت وإهداء ثواب التسبيح الأرجح تركه، خلافاً للأحناف والحنابلة الذين يرون الجواز، وظاهر قول الجمهور المنع.

    وقد ذكر ابن القيم في كتاب الروح، ونقله عنه ابن أبي العز في شرح الطحاوية أن الصواب الوقوف عند النصوص والاقتصار على الدعاء للميت والصدقة والحج والعمرة، والأضحية من الصدقة. وأما الصلاة فإنه يصلي لنفسه ويدعو للميت، وكذلك يصوم لنفسه ويدعو للميت، ويقرأ القرآن لنفسه ويدعو للميت، وهذا هو الأرجح.

    واضع تراجم صحيح مسلم

    السؤال: هل التراجم في صحيح مسلم من وضع الإمام مسلم أم النووي ؟

    الجواب: التراجم من وضع النووي ، فـ مسلم لم يضع إلا الكتاب، أي: كتاب الصلاة، وكتام الصوم، ونحو ذلك، والشراح هم الذين وضعوا التراجم.

    جريان الصدقة على الميت إذا كانت من غير ماله

    السؤال: هل تعتبر الصدقة جارية إن كانت من غير مال المتوفى؟

    الجواب: إذا مات الميت ثم اتفق جماعة فبنوا له مسجداً أو طبعوا مصاحف وجعلوا ثوابها للميت فإنها تصل، وتكون صدقة جارية ولو لم يكن هو الذي فعل.

    جهة ابتداء الصف في الصلاة

    السؤال: هل إنشاء الصف من اليمين أفضل، أم القرب من الإمام ولو كان من جهة اليسار؟

    الجواب: الصف يبتدأ من خلف الإمام، واليمين أفضل ولو كان اليسار أقرب.