إسلام ويب

تفسير سورة البقرة [153-157]للشيخ : عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد حثنا الله تعالى بالاستعانة بالصبر والصلاة، ففيهما عون وفرج لمن قام بهما من كثير من الضوائق والأزمات، ولقد أخبرنا تعالى أنه سيبتلي عباده بكثير من الابتلاءات في النفس والمال والولد، وأن الصابرين والمسترجعين لهم صلوات من ربهم ورحمة وأنهم هم المفلحون.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة...)

    قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ * وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ [البقرة:153-154].

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [لما فرغ تعالى من بيان الأمر بالشكر شرع في بيان الصبر والإرشاد والاستعانة بالصبر والصلاة، فإن العبد إما أن يكون في نعمة فيشكر عليها، أو في نقمة فيصبر عليها، كما جاء في الحديث: (عجباً للمؤمن! لا يقضي الله له قضاء إلا كان خيراً له: إن أصابته سراء فشكر كان خيراً له، وإن أصابته ضراء فصبر كان خيراً له) ].

    فالإنسان يتقلب بين النعمة وبين المحنة والمصيبة، فإذا كان في نعمة فإنه يجب عليه أن يشكر، وإذا كان في بلاء ومحنة فعليه أن يصبر ولا يجزع ولا يسخط، وهناك حالة ثالثة: وهي أن يكون في ذنب، فيتوب ويبادر بالتوبة، فالإنسان يتقلب بين هذه الأحوال الثلاثة:

    إما في نعمة؛ فيجب عليه أن يشكر الله عليها بقلبه ولسانه وجوارحه، ويعترف لله تعالى بالنعمة، ويعظم الله عز وجل، ويثني على الله بلسانه، وينسب هذه النعمة إلى الله عز وجل، ويستعملها في مرضاته.

    وإن كان في بلاء ومحنة كمرض أو فقد الأحبة أو فقد المال، وسواء كانت هذه المحنة في نفسه أو أهله أو ماله أو ولده، فعليه أن يصبر، فيحبس لسانه عن الجزع وعن التشكي، ويحبس الجوارح عما يغضب الله، فلا يلطم خداً ولا ينتف شعراً، وإنما يصبر ويحتسب، فإن لطم الخد وشق الجيب أو الثوب مما ينافي الصبر، فإن تشكى بلسانه كأن يقول: لماذا أصبت أنا من بين الناس أو غير ذلك، فهذه شكاية لله، وهذا هو الجزع، فالمؤمن يجب أن يحبس لسانه عن التشكي، ونفسه عن الجزع فلا يكون جزعاً، ويحبس لسانه عما يغضب الله.

    والحالة الثالثة: أن يقع في معصية وفي ذنب، فعليه أن يبادر بالتوبة.

    فهذه هي عناوين سعادة العبد: إذا أعطي شكر، وإذا ابتلي صبر، وإذا أذنب تاب واستغفر، فإذا كان الإنسان هذه حاله فهذا دليل على سعادته.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وبين تعالى أن أجود ما يستعان به على تحمل المصائب الصبر والصلاة، كما تقدم في قوله: وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ [البقرة:45].

    وفي الحديث: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا حزبه أمر صلى).

    أنواع الصبر

    والصبر صبران: فصبر على ترك المحارم والمآثم، وصبر على فعل الطاعات والقربات، والثاني أكثر ثواباً؛ لأنه المقصود، وأما الصبر الثالث وهو الصبر على المصائب والنوائب فذاك أيضاً واجب كالاستغفار من المعايب ].

    إذاً: فالصبر ثلاثة أنواع: صبر على طاعة الله، بأن يصبر على الطاعة حتى يؤديها، فإن العبد لا يستطيع أن يؤدي الواجبات إلا بالصبر، فلابد له أن يصبر.

    وصبر عن المعاصي وعن محارم الله حتى يجتنبها.

    وصبر على أقدار الله المؤلمة، فلا يتسخط على قضاء الله وقدره.

    والصبر على طاعة الله أكثر ثواباً، والمقصود من الطاعات والقربات أن يمتثلها العبد ويعملها، وأما المناهي فإنها تترك؛ لأنها تضاد الأوامر، ومعروف أن الفعل أصعب من الترك، ولذلك كان ثواب الصبر على الطاعات أعظم من الصبر عن ترك المحرمات، ونحن نجد أن الصلاة شرعها الله تعالى لما فيها من ذكره، ولأنها تنهى عن الفحشاء، ولكن الذكر الذي فيها أعظم، ولهذا قال سبحانه: وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ [العنكبوت:45]، فالذكر أكبر وأعظم من الانتهاء عن الفحشاء، مع أن كليهما مطلوب، وكليهما فيه خير وطاعة لله سبحانه وتعالى.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ كما قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : الصبر في بابين: الصبر لله بما أحب وإن ثقل على الأنفس والأبدان، والصبر لله عما كره وإن نازعت إليه الأهواء، فمن كان هكذا فهو من الصابرين الذين يسلم عليهم إن شاء].

    فضل الصبر

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقال علي بن الحسين زين العابدين : (إذا جمع الله الأولين والآخرين ينادي مناد أين الصابرون ليدخلوا الجنة قبل الحساب، قال: فيقوم عنق من الناس فتتلقاهم الملائكة فيقولون: إلى أين يا بني آدم! فيقولون: إلى الجنة، فيقولون: قبل الحساب؟ قالوا: نعم. قالوا: ومن أنتم؟ قالوا: نحن الصابرون. قالوا: وما كان صبركم؟ قالوا: صبرنا على طاعة الله، وصبرنا عن معصية الله حتى توفانا الله، قالوا: أنتم كما قلتم ادخلوا الجنة فنعم أجر العاملين).

    قلت: ويشهد لهذا قوله تعالى: إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ [الزمر:10].

    وقال سعيد بن جبير : الصبر اعتراف العبد لله بما أصاب منه، واحتسابه عند الله رجاء ثوابه، وقد يجزع الرجل وهو متجلد لا يرى منه إلا الصبر ].

    يعني: أن هذا وإن كانت جوارحه متجلدة ساكنة لكن نفسه جزعة، فهو يتسخط ولا حول ولا قوة إلا بالله.

    وقول علي بن الحسين يوافق قوله تعالى: إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ [الزمر:10] فالصبر منزلته من الإيمان كمنزلة الرأس من الجسد، ولذا ينادي يوم القيامة: ألا أنه لا إيمان لمن لا صبر له، فمن فقد الصبر فقد الإيمان؛ لأنه لا يحصل الإيمان ولا يحصل أداء الواجبات إلا بالصبر، وقديماً قالوا: وجدنا خير عيشنا في الصبر.

    وهذا الجزع من العبد ذنب، وإن كان الإنسان جوارحه متجلدة وساكنة؛ لأنه يتسخط على ربه، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات ...)

    قال تعالى: وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ [البقرة:154].

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ يخبر تعالى أن الشهداء في برزخهم أحياء يرزقون، كما جاء في صحيح مسلم : (أن أرواح الشهداء في حواصل طير خضر تسرح في الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى قناديل معلقة تحت العرش، فاطلع عليهم ربك اطلاعة فقال: ماذا تبغون؟ قالوا: يا ربنا، وأي شيء نبغي وقد أعطيتنا ما لم تعط أحداً من خلقك، ثم عاد عليهم بمثل هذا، فلما رأوا أنهم لا يتركون من أن يسألوا، قالوا: نريد أن تردنا إلى الدار الدنيا فنقاتل في سبيلك حتى نقتل فيك مرة أخرى، لما يرون من ثواب الشهادة، فيقول الرب جل جلاله: إني كتبت أنهم إليها لا يرجعون) ].

    هذا ما ذكره هنا والبقية في صحيح مسلم : (إن أرواح الشهداء في حواصل طير خضر تسرح في الجنة، وتأكل من ثمارها).

    وقوله: (فاطلع عليهم ربك اطلاعاً) هذا فيه فضل الشهداء.

    الفرق بين الشهيد وغيره في نعيم البرزخ

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وفي الحديث الذي رواه الإمام أحمد عن الشافعي عن الإمام مالك عن الزهري عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (نسمة المؤمن طائر تعلق في شجر الجنة حتى يرجعها إلى جسده يوم يبعثه) ].

    معنى تعلق في شجر الجنة يعني: تأكل في شجر الجنة.

    وهذا الحديث مسلسل بالأئمة، فقد رواه الإمام أحمد عن الإمام الشافعي عن الإمام مالك عن الزهري عن عبد الله بن كعب عن أبيه كعب بن مالك.

    ومعنى النسمة أي: روح المؤمن تكون على شكل طائر، تتنعم في الجنة وتأكل من أثمارها، وأما أرواح الشهداء فإنها تتنعم أكثر من تنعم سائر المؤمنين؛ لأن أرواح الشهداء تكون في حواصل طير خضر، ترد أنهار الجنة وتأكل من ثمارها، وأما سائر المؤمنين فتتنعم منهم الروح وحدها حتى يرجعها إلى جسده يوم يبعثه.

    وأما أرواح الشهداء فإنها تكون في حواصل طير خضر؛ لأن الشهداء بذلوا أجسادهم لله حتى بليت وقتلت، فعوض الله الأرواح أجساداً تتنعم بواسطتها وهي حواصل طير خضر، والروح ترجع وتكون لها صلة بالجسد، لكنها صلة برزخية، أما يوم القيامة فإنها ترد إلى جسده رداً كاملاً، ففي البرزخ الأحكام على الروح أكثر، والجسد يناله ما قدر له، وأما في دار الدنيا فالأحكام على الجسد أكثر، فإذا تألم الإنسان أو تنعم فالجسد أكثر تألماً، وفي البرزخ يكون الأمر بالعكس، فإذا تنعم المرء يكون ذلك على الروح والجسد، وفي يوم القيامة ينال كل من الجسد والروح حظه.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ففيه دلالة لعموم المؤمنين أيضاً، وإن كان الشهداء قد خصصوا بالذكر في القرآن تشريفاً لهم وتكريماً وتعظيماً ].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ...)

    أنواع الابتلاء والحكمه منها

    قال الله عز وجل: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الأَمْوَالِ وَالأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ [البقرة:155-157].

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ أخبرنا تعالى أنه يبتلي عباده، أي: يختبرهم ويمتحنهم كما قال تعالى وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ [محمد:31].

    فتارة بالسراء وتارة بالضراء من خوف وجوع، كما قال تعالى: فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ [النحل:112]، فإن الجائع والخائف كل منهما يظهر ذلك عليه، ولهذا قال: لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ [النحل:112]، وقال هاهنا: بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ [البقرة:155]، أي: بقليل من ذلك. وَنَقْصٍ مِنَ الأَمْوَالِ [البقرة:155]أي: ذهاب بعضها، وَالأَنفُسِ [البقرة:155]كموت الأصحاب والأقارب والأحباب وَالثَّمَرَاتِ [البقرة:155] أي: لا تغل الحدائق والمزارع كعادتها.

    قال بعض السلف: فكانت بعض النخيل لا تثمر غير واحدة، وكل هذا وأمثاله مما يختبر الله به عباده، فمن صبر أثابه، ومن قنط أحل به عقابه، ولهذا قال تعالى : وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ [البقرة:155].

    وقد حكى بعض المفسرين أن المراد من الخوف ههنا: خوف الله، وبالجوع صيام رمضان، وبنقص الأموال: الزكاة والأنفس: الأمراض، والثمرات: الأولاد، وفي هذا نظر، والله أعلم.

    ثم بين تعالى من الصابرون الذين شكرهم فقال: الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ [البقرة:156]أي: تسلوا بقولهم هذا عما أصابهم، وعلموا أنهم ملك لله يتصرف في عبيده بما يشاء، وعلموا أنه لا يضيع لديه مثقال ذرة يوم القيامة، فأحدث لهم ذلك اعترافهم بأنهم عبيده، وأنهم إليه راجعون في الدار الآخرة ].

    هذه الآيات الكريمات فيها بيان أنه سبحانه وتعالى يبتلي عباده في السراء والضراء، فيختبرهم ويمتحنهم سبحانه وتعالى، فهو يبتليهم بالسراء؛ ليتبين الشاكر من الكافر والجاحد لنعمة الله، ويبتليهم بالضراء؛ ليتبين الصابر من الجازع، وقد يبتلي عباده بالعافية؛ ليرى أيشكر الإنسان ربه على عافيته، ويستعملها في طاعة الله، أو يستعملها في معاصيه، وقد يبتليه بالمال، أو يبتليه بالولد، أو يبتليه بالثمار والزروع والنفوس والعقارات وغيرها؛ ليعلم هل يشكرون الذي أنعم عليهم بهذه النعم، أو يكفرونها ويجحدونها ويستعملونها في معاصي الله عز وجل؟ كما أنه يبتلي بالضراء بعض عباده، فيبتليه بالفقر لينظر يصبر أو يجزع لإصابته بالمرض، وبفقد الأحبة، وفقد الأولاد، ونزول الأمراض والمصائب، ونقص الأموال والأنفس والثمرات، فكل هذا ابتلاء من الله عز وجل، واختبار لعباده.

    فما من أحد إلا وهو مبتلى إما بالسراء أو بالضراء، كما قال سبحانه: الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ [الملك:2]، فالمعافى مبتلى بعافيته هل يستعملها في طاعة الله، أو يستعملها في معاصيه؟ والمريض مبتلى في مرضه، هل يصبر أو يجزع، والغني مبتلىً بغناه وماله هل يشكر الله وهل يستعمل هذا المال في طاعة الله أو في معاصيه، والفقير كذلك مبتلى بفقره هل يصبر فيكون صابراً فيحصل له الأجر، أو يجزع ويكون متسخطاً على قضاء الله وقدره.

    ولهذا قال سبحانه: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ [البقرة:155]، فالخوف فإنه من الضراء، والأمن: من السراء، والجوع والفقر من الضراء والغنى من السراء، وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الأَمْوَالِ وَالأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ [البقرة:155]، ثم قال سبحانه: وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ [البقرة:155] وهذه بشارة للصابرين يبشرهم الله بما لهم من الجزاء الذي ذكره سبحانه وتعالى في الآية الثانية.

    وقد بين سبحانه من هم الصابرون، فقال: وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ [البقرة:155-156]، فهم يسلمون لقضاء الله وقدره، ولا يعترضون على قضاء الله وقدره، ويقولون: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ [البقرة:156]، فيتسلون بهذه الكلمة العظيمة: إِنَّا لِلَّهِ [البقرة:156] يعني: إنا ملك لله وعبيد له يتصرف فينا كيف يشاء بمقتضى علمه وحكمته، هو كما قال: إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ [الأنعام:83]، فله الحكمة البالغة سبحانه وتعالى، يبتلي بالسراء والضراء لحكمة بالغة؛ لأنه سبحانه وتعالى حكيم في خلقه وفي قضائه وقدره، وفي شرعه أمره ونهيه، فيخلق لحكمة، ويأمر بالشيء لحكمة، وينهى عن الحرام لحكمة، ونحن ملك له وعبيد له يتصرف فينا كيف يشاء بمقتضى علمه وحكمته، وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ [البقرة:156] أي: في الدار الآخرة، وهذا فيه بيان أنه ينبغي للإنسان أن يستعد إذا علم أنه راجع إلى الله، فعليه أن يستعد للقاء الله تعالى بالعمل الصالح؛ حتى يحصل الجزاء الحسن.

    ثواب الصابرين

    لقد بين سبحانه وتعالى ثواب الصابرين فقال: أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ [البقرة:157]، فهم المهتدون في الدنيا، وعليهم صلوات أي: ثناء الله عليهم في الملأ الأعلى، ولهم رحمة يرحمهم بها الله سبحانه وتعالى، ومن رحمه الله فهو السعيد.

    فهذه الآيات عظيمة لمن تأملها وتدبرها، وكل آيات القرآن الحكيم عظيمة لكن المهم هو التدبر والتعقل والتفهم، ثم الامتثال والعمل.

    ويدخل في الآية السابقة موت العالم، فلا شك أن موت العلماء من المصائب على الأمة؛ لأن في موت العلماء قبض للعلم.

    وقد ثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من صدور الرجال، ولكن يقبض العلم بموت العلماء، حتى إذا لم يبق عالم- وفي رواية:- حتى إذا لم يبق عالماً -اتخذ الناس رؤوساً جهالاً، فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا) ولا شك أنها مصيبة عظيمة ونقص عظيم.

    وقد جاء في سنن ابن ماجة (إن فقيهاً واحداً أشد على الشيطان من ألف عابد) وإن كان الحديث لا يصح لكن هناك شواهد تدل على معناه، وهناك أدلة أخرى تدل على أن موت العالم وقعه عظيم، ولهذا فهو شديد على الشيطان؛ لأن العابد قد يضله الشيطان بسبب جهله، بخلاف العالم فإنه يبصر الناس ويبين لهم الحق.

    وهذه الآية ليست خاصة بالأقارب بل هي عامة في الأقارب وفي غيرهم من الأمة.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ولهذا أخبر تعالى عما أعطاهم على ذلك فقال: أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ [البقرة:157] أي: ثناء من الله عليهم.

    قال سعيد بن جبير: أي: أمنة من العذاب، وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ [البقرة:157]قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه: نعم العدلان، ونعمت العلاوة ].

    هذا لفظ ذكره البخاري رحمه الله في صحيحه في كتاب الجنائز، قال: نعم العدلان ونعم العلاوة يعني: أن الله تعالى بين جزاء الصابرين فقال: أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ [البقرة:157]، فالصلوات والرحمة هما: العدلان، مثل حمل البعير من الجانبين.

    والعلاوة: هي الزيادة على ذلك بينهما، فجعل الصلوات والرحمة هما العدلان، وكما أن حمل البعير يكون من الجانبين على اليمين وعلى الشمال، فهما هنا الصلوات والرحمة،ثم يذكر الزيادة على الحمل وهي العلاوة بينهما، وهي الهداية، هذا هو معنى قوله: نعم العدلان ونعمت العلاوة،

    وهذا ثواب عظيم للصابرين.

    والصلوات إذا أطلقت وحدها دخلت فيها الرحمة، وإذا قرنت بها معرفة فالمراد بها ثناء الله على عبده في الملأ الأعلى، وأصح ما قيل في صلاة الله على عبده هو ثناؤه عليه في الملأ الأعلى، كما روى البخاري رحمه الله عن أبي العالية أنه قال: صلاة الله على عبده ثناؤه عليه في الملأ الأعلى، كقوله سبحانه: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ [الأحزاب:56].

    فهؤلاء الصابرون لهم صلوات من ربهم، أي: ثناء من الله ورحمة منه، وهذان عدلان، وفوق ذلك العلاوة وهي الهداية، فهم مهتدون في الدنيا، وهذه الميزة لهم لأنهم قد صبروا واحتسبوا، وسلموا لأمر الله، وامتثلوا أمر الله فحصلت لهم الهداية.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه: نعم العدلان ونعمت العلاوة: أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ [البقرة:157] فهذان العدلان وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ [البقرة:157] فهذه العلاوة، وهي ما توضع بين العدلين، وهي زيادة في الحمل، فكذلك هؤلاء أعطوا ثوابهم وزيدوا أيضاً ].

    زيادة في الحمل، أي: في حمل البعير، فالحمل عدلان متعادلان، ثم توضع الزيادة على الحمل بينهما.

    وهؤلاء أعطوا الثواب كاملاً وزادهم الله العلاوة وهي الهداية، وهذا فضل عظيم من الله للصابرين.

    ثواب الاسترجاع، وذكر الأحاديث الواردة في ذلك

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقد ورد في ثواب الاسترجاع وهو قول إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ [البقرة:156]عند المصائب أحاديث كثيرة، فمن ذلك: ما رواه الإمام أحمد حيث قال: حدثنا يونس بن محمد حدثنا ليث يعني ابن سعد بن أسامة بن الهاد عن عمرو بن أبي عمرو عن المطلب عن أم سلمة قالت: أتاني أبو سلمة يوماً من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: لقد سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم قولاً سررت، به قال : (لا يصيب أحداً من المسلمين مصيبة فيسترجع عند مصيبته، ثم يقول: اللهم اؤجرني في مصيبتي واخلف لي خيراً منها إلا فعل ذلك به) ].

    يجوز في كلمة اؤجرني في مصيبتي أن يقول: اللهم آجرني بالمد وكسر الجيم، أو يقول: اللهم اؤجرني بإسكان الهمزة وضم الجيم، وهذا الحديث ضعيف؛ لأن المطلب لم يسمع من أم سلمة فيكون الحديث منقطعاً، وقيل: إنه مدلس، ولكن أصح منه ما في الصحيحين عن أم سلمة .

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ قالت أم سلمة : فحفظت ذلك منه، فلما توفي أبو سلمة استرجعتُ وقلت: اللهم اؤجرني في مصيبتي وأخلف لي خيراً منها، ثم رجعت إلى نفسي فقلت : من أين لي خير من أبي سلمة؟ فلما انقضت عدتي استأذن علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أدبغ إهاباً لي، فغسلت يدي من القرظ ].

    والقرظ: هوالذي يدبغ به الجلد.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وأذنت له، فوضعت له وسادة أدم حشوها ليف فقعد عليها، فخطبني إلى نفسي، فلما فرغ من مقالته قلت: يا رسول الله! ما بي ألا يكون بك الرغبة، ولكني امرأة فيَّ غيرة شديدة، فأخاف أن ترى مني شيئاً يعذبني الله به وأنا امرأة قد دخلت في السن، وأنا ذات عيال.

    فقال: أما ما ذكرت من الغيرة فسوف يذهبها الله عز وجل عنك، وأما ما ذكرت من السن قد أصابني مثل الذي أصابك ].

    يعني: تقدمت في السن مثلك.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وأما ما ذكرت من العيال فإنما عيالك عيالي ].

    الحكمة من تعدد زوجات الرسول عليه الصلاة والسلام

    والرسول صلى الله عليه وسلم كان قد تزوج بعدد من الزوجات؛ لحكم ومصالح تتعلق بالإسلام والدعوة إلى الله عز وجل، فليس المراد ذات التعدد كما يفعل بعض الناس، ولهذا جميع زوجات النبي صلى الله عليه وسلم كن ثيبات ما عدا عائشة رضي الله عنها، وقد تزوجهن لمصالح تتعلق بالدعوة وتأليف القبائل،ومناصرة الإسلام ونفع الشريعة، ولو أراد عليه الصلاة والسلام أن يتزوج أبكاراً لحصل له ذلك، وأعطي عليه الصلاة والسلام ما يريد، فليس المراد التعدد لأجل الشهوة كما يفعله بعض الناس، أو التلذذ بل كان تعدده عليه الصلاة والسلام لمصالح تتعلق بدعوة الناس إلى الإسلام، وتبليغ أحكام الشريعة وانتشار الإسلام في القبائل، ولتتوقف الصلة بينه وبين القبائل عليه الصلاة والسلام.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ قالت: فقد سلمت لرسول الله صلى الله عليه وسلم فتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت أم سلمة بعد: أبدلني الله بـأبي سلمة خيراً منه: رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وفي صحيح مسلم عنها أيضاً أنها قالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : (ما من عبد تصيبه مصيبة فيقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي وأخلف لي خيراً منها، إلا آجره الله في مصيبته وأخلف له خيراً منها، قالت: فلما توفي أبو سلمة قلت كما أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخلف الله لي خيراً منه: رسول الله صلى الله عليه وسلم) ].

    والظاهر أنه في البخاري أيضاً ولكن هناك اختلاف في بعض الألفاظ في الصحيحين، وهذا يغني عن حديث المطلب بن حنطب ، وحديث أم سلمة هو عند مسلم والبخاري في كتاب الجنائز.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقال الإمام أحمد : حدثنا يزيد وعباد بن عباد قالا: حدثنا هشام بن أبي هشام حدثنا عباد بن زياد عن أمه عن فاطمة ابنة الحسين عن أبيها الحسين بن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (ما من مسلم ولا مسلمة يصاب بمصيبة فيذكرها وإن طال عهدها وقال عباد : قدم عهدها فيحدث لذلك استرجاعاً إلا جدد الله له عند ذلك، فأعطاه مثل أجرها يوم أصيب)].

    وفي هذا السند مبهم وهي أم عباد.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ورواه ابن ماجة في سننه عن أبي بكر بن أبي شيبة عن وكيع عن هشام بن زياد عن أمه عن فاطمة بنت الحسين عن أبيها،وقد رواه إسماعيل بن علية ويزيد بن هارون عن هشام بن زياد عن أبيه -كذا- عن فاطمة عن أبيها]

    و هشام بن زياد الأموي مولاهم أبو المقدام، وروى عن أبي صالح السمان وعن آدم بن إياس ومسلم بن إبراهيم، ضعفه أحمد وأبو زرعة وغيرهما، وهشام بن زياد ضعيف، وكذلك أمه مبهمة مجهولة.

    وفاطمة هنا روت عن أبيها الحسين وكان صغيراً عندما توفي النبي صلى الله عليه وسلم، لكن ولعله سمعه من أحد الصحابة، وهذا لو صح لكن الحديث لم يصح؛ ففيه هشام وهو ضعيف، وأمه مبهمة.

    والإنسان إذا سلم لله عز وجل واسترجع وقال: إنا لله وإنا إليه راجعون فهذا لا شك أنه يرجع نحو المثوبة، لكن كونه يعطى مثل أجر المصيبة عندما أصابته فهذا هو الذي دل عليه الحديث، وهو قد يختلف، والحديث ضعيف.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقال الإمام أحمد أنبأنا يحيى بن إسحاق السيلحيني ].

    السيلحيني ويقال: السالحيني، أي: قد تسهل الياء فتكون ألفاً لينة فيقال: السالحيني .

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ قال: أنا حماد بن سلمة عن أبي سنان قال: دفنت ابناً لي، فإني لفي القبر إذ أخذ بيدي أبو طلحة يعني الخولاني، فأخرجني وقال لي: ألا أبشرك؟ قلت: بلى قال: حدثني الضحاك بن عبد الرحمن بن عرزب عن أبي موسى رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (قال الله: يا ملك الموت قبضت ولد عبدي ؟ قبضت قرة عينه وثمرة فؤاده؟ قال: نعم، قال: فما قال؟ قال: حمدك واسترجع، قال: ابنو له بيتاً في الجنة وسموه بيت الحمد) ].

    يحيى بن إسحاق السيلحيني روى عن أبان بن يزيد العطار وجعفر بن كيسان ويحيى بن أيوب وحماد بن سلمة وطائفة، وروى عنه: أحمد بن حنبل ومحمد بن عبد الله المخرمي وطائفة، قال ابن سعد: كان ثقة حافظاً.

    وقال أحمد : شيخ ثقة.

    وقال ابن معين : صدوق.

    و يحيى السلجيني ينسب إلى قرية في العراق بقرب بغداد.

    وهنا روى حماد عن أبي سنان، وأبو سنان ضعيف جداً.

    و أبو طلحة الخولاني حافظ.

    وأبو سنان هو كما ذكر المؤلف عيسى بن سنان الحنفي أبو سنان بن عيسى الحنفي ثم البصري، وثقه ابن معين في رواية يعقوب بن شيبة، وقواه ابن حبان، وضعفه أحمد والنسائي .

    والمقصود أن الحديث ضعيف، لكن لا شك أن الاسترجاع فضله عظيم، وقد دلت عليه الآية الكريمة وهي كافية في هذا إذ قال تعالى: وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ [البقرة:155-157].

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ثم رواه عن علي بن إسحاق عن عبد الله بن المبارك فذكره، وهكذا رواه الترمذي عن سويد بن نصر عن ابن المبارك به. وقال: حسن غريب واسم أبي سنان عيسى بن سنان ].

    و الضحاك بن عبد الرحمن بن عرزب بالمهملتين ثم المعجمة كدحرج، وهو الأزدي الأشعري أبو عبد الرحمن الطبري الدمشقي، وليها لـعمر بن عبد العزيز ، أي: ولي بلاد دمشق لـعمر بن عبد العزيز ، وقد روى الضحاك عن أبيه، وأبي موسى، وعن مكحول، وحريز بن عثمان، والأوزاعي، وثقه العجلي .