إسلام ويب

تفسير سورة البقرة [144-152]للشيخ : عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد صلى النبي صلى الله عليه وسلم إلى بيت المقدس ستة عشر شهراً أو سبعة عشر شهراً، وكان ذلك يعجب اليهود، ثم أمره الله تعالى بالتحول إلى البيت الحرام، فهي قبلة أبينا إبراهيم عليه السلام، فأغضب اليهود ذلك، وجعلوا ينكرونه، مع أن من صفات النبي عليه الصلاة والسلام في كتبهم أنه يتوجه إلى قبلة أبيه إبراهيم، لكنهم أهل بهت وعناد، ولا يحبون للمسلمين الخير.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قد نرى تقلب وجهك في السماء...)

    قال الله تعالى: قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ [البقرة:144].

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما: كان أول ما نسخ من القرآن القبلة، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما هاجر إلى المدينة وكان أكثر أهلها اليهود، فأمره الله أن يستقبل بيت المقدس، ففرحت اليهود، فاستقبلها رسول الله صلى الله عليه وسلم بضعة عشر شهراً، وكان يحب قبلة إبراهيم، فكان يدعو الله وينظر إلى السماء، فأنزل الله: قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ [البقرة:144] إلى قوله: فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ [البقرة:144].

    فارتابت من ذلك اليهود وقالوا: مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ [البقرة:142]، وقال: فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ [البقرة:115]، وقال الله تعالى: وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ [البقرة:143].

    وروى ابن مردويه من حديث القاسم العمري عن عمه عبيد الله بن عمر عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا سلم من صلاته إلى بيت المقدس رفع رأسه إلى السماء، فأنزل الله: فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ [البقرة:144] إلى الكعبة إلى الميزاب، يؤم به جبرائيل عليه الصلاة السلام).

    وروى الحاكم في مستدركه من حديث شعبة عن يعلى بن عطاء عن يحيى بن قمطة قال: رأيت عبد الله بن عمرو جالساً في المسجد الحرام بإزاء الميزاب فتلى هذه الآية: فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا [البقرة:144]، قال: نحو ميزاب الكعبة، ثم قال صحيح الإسناد ولم يخرجاه.

    ورواه ابن أبي حاتم عن الحسن بن عرفة عن هشام عن يعلى بن عطاء به ].

    وفي نسخة: عن هشيم عن يعلى بن عطاء ، فإن هشيم يروي عن يعلى .

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وهكذا قال غيره، وهو أحد قولي الشافعي رضي الله عنه، إن الفرض إصابة عين الكعبة ].

    يعني: يجب على الإنسان أن يصيب عين الكعبة، ولا يميل يميناً ولا يساراً.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ والقول الآخر -وعليه الأكثرون-: أن المراد المواجهة، كما رواه الحاكم ].

    أي: المراد الجهة، فعلى القول: إن المراد الجهة، إذا كان بعيداً فيكفيه التوجه إلى جهة القبلة، وأما من كان داخل المسجد الحرام وهو يشاهد الكعبة ففرض عليه أن يصيب عين الكعبة ولا يميل عنها، ولو مال عنها لم تصح صلاته، فلو كان هناك خط بينك وبين الكعبة فيجب أن يصيب هذا الخط الكعبة ولا يميل عنها.

    وقول الشافعي : يجب على كل أحد أن يصيب عين الكعبة فهذا فيه مشقة، وخاصة على من كان بعيداً عنها.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ والقول الآخر وعليه الأكثرون: أن المراد المواجهة، كما رواه الحاكم من حديث محمد بن إسحاق عن عمير بن زياد الكندي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ [البقرة:144] قال: شطره: قبله، ثم قال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه.

    وهذا قول أبي العالية ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وقتادة والربيع بن أنس وغيرهم.

    وكما تقدم في الحديث الآخر: (ما بين المشرق والمغرب قبلة)، وقال القرطبي : روى ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (البيت قبلة لأهل المسجد، والمسجد قبلة لأهل الحرم، والحرم قبلة لأهل الأرض في مشارقها ومغاربها من أمتي) ].

    ابن جريج هذا مدلس وعنعن.

    كما أن هذا الحديث ضعيف ولا يحتج به.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقال أبو نعيم الفضل بن دكين : حدثنا زهير عن أبي إسحاق عن البراء رضي الله عنه، (أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى قبل بيت المقدس ستة عشر شهراً أو سبعة عشر شهراً، وكان يعجبه قبلته قبل البيت، وأنه صلى صلاة العصر وصلى معه قوم، فخرج رجل ممن كان يصلي معه فمر على أهل المسجد وهم راكعون فقال: أشهد بالله لقد صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل مكة فداروا كما هم قبل البيت).

    وقال عبد الرزاق : أخبرنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن البراء رضي الله عنه قال: (لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة صلى نحو بيت المقدس ستة عشر شهراً أو سبعة عشر شهراً، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب أن يحول نحو الكعبة، فنزلت: قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ [البقرة:144]، فصرف إلى الكعبة).

    وروى النسائي عن أبي سعيد بن المعلى قال: (كنا نغدو إلى المسجد على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فنصلي فيه، فمررنا يوماً ورسول الله صلى الله عليه وسلم قاعد على المنبر، فقلت: لقد حدث أمر، فجلست، فقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية: قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا [البقرة:144] حتى فرغ من الآية، فقلت لصاحبي: تعال نركع ركعتبن قبل أن ينزل رسول الله صلى الله عليه وسلم فنكون أول من صلى، فتوارينا فصليناهما، ثم نزل النبي صلى الله عليه وسلم وصلى للناس الظهر يومئذ).

    وكذا روى ابن مردويه عن ابن عمر رضي الله عنهما: (أن أول صلاة صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الكعبة صلاة الظهر، وإنها الصلاة الوسطى)، والمشهور أن أول صلاة صلاها إلى الكعبة صلاة العصر، ولهذا تأخر الخبر عن أهل قباء إلى صلاة الفجر.

    وقال الحافظ أبو بكر بن مردويه : حدثنا سليمان بن أحمد حدثنا الحسين بن إسحاق التستري .

    حدثنا رجاء بن محمد السقطي حدثنا إسحاق بن إدريس حدثنا إبراهيم بن جعفر حدثني أبي عن جدته أم أبيه نويلة بنت مسلم قالت: صلينا الظهر -أو العصر- في مسجد بني حارثة، فاستقبلنا مسجد إيلياء فصلينا ركعتين، ثم جاء من يحدثنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد استقبل البيت الحرام، فتحول النساء مكان الرجال والرجال مكان النساء، فصلينا السجدتين الباقيتين ونحن مستقبلون البيت الحرام، فحدثني رجل من بني حارثة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أولئك رجال يؤمنون بالغيب) ].

    قوله: التستري، نسبة إلى بلدة تستر.

    وقول الراوية: مسجد إيلياء، يعني: بيت المقدس.

    وقولها: فصلينا السجدتين الباقيتين، يعني: الركعتين الباقيتين من الصلاة الرباعية.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقال ابن مردويه أيضاً حدثنا محمد بن علي بن دحيم حدثنا أحمد بن حازم حدثنا مالك بن إسماعيل النهدي حدثنا قيس عن زياد بن علاقة عن عمارة بن أوس قال: بينما نحن في الصلاة نحو بيت المقدس ونحن ركوع إذ نادى مناد بالباب: إن القبلة قد حولت إلى الكعبة، قال فأشهد على إمامنا أنه انحرف فتحول هو والرجال والصبيان وهم ركوع نحو الكعبة.

    وقوله: وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ [البقرة:150] أمر تعالى باستقبال الكعبة من جميع جهات الأرض شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً، ولا يستثنى من هذا شيء سوى النافلة في حال السفر، فإنه يصليها حيثما توجه قالبه، وقلبه نحو الكعبة ].

    حيثما توجه قالبه، يعني جسمه، وقلبه نحو الكعبة.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وكذا في حال المسايفة في القتال يصلي على كل حال ].

    المسايفة يعني: القتل بالسيوف، وأما إذا كان القتل من مكان بعيد بالرماية فتصلى صلاة الخوف، وأما المسايفة فإن فيها قطع الرقاب، فيصلي إلى أي جهة كانت.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وكذا من جهل جهة القبلة يصلي باجتهاده، وإن كان مخطئاً في نفس الأمر؛ لأن الله تعالى لا يكلف نفساً إلا وسعها ].

    فهذه هي الحالات الثلاث التي يكون الإنسان معذوراً فيها في عدم استقبال القبلة: الحالة الأولى: صلاة النافلة، فقد (كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي حيثما توجهت به راحلته)، وأما الفريضة فإنه ينزل ويصلي في الأرض إلى القبلة.

    والحالة الثانية: في حالة المسايفة، أي: في حال القتال بالسيوف.

    والحالة الثالثة: إذا جهل جهة القبلة بعد الاجتهاد، أي: اجتهد في البرية ولكنه جهل جهة القبلة.

    وهناك حالة رابعة أيضاً لم يذكرها الحافظ ابن كثير ، وهو المريض في المستشفى على سريره إذا كان لا يستطيع أن يتوجه إلى القبلة، ولا يوجد من يوجهه، وكذلك المربوط والمصلوب على خشبة لغير جهة القبلة، فإنهم يصلون ولو إلى غير القبلة، يقول الله: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن:16].

    قال المؤلف رحمه الله: [ مسألة: وقد استدل المالكية بهذه الآية على أن المصلي ينظر أمامه لا إلى موضع سجوده، كما ذهب إليه الشافعي وأحمد وأبو حنيفة ، قال المالكية في قوله: فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ [البقرة:144]: فلو نظر إلى موضع سجوده لاحتاج أن يتكلف ذلك بنوع من الانحناء، وهو ينافي كمال القيام.

    وقال بعضهم: ينظر المصلي في قيامه إلى صدره، وقال شريك القاضي: ينظر في حال قيامه إلى موضع سجوده، كما قال جمهور الجماعة؛ لأنه أبلغ في الخضوع، وآكد في الخشوع، وقد ورد به الحديث، وأما في حال ركوعه فإلى موضع قدميه، وفي حال سجوده إلى موضع أنفه، وفي حال قعوده إلى حجره. ].

    والصواب من هذه الأقوال: أنه ينظر إلى موضع سجوده في حال قيامه وركوعه وسجوده، وفي حال التشهد ينظر إلى سبابته، وأما القول بأنه ينظر أمامه، وهو قول المالكية واستدلوا بهذه الآية: فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ [البقرة:144] فليس بجيد؛ لأن المقصود من الأمر الاستقبال لا النظر، أي: المقصود استقبال القبلة، وأما النظر فإنه ينظر إلى موضع سجوده في حال القيام وفي حال الركوع وفي حال السجود، وفي التشهد ينظر إلى موضع سبابته، يفعل ذلك حتى ولو كان يشاهد الكعبة، أو كان في المسجد الحرام.

    وقال بعض العلماء ينظر إلى الكعبة إذا كانت أمامه، والصواب أنه ينظر إلى موضع السجود كما قلنا.

    وأما القول بأنه ينظر إلى الصدر، فهذا ليس بشيء.

    قال المؤلف رحمه الله: [ وقوله: وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ [البقرة:144] أي: واليهود الذين أنكروا استقبالكم وانصرافكم عن بيت المقدس يعلمون أن الله تعالى سيوجهك إليها بما في كتبهم عن أنبيائهم من النعت والصفة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأمته، وما خصه الله تعالى به وشرفه من الشريعة الكاملة العظيمة، ولكن أهل الكتاب يتكاتمون ذلك بينهم حسداً وكفراً وعناداً، ولهذا تهددهم تعالى بقوله: وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ [البقرة:144] ].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك ...)

    قال الله تعالى: وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ [البقرة:145].

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ يخبر تعالى عن كفر اليهود وعنادهم ومخالفتهم ما يعرفونه من شأن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه لو أقام عليهم كل دليل على صحة ما جاءهم به لما اتبعوه وتركوا أهواءهم، كما قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ * وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ [يونس:96-97].

    ولهذا قال ههنا: وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ [البقرة:145]، وقوله: وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ [البقرة:145]، إخبار عن شدة متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم لما أمره الله تعالى به، وأنه كما هم مستمسكون بآرائهم وأهوائهم، فهو أيضاً مستمسك بأمر الله وطاعته واتباع مرضاته، وأنه لا يتبع أهواءهم في جميع أحواله، ولا كونه متجهاً إلى بيت المقدس؛ لكونها قبلة اليهود وإنما ذلك عن أمر الله تعالى.

    ثم حذر تعالى عن مخالفة الحق الذي يعلمه العالم إلى الهوى، فإن العالم الحجة عليه أقوم من غيره، ولهذا قال مخاطباً للرسول والمراد به الأمة: وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ [البقرة:145] ].

    وهذا صحيح ولا شك فيه أن الحجة على العالم أقوم وأعظم، ولهذا جاء في بعض الآثار توبيخ من لا يعمل بعلمه، قال: ليس من يعلم كمن لا يعلم، والله تعالى وبخ أهل الكتاب فقال مخاطباً لهم: أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ [البقرة:44].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم ...)

    قال تعالى: الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [البقرة:146].

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ يخبر تعالى أن علماء أهل الكتاب يعرفون صحة ما جاءهم به الرسول صلى الله عليه وسلم، كما يعرف أحدهم ولده، والعرب كانت تضرب المثل في صحة الشيء بهذا، كما جاء في الحديث: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لرجل معه صغير: ابنك هذا؟ قال: نعم يا رسول الله! أشهد به. قال: أما إنه لا يخفى عليك ولا تخفى عليه) ].

    وهذا الحديث لم يرد بهذا اللفظ، وإنما ورد برواية صحيحة جاءت في مسند الإمام أحمد بلفظ: (أما إنه لا يجني عليك ولا تجني عليه) يعني: أن الأب لا يؤاخذ بجناية الابن، والابن لا يؤاخذ بجناية الأب، كالقتل مثلاً، فإذا قتل الأب فلا يؤاخذ الابن بجناية أبيه، وإذا قتل الابن فلا يؤاخذ الأب بجانية ابنه، كما قال تعالى: أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى [النجم:38] أي: لا يحمل الإنسان وزر أخيه، فالابن لا يحمل وزر أبيه، والأب لا يحمل وزر ابنه، فكل عليه وزره.

    قال المؤلف رحمه الله: [ (أما إنه لا يخفى عليك ولا تخفى عليه).

    قال القرطبي : ويروى عن عمر أنه قال لـعبد الله بن سلام : أتعرف محمداً كما تعرف ولدك؟ قال: نعم وأكثر، نزل الأمين من السماء على الأمين في الأرض بنعته فعرفته، وإني لأدري ما كان من أمه].

    فالأمين من السماء هو جبريل، والأمين في الأرض هو محمد عليه الصلاة والسلام.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ قلت: وقد يكون المراد: يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ [الأنعام:20] من بين أبناء الناس كلهم، لا يشك أحد ولا يمتري في معرفة ابنه إذا رآه من أبناء الناس كلهم.

    ثم أخبر تعالى أنهم مع هذا التحقق والإتقان العلمي لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ [البقرة:146] أي: ليكتمون الناس ما في كتبهم من صفة النبي صلى الله عليه وسلم وَهُمْ يَعْلَمُونَ [البقرة:146].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (الحق من ربك فلا تكونن من الممترين)

    قال الله تعالى: الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ [البقرة:147]

    ثم ثبت تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين وأخبرهم بأن ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم هو الحق الذي لا مرية فيه ولا شك، فقال: الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ [البقرة:147] ].

    وهذه صفة اليهود، وهي كتم الحق، ولبس الحق بالباطل، كما قال تعالى: وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة:42]، فهم يتكاتمون الحق فيما بينهم، وهم يعلمونه بكل يقين يعلمون صدق محمد صلى الله عليه وسلم كما يعلمون أبناءهم: الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [البقرة:146].

    وفي هذا تحذير لهذه الأمة، من أن تسلك مسلك اليهود فيصيبهم ما أصابهم، تحذير من كتمان الحق، ولبس الحق بالباطل، فإذا فعلت هذه الأمة ذلك أصابها ما أصابها من العقوبة والنكال، والله المستعان.

    وقوله تعالى: الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ [آل عمران:60] يعني: فلا تكن من الساكتين، وهذا خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد أمته عليه الصلاة والسلام، والمعنى: أن ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم هو الحق من عند الله، فلا ينبغي لأحد أن يشك فيه، فكل مسلم يجب عليه أن يتيقن هذا، ويعلم أن ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم هو الحق الذي لا مرية فيه ولا شك، وأن محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله حقاً، وأنه جاء بهذه الشريعة من عند الله عز وجل، وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولكل وجهة هو موليها...)

    قال تعالى: وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [البقرة:148].

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ قال العوفي عن ابن عباس رضي الله عنهما: وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا [البقرة:148] يعني بذلك أهل الأديان يقول لكل قبيلة قبلة يرضونها، ووجهة الله حيث توجه المؤمنون.

    وقال أبو العالية : لليهودي وجهة هو موليها، وللنصراني وجهة هو موليها، وهداكم أنتم أيتها الأمة! إلى القبلة التي هي القبلة.

    وروي عن مجاهد وعطاء والضحاك والربيع بن أنس والسدي نحو هذا.

    وقال مجاهد في الرواية الأخرى والحسن : أمر كل قوم أن يصلوا إلى الكعبة.

    وقرأ ابن عباس وأبو جعفر الباقر وابن عامر وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا [البقرة:148] وهذه الآية شبيهة بقوله تعالى: لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا [المائدة:48].

    وقال ههنا: أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [البقرة:148] أي: هو قادر على جمعكم من الأرض وإن تفرقت أجسادكم وأبدانكم ].

    والصواب أن الآية عامة، فقوله: وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا [البقرة:148] تشمل القبلة وغيرها، فمن رزقه الله قبول الحق فقد ولاه الوجهة المستقيمة في القبلة وفي غيرها، ومن خذله الله فلم يقبل الحق فقد انحرف عن الوجهة الصحيحة ولم يوفق لهذه الوجهة الصحيحة لا في القبلة ولا في غيرها.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام...)

    قال الله تعالى: وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ * وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [البقرة:149-150].

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ هذا أمر ثالث من الله تعالى باستقبال المسجد الحرام من جميع أقطار الأرض.

    وقد اختلفوا في حكمة هذا التكرار ثلاث مرات، فقيل: تأكيد؛ لأنه أول ناسخ وقع في الإسلام على ما نص فيه ابن عباس وغيره، وقيل: بل هو منزل على أحوال:

    فالأمر الأول: لمن هو مشاهد الكعبة.

    والثاني: لمن هو في مكة غائباً عنها.

    والثالث: لمن هو في بقية البلدان، هكذا وجهه فخر الدين الرازي.

    وقال القرطبي : الأول لمن هو بمكة، والثاني: لمن هو في بقية الأمصار، والثالث: لمن خرج في الأسفار.

    ورجح هذا الجواب القرطبي ، وقيل: إنما ذكر ذلك لتعلقه بما قبله أو بعده من السياق، فقال أولاً: قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا [البقرة:144] إلى قوله: وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ [البقرة:144]، فذكر في هذا المقام إجابته إلى طلبته وأمره بالقبلة التي كان يود التوجه إليها ويرضاها ].

    قوله: إلى طلبته، يعني: إلى طلبه.

    قال المؤلف رحمه الله: [ وقال في الأمر الثاني: وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ [البقرة:149]، فذكر أنه الحق من الله، وارتقاءه المقام الأول، حيث كان موافقاً لرضا الرسول صلى الله عليه وسلم، فبين أنه الحق أيضاً من الله يحبه ويرتضيه ].

    وفي نسخة أخرى: وارتقى عن المقام الأول، بدلاً من قوله: وارتقاءه المقام الأول.

    قال المؤلف رحمه الله: [ وذكر في الأمر الثالث حكمة قطع حجة المخالف من اليهود الذين كانوا يتحججون باستقبال الرسول إلى قبلتهم، وقد كانوا يعلمون بما في كتبهم أنه سيصرف إلى قبلة إبراهيم عليه الصلاة والسلام، إلى الكعبة، وكذلك مشركو العرب انقطعت حجتهم لما صرف الرسول صلى الله عليه وسلم عن قبلة اليهود إلى قبلة إبراهيم التي هي أشرف، وقد كانوا يعظمون الكعبة وأعجبهم استقبال الرسول إليها، وقيل غير ذلك من الأجوبة عن حكمة التكرار، وقد بسطها الرازي وغيره، والله أعلم.

    وقوله: لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ [البقرة:150] أي: أهل الكتاب؛ فإنهم يعلمون من صفة هذه الأمة التوجه إلى الكعبة، فإذا فقدوا ذلك من صفتها ربما احتجوا بها على المسلمين ].

    يعني: هذه من الحكم في توجيه الله تعالى لنبيه إلى الكعبة، وهي قطع حجة أهل الكتاب؛ لأنهم يجدون في كتبهم أن الله تعالى سيوجه هذه الأمة ونبيها إلى الكعبة، فلو لم يوجه إلى الكعبة لصارت لهم حجة، وقالوا: كيف لم يتوجه إلى الكعبة، فقد خالف بذلك ما في كتبنا، فلما وجه إلى الكعبة انقطعت حجتهم، ولفظ الناس هنا لفظ عام، والمقصود به هنا الخصوص وهم أهل الكتاب.

    قال المؤلف رحمه الله: [ ولئلا يحتجوا بموافقة المسلمين إياهم في التوجه إلى بيت المقدس، وهذا أظهر ].

    وفي نسخة أخرى ولعلها الأصح: أو لئلا يحتجوا.

    قال المؤلف رحمه الله: [ قال أبو العالية : لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ [البقرة:150] يعني به أهل الكتاب حين قالوا: صرف محمد إلى الكعبة.

    وقالوا: اشتاق الرجل إلى بيت أبيه ودين قومه، وكان حجتهم على النبي صلى الله عليه وسلم انصرافه إلى البيت الحرام أن قالوا: سيرجع إلى ديننا كما رجع إلى قبلتنا.

    قال ابن أبي حاتم : وروي عن مجاهد وعطاء والضحاك والربيع بن أنس وقتادة والسدي نحو هذا.

    وقال هؤلاء في قوله: إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ [البقرة:150] يعني: مشركي قريش.

    ووجه بعضهم حجة الظلمة وهي داحضة أن قالوا: إن هذا الرجل يزعم أنه على دين إبراهيم فإن كان توجهه إلى بيت المقدس على ملة إبراهيم، فلم رجع عنه؟

    والجواب أن الله تعالى اختار له التوجه إلى بيت المقدس أولاً لما له تعالى في ذلك من الحكمة، فأطاع ربه تعالى في ذلك، ثم صرفه إلى قبلة إبراهيم عليه الصلاة السلام وهي الكعبة، فامتثل أمر الله في ذلك أيضاً، فهو صلوات الله وسلامه عليه، مطيع لله في جميع أحواله لا يخرج عن أمر الله طرفة عين، وأمته تبع له ].

    أي: أنه صلى الله عليه وسلم امتثل أمر الله في الحالين، والله تعالى يشرع لعباده ما فيه مصلحة له، وما فيه العاقبة الحميدة، وما فيه قطع لحجج الكافرين، والله تعالى له الحكمة البالغة، وتشريعه مبني على الفطرة، فهو سبحانه وتعالى حكيم في خلقه وفي قدره وفي شرعه وفي أمره ونهيه، إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ [الأنعام:83]، فتشريعاته مبنية على الحكمة، كما أن خلقه وقدره مبني على الحكمة سبحانه وتعالى.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقوله: فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي [البقرة:150] أي: لا تخشوا شبه الظلمة المتعنتين، وأفردوا الخشية لي، فإنه تعالى هو أهل أن يخشى منه ].

    وهذا مثل قوله تعالى: فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [آل عمران:175]، وقال سبحانه وتعالى: وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ [البقرة:40]، فالخشية والخوف شرط في صحة الإيمان، فمن لم يخف الله ويخشاه فليس بمؤمن، والخشية خشية السر والعبادة، والخوف خوف السر والعبادة، فلابد أن يكون لله عز وجل، قال سبحانه: فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ [المائدة:44]، وقال: فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [آل عمران:175]، وهنا قال: فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي [البقرة:150] يعني: أفردوني واختصوني بالخشية؛ لأنها عبادة، وهذا بخلاف الخوف الطبيعي، مثل الخوف من عدو أو سبع أو سلطان ظالم، فهذا خوف طبيعي ولا حرج فيه، كما قال سبحانه وتعالى عن موسى عليه الصلاة والسلام: فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ [القصص:18]، لكن المراد في الآية هو خوف العبادة، فهذا الذي هو شرط في صحة الإيمان.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقوله: وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ [البقرة:150] عطف على لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ [البقرة:150] أي: لأتم نعمتي عليكم فيما شرعت لكم من استقبال الكعبة؛ لتكمل لكم الشريعة من جميع وجوهها، وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [البقرة:150] أي: إلى ما ضلت عنه الأمم، هديناكم إليه، وخصصناكم به، ولهذا كانت هذه الأمة أشرف الأمم وأفضلها ].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (كما أرسلنا فيكم رسولاً منكم يتلو عليكم آياتنا ...)

    قال تعالى: كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ * فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ [البقرة:151-152].

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ يذكر تعالى عباده المؤمنين ما أنعم به عليهم من بعثة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم إليهم يتلو عليهم آيات الله مبينات، ويزكيهم، أي: يطهرهم من رذائل الأخلاق، ودنس النفوس، وأفعال الجاهلية، ويخرجهم من الظلمات إلى النور، ويعلمهم الكتاب: وهو القرآن، والحكمة: وهي السنة ويعلمهم ما لم يكونوا يعلمون، فكانوا في الجاهلية الجهلاء يسفهون بالقول الفرا ].

    والقول الفراء وفي نسخة الفرا: هو القول المفترى، أي من الافتراء وهو الكذب، وفي نسخة أخرى: يسفهون بالعقول الفراء.

    والجاهلية الجهلاء هو وصف الجاهلية التي جهلها وظلامها دامس، والمتمكنة في الجهل، نسأل الله العافية، فقد كانوا في جاهلية جهلاء، وضلالة عمياً، هكذا كانوا قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم في ظلام دامس، لا يعرفون إلا عبادة الأصنام والأوثان، ولا يوجد فيهم موحد إلا النادر القليل من الذين كانوا على دين إبراهيم، كـزيد بن عمرو بن نفيل، وقس بن ساعدة وغيرهما، وإلا فكلهم كانوا على عبادة الأصنام والأوثان، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب).

    وذكر المؤلف هنا من أوصاف النبي صلى الله عليه وسلم أنه يتلو القرآن على الناس، ويزكيهم، أي: يطهرهم من أدران الشرك والمعاصي، ويعلمهم الكتاب والحكمة، أي: السنة، فهذه من أوصافه عليه الصلاة والسلام.

    وكذلك العلماء من أمته من بعده فهم ورثة الأنبياء، يتلون القرآن على الناس، ويبينون معانيه، ويدعون إلى العمل به، والتحاكم إليه، وبهذا تكون تزكية النفوس من أدران الشرك والمعاصي.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فانتقلوا ببركة رسالته، ويمن سفارته، إلى حال الأولياء، وسجايا العلماء، فصاروا أعمق الناس علماً، وأبرهم قلوباً، وأقلهم تكلفاً، وأصدقهم لهجة، وقال تعالى: لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ [آل عمران:164] الآية.

    وذم من لم يعرف قدر هذه النعمة، فقال تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ [إبراهيم:28]، قال ابن عباس : يعني بنعمة الله محمداً صلى الله عليه وسلم، ولهذا ندب الله المؤمنين إلى الاعتراف بهذه النعمة، ومقابلتها بذكره وشكره، وقال: فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ [البقرة:152].

    قال مجاهد في قوله: كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ [البقرة:151] يقول: كما فعلت فاذكروني قال عبد الله بن وهب عن هشام بن سعد عن زيد بن أسلم أن موسى عليه الصلاة والسلام قال: يا رب كيف أشكرك؟ قال له ربه: تذكرني ولا تنساني، فإذا ذكرتني فقد شكرتني، وإذا نسيتني فقد كفرتني ].

    وقيل في السند: عن هشام بن سعيد الطالقاني ، ولعل الراجح عن هشام بن سعد، والله أعلم.

    وهذا من الآثار الإسرائيلية؛ لأن زيد بن أسلم بينه وبين موسى عليه الصلاة والسلام أزمنة طويلة.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ قال الحسن البصري وأبو العالية والسدي والربيع بن أنس : إن الله يذكر من ذكره، ويزيد من شكره، ويعذب من كفره ].

    وهذا أخذوه من النصوص القرآنية، كقوله تعالى: فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ [البقرة:152]، وقوله: وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ [إبراهيم:7]، وقوله: مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ [النساء:147]، وغير ذلك من النصوص.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقال بعض السلف في قوله تعالى: اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ [آل عمران:102]، قال: هو أن يطاع فلا يعصى، ويذكر فلا ينسى، ويشكر فلا يكفر ].

    وهذا ثابت عن ابن مسعود رضي الله عنه بسند لا بأس به عند تفسير قوله تعالى: اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ [آل عمران:102]، قال: أن يطاع فلا يعصى، وأن يذكر فلا ينسى، وأن يشكر فلا يكفر، وهذه الآية لما نزلت شق ذلك على الصحابة رضوان الله عليهم، ولهذا قال بعض العلماء: إن هذا الآية منسوخة بقوله تعالى: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن:16]، لأن الإنسان محل نقص وخطأ، فمن يستطيع أن يقوم بحق الله على الكمال ولا يحصل فيه نقص ولا نسيان؟! ولهذا أنزل الله: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا [التغابن:16].

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقال ابن أبي حاتم : حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح أخبرنا يزيد بن هارون أخبرنا عمارة الصيدلاني أخبرنا مكحول الأزدي قال: قلت لـابن عمر : أرأيت قاتل النفس وشارب الخمر والسارق والزاني يذكر الله، وقد قال الله تعالى: فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ [البقرة:152]، قال: إذا ذكر الله هذا ذكره الله بلعنته حتى يسكت ].

    وهذا أثر ضعيف، ولعله من أوهام عمارة الصيدلاني ، فذكْر الله عام للمطيع وللعاصي، بل لعل ذكر العاصي لربه يكون سبباً في توبته وفي تخفيف العقوبة عليه.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقال الحسن البصري في قوله: فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ [البقرة:152] قال: اذكروني فيما افترضت عليكم أذكركم فيما أوجبت لكم على نفسي.

    وعن سعيد بن جبير : اذكروني بطاعتي أذكركم بمغفرتي، وفي رواية برحمتي.

    وعن ابن عباس في قوله: فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ [البقرة:152] قال: ذكر الله إياكم أكبر من ذكركم إياه.

    وفي الحديث الصحيح: (يقول الله تعالى: من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه).

    قال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن قتادة عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (قال الله عز وجل: يا ابن آدم إن ذكرتني في نفسك ذكرتك في نفسي، وإن ذكرتني في ملأ ذكرتك في ملأ من الملائكة، أو قال في ملأ خير منه، وإن دنوت مني شبراً دنوت منك ذراعاً، وإن دنوت مني ذراعاً دنوت منك باعاً، وإن أتيتني تمشي أتيتك هرولة)، صحيح الإسناد أخرجه البخاري من حديث قتادة ، وعنده قال قتادة : الله أقرب بالرحمة ].

    وهذه الصفات كلها صفات تليق بجلال الله وعظمته، وهذا الحديث من الأحاديث القدسية، وفيه صفة النفس لله عز وجل، وفيه صفات أخر: أن من ذكر الله في نفسه ذكره الله في نفسه، ومن ذكره في ملأ ذكره الله في ملأ خير منه، ومن أتى الله يمشي أتاه هرولة، ومن تقرب منه شبراً تقرب إليه ذراعاً، ومن تقرب منه ذراعاً تقرب إليه باعاً.

    ومن ثمرات هذه الصفات وآثارها أن الله أسرع بالخير من العبد، وأن الله لا يقطع ثواباً للعبد حتى يقطع العبد العمل، فهذا من آثار الصفات وليس هذا معنى الصفة كما قال ذلك النووي وغيره، فقد فسر الحديث: (ومن أتاني يمشي أتيته هرولة) بأن الله لا يقطع ثواباً للعبد حتى يقطع العبد العمل، وهذا غير صحيح؛ لأن هذا من آثار الصفات وليس معنى الصفة، وهي صفات تليق بجلاله وعظمته سبحانه وتعالى، ولا يشابه المخلوقين في صفاتهم.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقوله: وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ [البقرة:152] أمر الله تعالى بشكره، ووعد على شكره بمزيد الخير، فقال: وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ [إبراهيم:7].

    وقال الإمام أحمد : حدثنا روح حدثنا شعبة عن الفضيل بن فضالة -رجل من قيس - حدثنا أبو رجاء العطاردي قال: خرج علينا عمران بن حصين وعليه مطرف من خز لم نره عليه قبل ذلك ولا بعده، فقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من أنعم الله عليه نعمة فإن الله يحب أن يرى أثر نعمته على خلقه)، وقال روح مرة: (على عبده) ].

    هذا المطرف من الخز لعله حرير من النبات، وهذا لا بأس به، فإن الحرير قد يكون من النبات، وأما الحرير الذي هو من دود القز، وهو الحرير الخالص أو الذي أكثره حرير، فهذا لا يجوز لبسه للرجال، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة).

    ولكن استثني من ذلك الأصبع والأصبعان والثلاثة والأربعة، فقد رخص النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك، كأن تكون هذه الأربع الأصابع في طرف الثوب، أو في كف الثوب، وفي محل الأزرار، أو ما شابه ذلك، أما ما ورد عن عمران بن حصين كما سبق، فهو محمول على أنه من خز النبات.

    وهناك حرير الآن يسمونه الحرير الصناعي، فهذا إذا كان مصنوعاً من البترول فلا يدخل في النهي؛ لأن الحرير الحقيقي هو المأخوذ من دودة القز، فهذا هو الحرير الممنوع، أما هذا فإنه يشبه الحرير، فإنهم يسمونه حريراً وليس بحرير حقيقي؛ لكنه في نعومته وملمسه يشبه الحرير وهو من مادة أخرى غير مادة الحرير.

    وهذا الحديث يبين لنا أن الواجب على المسلم أن يظهر أثر نعمة الله عليه، فلا ينبغي لمن أنعم الله عليه أن يظهر بالمظهر الفقير في لباسه وفي بيته وفي مسكنه؛ لأن هذا كأنه شكاية لله، فالله أنعم عليه وهو يخرج بالثياب المخرقة أو بالثياب التي لا تليق، فهذا كأنه يشكو ربه، فينبغي على الإنسان أن يشكر الله، وأن يرى أثر النعمة عليه، لكن هذا من غير إسراف ولا خيلاء، فكل واشرب والبس في غير سرف ولا مخيلة، ولكن لو ترك اللباس الجميل في بعض الأحيان من باب حث النفس وإبعادها عن الإعجاب لكان حسناً، كما في الحديث: (البذاذة من الإيمان)، البذاذة يعني: رثاثة الهيئة، ويكون ذلك في بعض الأحيان من باب الازدراء بالنفس، والعمل بالحديث السابق، ولكن في الغالب لابد أن يرى أثر النعمة عليه، كما في الحديث: (إن الله يحب إذا أنعم على العبد أن يرى أثر نعمته عليه).

    ونحن نعلم أن أعظم نعمة منّ الله بها علينا هي نعمة الإسلام، لكن سياق الحديث يدل على أن المراد بالنعم هنا النعم المالية.