إسلام ويب

تفسير سورة البقرة [130-136]للشيخ : عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد كان إبراهيم عليه السلام على الملة المستقيمة، وعلى الطريق السوي، وعلى الحنيفية السمحة، ولا يرغب عن ملته إلا من سفه نفسه، وغره جهله، ولقد وصى إبراهيم عليه السلام نبيه بهذه الحنيفية السمحة أن يتمسكوا بها، ويموتوا عليها، وقد أكذب الله تعالى اليهود والنصارى في قولهم: إن الهداية هي في اتباع اليهودية أو النصرانية، وذكر أن الهداية هي في اتباع ملة إبراهيم الحنيفية.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه ...)

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ يقول تبارك وتعالى رداً على الكفار فيما ابتدعوه وأحدثوه من الشرك المخالف لملة إبراهيم الخليل إمام الحنفاء، فإنه جرد توحيد ربه تبارك وتعالى، فلم يدع معه غيره، ولا أشرك به طرفة عين، وتبرأ من كل معبود سواه، وخالف في ذلك سائر قومه حتى تبرأ من أبيه، فقال: يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ [الأنعام:78-79]، وقال تعالى: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ [الزخرف:26-27]، وقال تعالى: وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ [التوبة:114]].

    فإن قيل: هل الحجارة التي وجدتها قريش عند تجديد بناء الكعبة أساس بناء إبراهيم عليه السلام أم أساس بناء الملائكة؟

    فالجواب: ثبوت بناء الملائكة ليس فيه دليل من أخبار بني إسرائيل يعني: بناء الملائكة وبناء آدم ليس عليه دليل.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ [التوبة:114]، وقال تعالى: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ [النحل:120-122]، ولهذا وأمثاله قال تعالى: وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ [البقرة:130] أي: ظلم نفسه بسفهه وسوء تدبيره؛ لتركه الحق إلى الضلال، حيث خالف طريق من اصطفي في الدنيا للهداية والرشاد لحداثة سنه إلى أن اتخذه الله خليلاً، وهو في الآخرة من الصالحين السعداء، فمن ترك طريقه هذا ومسلكه وملته واتبع طريق الضلالة والغي فأي سفه أعظم من هذا؟! أم أي ظلم أكبر من هذا؟! كما قال تعالى: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان:13].

    قال أبو العالية وقتادة : نزلت هذه الآية في اليهود أحدثوا طريقاً ليست من عند الله، وخالفوا ملة إبراهيم فيما أحدثوه، ويشهد لصحة هذا القول قول الله تعالى: مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ [آل عمران:67-68] ].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين)

    قال الله تعالى: [ وقوله تعالى: إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ [البقرة:131].

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [أي: أمره الله بالإخلاص والاستسلام والانقياد، فأجاب إلى ذلك شرعاً وقدراً وقوله: وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ [البقرة:132]، الإسلام: هو الإخلاص ].

    الإسلام هو الإخلاص والانقياد والاستسلام لأوامر الله عز وجل، واجتناب نواهيه، وإخلاص الدين له، فالمسلم هو المنقاد الخاضع لأوامر الله ونواهيه، المؤدي فرائضه، المنتهي عن نواهيه، المخلص له، المقبل على التوحيد، المعرض عن الشرك، فهذا هو المسلم، فالمسلم منقاد مستسلم خاضع ذليل منكسر مخلص عمله لله عز وجل، وهذا هو أسلوب إبراهيم عليه السلام، قال تعالى: إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ [البقرة:131] يعني: أخلصت عملي لله وانقدت واستسلمت وخضعت لأوامر الله ونواهيه، بخلاف المستكبر فإنه لا يقبل الشرع، وهو ضد المسلم، والمسلم هو المنقاد الخاضع الذليل المنكسر المخلص، والمستكبر هو المشرك الذي لا يقبل الشرع، فتراه يستنكر ويستكبر ولا يقبل الشرع، كحال إبليس وفرعون نسأل الله السلامة والعافية، فإن إبليس استكبر، وفرعون استكبر وأبى، والمستكبر: هو الذي يأبى الامتثال ولا يقبل الحق.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب ...)

    قال الله تعالى: وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ [البقرة:132].

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [أي: وصى بهذه الملة، وهي الإسلام لله، أو يعود الضمير على الكلمة وهي قوله: أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ [البقرة:131]، لحرصهم عليها ومحبتهم لها حافظوا عليها إلى حين الوفاة، ووصوا أبناءهم بها من بعدهم، كقوله تعالى: وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ [الزخرف:28]، وقد قرأ بعض السلف: (ويعقوبَ) بالنصب عطفاً على بنيه، كأن إبراهيم وصى بنيه وابن ابنه يعقوب بن إسحاق وكان حاضراً ذلك ].

    يعني: فيكون داخلاً في الموصين، وأما قراءة: وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ [البقرة:132] يعني: يعقوب هو الموصي، وهنا يكون مُوصَّى داخلاً في الموصين.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقد ادعى القشيري فيما حكاه القرطبي عنه أن يعقوب إنما ولد بعد وفاة إبراهيم، ويحتاج مثل هذا إلى دليل صحيح، والظاهر والله أعلم أن إسحاق ولد له يعقوب في حياة الخليل وسارة؛ لأن البشارة وقعت بهما في قوله: فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ [هود:71] ].

    هذا الأمر الأول مما يرجح أنه مولود في حياة إبراهيم، فيعقوب حفيد لإبراهيم وابن ابنه، وهو باني بيت المقدس، وهل ولد في حياة إبراهيم أو بعد وفاته الصواب: أنه ولد في حياة إبراهيم لأمور متعددة، ذكر المؤلف منه هذا الأمر الأول: أنه بشر به، والبشارة تقتضي أنه سيولد في حياته، فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ [هود:71].

    فالبشارة تقتضي أنه يولد في حياتهما، فولد في حياة جده إبراهيم وجدته سارة.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقد قرئ بنصب يعقوب ههنا على نزع الخافض، فلو لم يوجد يعقوب في حياتهما لما كان لذكره من بين ذرية إسحاق كبير فائدة، وأيضاً فقد قال الله تعالى في سورة العنكبوت: وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ [العنكبوت:27] الآية.

    وقال في الآية الأخرى: وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً [الأنبياء:72]، وهذا يقتضي أنه ولد في حياته ].

    ومما يرجح أنه ولد في حياة إبراهيم قوله تعالى: وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً [الأنبياء:72] أي: هبة، والهبة تقتضي أنه يولد في حياته، وقال تعالى: وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ [العنكبوت:27].

    قال المؤلف رحمه الله: [ وأيضاً فإنه باني بيت المقدس ].

    وهذا الأمر الثالث مرجح أنه ولد في حياته.

    قال المؤلف رحمه الله: [ وأيضاً فإنه باني بيت المقدس كما نطقت بذلك الكتب المتقدمة، وثبت في الصحيحين من حديث أبي ذر : (قلت: يا رسول الله! أي مسجد وضع أول؟ قال: المسجد الحرام، قلت: ثم أي؟ قال: بيت المقدس، قلت: كم بينهما، قال: أربعون سنة).. الحديث.

    فزعم ابن حبان أن بين سليمان الذي اعتقد أنه باني بيت المقدس -وإنما كان جدده بعد خرابه وزخرفه- وبين إبراهيم أربعين سنة، وهذا مما أنكر على ابن حبان، فإن المدة بينهما تزيد على ألوف سنين، والله أعلم ].

    هذا قول ضعيف، فـابن حبان صاحب الصحيح زعم أن الذي بنى بيت المقدس، سليمان وهذا غلط؛ لأن سليمان بينه وبين إبراهيم سنين طويلة، وإنما الذي بناه هو يعقوب، وسليمان جدده بعد ذلك بعد مدة طويلة، وهذا من أوهام ابن حبان رحمه الله ومن أغلاطه، فقد ظن أن الذي بنى بيت المقدس هو سليمان، والصحيح: أن سليمان جدده بعد ألوف السنين، والذي بناه هو يعقوب وهو إسرائيل.

    قال المؤلف رحمه الله: [ وأيضاً فإن وصية يعقوب لبنيه سيأتي ذكرها قريباً ].

    هذا أمر رابع من المرجحات على أن يعقوب ولد في حياة جده إبراهيم.

    قال المؤلف رحمه الله: [وهذا يدل على أنه ههنا من جملة الموصين].

    فعلى قراءة حفص وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ [البقرة:132] يصير هو الموصي، وعلى قراءة النصب يكون معطوفاً.

    وهذه الآية تدل على أنه مولود في حياة جده، على قراءة النصب، فيكون داخلاً فيمن أوصاهم إبراهيم.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وهذا يدل على أنه ههنا من جملة الموصين، وقوله: يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [البقرة:132] أي: أحسنوا في حال الحياة والزموا هذا ليرزقكم الله الوفاة عليه، فإن المرء يموت غالباً على ما كان عليه، ويبعث على ما مات عليه، وقد أجرى الله الكريم عادته بأنه من قصد الخير وفق له ويسر عليه، ومن نوى صالحاً ثبت عليه، وهذا لا يعارض ما جاء في الحديث الصحيح: (إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا باع أو ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا باع أو ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة، فيدخلها)؛ لأنه قد جاء في بعض روايات هذا الحديث: (ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس، ويعمل بعمل أهل النار فيما يبدو للناس).

    وقد قال الله تعالى: فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى [الليل:5-10].

    وهذا هو الغالب من عند الله سبحانه وتعالى أن من طلب الحق وقصده، واستقام على طاعة الله، وعمل بما يرضي الله، وجاهد نفسه، فالله سبحانه وتعالى يرزقه الوفاة على الإسلام، والغالب أن من عاش على الإسلام مات عليه، ويدل عليه هذا الحديث: (إن الرجل ليعمل بعمل أهل النار فيما يبدو للناس)، ولكن قد يحصل خلاف هذه الآية، وجاء في الحديث الآخر غير مقيد فيما يبدو للناس، وقد يحصل خلاف هذا والله حاكم عليهم، وله الحكمة البالغة سبحانه وتعالى، فجاء الحديث بإطلاق (أن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار، فيدخلها، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنة، فيدخلها)، ولكن الغالب ومن عادة الله عز وجل أن من عاش على الإسلام وعلى التوحيد والإيمان واستقام على طاعة الله، فإنه يموت على الإسلام، هذه عادته سبحانه وتعالى.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت ...)

    قال الله تعالى: أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ * تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ [البقرة:133-134].

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ يقول تعالى محتجاً على المشركين من العرب أبناء إسماعيل، وعلى الكفار من بني إسرائيل وهو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام، بأن يعقوب لما حضرته الوفاة وصى بنيه بعبادة الله وحده لا شريك له، فقال لهم: مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ [البقرة:133].

    وهذا من باب التغليب؛ لأن إسماعيل عمه، قال النحاس : والعرب تسمي العم أباً نقله القرطبي ].

    مذاهب العلماء في ميراث الجد والأخوة

    قال المؤلف رحمه الله: [ وقد استدل بهذه الآية الكريمة من جعل الجد أباً وحجب به الإخوة، كما هو قول الصديق، حكاه البخاري عنه من طريق ابن عباس وابن الزبير ، ثم قال البخاري : ولم يختلف عليه، وإليه ذهبت عائشة أم المؤمنين، وبه يقول الحسن البصري وطاوس وعطاء ، وهو مذهب أبي حنيفة وغير واحد من السلف والخلف.

    وقال مالك والشافعي وأحمد في المشهور عنه: أنه يقاسم الإخوة، وحكي ذلك عن عمر وعثمان وعلي وابن مسعود وزيد بن ثابت وجماعة من السلف والخلف، واختاره صاحبا أبي حنيفة: القاضي أبو يوسف ومحمد بن الحسن ، ولتقريرها موضع آخر ].

    الأرجح أن الجد يحجب الإخوة، وهو اختيار الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله واختيار جماعة من المحققين، واختيار سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله، وجماعة من المحققين أن الجد أب، فيحجب الإخوة ولا يقاسمهم، وعلى هذا يلغى باب الجد والإخوة، ويكون باب الجد، ويسقط باب الجد والإخوة.

    وهو كذلك اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية .

    1.   

    بيان كون أصل دين الرسل واحداً، وأن شرائعهم مختلفة

    قال المؤلف رحمه الله: [ وقوله: إِلَهًا وَاحِدًا [البقرة:133]، أي: نوحده بالألوهية ولا نشرك به شيئاً غيره، وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ [البقرة:133] أي: مطيعون خاضعون، كما قال تعالى: وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ [آل عمران:83].

    والإسلام هو ملة الأنبياء قاطبة وإن تنوعت شرائعهم، واختلفت مناهجهم، كما قال تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ [الأنبياء:25] والآيات في هذا كثيرة، والأحاديث، فمنها قوله صلى الله عليه وسلم: (نحن معشر الأنبياء أولاد عِلات ديننا واحد) ].

    فأولاد العلات هم: الإخوة من الأب، فالأب واحد والأمهات مختلفة، وكذلك الأنبياء دينهم واحد، وهو التوحيد وإخلاص الدين له، والاستسلام والانقياد والخضوع لأمره، وامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، وطاعة الأنبياء، والبعد عن الشرك، فهذا هو دين الأنبياء جميعاً.

    وأما الشرائع فهي تختلف، كما قال تعالى: لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا [المائدة:48]، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: (نحن معاشر الأنبياء إخوة لعلات: ديننا واحد، وأمهاتنا شتى)، فالدين واحد وهو توحيد الله، وإخلاص الدين له، والبعد عن الشرك، والخضوع لأمره ونهيه، وطاعة الأنبياء في كل زمان ومكان.

    وأما الشرائع فهي مختلفة مثل الإخوة لعلات أبوهم واحد أمهاتهم شتى، وأما إذا كانت أمهم واحدة وآباؤهم مختلفين فيقال لهم: إخوة لأم، وإذا كان الأب واحداً والأم واحدة فيقال لهم: الإخوة الأعيان، وهم الأشيقاء. فالإخوة ثلاثة: الإخوة الأعيان، والإخوة لأب، والإخوة من الأم، فالعلات إخوة من الأب، وإخوة الأعيان الأشقاء من الأب والأم.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقوله تعالى: تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ [البقرة:134] أي: مضت. لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ [البقرة:134] أي: إن السلف الماضين من آبائكم من الأنبياء والصالحين لا ينفعكم انتسابكم إليهم إذا لم تفعلوا خيراً يعود نفعه عليكم، فإن لهم أعمالهم التي عملوها، ولكم أعمالكم، وَلا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ [البقرة:134]، وقال أبو العالية والربيع وقتادة : تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ [البقرة:134]، يعني: إبراهيم وإسحاق ويعقوب والأسباط، ولهذا جاء في الأثر: (من بطأ به عمله لم يسرع به نسبه) ].

    وهذا رواه الإمام مسلم في صحيحه، وفي رواية لـأبي داود والترمذي : (أبطأ)، ورواية مسلم : (بطأ).

    1.   

    تفسر قوله تعالى: (وقالوا كونوا هوداً أو نصارى تهتدوا..)

    قال الله تعالى: وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [البقرة:135].

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ قال محمد بن إسحاق حدثني محمد بن أبي محمد قال حدثني سعيد بن جبير أو عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (قال عبد الله بن صوريا الأعور لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ما الهدى إلا ما نحن عليه فاتبعنا يا محمد تهتد، وقالت النصاري مثل ذلك، فأنزل الله عز وجل: وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا [البقرة:135]).

    معنى الحنيف

    وقوله: (( قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا )) أي: لا نريد ما دعوتمونا إليه من اليهودية والنصرانية، بل نتبع ملة إبراهيم حنيفاً، أي: مستقمياً، قاله محمد بن كعب القرظي وعيسى بن جارية. وقال خصيف عن مجاهد : مخلصاً، وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما: حاجاً ].

    و علي بن أبي طلحة لم يسمع من ابن عباس، فيكون منقطعاً.

    قال المؤلف رحمه الله: [ وكذا روي عن الحسن والضحاك وعطية والسدي ، وقال أبو العالية : الحنيف: الذي يستقبل البيت بصلاته ويرى أن حجه عليه إن استطاع إليه سبيلاً. وقال مجاهد والربيع بن أنس : حنيفاً أي: متبعاً. وقال أبو قلابة : الحنيف الذي يؤمن بالرسل كلهم من أولهم إلى أخرهم.

    وقال قتادة : الحنيفية: شهادة أن لا إله إلا الله يدخل فيها تحريم الأمهات والبنات والخالات والعمات، وما حرم الله عز وجل، والختان ].

    الحنيف هو: المائل، أي: أنه مائل عن الشرك، مقبل على التوحيد، معرض عما سواه، ومخلص عمله لله، ومستقيم على طاعة الله، فهذا هو الحنيف. وإبراهيم أبو الحنفاء بإقباله على التوحيد وإعراضه عن الشرك وميله عنه.

    فالحنيف هو: المقبل على التوحيد، المستقيم على طاعة الله، المعرض عن الشرك، المخلص عمله لله، الخاضع لأوامر الله، المنقاد لشرع الله ودينه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا...)

    قال الله تعالى: قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ [البقرة:136].

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ أرشد الله تعالى عباده المؤمنين إلى الإيمان بما أنزل إليهم بواسطة رسوله محمد صلى الله عليه وسلم مفصلاً، وما أنزل على الأنبياء المتقدمين مجملاً، ونص على أعيان من الرسل، وأجمل ذكر بقية الأنبياء، وألا يفرقوا بين أحد منهم، بل يؤمنوا بهم كلهم، ولا يكونوا كمن قال الله فيهم: وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا * أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا [النساء:150-151] الآية.

    وقال البخاري رحمه الله: حدثنا محمد بن بشار قال أخبرنا عثمان بن عمر قال أخبرنا علي بن المبارك عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (كان أهل الكتاب يقرءون التوراة بالعبرانية ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم، وقولوا: آمنا بالله وما أنزل الله).

    وقد روى مسلم وأبو داود والنسائي من حديث عثمان بن حكيم عن سعيد بن يسار عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر ما يصلي الركعتين اللتين قبل الفجر بـ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا [البقرة:136] الآية، والأخرى بـ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنََّا مُسْلِمُونَ [آل عمران:52]) ].

    الآية الأولى في البقرة، والثانية في آل عمران.

    وهذه الآية فيها إخلاص العبادة لله، قال تعالى: قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ [آل عمران:64]، فيحتمل أنه ذكر جزءاً من الآية، وهي أدل على توحيد العبادة.

    وهذا هو المعروف في الأحاديث الأخرى في السنن وغيرها، قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ [آل عمران:64]، قرر هذا شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص:1]، تعدل ثلث القرآن، وفي غيره من الكتب.

    معنى الأسباط

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقال أبو العالية والربيع وقتادة : الأسباط بنو يعقوب اثنا عشر رجلاً، ولد كل رجل منهم أمة من الناس، فسموا الأسباط.

    وقال الخليل بن أحمد وغيره: الأسباط في بني إسرائيل كالقبائل في بني إسماعيل وقال الزمخشري في الكشاف: الأسباط: حفدة يعقوب ذراري أبنائه الاثني عشر، وقد نقله الرازي عنه، وقرره ولم يعارضه وقال البخاري: الأسباط: قبائل بني إسرائيل، وهذا يقتضي أن المراد بالأسباط هاهنا شعوب بني إسرائيل، وما أنزل الله من الوحي على الأنبياء الموجودين منهم ].

    فالأسباط: قبائل في بني إسرائيل يسمون بالأسباط، وعند العرب يسمون قبائل، وأما كونهم أولاد يعقوب فليس هناك دليل واضح على أنهم أولاد يعقوب إلا ما روي عن قتادة وأبو العالية من كونهم من نفس أولاد يعقوب، وأن كل واحد منهم ولد أمة، وصاروا قبائل، وهذا يحتاج إلى دليل، لكن هم في بني إسرائيل مثل القبائل في العرب، فالعرب يسمون قبائل، وفي بني إسرائيل يسمون أسباطاً، وأما كونهم أولاد يعقوب فليس هناك دليل، وإنما هو قول قتادة وأبي العالية .

    وأولاد يعقوب أحد عشر مع يوسف.

    قال المؤلف رحمه الله: [ وهذا يقتضي أن المراد بالأسباط هاهنا: شعوب بني إسرائيل، وما أنزل الله من الوحي على الأنبياء الموجودين منهم، كما قال موسى لهم: اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا.. [المائدة:20] الآية.

    وقال تعالى: وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا [الأعراف:160]، قال القرطبي : وسموا الأسباط: من السّبْط، وهو: التتابع، فهم جماعة، وقيل: أصلهم من السَبَط بالتحريك، وهو الشعر أي: في الكثرة بمنزلة الشجر الواحدة سبطة، قال الزجاج : ويبين لك هذا ما حدثنا محمد بن جعفر الأنباري قال حدثنا أبو نجيد الدقاق قال حدثنا الأسود بن عامر قال حدثنا إسرائيل عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كل الأنبياء من بني إسرائيل إلا عشرة نوح وهود وصالح شعيب وإبراهيم ولوط وإسحاق ويعقوب وإسماعيل ومحمد عليهم الصلاة والسلام.

    قال القرطبي : والسبط: الجماعة والقبيلة الراجعون إلى أصل واحد ].

    الأمر بالإيمان بجميع الرسل

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقال قتادة : أمر الله المؤمنين أن يؤمنوا به، ويصدقوا بكتبه كلها وبرسله.

    وقال سليمان بن حبيب : إنما أمرنا أن نؤمن بالتوراة والإنجيل، ولا نعمل بما فيهما ].

    يعني: أن الإيمان بالكتب السابقة إيمان إجمالي، وأما الإيمان بالقرآن فإيمان تفصيلي، وذلك بالعمل به وامتثال أوامره، وأما التوراة والإنجيل فنؤمن بها إجمالاً ولا نعمل بها؛ لأنها ليست شرعاً لنا، ولكن نؤمن بها، ونؤمن بأن الله أنزلها، ولكنها نسخت.

    قال المؤلف رحمه الله: [ وقال ابن أبي حاتم أخبرنا محمد بن محمد بن مصعب الصوري قال أخبرنا مؤمل قال أخبرنا عبيد الله بن أبي حميد عن أبي المليح عن معقل بن يسار رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (آمنوا بالتوراة والزبور والإنجيل وليسعكم القرآن).

    وفي إسناده عبيد الله بن أبي حميد متفق على ضعفه، ويروي عن أبي المليح العجائب.