إسلام ويب

تفسير سورة البقرة [127]للشيخ : عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد رفع إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام قواعد البيت الحرام، الذي تهفو إليه القلوب والأفئدة من كل مكان، وقد كان إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام وهما يبنيان هذا البيت يدعوان ربهما أن يتقبل منهما هذا العمل، وهكذا هو حال المؤمن، فإنه يعمل الأعمال الصالحة ويخاف ألا يتقبل منه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ...)

    قال الله: : وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [البقرة:127].

    قال المؤلف رحمه الله: [فالقواعد: جمع قاعدة وهي السارية والأساس، يقول تعالى: واذكر يا محمد لقومك بناء إبراهيم وإسماعيل عليهما الصلاة السلام البيت، ورفعهما القواعد منه وهما يقولان: رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [البقرة:127].

    وحكى القرطبي وغيره عن أبي وابن مسعود أنهما كانا يقرآن: (وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ويقولان ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم)، قلت: ويدل على هذا قولهما بعده: رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ [البقرة:128] الآية، فهما في عمل صالح، وهما يسألان الله تعالى أن يتقبل منهما؛ كما روى ابن أبي حاتم من حديث محمد بن يزيد بن خنيس المكي عن وهيب بن الورد أنه قرأ: وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا [البقرة:127] ثم يبكي، ويقول: يا خليل الرحمن! ترفع قوائم بيت الرحمن وأنت مشفق ألا يتقبل منك!

    وهذا كما حكى الله تعالى عن حال المؤمنين الخلص في قوله: وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا [المؤمنون:60] أي: يعطون ما أعطوا من الصدقات والنفقات والقربات، وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ [المؤمنون:60] أي: خائفة ألا يتقبل منهم، كما جاء به الحديث الصحيح عن عائشة رضي الله عنها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما سيأتي في موضعه.

    وقال بعض المفسرين: الذي كان يرفع القواعد هو إبراهيم والداعي إسماعيل، والصحيح: أنهما كانا يرفعان ويقولان كما سيأتي بيانه ].

    يعني: أن المسلم يجب عليه أن يخلص عمله لله، ويسأل الله القبول، وكل مؤمن مشفق وخائف، بخلاف المنافق فإنه يسيء ولا يخاف، أما المؤمن فإنه يحسن العمل ويتقنه ويسأل الله القبول.

    فإبراهيم وإسماعيل وهما نبيان كريمان يعملان هذا العمل العظيم: يرفعان قواعد البيت، ويسألان الله القبول، رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [البقرة:127]، وكل مؤمن كذلك، والأنبياء هم أول المؤمنين؛ لأن كل نبي هو أول مؤمن من أمته، وهم أولياء الله، فهم يخلصون أعمالهم لله ويسألون الله القبول.

    رواية معمر لحديث ابن عباس في قصة هجرة إبراهيم بأهله إلى مكة وبنائه البيت

    قال المؤلف رحمه الله: [ وقد روى البخاري هاهنا حديثاً سنورده ثم نتبعه بآثار متعلقة بذلك، قال البخاري رحمه الله: حدثنا عبد الله بن محمد أخبرنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن أيوب السختياني وكثير بن كثير بن المطلب بن أبي وداعة -يزيد أحدهما على الآخر- عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: أول ما اتخذ النساء المنطق من قبل أم إسماعيل، اتخذت منطقاً لتعفي أثرها على سارة ].

    ومنطق على وزن منبر، وهو كساء تضعه المرأة فوق الثوب، يعني: أن أم إسماعيل رضي الله عنها أرادت أن تخفي أثرها على سارة فاتخذت المنطقة وشدت وسطها، فصار أسفل الثوب يمسح أثر المشي.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ثم جاء بها إبراهيم وبابنها إسماعيل وهي ترضعه حتى وضعهما عند البيت عند دوحة فوق زمزم في أعلى المسجد، وليس بمكة يومئذ أحد، وليس بها ماء، فوضعهما هنالك ووضع عندهما جراباً فيه تمر، وسقاء فيه ماء ].

    والجراب يُوضع فيه تمر، والسقاء يوضع فيه ماء، والسقاء هو من جلد، والجراب يُصنع من جلد أيضاً أو من غيره.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ثم قفَّا إبراهيم منطلقاً فتبعته أم إسماعيل فقالت: يا إبراهيم ! أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه أنيس ولا شيء؟ فقالت له ذلك مراراً وجعل لا يلتفت إليها، فقالت: آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم، قالت: إذاً لا يضيعنا، ثم رجعت، فانطلق إبراهيم حتى إذا كان عند الثنية حيث لا يرونه استقبل بوجهه البيت ].

    يعني: استقبل بوجهه مكان البيت، وكأن الله أعلمه بمكانه، وكانت ربوة مرتفعة تنحدر عنها السيول يميناً وشمالاً، فالمهم أن يستقبل الإنسان المكان والهواء؛ ولذلك لما هدمت الكعبة في زمن قريش وفي زمن الحجاج وغيره، كانوا يصلون إلى المكان، وكذلك والعياذ بالله إذا انهدمت في آخر الزمان فإنهم يصلون إلى المكان.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ ثم دعا بهذه الدعوات ورفع يديه فقال: رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ [إبراهيم:37] حتى بلغ: يَشْكُرُونَ [إبراهيم:37].

    سبب مشروعية السعي بين الصفا والمروة

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وجعلت أم إسماعيل ترضع إسماعيل وتشرب من ذلك الماء، حتى إذا نفد ما في السقاء عطشت وعطش ابنها، وجعلت تنظر إليه يتلوى -أو قال: يتلبط- فانطلقت كراهية أن تنظر إليه؛ فوجدت الصفا أقرب جبل في الأرض يليها فقامت عليه ثم استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحداً، فلم تر أحداً، فهبطت من الصفا حتى إذا بلغت الوادي رفعت طرف درعها ثم سعت سعي الإنسان المجهود حتى جاوزت الوادي ].

    وهو ما بين العلمين الآن، وسعت سعياً، يعني: أسرعت؛ ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا انصب الحجاج في بطن الوادي سعى سعي الإنسان المجهود، حتى إن إزاره ليدور به عليه الصلاة والسلام، فمن السنة في هذا المكان الإسراع بين العلمين الأخضرين، وما بعدهما يكون المشي لا الإسراع، وهذه السنة إنما هي في حق الرجال دون النساء.

    وما بين العلمين ليس اجتهاداً؛ لأن المكان معروف، وذلك لما انصبت قدماه في بطن الوادي.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ثم أتت المروة فقامت عليها فنظرت هل ترى أحداً فلم تر أحداً، ففعلت ذلك سبع مرات، قال ابن عباس رضي الله عنهما: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (فلذلك سعى الناس بينهما) ].

    هذا القول مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، والكلام السابق من قول ابن عباس .

    ويحتمل أن يكون الكلام السابق المروي عن ابن عباس من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، لكن الذي سمعه قال فيه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكره، وقصة إبراهيم وإسماعيل هذه متواترة.

    ذكر تفجر ماء زمزم لهاجر وولدها، ومجيء جرهم وسكناها

    قال المؤلف رحمه الله: [ فلما أشرفت على المروة سمعت صوتاً فقالت: صه، تريد نفسها، ثم تسمعت فسمعت أيضاً، فقالت: قد أسمعت إن كان عندك غواث، فإذا هي بالملك عند موضع زمزم فبحث بعقبه أو قال بجناحه حتى ظهر الماء، فجعلت تحوضه وتقول بيدها هكذا ].

    يعني: جعلت تجمع التراب حوله كأنه حوض؛ خوفاً وشفقة من أن يضيع الماء.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وجعلت تغرف من الماء في سقائها وهو يفور بعدما تغرف، قال ابن عباس : قال النبي صلى الله عليه وسلم: (يرحم الله أم إسماعيل لو تركت زمزم، أو قال : لو لم تغرف من الماء لكانت زمزم عيناً معيناً) ].

    أي: لبقيت تفور دائماً، وهذا الكلام من لفظ النبي صلى الله عليه وسلم، ويحتمل أنه من كلام النبي صلى الله عليه وسلم رواه بالمعنى.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ قال: فشربت وأرضعت ولدها، فقال لها الملك: لا تخافي الضيعة فإن هاهنا بيتاً لله يبنيه هذا الغلام وأبوه، وإن الله لا يضيع أهله، وكان البيت مرتفعاً من الأرض كالرابية تأتيه السيول فتأخذ عن يمينه وشماله.

    فكانت كذلك حتى مرت بهم رفقة من جرهم، أو أهل بيت من جرهم مقبلين من طريق كداء؛ فنزلوا في أسفل مكة، فرأوا طائراً عائفاً فقالوا: إن هذا الطائر ليدور على ماء؛ لعهدنا بهذا الوادي وما فيه ماء، فأرسلوا جرياً أو جريين فإذا هم بالماء، فرجعوا فأخبروهم بالماء ].

    والجري هو الرسول، أي: أرسلوا رسولاً أو رسولين ليأتيا بالخبر؛ فأخبراهم أن هناك ماء، فجاءوا ونزلوا عنده.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ فأقبلوا وأم إسماعيل عند الماء فقالوا: أتأذنين لنا أن ننزل عندك؟ قالت: نعم، ولكن لا حق لكم في الماء عندنا، قالوا: نعم ].

    يعني: تسقيهم بالثمن.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ قال ابن عباس : قال النبي صلى الله عليه وسلم: (فألفى ذلك أم إسماعيل وهي تحب الأنس)، فنزلوا وأرسلوا إلى أهليهم فنزلوا معهم ].

    يعني: هي بحاجة إلى أنسهم، ولكن ألهمها الله أن تقول ذلك، وإلا فهي بحاجة إلى أن ينزلوا عندها فتعطيهم ماء بدون مقابل؛ وهي بحاجة إلى من يسكن معها ويعطيها بعض الطعام، لكنهم نزلوا وصاروا يعطونها ثمناً للماء وتشتري منهم طعاماً وهكذا، حتى صار يتتابع الناس إليها وينزلون فيها.

    تعلم إسماعيل العربية من جرهم وتزوجه منهم

    قال المؤلف رحمه الله: [ حتى إذا كان بها أهل أبيات منهم، وشب الغلام وتعلم العربية منهم، وأنفسهم وأعجبهم حين شب ].

    (أنفسهم) يعني: فاقهم وتميز بذكائه ونجابته وفصاحته وسرعة تعلمه عليهم.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ فلما أدرك زوجوه امرأة منهم ].

    مجيء إبراهيم لزيارة إسماعيل، وأمره له بتطليق امرأته

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وماتت أم إسماعيل، فجاء إبراهيم بعدما تزوج إسماعيل؛ ليطالع تركته ].

    تركته يعني: متروكه، أي: ما ترك من أهله: ابنه وأمه.

    والتركة بالكسر: بيض النعام كما في القاموس، وفيها الوجهان: ترْكته وترِكَته.

    وقدم الحافظ الكسر هنا؛ لأن فيها الوجهين: ترِكته وترْكته، يعني: ما ترك من بيض النعام، حيث إن النعامة تترك بيضها وتذهب ثم تعود مرة أخرى لتحضنه، والمراد: ما تركه من أهله ولده.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ فلم يجد إسماعيل، فسأل امرأته عنه فقالت: خرج يبتغي لنا ].

    يعني: خرج يبتغي لنا الرزق، وهو الصيد، وليس عندهم حب، وإنما عندهم لحم الصيد والماء، وهذا هو طعامهم وشرابهم.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ ثم سألها عن عيشهم وهيئتهم فقالت: نحن بِشرٍّ، نحن في ضيق وشدة، فشكت إليه، قال: فإذا جاء زوجك فاقرئي عليه السلام، وقولي له: يغير عتبة بابه! فلما جاء إسماعيل كأنه آنس شيئاً ].

    في القرآن الكريم قال تعالى: آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا [القصص:29]، فإسماعيل لما جاء كأنه أحس بأنه قد جاء أحد، فسألها فأخبرته بأمره له أن يغير عتبة بابه، يعني: يطلقها؛ لأن هذه امرأة شاكية غير شاكرة، تقول: نحن بِشر، مثل ما يقول بعض الناس: نحن بِشر وعيش مُر، وأما المرأة الثانية فهي شاكرة لله، فقد أثنت على الله بالخير؛ ولذلك أمره أن يمسك الثانية وأن يطلق الأولى.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ فقال: هل جاءكم من أحد؟ قالت: نعم، جاءنا شيخ كذا وكذا، فسألنا عنك فأخبرته، وسألني: كيف عيشنا؟ فأخبرته: أننا في جهد وشدة، قال: فهل أوصاك بشيء؟ قالت: نعم، أمرني أن أقرأ عليك السلام، ويقول: غير عتبة بابك ].

    وهي لا تدري ما المراد بالعتبة، وإسماعيل يعرف أنها هي العتبة، فالعتبة هي الزوجة؛ ولو كانت تدري لما قالت له ذاك، فطلقها.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ قال: ذاك أبي وقد أمرني أن أفارقك؛ فالحقي بأهلك، وطلقها وتزوج منهم بأخرى ].

    مجيء إبراهيم لزيارة إسماعيل، وأمره له بإمساك امرأته

    قال المؤلف رحمه الله: [ فلبث عنه إبراهيم ما شاء الله ثم أتاهم بعد فلم يجده، فدخل على امرأته فسألها عنه، فقالت: خرج يبتغي لنا، قال: كيف أنتم؟ وسألها عن عيشهم وهيئتهم، فقالت: نحن بخير وسعة، وأثنت على الله عز وجل، قال: ما طعامكم؟ قالت: اللحم، قال: فما شرابكم؟ قالت: الماء، قال: اللهم بارك لهم في اللحم والماء.

    قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ولم يكن لهم يومئذ حب، ولو كان لهم لدعا لهم فيه) ].

    أي: ليس عندهم حنطة؛ لأنه واد غير ذي زرع، وإنما كانوا يعيشون على لحم الصيد والماء.

    فإذا قال قائل: ما بين الفينة والأخرى يأتي كلام للنبي صلى الله عليه وسلم، فهل هذا يدل على أنَّ الحديث بمجموعه مرفوع؟

    الجواب: المرفوع هو الذي فيه قال النبي صلى الله عليه وسلم، لكن غيره يحتمل أن يكون سمعه ورواه بالمعنى.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ قال: فهما لا يخلو عليهما أحد بغير مكة إلا لم يوافقاه ].

    يعني: لا يأتي أحد في النهار يطلب واحداً من أهل مكة إلا لم يجده؛ لأنهم يخرجون للصيد، ولا يرجعون إلا في الليل؛ ولهذا جاء إبراهيم مرتين ولم يجد إسماعيل؛ لأنه كان في الصيد، فإذا أصبحوا ذهبوا للصيد خارج الحرم، ثم يرجعون.

    إذاً: فلا يجيء أحد في النهار يطلب أحداً إلا لم يجده في الغالب؛ لانشغالهم بالصيد وطلب الرزق، وليس لديهم زراعة ولا فلاحة.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ قال: فإذا جاء زوجك فاقرئي عليه السلام، ومريه يثبت عتبة بابه، فلما جاء إسماعيل قال: هل أتاكم من أحد؟ قالت: نعم أتانا شيخ حسن الهيئة، وأثنت عليه، فسألني عنك فأخبرته، فسألني: كيف عيشنا؟ فأخبرته أنا بخير، قال: فأوصاك بشيء؟ قالت: نعم، وهو يقرأ عليك السلام، ويأمرك أن تثبت عتبة بابك، قال: ذاك أبي وأنت العتبة، أمرني أن أمسكك ].

    ذكر مجيء إبراهيم إلى زيارة إسماعيل ورفعهما القواعد من البيت

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ثم لبث عنهم ما شاء الله ثم جاء بعد ذلك وإسماعيل يبري نبلاً له تحت دوحة قريباً من زمزم، فلما رآه قام إليه وصنعاً كما يصنع الوالد بالولد والولد بالوالد، يعني: عانقه وسلم عليه بعد طول المدة.

    ثم قال: يا إسماعيل! إن الله أمرني بأمر؛ قال: فاصنع ما أمرك ربك؛ قال: وتعينني؟ قال: وأعينك، قال: فإن الله أمرني أن أبني هاهنا بيتاً، وأشار إلى أكمة مرتفعة على ما حولها ].

    والأكمة المرتفعة هي مكان البيت، وقد كانت السيول تنحدر عنها يميناً وشمالاً.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ قال: فعند ذلك رفعا القواعد من البيت، فجعل إسماعيل يأتي بالحجارة وإبراهيم يبني، حتى إذا ارتفع البناء جاء بهذا الحجر فوضعه له، فقام عليه وهو يبني وإسماعيل يناوله الحجارة، وهما يقولان: رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [البقرة:127]، قال: فجعلا يبنيان حتى يدورا حول البيت وهما يقولان: رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ .

    ورواه عبد بن حميد عن عبد الرزاق به مطولاً ].

    يعني: بالسند السابق.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ورواه ابن أبي حاتم عن أبي عبد الله بن حماد الظهراني ، وابن جرير عن أحمد بن ثابت الرازي كلاهما عن عبد الرزاق مختصراً ].

    الطهراني نسبة إلى طهران وهو بلد في أصبهان كما في القاموس، وهي طهران المعروفة الآن بعاصمة إيران، لكن يفتحون الطاء طَهران وهي طِهران بالكسر، أو بالظاء الظهراني فنقول: ظِهران بكسر المعجمة، ويحتمل أن يكون فيها الوجهان: ظِهران وطِهران، أما طَهران فهي عاصمة إيران، لكن جاء أنه محمد بن حماد الرازي الظهراني ، بكسر المعجمة أبو عبد الله الحافظ، روى عن يعلى بن عبيد وعن أبي علي الحنفي وأبي عاصم الضحاك بن مخلد وطبقتهم، وثقه ابن أبي حاتم وأبو سعيد بن يونس ، وقال: كانت وفاته بعسقلان سنة إحدى وسبعين ومائتين.

    فيحتمل أن يكون فيه تحريف، والأقرب فيه الوجهان: طِهران أو ظهران، فالطاء والظاء متقاربان في المخرج، وقيل: ظهران بلدة في البحرين، وكل الخليج يسمى البحرين.

    رواية الزنجي لحديث ابن عباس في قصة هجرة إبراهيم إلى مكة وبنائه الكعبة

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقال أبو بكر بن مردويه : أخبرنا إسماعيل بن علي بن إسماعيل أخبرنا بشر بن موسى أخبرنا أحمد بن محمد الأزرقي أخبرنا مسلم بن خالد الزنجي عن عبد الملك بن جريج عن كثير بن كثير قال: كنت أنا وعثمان بن أبي سليمان وعبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين في ناس مع سعيد بن جبير في أعلى المسجد ليلاً، فقال سعيد بن جبير : سلوني قبل ألا تروني، فسألوه عن المقام، فأنشأ يحدثهم عن ابن عباس فذكر الحديث بطوله ].

    مسلم بن خالد الزنجي من الزنج وهم من السودان، قال أبو عمر : زَنجي وزِنجي بفتح الزاي وكسرها، فيه الوجهان.

    رواية أبي عامر العقدي لحديث ابن عباس في قصة هجرة إبراهيم بأهله إلى مكة وبنائه البيت

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ثم قال البخاري :

    حدثنا عبد الله بن محمد أخبرنا أبو عامر عبد الملك بن عمرو أخبرنا إبراهيم بن نافع عن كثير بن كثير عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما كان بين إبراهيم وبين أهله ما كان خرج بإسماعيل وأم إسماعيل ومعهم شنةٌ فيها ماء ].

    والشنة: القربة القديمة، والقربة القديمة يبرد فيها الماء أكثر من القربة الجديدة.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ فجعلت أم إسماعيل تشرب من الشنة فيدر لبنها على صبيها، حتى قدم مكة فوضعهما تحت دوحة، ثم رجع إبراهيم إلى أهله، فاتبعته أم إسماعيل حتى بلغوا كداء نادته من ورائه: يا إبراهيم! إلى من تتركنا؟ قال: إلى الله، قالت: رضيت بالله، قال: فرجعت فجعلت تشرب من الشنة ويدر لبنها على صبيها، حتى لما فني الماء قالت: لو ذهبت فنظرت لعلي أحس أحداً، فذهبت فصعدت الصفا، فنظرت هل تحس أحداً فلم تحس أحداً، فلما بلغت الوادي سعت حتى أتت المروة، وفعلت ذلك أشواطاً حتى أتمت سبعاً، ثم قالت: لو ذهبت فنظرت ما فعل الصبي، فذهبت فنظرت فإذا هو على حاله كأنه ينشغ للموت، فلم تقرها نفسها، فقالت: لو ذهبت فنظرت لعلي أحس أحداً، فذهبت فصعدت الصفا فنظرت ونظرت فلم تحس أحداً حتى أتمت سبعاً، ثم قالت: لو ذهبت فنظرت ما فعل، فإذا هي بصوت فقالت: أغث إن كان عندك خير، فإذا جبريل عليه السلام، قال: فقال بعقبه هكذا وغمز عقبه على الأرض، قال: فانبثق الماء، فدهشت أم إسماعيل فجعلت تحفر، قال: فقال أبو القاسم صلى الله عليه وسلم: (لو تركته لكان الماء ظاهراً)، قال: فجعلت تشرب من الماء ويدر لبنها على صبيها، قال: فمر ناس من جرهم ببطن الوادي فإذا هم بطير كأنهم أنكروا ذلك، وقالوا: ما يكون الطير إلا على ماء، فبعثوا رسولهم فنظر فإذا هو بالماء، فأتاهم فأخبرهم، فأتوا إليها فقالوا: يا أم إسماعيل! أتأذنين لنا أن نكون معك ونسكن معك؟ فبلغ ابنها ونكح منهم امرأة، قال: ثم إنه بدا لإبراهيم صلى الله عليه وسلم فقال لأهله: إني مطلع تركتي ].

    يعني: قال لزوجته سارة : إني مطلع تركتي، أي: متروكي في مكة.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ قال: فجاء فسلم، فقال: أين إسماعيل؟ قالت امرأته: ذهب يصيد، قال: قولي له إذا جاء: غير عتبة بابك، فلما أخبرته قال: أنت ذاك فاذهبي إلى أهلك، قال: ثم إنه بدا لإبراهيم فقال: إني مطلع تركتي، قال: فجاء فقال: أين إسماعيل؟ فقالت امرأته: ذهب يصيد، فقالت: ألا تنزل فتطعم وتشرب؟ ].

    هذا هو الفرق بين الأولى والثانية، فالأولى تقول: نحن بشر، والثانية تقول: نحن بخير، ألا تنزل فتطعم معنا، وتثني على الله خيراً؛ ولهذا أمره أن يطلق الأولى ويمسك الثانية.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ فقال: ما طعامكم وما شرابكم؟ قالت: طعامنا اللحم وشرابنا الماء، قال: اللهم بارك لهم في طعامهم وشرابهم، قال: فقال أبو القاسم صلى الله عليه وسلم: (بركة بدعوة إبراهيم)، قال: ثم إنه بدا لإبراهيم صلى الله عليه وسلم فقال لأهله: إني مطلع تركتي، فجاء فوافق إسماعيل من وراء زمزم يصلح نبلاً له، فقال: يا إسماعيل! إن ربك عز وجل أمرني أن أبني له بيتاً، فقال: أطع ربك عز وجل، قال: إنه قد أمرني أن تعينني عليه، فقال: إذاً أفعل -أو كما قال-، قال: فقام فجعل إبراهيم يبني وإسماعيل يناوله الحجارة، ويقولان: رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [البقرة:127].

    قال: حتى ارتفع البناء، وضعف الشيخ عن نقل الحجارة؛ فقام على حجر المقام فجعل يناوله الحجارة ويقولان: رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [البقرة:127]. هكذا رواه من هذين الوجهين في كتاب الأنبياء ].

    يعني: رواه البخاري رحمه الله من هذين الوجهين في كتاب الأنبياء من صحيحه.

    وهم الحاكم في دعواه عدم رواية الشيخين لقصة بناء إبراهيم البيت

    قال المؤلف رحمه الله تعالى:

    [ والعجب أن الحافظ أبا عبد الله الحاكم رواه في كتابه (المستدرك) عن أبي العباس الأصم عن محمد بن سنان القزاز عن أبي علي عبيد الله بن عبد المجيد الحنفي عن إبراهيم بن نافع به، وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، كذا قال، وقد رواه البخاري كما ترى من حديث إبراهيم بن نافع ، وكأن فيه اختصاراً؛ فإنه لم يذكر فيه شأن الذبح ].

    يقول ابن كثير : العجب أن الحافظ الحاكم يقول: إنه على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وقد خرجه البخاري ، فذهل عن ذلك، وهذه من أوهام الحاكم، فإنه يسوق الحديث في مستدركه ثم يقول: على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وهو موجود في كتاب البخاري رحمه الله، ومستدرك الحاكم فيه أشياء تحتاج إلى مراجعة؛ ولهذا قال بعضهم: إنه سوده ولم يبيضه، ولذلك حصلت فيه الأوهام والأغلاط.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ وقال: جاء في الصحيح: أن قرني الكبش كانا معلقين بالكعبة، وقد جاء: أن إبراهيم عليه الصلاة السلام كان يزور أهله بمكة على البراق سريعاً، ثم يعود إلى أهله بالبلاد المقدسة. والله أعلم ].

    يعني: كأن إبراهيم يزور أهله ليلاً راكباً البراق ويرجع في نفس الليلة؛ لأن البراق سريع، والبراق دابة دون البغل وفوق الحمار، وهو يضع قدمه على مد البصر، وهو الذي ركبه النبي صلى الله عليه وسلم بصحبة جبريل إلى بيت المقدس، والله أعلم، وهذا يحتاج إلى دليل، ومعناه: أن إبراهيم يختصر المسافة بركوبه البراق؛ لأن المسافة بعيدة من الشام إلى مكة، حيث إن إبراهيم في ذلك الزمان جاء مرتين، والمرة الثالثة بنى فيها الكعبة، وفي رواية: أنه كان يأتي كل شهر.

    وأما بيت المقدس فقد بناه حفيده يعقوب بعد أربعين سنة من بناء البيت الحرام، كما في الحديث الصحيح: (أنه سئل صلى الله عليه وسلم عن أول بيت وضع، قال: الكعبة، قال: ثم ماذا بعد ذلك؟ قال: ثم بيت المقدس -المسجد الأقصى-، قال: كم بينهما؟ قال: أربعون سنة).

    واليهود يزعمون أن هيكل سليمان تحت المسجد الأقصى وهم يريدون إعادته، وأصل البناء هو المسجد، لكن هيكل سليمان دعوى من اليهود، والله أعلم هل هو في المسجد أو بجوار المسجد؟!

    وأظن أن القبة ليست في نفس المسجد؛ لكن كان الاتجاه إلى القبلة الأولى إلى الصخرة، والظاهر أنها في نفس المسجد أو بجوار المسجد، أو في سور المسجد، وليست في داخل المسجد، والصلاة في المسجد الأقصى بخمسمائة صلاة، كما جاء في الحديث الصحيح، أما البراق فلم يربط في الصخرة، وإنما رُبط في حلقة في الباب كما في الحديث.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ والحديث -والله أعلم- أن ما فيه مرفوع أماكن صرح بها ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم ].

    يعني: هذه الأماكن كان يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا.

    سياق حديث علي بن أبي طالب في قصة بناء إبراهيم وإسماعيل البيت

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقد ورد عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه في هذا السياق ما يخالف بعض هذا، كما قال ابن جرير : حدثنا محمد بن بشار ومحمد بن المثنى قالا: أخبرنا مؤمل قال: أخبرنا سفيان عن أبي إسحاق عن حارثة بن مضرب عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: لما أُمر إبراهيم ببناء البيت خرج معه إسماعيل وهاجر ، قال: فلما قدم مكة رأى على رأسه في موضع البيت مثل الغمامة فيه مثل الرأس، فكلمه قال: يا إبراهيم! ابن على ظلي أو قال: على قدري ولا تزد ولا تنقص، فلما بنى خرج وخلف إسماعيل وهاجر ، فقالت هاجر : يا إبراهيم إلى من تكلنا؟ قال: إلى الله، قالت: انطلق فإنه لا يضيعنا؛ قال: فعطش إسماعيل عطشاً شديداً، قال: فصعدت هاجر إلى الصفا، فنظرت فلم تر شيئاً، حتى أتت المروة فلم تر شيئاً، ثم رجعت إلى الصفا فنظرت فلم تر شيئاً، ففعلت ذلك سبع مرات، فقالت: يا إسماعيل! مُتْ حيث لا أراك ].

    وكلمة: مُتْ، بضم الميم من مات يموت، أي: من باب التحسر والتوجع والتألم، فهي في الأساس راضية بقضاء الله، لكن الإنسان جبل على تمني الموت عند شدة الألم، قالت: مُتْ حيث لا أراك.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ فأتته وهو يفحص برجله من العطش، فناداها جبريل فقال لها: من أنت؟ قالت: أنا هاجر أم ولد إبراهيم ، قال: فإلى من وكلكما؟ قالت: وكلنا إلى الله، قال: وكلكما إلى كافٍ، قال: ففحص الأرض بأصبعه فنبعت زمزم، فجعلت تحبس الماء، فقال: دعيه فإنه روي ].

    لعله فحص الغلام الأرض بأصبعه، وأما جبريل فإنه فحص الأرض بجناحه، لكن فحص الغلام في سياق ابن جرير ليس بظاهر.

    وكلمة: (روي) يعني: مروي، أي: أنه روي أو رواء، ورَوَى أو روي المعنى واحد، أي: أنه مروي.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ففي هذا السياق أنه بنى البيت قبل أن يفارقهما، وقد يحتمل -إن كان محفوظاً- أن يكون أولاً وضع له حوطاً وتحجيراً لا أنه بناه إلى أعلاه، حتى كبر إسماعيل فبنياه معاً كما قال الله تعالى ].

    يعني: إن صح فإنه يحمل على أنه حجر مكانه تحجيراً، والبناء إنما كان بعدما كبر إسماعيل؛ لأن الآية الكريمة واضحة في أن البناء كان بعدما كبر إسماعيل: وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ [البقرة:127].

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ثم قال ابن جرير : أخبرنا هناد بن السري حدثنا أبو الأحوص عن سماك عن خالد بن عرعرة : أن رجلاً قام إلى علي رضي الله عنه فقال: ألا تخبرني عن البيت أهو أول بيت وضع في الأرض؟ فقال: لا، ولكنه أول بيت وضع فيه البركة مقام إبراهيم، ومن دخله كان آمناً، وإن شئت أنبأتك كيف بني، إن الله أوحى إلى إبراهيم أن ابن لي بيتاً في الأرض، فضاق إبراهيم بذلك ذرعاً، فأرسل الله السكينة وهي ريح خجوج ولها رأسان، فاتبع أحدهما صاحبه حتى انتهت إلى مكة، فتطوت على موضع البيت كطي الحجفة، وأُمر إبراهيم أن يبني حيث تستقر السكينة، فبنى إبراهيم وبقي الحجر، فذهب الغلام يبغي شيئاً فقال إبراهيم: لا، أبغني حجراً كما آمرك، قال: فانطلق الغلام يلتمس له حجراً فأتاه به، فوجده قد ركب الحجر الأسود في مكانه، قال: يا أبت! من أتاك بهذا الحجر؟ فقال: أتاني به من لم يتكل على بنائك، جاء به جبريل عليه السلام من السماء، فأتماه ].

    والجحفة: هي الترس المستديرة، وهي التي يتقي بها الفارس وقع النبال في الجهاد والحرب، والريح تطوت مستديرة على مكان البيت كاستدارة الحجفة وهي الترس، حيث يمسك الفارس الترس أمامه، حتى إذا جاء الرصاص على وجهه يكون في الحجفة، وتنظرون أحياناً إلى الشرطة يكون معهم مثل ذلك، يتقون بها وقع الرصاص وغيره، حتى إذا جاء شيء ألقي عليهم من الأمام تكون الضربة فيها.

    درجة خبر كعب الأحبار في أن البيت كان غثاءة على الماء

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقال ابن أبي حاتم : حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد المقري أخبرنا سفيان عن بشر بن عاصم عن سعيد بن المسيب عن كعب الأحبار قال: كان البيت غثاءة على الماء، قبل أن يخلق الله الأرض بأربعين عاماً، ومنه دحيت الأرض ].

    وخبر كعب من أخبار بني إسرائيل ولا يعول عليه؛ لأن كعب الأحبار ينقل عن بني إسرائيل، وهو مخالف لنص القرآن والحديث، مخالف لقوله تعالى: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ [آل عمران:96]، ومخالف للحديث الصحيح: (سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن أول بيت وضع في الأرض، قال: الكعبة أو المسجد الحرام، قال: ثم أي؟ قال: المسجد الأقصى، قال: كم بينهما؟ قال: أربعون سنة) إذاً فهذا المروي عن كعب الأحبار باطل، ولا أحد يعلم هذا.

    خبر علي رضي الله عنه في قصة بناء إبراهيم وإسماعيل للبيت الحرام

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ قال سعيد : وحدثنا علي بن أبي طالب أن إبراهيم أقبل من أرض أرمينية ومعه السكينة تدله على تبوء البيت كما تتبوأ العنكبوت بيتاً، قال: فكشفت عن أحجار لا يطيق الحجر إلا ثلاثون رجلاً، فقلت: يا أبا محمد فإن الله يقول: وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ [البقرة:127] قال: كان ذلك بعد.

    وقال السدي : إن الله عز وجل أمر إبراهيم أن يبني البيت هو وإسماعيل: ابنيا بيتي للطائفين والعاكفين والركع والسجود، فانطلق إبراهيم حتى أتى مكة، فقام هو وإسماعيل وأخذا المعاول لا يدريان أين البيت، فبعث الله ريحاً يقال لها: الريح الخجوج، لها جناحان ورأس في صورة حية، فكشفت لهما ما حول الكعبة عن أساس البيت الأول، واتبعاها بالمعاول يحفران حتى وضعا الأساس، فذلك حين يقول تعالى: وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ [البقرة:127]، وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ [الحج:26]، فلما بنيا القواعد فبلغا مكان الركن قال إبراهيم لإسماعيل: يا بني! اطلب لي حجراً حسناً أضعه هاهنا قال: يا أبت إني كسلان لغب، قال: علي ذلك، فانطلق يطلب له حجراً، فجاءه جبريل بالحجر الأسود من الهند، وكان أبيض ياقوتة بيضاء مثل الثغامة، وكان آدم هبط به من الجنة فاسود من خطايا الناس، فجاءه إسماعيل بحجر فوجده عند الركن، فقال: يا أبت! من جاءك بهذا؟ قال: جاء به من هو أنشط منك، فبنيا وهما يدعوان الكلمات التي ابتلى إبراهيم ربه فقالا: رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [البقرة:127].

    وفي هذا السياق ما يدل على أن قواعد البيت كانت مبنية قبل إبراهيم، وإنما هدي إبراهيم إليها وبوئ لها ].

    وكون إسماعيل يقول: أنا كسلان لا آتي بالحجر، هذا فيه نكارة.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقد ذهب إلى هذا ذاهبون، كما قال الإمام عبد الرزاق : أخبرنا معمر عن أيوب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما: وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ [البقرة:127] قال: القواعد التي كانت قواعد البيت قبل ذلك ].

    ذكر قصة بناء آدم للبيت الحرام، والروايات فيها

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقال عبد الرزاق أيضاً: أخبرنا هشام بن حسان عن سوّار ختن عطاء عن عطاء بن أبي رباح قال: لما أهبط الله آدم من الجنة كانت رجلاه في الأرض ورأسه في السماء، يسمع كلام أهل السماء ودعاءهم يأنس إليهم؛ فهابت الملائكة حتى شكت إلى الله في دعائها وفي صلاتها، فخفضه الله تعالى إلى الأرض، فلما فقد ما كان يسمع منهم استوحش حتى شكا ذلك إلى الله في دعائه وفي صلاته، فوجه إلى مكة فكان موضع قدميه قرية وخطوه مفازة، حتى انتهى إلى مكة وأنزل الله ياقوتة من ياقوت الجنة فكانت على موضع البيت الآن، فلم يزل يطوف به حتى أنزل الله الطوفان، فرفعت تلك الياقوتة، حتى بعث الله إبراهيم عليه الصلاة السلام فبناه؛ وذلك قول الله تعالى: وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ [الحج:26] ].

    وهذا من خرافات بني إسرائيل، وكان الأولى بالمؤلف رحمه الله ألا يأتي بمثل هذا، فكون رجلي آدم في الأرض ورأسه في السماء، وكون الخطوة الأولى بلدة والخطوة الثانية بلدة ثانية، كل هذا من الخرافات؛ لأنه قد جاء في الحديث الصحيح: (أن الله لما خلق آدم كان طوله في السماء ستين ذراعاً) وليس في الحديث أن رجليه في الأرض ورأسه في السماء، فكل هذا من خرافات بني إسرائيل.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقال عبد الرزاق : أخبرنا ابن جريج عن عطاء قال: قال آدم: إني لا أسمع أصوات الملائكة، قال: بخطيئتك، ولكن اهبط إلى الأرض فابن لي بيتاً ثم احفف به كما رأيت الملائكة تحف ببيتي الذي في السماء، فيزعم الناس أنه بناه من خمسة أجبل: من حراء، وطور زيتا، وطور سيناء، والجودي، وكان ربضه من حراء، فكان هذا بناء آدم حتى بناه إبراهيم عليه الصلاة والسلام بعد، وهذا صحيح إلى عطاء ، ولكن في بعضه نكارة، والله أعلم ].

    هذه كلها من أخبار بني إسرائيل لا يعول عليها، وليس هناك دليل يصح في بناء آدم وبناء الملائكة، والصواب الذي يدل عليه القرآن الكريم أن الذي بنى البيت هو إبراهيم الخليل؛ لأن هذا هو الظاهر من قوله تعالى: وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ [البقرة:127].

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقال عبد الرزاق أيضاً: أخبرنا معمر عن قتادة قال: وضع الله البيت مع آدم حين أهبط الله آدم إلى الأرض، وكان مهبطه بأرض الهند، وكان رأسه في السماء ورجلاه في الأرض، فكانت الملائكة تهابه، فنقص إلى ستين ذراعاً، فحزن آدم إذ فقد أصوات الملائكة وتسبيحهم، فشكا ذلك إلى الله عز وجل، فقال الله: يا آدم! إني قد أهبطت لك بيتاً تطوف به كما يطاف حول عرشي، وتصلي عنده كما يصلى عند عرشي، فانطلق إليه آدم فخرج ومد له في خطوه، فكان بين كل خطوتين مفازة، فلم تزل تلك المفازة بعد ذلك، فأتى آدم البيت فطاف به ومن بعده من الأنبياء ].

    كل هذه من أخبار بني إسرائيل فلا يعول عليها.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقال ابن جرير : أخبرنا ابن حميد أخبرنا يعقوب القمي عن حفص بن حميد عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: وضع الله البيت على أركان الماء على أربعة أركان قبل أن تخلق الدنيا بألفي عام، ثم دحيت الأرض من تحت البيت ].

    كل هذا من أخبار بني إسرائيل فلا يعول عليها، وحفص بن حميد ضعيف.

    ذكر خبر مجاهد في قصة هجرة إبراهيم بأهله من الشام إلى مكة

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقال محمد بن إسحاق : حدثني عبد الله بن أبي نجيح عن مجاهد وغيره من أهل العلم: إن الله لما بوأ إبراهيم مكان البيت خرج إليه من الشام، وخرج معه إسماعيل وأمه هاجر ، وإسماعيل طفل صغير يَرضع، وحُملوا فيما حدثني على البراق، ومعه جبريل يدله على موضع البيت ومعالم الحرم، وخرج معه جبريل فكان لا يمر بقرية إلا قال: أبهذه أمرت يا جبريل؟ فيقول جبريل: امضه، حتى قدم به مكة، وهي إذ ذاك عضاه وسلم وسمر، وبها أناس يقال لهم: العماليق خارج مكة وما حولها، والبيت يومئذ ربوة حمراء مدرة، فقال إبراهيم لجبريل: أهاهنا أمرت أن أضعهما؟ قال: نعم، فعمد بهما إلى موضع الحجر فأنزلهما فيه، وأمر هاجر أم إسماعيل أن تتخذ فيه عريشاً، فقال: رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ.. [إبراهيم:37] إلى قوله: لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ [إبراهيم:37] ].

    كل هذه الأخبار لا يعول عليها.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقال عبد الرزاق : أخبرنا هشام بن حسان أخبرني حميد عن مجاهد قال: خلق الله موضع هذا البيت قبل أن يخلق شيئاً بألفي سنة، وأركانه في الأرض السابعة. وكذا قال ليث بن أبي سليم عن مجاهد : القواعد في الأرض السابعة ].

    هذا القول فيه ليث بن أبي سليم وهو ضعيف، وحميد ضعيف أيضاً، فكل هذه أخبار باطلة، وليت المؤلف رحمه الله نزه كتابه عن هذه الأخبار، فهي تأخذ من وقتنا وكلها باطلة لا يعول عليها، لكن مقصوده رحمه الله أن يذكر ما ورد في الباب؛ حتى لا يغتر بها.

    ذكر خبر علباء بن أحمر في قصة بناء إبراهيم وإسماعيل البيت الحرام وقدوم ذي القرنين عليهما

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي أخبرنا عمرو بن رافع أخبرنا عبد الوهاب بن معاوية عن عبد المؤمن بن خالد عن علباء بن أحمر : أن ذا القرنين قدم مكة فوجد إبراهيم وإسماعيل يبنيان قواعد البيت من خمسة أجبل، فقال: ما لكما ولأرضنا؟ فقال: نحن عبدان مأموران أمرنا ببناء هذه الكعبة، قال: فهاتا بالبينة على ما تدعيان، فقامت خمسة أكبش فقلن: نحن نشهد أن إبراهيم وإسماعيل عبدان مأموران أمرا ببناء هذه الكعبة، فقال: قد رضيت وسلمت، ثم مضى.

    وذكر الأزرقي في تاريخ مكة : أن ذا القرنين طاف مع إبراهيم عليه السلام بالبيت، وهذا يدل على تقدم زمانه، والله أعلم ].

    هذا من أخبار بني إسرائيل ولا يعول عليها، وعلباء بن أحمر اليشكري روى عن أبي زيد عمرو بن أخطب الأنصاري وعن عكرمة ، وروى عنه حسين بن واقد وغيره، وروى له مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة ، ووثقه أبو زرعة ويحيى بن معين .

    وهذه الأخبار التاريخية تدل على أن العربية أقدم من إبراهيم وإسماعيل، فلعلها أقدم من السريانية، ووجه الدلالة: تعلم إسماعيل اللغة العربية من قبيلة جرهم العربية، وقبيلة جرهم كانت موجودة في القديم تتكلم العربية، وكل هذا يدل على قدم العربية، لكن كون اللغة العربية أقدم من إبراهيم هذا يحتاج إلى تأمل.

    معنى القواعد من البيت وغيره

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقال البخاري رحمه الله: قوله تعالى: وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ [البقرة:127] الآية، القواعد: أساسه، واحدها قاعدة، والقواعد من النساء واحدتها قاعدة ].

    يعني: أن قواعد البيت أساس البيت، والقواعد من النساء مفرده قاعد بدون تاء، وهي التي قعدت عن الزواج، والقعود ضدَّ القيام.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ حدثنا إسماعيل حدثني مالك عن ابن شهاب عن سالم بن عبد الله أن عبد الله بن محمد بن أبي بكر أخبر عبد الله بن عمر عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ألم تري أن قومك حين بنوا البيت اقتصروا على قواعد إبراهيم، فقلت: يا رسول الله! ألا تردها على قواعد إبراهيم؟ قال: لولا حدثان قومك بالكفر، فقال عبد الله بن عمر : لئن كانت عائشة سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أرى رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك استلام الركنين اللذين يليان الحجر إلا أن البيت لم يتمم على قواعد إبراهيم عليه الصلاة والسلام).

    وقد رواه في الحج عن القعنبي، وفي أحاديث الأنبياء عن عبد الله بن يوسف، ومسلم عن يحيى بن يحيى ومن حديث ابن وهب ، والنسائي من حديث عبد الرحمن بن القاسمي ، كلهم عن مالك به ورواه مسلم أيضاً من حديث نافع قال: سمعت عبد الله بن محمد بن أبي بكر بن أبي قحافة يحدث عبد الله بن عمر عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لولا أن قومك حديثو عهد بجاهلية أو قال بكفر لأنفقت كنز الكعبة في سبيل الله، ولجعلت بابها في الأرض، ولأدخلت فيها الحجر).

    وقال البخاري : أخبرنا عبيد الله بن موسى عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن الأسود قال: قال لي ابن الزبير : (كانت عائشة تسر إليك حديثاً كثيراً فما حدثتك في الكعبة؟ قال: قلت: قالت لي: قال النبي صلى الله عليه وسلم: يا عائشة ! لولا قومك حديث -عهدهم فقال ابن الزبير : بكفر- لنقضت الكعبة فجعلت لها بابين باباً يدخل منه الناس، وباباً يخرجون منه، ففعله ابن الزبير)، انفرد بإخراجه البخاري ، رواه هكذا في كتاب العلم من صحيحه.

    وقال مسلم في صحيحه: حدثنا يحيى بن يحيى أخبرنا أبو معاوية عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ولولا حداثة عهد قومك بالكفر لنقضت الكعبة ولجعلتها على أساس إبراهيم فإن قريشاً حين بنت البيت استخسرت ولجعلت لها خلفاً) ].

    يعني: باب من الأمام وباب من الخلف، باب يدخل الناس منه وباب يخرج الناس منه، وقد فعله ابن الزبير ، وأخذ العلماء من هذا الحديث قاعدة وهي: أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، وذلك أن إدخال الحجر .. في الكعبة مصلحة؛ لأن ستة أذرع تقريباً من الحجر كلها من الكعبة، وأخرجتها قريش، والنبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يدخل الحجر؛ لأنه تابع لقواعد إبراهيم، ولكنه خشي أن تنكر ذلك قلوب الناس فلا يتحملونه؛ لأنهم أسلموا حديثاً، ولهذا قال النبي: (لولا قومك حديثو عهد بجاهلية لنقضت الكعبة، وأدخلت الحجر، وجعلت لها بابين).

    فهذه مفسدة تنكرها قلوب الناس ولا تتحملها، وإدخال الحجر مصلحة، ودرء المفاسد مقدم على جلب المصالح، وهذه قاعدة أخذها العلماء من هذا الحديث، وينبني عليها فروع كثيرة، وكذلك ترك ما يراد فعله إلى وقت آخر.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ قال: وحدثني محمد بن حاتم حدثني ابن مهدي أخبرنا سليم بن حيان عن سعيد يعني: ابن ميناء قال: سمعت عبد الله بن الزبير يقول: حدثتني خالتي -يعني: عائشة رضي الله عنها- قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا عائشة ! لولا قومك حديثو عهد بشرك لهدمت الكعبة فألزقتها بالأرض، ولجعلت لها باباً شرقياً وباباً غربياً، وزدت فيها ستة أذرع من الحجر، فإن قريشاً اقتصرتها حين بنت الكعبة) انفرد به أيضاً ].

    وذلك أنهم أرادوا أن يجمعوا مالاً حلالاً يبنون به الكعبة، فلم يجدوا مالاً حلالاً يكفي لبنيانها، ولذلك أخرج الحجر؛ لأنه ليس عندهم مال حلال يكفي لبنائها، فقالوا: لا تدخلوا في بنائها مالاً أخذ من الربا، أو مالاً أخذ بالباطل وبالظلم، فلم يجدوا مالاً حلالاً يكفي فأخرجوا الحجر، وهو جزء من الكعبة.

    فهذا الحديث فيه أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، وإذا وجد مفسدتان لا يمكن درؤهما فإنه ترتكب المفسدة الصغرى لدفع المفسدة الكبرى، والمفسدة الكبرى هنا إنكار قلوب الناس مما قد يؤدي إلى أن يرتد بعض الناس، والمفسدة الصغرى كون الحجر خارج الكعبة، فارتكبنا المفسدة الصغرى لدفع المفسدة الكبرى، وإذا اجتمعت مصلحتان لا يمكن فعلهما فتفعل المصلحة الكبرى وإن فاتت المصلحة الصغرى، فكل هذه القواعد مأخوذة من هذا الحديث وأمثاله.