إسلام ويب

تفسير سورة البقرة [125]للشيخ : عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد جعل الله تعالى البيت الحرام مثابة للناس وأمناً، فهم يثوبون ويرجعون إليه دائماً، وجعل أفئدتهم وقلوبهم معلقة به، فما يكاد الإنسان ينصرف عنه إلا ويتمنى الرجوع إليه، وقد أمر الله تعالى المؤمنين أن يتخذوا من مقام إبراهيم مصلى.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمناً ...)

    قال الله تعالى: وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى ... [البقرة:125] ].

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقال العوفي عن ابن عباس : قوله تعالى: وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ يقول: لا يقضون فيه وطراً، يأتونه ثم يرجعون إلى أهليهم ثم يعودون إليه، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس : مثابة للناس يقول: يثوبون، رواه ابن جرير.

    وقال ابن أبي حاتم : أخبرنا أبي أخبرنا عبد الله بن رجاء أخبرنا إسرائيل عن مسلم عن مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ [البقرة:125] قال: يثوبون إليه ثم يرجعون.

    قال: وروي عن أبي العالية وسعيد بن جبير -في رواية -وعطاء ومجاهد والحسن وعطية والربيع بن أنس والضحاك نحو ذلك.

    وقال ابن جرير : حدثني عبد الكريم بن أبي عمير حدثني الوليد بن مسلم قال: قال أبو عمرو - يعني الأوزاعي - حدثني عبدة بن أبي لبابة في قوله تعالى: وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ [البقرة:125] قال: لا ينصرف عنه منصرف وهو يرى أنه قد قضى منه وطرًا ].

    وحدثني يونس عن ابن وهب قال: قال ابن زيد : وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ [البقرة:125] قال: يثوبون إليه من البُلْدان كلها ويأتونه.

    وما أحسن ما قال الشاعر في هذا المعنى، أورده القرطبي:

    جعل البيتُ مثابًا لهمُ ليس منه الدهر يقضون الوطره

    وقال سعيد بن جبير في الرواية الأخرى، وعكرمة وقتادة وعطاء الخراساني : مَثَابَةً لِلنَّاسِ [البقرة:125] أي: مجْمعاً.

    وَأَمْنًا [البقرة:125]، قال الضحاك عن ابن عباس : أي أمنًا للناس.

    وقال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية : وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا [البقرة:125]، يقول: وأمنًا من العدو، وأن يُحْمَل فيه السلاح، وقد كانوا في الجاهلية يتخطف الناس من حولهم، وهم آمنون لا يُسْبَون.

    وروي عن مجاهد وعطاء والسدي وقتادة والربيع بن أنس قالوا: من دخله كان آمناً.

    ومضمون ما فسر به هؤلاء الأئمة هذه الآية: أن الله تعالى يذكر شرف البيت وما جعله موصوفًا به شرعًا وقدرًا من كونه مثابة للناس، أي: جعله محلاً تشتاق إليه الأرواح وتحن إليه، ولا تقضي منه وطرًا، ولو ترددت إليه كلَّ عام استجابة من الله تعالى لدعاء خليله إبراهيم عليه الصلاة والسلام، في قوله: فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ [إبراهيم:37]، إلى أن قال: رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ [إبراهيم:40]، ويصفه تعالى بأنه جعله آمنًا، من دخله أمن ولو كان قد فعل ما فعل ثم دخله كان آمناً.

    وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : كان الرجل يلقى قاتل أبيه أو أخيه فيه فلا يعرض له، كما وصف في سورة المائدة في قوله تعالى: جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ [المائدة:97] أي: يدفع عنهم بسبب تعظيمها السوء ].

    فهذه الآية الكريمة، وهي قول الله تعالى: وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا [البقرة:125]، معناها كما ذكر الحافظ رحمه الله، وكما نقل عن التابعين أن معنى: وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ [البقرة:125] يعني: مرجعاً يرجعون إليه، ويكررون العودة إليه، وهم لا يقضون وطراً، وكل من جاء فإنه يشتاق إليه، وإذا أراد أن يخرج سأل الله أن يرزقه العودة ولو تكرر كل شهر أو كل عام، فهو مثابة للناس يثوبون ويرجعون إليه.

    وثاب يثوب يعني: رجع، فتطلق المثابة على الرجوع إلى الشيء مرة بعد مرة، وعلى الاجتماع، ومنه ما جاء في الحديث: (إذا ثوب بالصلاة ولى الشيطان وله ضراط)، فإذا سمع الشيطان الأذان ولى وله ضراط، فإذا ثوب، يعني: رجع مرة أخرى المؤذن إلى الإقامة، والتثويب رجوع إلى النداء، فقد نادى للصلاة أولاً، ثم نادى بالميقات، فإذا أقام الصلاة وإذا ثوب بالإقامة، يعني: إذا رجع المؤذن مرة أخرى، ودعا إلى إقامة الصلاة بعد أن دعا إلى الإتيان إليها أولاً، فإن الشيطان يولي وله ضراط. وهنا: وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ [البقرة:125] يعني: يرجعون ويتكرر مجيئهم إليه، ولا يقضون منه وطراً، ولا يملون، وكل من جاء سأل الله أن يرزقه العودة؛ استجابة لنداء الخليل: فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ [إبراهيم:37].

    وكل مسلم يحن ويشتاق إلى البيت، وإذا جاء كان مشتاقاً لرؤيته، وإذا أراد الانصراف سأل الله العودة، وألا يجعله آخر العهد.

    وأما قوله تعالى: وَأَمْنًا [البقرة:125] فهذا خبر بمعنى الأمر، والمعنى: ليكن البيت أمناً للناس، يعني: أًمِّنوا من دخل، واجعلوه آمناً، كقوله تعالى: وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا [آل عمران:97] يعني: ليكن من دخله آمناً.

    وليس المراد هنا: الخبر المحض، وإنما هو خبر بمعنى الأمر، والمعنى: اجعلوه آمناً، وليكن من دخله آمناً، وليكن هذا البيت أمناً للناس، ولو كان المراد: الخبر المحض لكان البيت آمناً ولا يحصل فيه خوف، وهذا خلاف الواقع، فقد حصل خوف للبيت في زمن القرامطة الذين جاءوا وقتلوا الحجاج وأخافوا الناس وآذوهم، وإنما هذا خبر بمعنى الأمر، فهو أمر من الله لعباده أن يجعلوا هذا البيت آمناً لمن دخله، وأن يؤمنوا من دخله، والمعنى: أمنوا من دخله، فلا تخيفوه ولا تؤذوه، فقوله تعالى: وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا [البقرة:125] يعني: يكن آمناً، كقوله في الآية الأخرى: وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا [آل عمران:97] يعني: ليكن من دخله آمناً.

    وليس المراد: الخبر المحض؛ لأنه لو كان المراد الخبر المحض لم يحصل فيه خوف مطلقاً، وقد حصل الخوف من بعض الناس، حصل قتال أيام الحجاج ، فـالحجاج قاتل الناس وقتل عبد الله بن الزبير، وهدم الكعبة، وأخاف أهل مكة أيما إخافة.

    وكذلك أيام القرامطة قتلوا الحجاج، وأخذوا الحجر الأسود وبقي عندهم مدة طويلة، فلو كان هذا خبراً لم يقع خوف في مكة، لكنه وقع الخوف في بعض الأزمنة، فدل على أنه خبر بمعنى الأمر، والمعنى: أمِّنوا من دخله، وليكن من دخله آمناً، وليكن هذا البيت آمناً كما أنه مثابة للناس، وهو مثابة، يعني: يرجعون إليه ويقضون وطراً، ويسألون الله العودة، وليكن مع ذلك آمناً، فأمنوا من دخله حتى لا يخاف.

    حكم من دخل مكة وقد ارتكب حداً

    وأخذ العلماء من هذه الآية أن من دخل مكة وقد ارتكب حداً فإنه لا يقام عليه الحد بمكة، وإنما يخرج من الحرم ثم يقام عليه الحد، أو يلجأ إلى الخروج ثم يقام عليه الحد، وكان الرجل في الجاهلية يلقى قاتل أبيه وأخيه، فلا يحرك ساكناً حتى يخرج من الحرم.

    وأما من فعل الجريمة في الحرم كأن يزني في الحرم، أو يسرق، أو يقتل، فيقام عليه الحد في الحرم؛ لأنه هو الذي هتك حرمة الحرم، فالذي يزني في الحرم يقام عليه الحد، والذي يزني في مكة أو يقتل أو يسرق، تقطع يده في مكة، ويجلد في مكة أو يرجم، ويقتل في مكة؛ لأنه هو الذي هتك حرمة الحرم.

    وهذا بخلاف الذي يأتي إليه من الخارج وقد فعل جناية خارج مكة ثم دخل مكة، فهذا لجأ إلى مكة عائذاً، فهو معظم للحرم، فيخرج من الحرم ثم يقام عليه الحد، وأما من فعل الجريمة في الحرم فإنه يقام عليه الحد في الحرم؛ لأنه هو الذي هتك حرمة الحرم.

    قال المؤلف رحمه الله: [ وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : كان الرجل يلقى قاتل أبيه أو أخيه فيه فلا يعرض له، كما وصف في سورة المائدة في قوله تعالى: جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ [المائدة:97] أي: يدفع عنهم بسبب تعظيمها السوء ].

    (قياماً للناس) يعني: لا قوامة لهم إلا بحج البيت، واستقبال القبلة، ولهذا إذا هدمت الكعبة في آخر الزمان فإن الناس لن يحجوا، ثم سينسون الصلاة بعد ذلك، ويرفع الإيمان من القلوب، فتأتي ريح طيبة تقبض أرواح المؤمنين والمؤمنات، فلا يبقى إلا الكفرة وعليهم تقوم الساعة، فلا قوامة للناس إلا بهذا البيت، فهذا البيت هو الذي يدفع عنهم السوء والبلاء بسبب تعظيمه، وبالصلاة والإيمان والتوحيد، ولا توحيد إلا بصلاة وإيمان، فإذا هدمت الكعبة نسي الناس الصلاة، فزال التوحيد والإيمان، فتقبض أرواح المؤمنين والمؤمنات، ثم تقوم الساعة، فلا قيام للناس إلا بهذا البيت، ولهذا قال: جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ [المائدة:97] أي: لا قيام لهم إلا بذلك، ولا يدفع عنهم السوء إلا بإقامة الصلاة واستقبال القبلة، وإقامة الحج، فالقبلة واحدة، والرسول واحد، والمعبود واحد وهو الرب سبحانه وتعالى، فالقبلة أسست على التوحيد.

    اختلاف المفسرين في المراد بالمقام في قوله تعالى: (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى)

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ كما قال ابن عباس : لو لم يحج الناس هذا البيت لأطبق الله السماء على الأرض، وما هذا الشرف إلا لشرف بانيه أولاً، وهو خليل الرحمن كما قال تعالى: وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا [الحج:26]، وقال تعالى: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ * فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا [آل عمران:96-97].

    وفي هذه الآية الكريمة نبه على مقام إبراهيم مع الأمر بالصلاة عنده، فقال: وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى [البقرة:125]، وقد اختلف المفسرون في المراد بالمقام ما هو؟

    فقال ابن أبي حاتم : أخبرنا عمرو بن شبة النميري حدثنا أبو خلف -يعني عبد الله بن عيسى - أخبرنا داود بن أبي هند عن مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما: وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى [البقرة:125]، قال: مقام إبراهيم: الحرم كله.

    وروي عن مجاهد وعطاء مثل ذلك.

    وقال أيضاً: أخبرنا الحسن بن محمد بن الصباح حدثنا حجاج عن ابن جريج قال: سألت عطاء عن: وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ [البقرة:125] فقال: سمعت ابن عباس رضي الله عنهما قال: أما مقام إبراهيم الذي ذكر هاهنا فمقام إبراهيم هذا الذي في المسجد، ثم قال: ومقام إبراهيم يَعُدُّ كثيرٌ مقام إبراهيم الحج كلَّه، ثم فسره لي عطاء فقال: التعريف، وصلاتان بعرفة والمشعر ومنى، ورمي الجمار، والطواف بين الصفا والمروة.

    فقلت: أفسره ابن عباس؟ قال: لا، ولكن قال: ( مقام إبراهيم ) : الحج كله.

    قلت: أسمعت ذلك لهذا أجمع؟ قال: نعم، سمعته منه ].

    ومقامات إبراهيم متعددة، وهي الحج كله: في منى وعرفة ومزدلفة فكلها من مقامات الحج، لكن المراد بالمقام هنا الحجر الذي قام عليه إبراهيم عليه الصلاة والسلام، فالمراد بالمقام في الآية: وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى [البقرة:125]: هو الحجر الذي قام عليه إبراهيم عليه الصلاة والسلام لما ارتفع البناء، وإسماعيل يناوله الحجارة، وكان ملصقاً بالكعبة، ثم أخره عمر بن الخطاب رضي الله عنه توسعة للطائفين، وهو خليفة راشد، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين)، ويصلى خلفه في أي مكان خلف المقام.

    وأما بالنسبة لرمي الجمار فلا يقال: فيها شياطين كما يعتقد بعض العامة، فبعضهم يعتقد أنه يرمي الشيطان بالجمرات من المشاعر، وسمي الشيطان الكبير والشيطان الأوسط والشيطان الصغير وكل هذه من خرافات العامة، فهذه مشاعر ومناسك الحج جعلت لإقامة ذكر الله، كما قال صلى الله عليه وسلم (إنما جعل الطواف بالبيت والصفا والمروة ورمي الجمار لإقامة ذكر الله)، وإن كان إبراهيم عرض له الشيطان في أول الأمر، لكن بعد ذلك صارت مشاعر ومناسك.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقال سفيان الثوري عن عبد الله بن مسلم عن سعيد بن جبير : وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى [البقرة:125] قال: الحجر مقام إبراهيم نبي الله قد جعله الله رحمة، فكان يقوم عليه ويناوله إسماعيل الحجارة، ولو غسل رأسه كما يقولون لاختلف رجلاه.

    وقال السدي : المقام: الحجر الذي وضعته زوجة إسماعيل تحت قدم إبراهيم حتى غسلت رأسه.

    حكاه القرطبي وضعفه، ورجحه غيره ].

    والمقصود: هو المقام الذي يقوم عليه، والسنة الصلاة خلفه لمن طاف بالبيت إن تيسر، فإن لم يتيسر فليصليها في أي مكان من المسجد، ولا يزاحم إنما هذا مستحب، والسنة أن يقرأ هذه الآية قبل الصلاة، يقرأ: وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى [البقرة:125]، كما أنه يقرأ إذا أراد أن يسعى بين الصفا والمروة أول ما يبدأ يقرأ: إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ [البقرة:158].

    قال المؤلف رحمه الله: [ وحكاه الرازي في تفسيره عن الحسن البصري وقتادة والربيع بن أنس .

    وقال ابن أبي حاتم : أخبرنا الحسن بن محمد بن الصباح أخبرنا عبد الوهاب بن عطاء عن ابن جريج عن جعفر بن محمد عن أبيه، سمع جابرًا يحدث عن حجة النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لما طاف النبي صلى الله عليه وسلم قال له عمر : هذا مقام أبينا؟ قال: نعم، قال: أفلا نتخذه مصلى؟ فأنزل الله عز وجل: وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى [البقرة:125]).

    وقال عثمان بن أبي شيبة : أخبرنا أبو أسامة عن زكريا عن أبي إسحاق عن أبي ميسرة قال: قال عمر : (قلت: يا رسول الله! هذا مقام خليل ربنا؟ قال: نعم، قال: أفلا نتخذه مصلى؟ فنزلت: وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى [البقرة:125]).

    وقال ابن مردويه : أخبرنا دعلج بن أحمد حدثنا غيلان بن عبد الصمد أخبرنا مسروق بن المرزبان أخبرنا زكريا بن أبي زائدة عن أبي إسحاق عن عمرو بن ميمون عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (أنه مَرَّ بمقام إبراهيم فقال: يا رسول الله! أليس نقوم بمقام خليل ربنا؟ قال: بلى، قال: أفلا نتخذه مصلى؟ فلم يلبث إلا يسيرًا حتى نزلت: وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى [البقرة:125]) ].

    هذا من الموافقات لـعمر، يقول عمر : وافقني ربي في ثلاث، فقد كان ملهَماً مسدداً رضي الله عنه. والله تعالى شرع الاقتداء به، وهذا من الاقتداء والله أعلم، فهذا المقام الذي قام عليه أمر الله باتخاذه مصلى، كما قال عمر : أليس هذا مقام خليل ربنا؟

    قال المؤلف رحمه الله: [ وقال ابن مردويه : أخبرنا علي بن أحمد بن محمد القزويني أخبرنا علي بن الحسين بن الجنيد أخبرنا هشام بن خالد أخبرنا الوليد عن مالك بن أنس عن جعفر بن محمد عن أبيه، عن جابر رضي الله عنه قال: (لما وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة عند مقام إبراهيم قال له عمر : يا رسول الله! هذا مقام إبراهيم الذي قال الله: وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى [البقرة:125]) قال: نعم؟ قال الوليد : قلت لـمالك : هكذا حدثك ( واتخَذوا )؟ قال: نعم.

    هكذا وقع في هذه الرواية وهو غريب ].

    فقوله: (واتخَذوا) إذا لم تكن سبعية فهي شاذة، وابن جرير أوضح هذه المسألة وبين أن فيها قراءات بينما الحافظ ابن كثير رحمه الله، اكتفى بذكر السند ولم يذكر اختلاف القراءة في قوله: (واتخذوا).

    فقوله: (واتخِذوا) تكون أمراً، وهذه القراءة: (واتخَذوا) تكون خبراً، مثل قوله: وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا [البقرة:125]، فهذا خبر.

    قال المؤلف رحمه الله: [ وقال البخاري : باب قوله: وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى [البقرة:125].

    حدثنا مسدد أخبرنا يحيى عن حميد عن أنس بن مالك قال: قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (وافقتُ ربي في ثلاث، أو وافقني ربي في ثلاث، قلت: يا رسول الله! لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى؟ فنزلت: وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى [البقرة:125]، وقلت: يا رسول الله! يدخل عليك البر والفاجر، فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب؟ فأنزل الله آية الحجاب، وقال: وبلغني مُعَاتبة النبي صلى الله عليه وسلم بعض نسائه، فدخلت عليهن فقلت: إن انتهيتن أو ليبدلن الله رسوله خيرًا منكن، حتى أتيت إحدى نسائه، قالت: يا عمر ! أما في رسول الله ما يعظ نساءه حتى تعظهن أنت؟! فأنزل الله: عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ [التحريم:5]) الآية ].

    وجاء في رواية أنها أم سلمة ، قالت: يا عمر ! دخلت في كل شيء حتى بين النبي صلى الله عليه وسلم ونسائه، قال: فكسرت ما في نفسي، فأنزل الله الآية موافقة له، ووافقه ربه فيها.

    قال المؤلف رحمه الله: [ وقال ابن أبي مريم : أخبرنا يحيى بن أيوب حدثني حميد قال: سمعت أنسًا عن عمر رضي الله عنهما.

    هكذا ساقه البخاري هاهنا، وعلق الطريق الثانية عن شيخه سعيد بن الحكم المعروف بـابن أبي مريم المصري، وقد تفرد بالرواية عنه البخاري من بين أصحاب الكتب الستة، وروى عنه الباقون بواسطة، وغرضه من تعليق هذا الطريق ليبين فيه اتصال إسناد الحديث، وإنما لم يسنده؛ لأن يحيى بن أبي أيوب الغافقي فيه شيء، كما قال الإمام أحمد فيه: هو سيئ الحفظ، والله أعلم.

    وقال الإمام أحمد : حدثنا هشيم أخبرنا حميد عن أنس قال: قال عمر رضي الله عنه: وافقت ربي عز وجل في ثلاث، قلت: يا رسول الله! لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى؟ فنزلت: وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى [البقرة:125]، وقلت: يا رسول الله! إن نساءكَ يدخل عليهن البر والفاجر، فلو أمرتهن أن يحتجبن؟ فنزلت آية الحجاب، واجتمع على رسول الله صلى الله عليه وسلم نساؤه في الغيرة فقلت لهن: (عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ)، فنزلت كذلك.

    ثم رواه أحمد عن يحيى وابن أبي عدي كلاهما عن حميد عن أنس عن عمر أنه قال: وافقت ربي في ثلاث، أو وافقني ربي في ثلاث فذكره.

    وقد رواه البخاري عن عمرو بن عون والترمذي عن أحمد بن منيع، والنسائي عن يعقوب بن إبراهيم الدورقي، وابن ماجة عن محمد بن الصباح كلهم عن هشيم بن بشير به، ورواه الترمذي أيضًا عن عبد بن حميد عن حجاج بن منهال عن حماد بن سلمة، والنسائي عن هناد عن يحيى بن أبي فائدة كلاهما عن حميد وهو ابن تيرويه الطويل به

    وقال الترمذي : حسن صحيح.

    ورواه الإمام علي بن المديني عن يزيد بن زريع عن حميد به، وقال: هذا من صحيح الحديث، وهو بصري.

    ورواه الإمام مسلم بن الحجاج في صحيحه بسند آخر ولفظ آخر، فقال: أخبرنا عقبة بن مكرم قال: أخبرنا سعيد بن عامر عن جويرية بن أسماء عن نافع عن ابن عمر عن عمر رضي الله عنه قال: وافقت ربي في ثلاث: في الحجاب، وفي أسارى بدر، وفي مقام إبراهيم.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقال أبو حاتم الرازي : أخبرنا محمد بن عبد الله الأنصاري أخبرنا حميد الطويل عن أنس بن مالك قال: قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (وافقني ربي في ثلاث، أو وافقت ربي في ثلاث: قلت: يا رسول الله! لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى، فنزلت: وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى [البقرة:125]، وقلت: يا رسول الله! لو حجبت نساءك، فنزلت آية الحجاب، والثالثة لما مات عبد الله بن أبي جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصلي عليه، قلت: يا رسول الله! تصلي على هذا الكافر المنافق. فقال: إيها عنك يا ابن الخطاب ! فنزلت: وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ [التوبة:84]) ].

    فالنبي عليه الصلاة والسلام لم يُنه عن ذلك، وهو فعل ذلك مراعاة لولده عبد الله ؛ ولأنه لم تنزل الآية: وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ [التوبة:84] إلا بعد أن صلى عليه.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وهذا إسناد صحيح أيضاً، ولا تعارض بين هذا ولا هذا، بل الكل صحيح ومفهوم العدد إذا عارضه منطوق قدم عليه، والله أعلم ].

    يعني: أن في الحديث الموافقة في المقام، وفي الحجاب، وفي الصلاة على عبد الله بن أبي، فكيف يجمع بين هذا الحديث الذي فيه ذكر الثلاث وبين الحديث الذي فيه أكثر من ثلاث؟ يقول رحمه الله: إن مفهوم العدد في قوله: (وافقت ربي أو وافقني ربي في ثلاث) يفهم منه أنه لا يزاد على الثلاث، لكن المنطوق أنهن أكثر من ثلاث فيقدم المنطوق على المفهوم، هذا هو الجمع بين الأحاديث.

    قال المؤلف رحمه الله: [ وقال ابن جريج : أخبرني جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر : (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: رمل ثلاثة أشواط ومشى أربعاً، حتى إذا فرغ عمد إلى مقام إبراهيم فصلى خلفه ركعتين، ثم قرأ: وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى [البقرة:125]).

    وقال ابن جرير: حدثنا يوسف بن سليمان أخبرنا حاتم بن إسماعيل أخبرنا جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر رضي الله عنه قال: (استلم رسول الله صلى الله عليه وسلم الركن فرمل ثلاثاً، ومشى أربعاً، ثم نفذ إلى مقام إبراهيم فقرأ: وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى [البقرة:125]، فجعل المقام بينه وبين البيت فصلى ركعتين) وهذا قطعة من الحديث الطويل الذي رواه مسلم في صحيحه من حديث حاتم بن إسماعيل ].

    فيه أن يجعل المقام بينه وبين البيت، وهذه السنة، وهذا هو الأفضل، لكن إذا كان هناك زحام فيصلي في أي مكان من المسجد.

    قال المؤلف رحمه الله: [ وروى البخاري بسنده عن عمرو بن دينار قال: سمعت ابن عمر رضي الله عنهما يقول: (قدم رسول صلى الله عليه وسلم فطاف بالبيت سبعاً وصلى خلف المقام ركعتين)، فهذا كله مما يدل على أن المراد بالمقام إنما هو الحجر الذي كان إبراهيم عليه السلام يقوم عليه لبناء الكعبة، لما ارتفع الجدار أتاه إسماعيل عليه السلام به ليقوم فوقه ويناوله الحجارة فيضعها بيده لرفع الجدار، وكلما كمل ناحية انتقل إلى الناحية الأخرى يطوف حول الكعبة، وهو واقف عليه، كلما فرغ من جدار نقله إلى الناحية التي تليها، وهكذا حتى تم بناء جدران الكعبة كما سيأتي بيانه في قصة إبراهيم وإسماعيل في بناء البيت من رواية ابن عباس عند البخاري، وكانت آثار قدميه ظاهرة فيه، ولم يزل هذا معروفاً تعرفه العرب في جاهليتها، ولهذا قال أبو طالب في قصيدته المعروفة اللامية:

    وموطئ إبراهيم في الصخر رطبة على قدميه حافياً غير ناعل.

    وقد أدرك المسلمون ذلك فيه، كما قال عبد الله بن وهب : أخبرني يونس بن يزيد عن ابن شهاب : أن أنس بن مالك حدثهم قال: رأيت المقام فيه أصابعه عليه السلام وأخمص قدميه، غير أنه أذهبه مسح الناس بأيديهم ].

    يعني: رأى أثر الأصابع وسط الصخر، وكذلك أخمص دميه.

    وكان إبراهيم عليه الصلاة والسلام قد بنى الكعبة على القواعد، قال تعالى: وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ [البقرة:127] ولم يكن هناك حجر، وإنما كان ذلك في زمن قريش عندما أرادت قريش أن تبني الكعبة، ولكنهم تحرجوا من هدمها وقالوا: نحن لا نريد إلا خيراً، وبدأ رجل وهدمها، فقالوا: ننظر ما يحصل له، فلما لم يحصل له شيء قاموا جميعاً فهدموها، وجمعوا مالاً من أجل بنائها، فقالوا: نجمع المال لبنائها، لكن لا تدخلوا في بنيانها من كسبكم إلا طيباً: لا يدخل فيها مهر بغي، ولا بيع ربا، ولا مظلمة أحد من الناس، فقصرت بهم النفقة وعجزوا عن بنائها على قواعد إبراهيم، وبناها على قواعد إبراهيم عبد الله بن الزبير لما ولي مكة والحجاز، ثم لما قاتل الحجاج ابن الزبير وقتل عبد الله بن الزبير وصلب على خشبة، هدمها الحجاج وبناها على ما كانت عليه.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقال ابن جرير : أخبرنا بشر بن معاذ أخبرنا يزيد بن زريع أخبرنا سعيد عن قتادة : وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى [البقرة:125] إنما أمروا أن يصلوا عنده ولم يؤمروا بمسحه، وقد تكلفت هذه الأمة شيئاً ما تكلفته الأمم قبلها، ولقد ذكر لنا من رأى أثر عقبه وأصابعه فيه فما زالت هذه الأمة يمسحونه حتى اخلولق وانمحى ].

    هذا في الزمان الأول كانوا يمسحون، وهذا خطأ لا يمسح، وهذا إنما يفعله بعض الجهال، فإذا كان هذا في الزمان الأول فكيف يكون في العصور المتأخرة؟!

    موضع المقام من الكعبة وذكر من أخره عنها

    قال المؤلف رحمه الله: [(قلت): وقد كان هذا المقام ملصقاً بجدار الكعبة قديماً، ومكانه معروف اليوم إلى جانب الباب مما يلي الحجر يمنة الداخل من الباب في البقعة المستقلة هناك، وكان الخليل عليه السلام لما فرغ من بناء البيت وضعه إلى جدار الكعبة، أو أنه انتهى عنده البناء فتركه هناك، ولهذا -والله أعلم- أمر بالصلاة هناك عند الفراغ من الطواف، وناسب أن يكون عند مقام إبراهيم حيث انتهى بناء الكعبة فيه، وإنما أخره عن جدار الكعبة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه أحد الأئمة المهديين، والخلفاء الراشدين الذين أمرنا باتباعهم، وهو أحد الرجلين اللذين قال فيهما رسول الله صلى الله عليه وسلم (اقتدوا باللذين من بعدي: أبي بكر وعمر)، وهو الذي نزل القرآن بوفاقه في الصلاة عنده، ولهذا لم ينكر ذلك أحد من أصحابه رضي الله عنهم أجمعين، قال عبد الرزاق عن ابن جريج حدثني عطاء وغيره من أصحابنا قال: أول من نقله عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

    وقال عبد الرزاق أيضاً: عن معمر عن حميد الأعرج عن مجاهد قال: أول من أخر المقام إلى موضعه الآن عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

    وقال الحافظ أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي : أخبرنا أبو الحسين بن الفضيل القطان أخبرنا القاضي أبو بكر أحمد بن كامل حدثنا أبو إسماعيل محمد بن إسماعيل السلمي حدثنا أبو ثابت حدثنا الدراوردي عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها: (أن المقام كان زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم، وزمان أبي بكر رضي الله عنه ملتصقاً بالبيت، ثم أخره عمر بن الخطاب رضي الله عنه) وهذا إسناد صحيح مع ما تقدم.

    وقال ابن أبي حاتم : أخبرنا أبي أخبرنا ابن أبي عمر العدني قال: قال سفيان يعني ابن عيينة وهو إمام المكيين في زمانه: كان المقام من سقع البيت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحوله عمر إلى مكانه بعد النبي صلى الله عليه وسلم، وبعد قوله وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى [البقرة:125].

    قال: ذهب السيل به بعد تحويل عمر إياه من موضعه هذا فرده عمر إليه وقال سفيان : لا أدري كم بينه وبين الكعبة قبل تحويله، قال سفيان : لا أدري أكان لاصقاً بها أم لا ؟ فهذه الآثار متعاضدة على ما ذكرناه، والله أعلم.

    وقد قال الحافظ أبو بكر بن مردويه : أخبرنا أبو عمرو وهو أحمد بن محمد بن حكيم أخبرنا محمد بن عبد الوهاب بن أبي تمام أخبرنا آدم هو ابن أبي إياس في تفسيره أخبرنا شريك عن إبراهيم بن المهاجر عن مجاهد قال: قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (يا رسول الله! لو صلينا خلف المقام، فأنزل الله: وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى [البقرة:125]).

    فكان المقام عند البيت فحوله رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى موضعه هذا، قال مجاهد : وكان عمر يرى الرأي فينزل به القرآن، هذا مرسل عن مجاهد، وهو مخالف لما تقدم من رواية عبد الرزاق عن معمر عن حميد الأعرج عن مجاهد : أن أول من أخر المقام إلى موضعه الآن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وهذا أصح من طريق ابن مردويه مع اعتضاد هذا بما تقدم، والله أعلم ].

    يعني رواية مجاهد عن عمر منقطعة، والمنقطع يسمى مرسلاً عند بعض المحدثين؛ لأن مجاهداً لم يسمع من عمر، فالعمدة على الروايات السابقة التي ذكرت أن الذي أخره هو عمر، وأما هذه الرواية عن مجاهد أن الذي آخره هو رسول الله صلى الله عليه وسلم فهي منقطعة، والمنقطع ضعيف، فلا تصح هذه الرواية، فالعمدة على الروايات الأخرى أن الذي أخره عمر ولم يؤخره النبي صلى الله عليه وسلم.

    وهذا الحديث ضعيف فيه علتان: الأولى: إبراهيم بن المهاجر وهو ضعيف، والعلة الثانية: الانقطاع بين مجاهد وبين عمر رضي الله عنه.