إسلام ويب

تفسير سورة البقرة [124]للشيخ : عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد كان أبونا إبراهيم عليه السلام أمة وحده في إقامة التوحيد، والدعوة إلى الله تعالى، ومحاربة الشرك، وقد ابتلاه الله عدة اتبلاءات فقام بها خير قيام عليه الصلاة والسلام.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إن إبراهيم كان أمة ...)

    قال الله تعالى: وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ [البقرة:124].

    قال المؤلف رحمه الله: [ يقول تعالى منبهاً على شرف إبراهيم خليله عليه السلام، وأن الله تعالى جعله إماماً للناس يقتدى به في التوحيد حين قام بما كلفه الله تعالى به من الأوامر والنواهي، ولهذا قال: وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ [البقرة:124] أي: واذكر يا محمد! لهؤلاء المشركين وأهل الكتابين الذي ينتحلون ملة إبراهيم وليسوا عليها، وإنما الذي هو عليها مستقيم، فأنت والذين معك من المؤمنين اذكر لهؤلاء ابتلاء الله إبراهيم، أي: اختباره له بما كلفه به من الأوامر والنواهي.

    فَأَتَمَّهُنَّ [البقرة:124] أي: قام بهن كلهن، كما قال تعالى: وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى [النجم:37] أي: وفّى جميع ما شرع له فعمل به صلوات الله عليه، وقال تعالى: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ * ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [النحل:120-123].

    وقال تعالى: قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [الأنعام:161]، وقال تعالى: مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ [آل عمران:67-68].

    وقوله تعالى: بِكَلِمَاتٍ [البقرة:124] أي: بشرائع وأوامر ونواه، فالكلمات تطلق ويراد بها الكلمات القدرية كقوله تعالى عن مريم عليها السلام، وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ [التحريم:12].

    وتطلق ويراد بها الشرعية، كقوله تعالى: وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا [الأنعام:115] أي: كلماته الشرعية، وهي إما خبر صدق، وإما طلب عدل إن كان أمراً أو نهياً، ومن ذلك هذه الآية الكريمة: وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ [البقرة:124] أي: قام بهن، قال: إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا [البقرة:124] أي: جزاء على ما فعل، كما قام بالأوامر وترك الزواجر جعله الله للناس قدوة وإماماً يقتدى به، ويحتذى حذوه ].

    اختلاف المفسرين في تعيين الكلمات التي ابتلى الله بها إبراهيم الخليل عليه السلام

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقد اختلف في تعيين الكلمات التي اختبر الله بها إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام، فروي عن ابن عباس في ذلك روايات، فقال عبد الرزاق عن معمر عن قتادة قال ابن عباس : ابتلاه الله بالمناسك.

    وكذا رواه أبو إسحاق السبيعي عن التميمي عن ابن عباس .

    وقال عبد الرزاق أيضاً: أخبرنا معمر عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس : وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ [البقرة:124] قال: ابتلاه الله بالطهارة: خمس في الرأس، وخمس في الجسد، في الرأس: قص الشارب، والمضمضة، والاستنشاق، والسواك، وفرق الرأس، وفي الجسد: تقليم الأظفار، وحلق العانة، والختان، ونتف الإبط، وغسل أثر الغائط والبول بالمياه.

    قال ابن أبي حاتم : وروي عن سعيد بن المسيب ومجاهد والشعبي والنخعي وأبي صالح وأبي الجلد نحو ذلك.

    قلت: وقريب من هذا ما ثبت في صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (عشر من الفطرة: قص الشارب، وإعفاء اللحية، والسواك، واستنشاق الماء، وقص الأظفار، وغسل البراجم، ونتف الإبط، وحلق العانة، وانتقاص الماء ونسيت العاشرة ألا أن تكون المضمضة).

    قال وكيع : انتقاص الماء، يعني: الاستنجاء ].

    والبراجم هي مفاصل الأصابع.

    وكلمات الله نوعان كما ذكرها المؤلف: كلمات قدرية وكلمات دينية ، والكلمات القدرية مثل قوله تعالى: وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ [التحريم:12]، أي: كلمات ربها الكونية، وكتبه: هي الكلمات الدينية.

    ومثل قوله: وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا [الأنعام:115]، هذه كلمات الله الدينية.

    وقوله صلى الله عليه وسلم: (أعوذ بكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر) ، وهذه من كلمات الله الكونية، أي: هي التي لا يجاوزها بر ولا فاجر، بخلاف الكلمات الدينية فإنها قد يجاوزها الفاجر، فالأوامر والنواهي يجاوزها الفاجر، وأما كلمات الله الكونية فلا يجاوزها أحد، قال تعالى: إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس:82]، وهذه الكلمات الكونية، وهذه الكلمات التي ابتلى الله بها إبراهيم عليه الصلاة والسلام الصواب أنها عامة، أي: أنها تشمل الشرائع والأوامر التي كلف بها إبراهيم عليه الصلاة والسلام، فأتمها وقام بها، فجزاه الله وأثابه على اتمامه، وجعله إماماً يقتدى به عليه الصلاة والسلام.

    فهي كلمات دينية، وكلمات: عامة تشمل الشرائع والأوامر والنواهي، ومنها ما جاء في الفطرة وغيرها، ومنها ما يتعلق بالمناسك.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وفي الصحيحين: عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الفطرة خمس: الختان، والاستحداد، وقص الشارب، وتقليم الأظفار، ونتف الإبط)، ولفظه لـمسلم ] .

    والاستحداد هو حلق العانة.

    قال المؤلف رحمه الله: [ وقال ابن أبي حاتم : أنبأنا يونس بن عبد الأعلى قراءة، أخبرنا ابن وهب أخبرنا ابن لهيعة عن ابن هبيرة عن حنش بن عبد الله الصنعاني عن ابن عباس رضي الله عنهما: أنه كان يقول في تفسير هذه الآية: وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ [البقرة:124] قال: عشر: ست في الإنسان، وأربع في المشاعر.

    فأما التي في الإنسان: حلق العانة، ونتف الإبط، والختان.

    وكان ابن هبيرة يقول: هؤلاء الثلاثة واحدة، وتقليم الأظفار، وقص الشارب، والسواك، وغسل يوم الجمعة ].

    يقول في الحاشية كذا في بعض النسخ، وفي الدُّر المنثور: أو الختان.

    قال المؤلف رحمه الله: [ والأربعة التي في المشاعر: الطواف، والسعي بين الصفا والمروة، ورمي الجمار، والإفاضة ].

    وهذه كلها من الكلمات، فالسلف يفسرون الشيء ببعضه، والمراد: أن هذه من الكلمات، وإلا فالكلمات أعم، فهي تشمل الشرائع والأوامر والنواهي، ولا تتعلق بالمناسك والفطرة فقط.

    والكلمات المراد بها في قوله تعالى: وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ [البقرة:124] الكلمات الدينية، وهي الشرائع والأوامر والنواهي، وكلها من الكلمات الدينية، وكتب الله وما نزل على أنبيائه من الكلمات الدينية، وكلام الله لأنبيائه ورسله من الكلمات الدينية.

    وعلى خلاف في الروايات في تعداد الفطرة، فإن الفطرة جاءت الأحاديث باختلاف تعدادها.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقال داود بن أبي هند عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: (ما ابتلي بهذا الدين أحد فقام به كله إلا إبراهيم، قال الله تعالى: وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ [البقرة:124]) ].

    وهذا إن صح فالمراد: قبل بعثة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وإلا فقد كان نبينا محمد عليه الصلاة والسلام أكمل من جده إبراهيم عليه السلام؛ لأنه قام بما أوجب الله عليه وعبد ربه حتى أتاه اليقين، وبلغ الرسالة وأدى الأمانة، فهو أكمل من جده إبراهيم، ثم يليه جده إبراهيم عليه الصلاة والسلام.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ قلت له: وما الكلماتُ التي ابتلى الله إبراهيم بهن فأتمهن؟ قال: الإسلام ثلاثون سهمًا، منها عشر آيات في براءة: التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ [التوبة:112] إلى آخر الآية.

    وعشر آيات في أول سورة: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ [المؤمنون:1]، وسَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ [المعارج:1]، وعشر آيات في الأحزاب: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ [الأحزاب:35]، إلى آخر الآية، فأتمهن كلهن، فكتبت له براءة، قال الله: وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى [النجم:37].

    هكذا رواه الحاكم وأبو جعفر بن جرير وأبو محمد بن أبي حاتم بأسانيدهم إلى داود بن أبي هند به, وهذا لفظ ابن أبي حاتم .

    وقال محمد بن إسحاق عن محمد بن أبي محمد عن سعيد أو عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: الكلمات التي ابتلى الله بهن إبراهيم فأتمهن: فراق قومه في الله حين أمر بمفارقتهم، ومحاجَّته نمرود في الله حين وقفه على ما وقفه عليه من خطر الأمر الذي فيه خلافه، وصبره على قذفه إياه في النار، ليحرقوه في الله على هول ذلك من أمرهم. والهجرة بعد ذلك من وطنه وبلاده في الله حين أمره بالخروج عنهم، وما أمره به من الضيافة والصبر عليها بنفسه وماله، وما ابتلي به من ذبح ابنه حين أمره بذبحه، فلما مضى على ذلك من الله كله وأخلصه للبلاء قال الله له: أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ [البقرة:131]، على ما كان من خلاف الناس وفراقهم.

    وقال ابن أبي حاتم : أخبرنا أبو سعيد الأشج أخبرنا إسماعيل بن علية عن أبي رجاء عن الحسن - يعني البصري - : وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ [البقرة:124] قال: ابتلاه بالكوكب فرضي عنه، وابتلاه بالقمر فرضي عنه، وابتلاه بالشمس فرضي عنه، وابتلاه بالهجرة فرضي عنه، وابتلاه بالختان فرضي عنه، وابتلاه بابنه فرضي عنه ].

    يعني: رضي عن براءته من عبادة الكواكب؛ لأنه قال: فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ [الأنعام:76]، وهكذا قال: فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ [الأنعام:78] يعني: براءته منها وإخلاصه لله، ورضي الله عنه بهذه البراءة، وإخلاصه لتوحيد الله عز وجل.

    قال المؤلف رحمه الله: [ وقال ابن جرير أخبرنا بشر بن معاذ أخبرنا يزيد بن زريع أخبرنا سعيد عن قتادة قال: كان الحسن يقول: إي والله، لقد ابتلاه بأمر فصبر عليه: ابتلاه بالكوكب والشمس والقمر، فأحسن في ذلك، وعرف أن ربه دائم لا يزول، فوجه وجهه للذي فطر السموات والأرض حنيفًا وما كان من المشركين ].

    ليس هو يبحث عن ربه، بل هو مناظر لهم في ذلك، فقال: يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ [الأنعام:78-79]، فهو يعرف أن ربه دائم، فناظرهم بذلك ووحد الله.

    قال المؤلف رحمه الله: [ ثم ابتلاه بالهجرة فخرج من بلاده وقومه حتى لحق بالشام مهاجرًا إلى الله، ثم ابتلاه بالنار قبل الهجرة فصبر على ذلك، وابتلاه بذبح ابنه والختان فصبر على ذلك.

    وقال عبد الرزاق أخبرنا معمر عمن سمع الحسن يقول في قوله: وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ [البقرة:124] قال: ابتلاه الله بذبح ولده، وبالنار، والكوكب، والشمس، والقمر.

    وقال أبو جعفر بن جرير : أخبرنا ابن بشار أخبرنا سلم بن قتيبة أخبرنا أبو هلال عن الحسن: وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ [البقرة:124] قال: ابتلاه بالكوكب، وبالشمس، والقمر، فوجده صابرًا.

    وقال العوفي في تفسيره عن ابن عباس رضي الله عنهما: وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ [البقرة:124] ومنهن: قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا [البقرة:124]، ومنهن: وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ [البقرة:127]، ومنهن: الآيات في شأن المنسك، والمقام الذي جعل لإبراهيم، والرزق الذي رزق ساكنو البيت، ومحمد بعث في دينهما.

    وقال ابن أبي حاتم : أخبرنا الحسن بن محمد بن الصباح أخبرنا شبابة عن ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله تعالى: وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ [البقرة:124] قال الله لإبراهيم: إني مبتليك بأمر فما هو؟ قال: تجعلني للناس إمامًا، قال: نعم.قال: ومن ذريتي؟ قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ [البقرة:124] ، قال: تجعل البيت مثابة للناس؟ قال: نعم. قال: وأمنًا. قال: نعم. قال: وتجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك؟قال: نعم. قال: وترزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله؟ قال: نعم.

    قال ابن أبي نجيح سمعته من عكرمة فعرضته على مجاهد فلم ينكره، وهكذا رواه ابن جرير من غير وجه عن ابن أبي نجيح عن مجاهد .

    وقال سفيان الثوري عن ابن أبي نجيح عن مجاهد : وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ [البقرة:124] قال: ابتلي بالآيات التي بعدها: إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ [البقرة:124].

    وقال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس : وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ [البقرة:124] قال: الكلمات: إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا [البقرة:124]، وقوله: وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا [البقرة:125]، وقوله: وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى [البقرة:125]، وقوله: وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ [البقرة:125]، الآية، وقوله: وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ [البقرة:127] الآية، قال: فذلك كله من الكلمات التي ابتلي بهن إبراهيم ].

    هذا كله من الكلمات التي ابتلي بها إبراهيم، والكلمات أعم من هذا كله، فهي تشمل هذا وتشمل غيرها، فكلمات هنا عامة منكرة، فتشمل جميع الشرائع والأوامر، وهذا منها.

    والسلف يفسرون الشيء ببعضه، وليس المراد: أن الكلمات خاصة بهذا الشيء، وإنما المراد: الكلمات العامة، ومنها هذه الكلمات، كما تقول لأعجمي يسأل عن الخبز، فتريه رغيفاً وتقول: هذا الخبز، فليس المراد أن الخبز لا يكون إلا هذا الرغيف، وإنما المراد أن هذا مثال للخبز، فكذلك السلف يفسرون الشيء ببعضه، والمراد: العموم.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقال السدي : الكلمات التي ابتلى بهن إبراهيم ربه: رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ * رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ [البقرة:127-129].

    وقال القرطبي : وفي الموطأ وغيره عن يحيى بن سعيد أنه سمع سعيد بن المسيب يقول: إبراهيم عليه الصلاة والسلام أول من اختتن، وأول من ضاف الضيف، وأول من قلم أظفاره، وأول من قص الشارب، وأول من شاب، فلما رأى الشيب قال: ما هذا؟ قال: وقار، قال: يا رب، زدني وقارًا ].

    وهذا فيه نظر؛ لأن قبله نوحاً عليه السلام وقد شاب، ونوح عليه الصلاة والسلام عُمّر ومكث في الدعوة ألف سنة إلا خمسين عاماً.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وذكر ابن أبي شيبة عن سعد بن إبراهيم عن أبيه قال: أول من خطب على المنابر إبراهيم عليه الصلاة والسلام.

    قال غيره: وأول من برَّد البريد، وأول من ضرب بالسيف، وأول من استاك، وأول من استنجى بالماء، وأول من لبس السراويل.

    وروي عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن أتخذ المنبر فقد اتخذه أبي إبراهيم، وإن أتخذ العصا فقد اتخذها أبي إبراهيم) ، قلت: هذا حديث لا يثبت، والله أعلم.

    ثم شرع القرطبي يتكلم على ما يتعلق بهذه الأشياء من الأحكام الشرعية.

    قال أبو جعفر بن جرير ما حاصله:

    أنه يجوز أن يكون المراد بالكلمات جميع ما ذكر، وجائز أن يكون بعض ذلك، ولا يجوز الجزم بشيء منها أنه المراد على التعيين إلا بحديث أو إجماع.

    قال: ولم يصح في ذلك خبر بنقل الواحد ولا بنقل الجماعة الذي يجب التسليم له ].

    هذا الكلام صحيح لا ينبغي العدول عنه وهو الصواب، فالكلمات الكونية عامة تشمل جميع الأوامر والنواهي، ولا يلزم بأنها كلمات خاصة إلا بدليل.

    قال المؤلف رحمه الله: [ قال ابن جرير : غير أنه قد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في نظير معنى ذلك خبران: أحدهما ما حدثنا به أبو كريب قال: أخبرنا رشدين بن سعد قال حدثني زبان بن فائد عن سهل بن معاذ بن أنس عن أبيه رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (ألا أخبركم لم سمى الله إبراهيم خليله الَّذِي وَفَّى [النجم:37]؟ لأنه كان يقول كلما أصبح وكلما أمسى: فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ * وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ [الروم:17-18] إلى آخر الآية) ].

    وهذا حديث ضعيف؛ لأن رشدين وزبان بن فائد ضعيفان.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ قال: والآخر منهما: ما حدثنا به أبو كريب أخبرنا الحسن بن عطية أخبرنا إسرائيل عن جعفر بن الزبير عن القاسم عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى [النجم:37]، قال: أتدرون ما وفّى؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: وفى عمل يومه أربع ركعات في النهار).

    ورواه آدم في تفسيره عن حماد بن سلمة ، وعبد بن حميد عن يونس بن محمد عن حماد بن سلمة عن جعفر بن الزبير به.

    ثم شرع ابن جرير يضعف هذين الحديثين، وهو كما قال؛ فإنه لا يجوز روايتهما إلا ببيان ضعفهما، وضعفهما من وجوه عديدة، فإن كلاً من السندين مشتمل على غير واحد من الضعفاء، مع ما في متن الحديث مما يدل على ضعفه، والله أعلم ].

    وهذا الحديث فيه جعفر بن الزبير وهو متروك.

    قال المؤلف رحمه الله: [ ثم قال ابن جرير : ولو قال قائل: إن الذي قاله مجاهد وأبو صالح والربيع بن أنس أولى بالصواب من القول الذي قاله غيرهم كان مذهبًا؛ لأن قوله: إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا [البقرة:124]، وقوله: وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ [البقرة:125]، الآية، وسائر الآيات التي هي نظير ذلك كالبيان عن الكلمات التي ذكر الله أنه ابتلى بهن إبراهيم.

    قلت: والذي قاله أولاً من أن الكلمات تشمل جميع ما ذكر أقوى من هذا الذي جوزه من قول مجاهد ومن قال مثله؛ لأن السياق يعطي غير ما قالوه، والله أعلم ].

    استجابة الله لنبيه إبراهيم بجعله النبوة في ذريته

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقوله: وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ [البقرة:124]، لما جعل الله إبراهيم إمامًا سأل الله أن تكون الأئمةُ من بعده من ذريته، فأجيب إلى ذلك، وأخبر أنه سيكون من ذريته ظالمون، وأنه لا ينالهم عهد الله، ولا يكونون أئمة فلا يقتدى بهم، والدليل على أنه أجيب إلى طلبته قوله تعالى في سورة العنكبوت: وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ [العنكبوت:27] [العنكبوت:27]، فكل نبي أرسله الله، وكل كتاب أنزله الله بعد إبراهيم ففي ذريته صلوات الله وسلامه عليه.

    وأما قوله تعالى: قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ [البقرة:124] فقد اختلفوا في ذلك: فقال خَصِيف عن مجاهد في قوله: قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ [البقرة:124] قال: إنه سيكون في ذريتك ظالمون.

    وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد : قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ [البقرة:124] قال: لا يكون لي إمام ظالم ، وفي رواية: لا أجعل إمامًا ظالمًا يقتدى به.

    وقال سفيان عن منصور عن مجاهد في قوله تعالى: قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ [البقرة:124]، قال: لا يكون إمام ظالم يقتدى به.

    وقال ابن أبي حاتم أخبرنا أبي أخبرنا مالك بن إسماعيل أخبرنا شريك عن منصور عن مجاهد في قوله: وَمِنْ ذُرِّيَّتِي [البقرة:124] قال: أما من كان منهم صالحًا فأجعله إمامًا يقتدى به، وأما من كان ظالماً فلا ولا نعمة عين ].

    ففي ذريته المحسن والظالم، كما قال الله تعالى عن إبراهيم وإسحاق : وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ [الصافات:113].

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقال سعيد بن جبير : لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ [البقرة:124] المراد به: المشرك لا يكون إمام ظالم، لا يكون إمام مشرك ].

    الظلم إذا أطلق فإنه يراد به الشرك، كما قال الله تعالى: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان:13].

    قال المؤلف رحمه الله: [ وقال ابن جريج عن عطاء قال: إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي [البقرة:124] فأبى أن يجعل من ذريته إمامًا ظالمًا، قلت لـعطاء : ما عهده؟ قال: أمره.

    وقال ابن أبي حاتم : أخبرنا عمرو بن ثور القيساري فيما كتب إلي، أخبرنا الفريابي قال: حدثنا إسرائيل حدثنا سماك بن حرب عن عكرمة عن ابن عباس قال: قال الله لإبراهيم: إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي [البقرة:124]، فأبى أن يفعل، ثم قال: لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ [البقرة:124].

    وقال محمد بن إسحاق عن محمد بن أبي محمد عن سعيد أو عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما: قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ [البقرة:124]، يخبره أنه كائن في ذريته ظالم لا ينال عهده، ولا ينبغي أن يوليه شيئاً من أمره، وإن كان من ذرية خليله، ومحسن ستنفذ فيه دعوته، وتبلغ له فيه ما أراد من مسألته.

    وقال العوفي عن ابن عباس رضي الله عنهما: لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ [البقرة:124] قال يعني لا عهد لظالم عليك في ظلمه أن تطيعه فيه.

    وقال ابن جرير : حدثنا المثنى حدثنا إسحاق أخبرنا عبد الرحمن بن عبد الله عن إسرائيل عن مسلم الأعور عن مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ [البقرة:124] قال: ليس للظالمين عهد، وإن عاهدته فانقضه ].

    وروي عن مجاهد وعطاء ومقاتل بن حيان نحو ذلك.

    وقال الثوري عن هارون بن عنترة عن أبيه قال: ليس لظالم عهد.

    وقال عبد الرزاق : أخبرنا معمر عن قتادة في قوله: لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ [البقرة:124] قال: لا ينال عهد الله في الآخرة الظالمين، فأما في الدنيا فقد ناله الظالم فأمن به، وأكل وعاش.

    وكذا قال إبراهيم النخعي وعطاء والحسن وعكرمة ].

    وقال الربيع بن أنس : عهد الله الذي عهد إلى عباده: دينه، يقول: لا ينال دينه الظالمين، ألا ترى أنه قال: وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ [الصافات:113] يقول: ليس كل ذريتك يا إبراهيم على الحق.

    وكذا روي عن أبي العالية وعطاء ومقاتل بن حيان .

    وقال جويبر عن الضحاك : لا ينال طاعتي عدو لي يعصيني، ولا أنحلها إلا وليًّا لي يطيعني ].

    أنحلها يعني: أعطيها، ومنه قوله تعالى: وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً [النساء:4].

    ولا شك أن عهد الله لا يناله الظالم، فالظالم ليس له أمان، إذا أريد بالظالم المشرك على الإطلاق فالمشرك ليس له دين، وليس له عهد.

    قال المؤلف رحمه الله: [ وقال الحافظ أبو بكر بن مردويه أخبرنا عبد الرحمن بن محمد بن حامد أخبرنا أحمد بن عبد الله بن سعيد الدامغاني أخبرنا وكيع عن الأعمش عن سعد بن عبيدة عن أبي عبد الرحمن السلمي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ [البقرة:124]، قال: لا طاعة إلا في المعروف) ].

    أصل الحديث في البخاري : فقال: حدثنا محمد بن بشار حدثنا غندر حدثنا شعبة عن زبيد عن سعد بن عبيدة عن أبي عبد الرحمن عن علي رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث جيشاً وأمر عليهم رجلاً، فأوقد ناراً وقال: ادخلوها، فأرادوا أن يدخلوها، وقال آخرون: إنما فررنا منها، فذكروا للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال للذين أرادوا أن يدخلوها: لو دخلوها لم يزالوا فيها إلى يوم القيامة، وقال للآخرين: لا طاعة في المعصية، إنما الطاعة في المعروف)، وهذا هو أصل الحديث من دون ذكر الآية.

    وفي بعض الألفاظ أنه قال: (لو دخلوها ما خرجوا منها، إنما الطاعة في المعروف)، فهذا وعيد شديد، وظاهره أنهم يستمرون فيها -يعني: في النار-، وهذا من باب الوعيد.

    قال المؤلف رحمه الله: [ وقال السدي : لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ [البقرة:124] يقول: عهدي نبوتي.

    فهذه أقوال مفسري السلف في هذه الآية على ما نقله ابن جرير وابن أبي حاتم رحمهما الله تعالى.

    واختار ابن جرير أن هذه الآية -وإن كانت ظاهرة في الخبر أنه لا ينال عهد الله بالإمامة ظالماً-.

    ففيها إعلام من الله لإبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام أنه سيوجد من ذريتك من هو ظالم لنفسه، كما تقدم عن مجاهد وغيره، والله أعلم.

    وقال ابن خويز منداد المالكي : الظالم لا يصلح أن يكون خليفة ولا حاكماً ولا مفتياً ولا شاهداً ولا راوياً ].

    فالظالم لا يصح أن يكون ولياً أو إماماً للمسلمين، ولا يكون أميراً لبلد ولا حاكماً ولا مفتياً ولا شاهداً؛ لأنه ظالم، وعنده انحراف وليس عنده عدل، والمطلوب من هؤلاء أن يعدلوا، فكيف يعدل وهو ظالم!