إسلام ويب

تفسير سورة البقرة [116-119]للشيخ : عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يحكي الله تعالى بعض مجادلات أهل الكفر والزيغ، فإنهم لم يستطيعوا أن يتحملوا ويتقبلوا تكاليف هذا الدين، فكانوا يجادلون الأنبياء بالباطل من القول، والخطل من الرأي، فمنهم من ينسب إلى الله الولد تعالى الله عن ذلك، ومنهم من يطلب من النبي أن يطلب من ربه أن يكلمهم ويخبرهم بصدق نبوته صلى الله عليه وسلم، وهذا كله سوء تدبير منهم، وإلا فالحق ظاهر بين لا يحتاج إلى مثل هذه التعنتات.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وقالوا اتخذ الله ولداً...)

    قال الله تعالى: وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ * بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [البقرة:116-117].

    قال المؤلف رحمه الله: [ اشتملت هذه الآية الكريمة والتي تليها على الرد على النصارى عليهم لعائن الله، وكذا من أشبههم من اليهود ومن مشركي العرب ممن جعل الملائكة بنات الله، فأكذب الله جميعهم في دعواهم وقولهم: إن لله ولداً، فقال تعالى: سُبْحَانَهُ [البقرة:116] أي: تعالى وتقدس وتنزه عن ذلك علواً كبيراً بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ [البقرة:116] أي: ليس الأمر كما افتروا وإنما له ملك السموات والأرض ومن فيهن، وهو المتصرف فيهم، وهو خالقهم ورازقهم ومقدرهم ومسخرهم ومسيرهم ومصرفهم كما يشاء، والجميع عبيد له وملك له، فكيف يكون له ولد منهم والولد إنما يكون متولداً من شيئين متناسبين، وهو تبارك وتعالى ليس له نظير ولا مشارك في عظمته وكبريائه، ولا صاحبة له فكيف يكون له ولد؟! ].

    قوله: (ولا صاحبة له) أي: ليس له زوجة، فالولد إنما يكون من شيئين متجانسين، وقد بين الله أنه ليس له مثيل أو شبيه فقال: لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ [الإخلاص:3-4]، فكيف يكون له ولد ولم يتفرع هو من شيء؟ بل هو سبحانه فليس له فرع ولا أصل تبارك وتعالى، ليس له ولد يتفرع منه وهو لم يتفرع من شيء، بل هو سبحانه وتعالى السيد الذي تصمد إليه الخلائق بحوائجها لكماله وقيامه بنفسه سبحانه وتعالى، وقيامه على كل نفس بما كسبت؛ ولأن هذا من سمة المخلوقين فلا يحتاج للولد إلا المخلوق الضعيف، ولا سيما عند الكبر؛ لكي يساعده ويعينه، فنسبة الولد إلى الله من الكفر العظيم والغريب، ولذلك كفرهم سبحانه فقال: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ [المائدة:73]، وبين سبحانه وتعالى أن نسبة الولد إليه شيء عظيم تكاد السموات تتشقق منه وتخر منه الجبال، فقال: وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا [مريم:88-89] يعني: شيئاً عظيماً تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا * وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا * إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا [مريم:90-95].

    فكل من في السموات والأرض يأتي يوم القيامة وهو عبد لله مذلل مسخر ليس له من الأمر شيء، فكيف يكون له ولد ولا صاحبة ولا كفء ولا مثيل له، ولم يتفرع منه شيء ولم يتفرع من شيء ولا يحتاج إلى شيء سبحانه وتعالى، ولا يلحقه ضعف، بل هو القائم بنفسه والمقيم لغيره سبحانه وتعالى، فهذا من أعظم البهتان والكفر بالله عز وجل، فقبح الله النصارى ولعنهم وأخزاهم.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ كما قال تعالى: بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [الأنعام:101]، وقال تعالى: وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا * وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا * إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا [مريم:89-95].

    وقال تعالى: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ [الإخلاص:1-4].

    فقرر تعالى في هذه الآيات الكريمة أنه السيد العظيم الذي لا نظير ولا شبيه له، وأن جميع الأشياء غيره مخلوقة له مربوبة، فكيف يكون له منها ولد؟ ولهذا قال البخاري في تفسير هذه الآية من البقرة: حدثنا أبو اليمان أخبرنا شعيب عن عبد الله بن أبي الحسين حدثنا نافع بن جبير هو ابن مطعم عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (قال الله تعالى: كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك، فأما تكذيبه إياي فيزعم أني لا أقدر أن أعيده كما كان، وأما شتمه إياي فقوله: إن لي ولداً فسبحاني أن أتخذ صاحبة أو ولداً)، انفرد به البخاري من هذا الوجه ].

    يعني: أن دعوى الولد شتم لله سبحانه؛ لأن الشتم واللعن: يطلق على الذم والعيب، فمن عاب أحداً أو ذمه فقد شمته ولعنه، ومنه قوله تعالى: وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ [الإسراء:60] أي: المذمومة.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقال ابن مردويه : حدثنا أحمد بن كامل أخبرنا محمد بن إسماعيل الترمذي أخبرنا محمد بن إسحاق بن محمد الفروي ].

    أخبرنا مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يقول الله تعالى: كذبني ابن آدم وما ينبغي له أن يكذبني، وشتمني وما ينبغي له أن يشتمني، فأما تكذيبه إياي فقوله: لن يعيدني كما بدأني، وليس أول الخلق بأهون علي من إعادته، وأما شتمه إياي فقوله: اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا وأنا الله الأحد الصمد لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ [الإخلاص:3-4]) ].

    قوله ( الفروي ) بالفاء مثل الندوي؛ لأن القاعدة تقول: إن الاسم إذا كان أوله وثانيه صحيح فإن النسبة تكون (فَعَلي) فندوي مثل هروي ومثل فروي ومثل قروي وهكذا.

    و إسحاق بن محمد بن أبي فروة الفروي كان صدوق فلما كُفّ ساء حفظه.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وفي الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا أحد أصبر على أذى سمعه من الله؛ إنهم يجعلون له ولداً وهو يرزقهم ويعافيهم).

    معنى القنوت في كتاب الله تعالى

    وقوله: كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ [البقرة:116]، قال ابن أبي حاتم : أخبرنا أبو سعيد الأشج أخبرنا أسباط عن مطرف عن عطية عن ابن عباس قال: قَانِتِينَ [البقرة:238]: مصلين. وقال عكرمة وأبو مالك : كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ [البقرة:116]: مقرون له بالعبودية. وقال سعيد بن جبير : كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ [البقرة:116] يقول: الإخلاص. وقال الربيع بن أنس : يقول: كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ [البقرة:116] أي: قائم يوم القيامة، وقال السدي : كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ [البقرة:116]: مطيعون يوم القيامة، وقال خصيف عن مجاهد : كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ [البقرة:116] قال: مطيعون، قال: كن إنساناً فكان، وقال : كن حماراً فكان. وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد : كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ [البقرة:116] قال: طاعة الكافر في سجود ظله وهو كاره.

    وهذا القول عن مجاهد -وهو اختيار ابن جرير - يجمع الأقوال كلها، وهو أن القنوت والطاعة والاستكانة إلى الله، وهو شرعي وقدري، كما قال تعالى: وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ [الرعد:15] ].

    أي: فالشرعي: حينما يسجد المسلم لله باختياره، والقدري: هو سجود الجمادات لله تعالى.

    يعني: أنه إذا أراد شيئاً فلا بد أن يوجد، كما جاء في قول الله تعالى: إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس:82]، فإذا أراد سبحانه أن يخلق حماراً قال له: كن، فكان حماراً، وإذا أراد أن يخلق آدمياً قال له: كن، فكان آدمياً.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقد ورد حديث فيه بيان القنوت في القرآن ما هو المراد به، كما قال ابن أبي حاتم أخبرنا يونس بن عبد الأعلى حدثنا ابن وهب أخبرني عمرو بن الحارث أن دراجاً أبا السمح حدثه عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (كل حرف من القرآن يذكر فيه القنوت فهو الطاعة).

    وكذا رواه الإمام أحمد : عن حسن بن موسى عن ابن لهيعة عن دراج بإسناده مثله، ولكن في هذا الإسناد ضعف لا يعتمد عليه، ورفع هذا الحديث منكر، وقد يكون من كلام الصحابي أو من دونه، والله أعلم.

    وكثيراً ما يأتي بهذا الإسناد تفاسير فيها نكارة فلا يغتر بها؛ فإن السند ضعيف، والله أعلم ].

    وفي سند هذا الحديث دراج وابن لهيعة وهما ضعيفان.

    الفرق بين البدعة اللغوية والبدعة الشرعية

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقوله تعالى: بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ [البقرة:117] أي: خالقهما على غير مثال سبق، قال مجاهد والسدي: وهو مقتضى اللغة، ومنه يقال للشيء المحدث: بدعة، كما جاء في صحيح مسلم : (فإن كل محدثة بدعة).

    والبدعة على قسمين: تارة تكون بدعة شرعية، كقوله: (فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة)، وتارة تكون بدعة لغوية: كقول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن جمعه إياهم على صلاة التراويح واستمرارهم: نعمت البدعة هذه ].

    وكانت هذه بدعة لغوية لا شرعية؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي صلى بالناس، لكن كون عمر أعادهم بعد ذلك إلى الجماعة استدعى هذا الشيء من جهة اللغة، وقد كان الناس في زمن النبي صلى الله عليه وسلم يصلون أوزاعاً، وكذلك في زمن أبي بكر ، ثم جمعهم عمر على إمام واحد فسمى هذا بدعة؛ لأنه ابتدع هذا الشيء وجمعه من جهة اللغة.

    وقولهم حينما يحفر الإنسان بئراً: ابتدع هذا البئر، وهذا من جهة اللغة، وأما من جهة الشرع: فكل البدع ضلالة، أما تقسيم بعض العلماء البدعة: إلى بدعة حسنة وبدعة سيئة وبدعة مباحة، فهذا باطل، بل الصواب أن كل البدع ضلالة؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (كل بدعة ضلالة)، و(كل) لفظ يدل على العموم، فكل بدعة في الشرع فهي ضلالة، ولا يوجد هناك بدعة حسنة وبدعة سيئة، لكن هذا من جهة اللغة.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقال ابن جرير : بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ [البقرة:117] مبدعهما، وإنما هو مفعل فصرف إلى فعيل، كما صرف المؤلم إلى الأليم، والمسمع إلى السميع، ومعنى المبدع: المنشئ والمحدث ما لا يسبقه إلى إنشاء مثله وإحداثه أحد، قال: ولذلك سمي المبتدع في الدين مبتدعاً؛ لإحداثه فيه ما لم يسبق إليه غيره، وكذلك كل محدث قولاً أو فعلاً لم يتقدم فيه متقدم فإن العرب تسميه مبتدعاً، ومن ذلك قول أعشى بن ثعلبة في مدح هوذة بن علي الحنفي :

    يدعي إلى قول سادات الرجال إذا أبدوا له الحزم أو ما شاءه ابتدعا

    أي: يحدث ما شاء.

    قال ابن جرير : فمعنى الكلام: سبحان الله أن يكون له ولد وهو مالك ما في السموات والأرض، تشهد له جميعها بدلالتها عليه بالوحدانية، وتقر له بالطاعة، وهو بارئها وخالقها وموجدها من غير أصل ولا مثال احتذاها عليه، وهذا إعلام من الله لعباده أن ممن يشهد له بذلك المسيح الذي أضافوا إلى الله بنوته، وإخبار منه لهم أن الذي ابتدع السموات والأرض من غير أصل وعلى غير مثال هو الذي ابتدع المسيح عيسى من غير والد بقدرته وهذا من ابن جرير رحمه الله كلام جيد وعبارة صحيحة.

    وقوله تعالى: وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [البقرة:117]، يبين بذلك تعالى كمال قدرته وعظيم سلطانه وأنه إذا قدر أمراً وأراد كونه فإنما يقول له: كن فيكون، كن أي: مرة واحدة، فيكون: أي فيوجد على وفق ما أراد، كما قال تعالى: إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس:82]، وقال تعالى: إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [النحل:40]، وقال تعالى: وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ [القمر:50]، وقال الشاعر

    إذا ما أراد الله أمراً فإنما يقول له: كن قولة فيكون ].

    وما هنا بعد إذا زائدة، والمعنى: إذا أراد الله أمراً، كما يقال:

    يا طالب للفائدة ما بعد إذا زائدة

    فهي زائدة تفيد التوكيد.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ونبه بذلك أيضاً على أن خلق عيسى بكلمة كن فكان كما أمره الله، قال الله تعالى: إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [آل عمران:59].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وقال الذين لا يعلمون لولا يكلمنا الله أو تأتينا آية ...)

    قال الله تعالى: وَقَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْلا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [البقرة:118].

    قال المؤلف رحمه الله: [ قال محمد بن إسحاق حدثني محمد بن أبي محمد عن عكرمة أو سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: قال رافع بن حريملة لرسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا محمد! إن كنت رسولاً من الله كما تقول فقل لله فيكلمنا حتى نسمع كلامه، فأنزل الله في ذلك من قوله وَقَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْلا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ ).

    وقال مجاهد : وَقَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْلا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ [البقرة:118] قال: النصارى تقوله، وهو اختيار ابن جرير ، قال: لأن السياق فيهم، وفي ذلك نظر.

    وحكى القرطبي لَوْلا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ [البقرة:118] أي: يخاطبنا بنبوتك يا محمد! قلت: وهو ظاهر السياق، والله أعلم ].

    فالحاصل أن في الآية الكريمة ثلاثة أقوال: فقد قيل: إنها نزلت في اليهود، وأن هذا من قول اليهود، وقيل: إنها نزلت في النصارى، وأن هذا من قول النصارى، وقيل إنها نزلت في كفار والعرب، وأنهم قالوا ذلك، وقد رجح ابن جرير القول الثاني: وهي أنها نزلت في النصارى، ورجح الحافظ ابن كثير : أنها نزلت في كفار ومشركي العرب، وأنهم الذين قالوا ذلك، والأقرب: أنها في مشركي العرب كما رجح الحافظ ابن كثير رحمه الله، قال تعالى: وَقَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْلا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ [البقرة:118]، فالله تعالى شبه مقالة هؤلاء المشركين بمقالة السابقين، وهذا من تعنتهم وعنادهم، وإلا فهم يعلمون أنه رسول الله حقاً لا يشكّون في ذلك، ويعلمون صدقه عليه الصلاة والسلام فقد كانوا يسمونه بالأمين قبل البعثة، ولم يجربوا عليه كذباً عليه الصلاة والسلام، فكان من تعنتهم وعنادهم وجحدهم للحق بعد معرفته أن قالوا: لولا يكلمنا الله ويخاطبنا بنبوتك كي نصدقك، فقال الله رداً عليهم: كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ [البقرة:118].

    سنة الله تعالى في تعجيل عقوبة الظالمين وشرط وقوعها

    قال المؤلف رحمه الله: [ وقال أبو العالية والربيع بن أنس وقتادة والسدي في تفسير هذه الآية: هذا قول كفار العرب، كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ [البقرة:118]، قال: هم اليهود والنصارى، ويؤيد هذا القول وأن القائلين ذلك هم مشركو العرب قوله تعالى: وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ [الأنعام:124] الآية.

    وقوله تعالى: وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنْبُوعًا [الإسراء:90] إلى قوله: قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا [الإسراء:93]، وقوله تعالى: وَقَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا [الفرقان:21]، الآية، وقوله تعالى: بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً [المدثر:52]، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على كفر مشركي العرب، وعتوهم وعنادهم، وسؤالهم ما لا حاجة لهم به إنما هو الكفر والمعاندة، كما قال من قبلهم من الأمم الخالية من أهل الكتابين وغيرهم، كما قال تعالى: يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً [النساء:153]، وقال تعالى: وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً [البقرة:55] ].

    فشبه الله مقالة المشركين بمقالة السابقين من اليهود والنصارى، وبهذا ترجح أنها في مشركي العرب، وأن مقالتهم كمقالة اليهود والنصارى السابقين لهم، وأن اقتراحاتهم وتعنتهم وعنادهم كاقتراح سابقيهم، كما طلب قوم ثمود من صالح أن يخرج الله لهم ناقة، وكما طلب النصارى أن ينزل الله عليهم مائدة من السماء، ومع تعنتهم هذا إلا أن الله أجابهم إلى اقتراحاتهم فلم يؤمنوا، مع ذلك عاجلهم بالعقوبة؛ ولهذا عوجلت الأمم السابقة بالعقوبات لما أجيبت مقترحاتهم فلم يؤمنوا بها، ولما اقترح أصحاب المائدة أن ينزل الله عليهم مائدة من السماء، قال تعالى: قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ [المائدة:115]، على اختلاف بين العلماء، في كون المائدة نزلت أم لم تنزل، وكذلك اقتراحات كفار قريش، فقد اقترحوا آيات كثيرة، كما قال تعالى: وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنْبُوعًا * أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأَنهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيرًا * أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا * أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُه [الإسراء:90-93]، فهذه كلها اقتراحات منهم، ومع ذلك فإن الله تعالى لم يجبهم إلى ذلك؛ لأن الله لو أجابهم إلى ذلك فلم يؤمنوا فسيعجل لهم العقوبة كالأمم السابقة.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقوله تعالى: تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ [البقرة:118] أي: أشبهت قلوب مشركي العرب قلوب من تقدمهم في الكفر والعناد والعتو، كما قال تعالى: كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ * أَتَوَاصَوْا بِهِ [الذاريات:52-53] الآية.

    وقوله تعالى: قَدْ بَيَّنَّا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [البقرة:118] أي: قد أوضحنا الدلالات على صدق الرسل بما لا يحتاج معها إلى سؤال آخر وزيادة أخرى لمن أيقن وصدق واتبع الرسل وفهم ما جاءوا به عن الله تبارك وتعالى، وأما من ختم الله على قلبه وسمعه وجعل على بصره غشاوة فأولئك قال الله فيهم: إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ * وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ [يونس:96-97] ].

    وقال في الآية الأخرى: وَمَا تُغْنِي الآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ [يونس:101]، فلا خير فيمن سبقت الشقاوة عليه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إنا أرسلناك بالحق بشيراً ونذيراً ...)

    قال الله تعالى: إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ [البقرة:119].

    قال المؤلف رحمه الله: [ قال ابن أبي حاتم حدثنا أبي أخبرنا عبد الرحمن بن صالح أخبرنا عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله الجزري عن شيبان النحوي أخبرني قتادة عن عكرمة عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أنزلت علي (إنا أرسلناك بالحق بشيراً ونذيراً)، قال: بشيراً بالجنة، ونذيراً من النار) ].

    وهذه من صفاته عليه السلام أنه أرسل بالحق بشيراً ونذيراً، وفي الآية الأخرى قال: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا [الأحزاب:45-46]، فمن صفاته عليه السلام أنه مبشر ونذير، يبشر من أطاعه بالجنة، ويبشر من عصاه بالنار، فهو بشير ونذير، وهاد يدل الناس على الخير، ومن أسمائه أنه: محمد وأحمد والحامد والماحي: أي بدعوته الشرك والكفر، والعاقب: الذي ليس بعده نبي، والحاشر: الذي يحشر الناس على قدمه، فكل هذه من أسماء النبي عليه الصلاة والسلام.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقوله تعالى: وَلا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ [البقرة:119]، قراءة أكثرهم وَلا تُسْأَلُ بضم التاء على الخبر، وفي قراءة أبي بن كعب : (وما تُسألُ)، وفي قراءة ابن مسعود : (ولن تُسأَلَ عن أصحاب الجحيم) نقلها ابن جرير ، أي: لا نسألك عن كفر من كفر بك، كقوله: فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ [الرعد:40]، وكقوله تعالى: فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ * لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ [الغاشية:21-22] الآية، وكقوله تعالى: نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ [ق:45]، وأشباه ذلك من الآيات ].

    إنما عليك البلاغ وعلينا الحساب

    والمعنى: أن مهمته عليه الصلاة والسلام هي الإبلاغ والإنذار والتبشير، وليس من مهمته هداية القلوب، فإن هداية القلوب بيد الله سبحانه، فالمطلوب منه عليه الصلاة والسلام أن يبلغ رسالة ربه، وقد بلغ ونصح وأنذر وبشر، فأدى مهمته عليه الصلاة والسلام، وأما هداية القلوب فليست بيده بل بيد الله سبحانه، كما قال الله تعالى: إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ [القصص:56].

    والإبلاغ والإنذار هي أيضاً مهمة أتباع الرسل كالدعاة والمصلحين، وأما الهداية فمن الله عز وجل، ولهذا قال سبحانه وتعالى: وَلا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ [البقرة:119]، أي: لا تسأل عنهم فقد أديت ما عليك، كما في قوله تعالى: إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلاغُ [الشورى:48]، إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ [الغاشية:21]، إِنَّمَا أَنْتَ مُنذِرٌ [الرعد:7]، فهداية الرسل: هي الدلالة والإرشاد والبيان والإيضاح والتبليغ والنصح، وأما قبول الحق واختياره والرضى به فهو إلى الله عز وجل فقط.

    شبهة والرد عليها

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقرأ آخرون: (ولا تَسألْ عن أصحاب الجحيم) بفتح التاء على النهي، أي: لا تسأل عن حالهم، كما قال عبد الرزاق : أخبرنا الثوري عن موسى بن عبيدة عن محمد بن كعب القرظي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ليت شعري ما فعل أبواي؟ ليت شعري ما فعل أبواي؟ ليت شعري ما فعل أبواي؟ فنزلت: وَلا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ [البقرة:119]) ].

    وفي السند موسى بن عبيدة وهو ضعيف، فيكون هذا الحديث ضعيفاً.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ فما ذكرهما حتى توفاه الله عز وجل، ورواه ابن جرير عن أبي كريب عن وكيع عن موسى بن عبيدة -وقد تكلموا فيه- عن محمد بن كعب بمثله، وقد حكاه القرطبي عن ابن عباس ومحمد بن كعب ، قال القرطبي : وهذا كما يقال: لا تسأل عن فلان، أي: قد بلغ فوق ما تحسب، وقد ذكرنا في التذكرة أن الله أحيا له أبويه حتى آمنا به، وأجبنا عن قوله: (إن أبي وأباك في النار) ].

    وهذا الذي ذكره القرطبي رحمه الله ضعيف بل موضوع لا أصل له، وهي من أوهامه وأغلاطه رحمه الله ، وقد ذكر الدسوقي أيضاً: أن الله أحيا أبويه فآمنا به، وقد أخبر الله تعالى وكتب عنده أنه لن يعود أحد بعد الموت إلى هذه الدنيا إلا إذا كان على سبيل الآية والإعجاز كصاحب بقرة بني إسرائيل، فقد أحياه الله ثم أخبره بمن قتله ثم عاد ميتاً؛ ولهذا جاء في الصحيح أن عبد الله بن حرام والد جابر رضي الله عنه لما قتل شهيداً يوم أحد قال النبي صلى الله عليه وسلم لابنه جابر : (إن الله كلم أباك كفاحاً وقال له: تمن، قال: أتمنى أن أرد إلى الدنيا فأقتل مرة أخرى، فقال الله عز وجل: إني قضيت أنهم إليها لا يرجعون)، وأما حديث إحياء أبويه صلى الله عليه وسلم فهو موضوع لا يعول عليه، وهو من أباطيل القرطبي رحمه الله حين ذكره في التذكرة.

    وأما قوله صلى الله عليه وسلم: (فإن أبي وأباك في النار)، فهو في صحيح البخاري ومسلم ، وقد ذكر القرطبي أنه أجاب على هذا الحديث الصحيح، فكيف يعارض الحديث الصحيح بحديث باطل لا أصل له؟!

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ قلت: والحديث المروي في حياة أبويه عليه الصلاة والسلام ليس في شيء من الكتب الستة ولا غيرها، وإسناده ضعيف، والله أعلم.

    ثم قال ابن جرير : وحدثني القاسم أخبرنا الحسين حدثني الحجاج عن ابن جريج أخبرني داود بن أبي عاصم به (أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ذات يوم: أين أبواي؟ فنزلت: (إنا أرسلناك بالحق بشيراً ونذيراً ولا تسأل عن أصحاب الجحيم))، وهذا مرسل كالذي قبله ].

    وفي سند هذا الحديث: الحجاج بن أرطأة وهو ضعيف أيضاً، فهو ضعيف من جهة ومرسل من جهة أخرى.

    صفته صلى الله عليه وسلم في التوراة

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقد رد ابن جرير هذا القول المروي عن محمد بن كعب وغيره في ذلك؛ لاستحالة الشك من الرسول صلى الله عليه وسلم في أمر أبويه واختار القراءة الأولى، وهذا الذي سلكه هاهنا فيه نظر؛ لاحتمال أن هذا كان في حال استغفاره لأبويه قبل أن يعلم أمرهما، فلما علم ذلك تبرأ منهما وأخبر عنهما أنهما من أهل النار كما ثبت هذا في الصحيح، ولهذا أشباه كثيرة ونظائر ولا يلزم ما ذكر ابن جرير ، والله أعلم.

    وقال الإمام أحمد : أخبرنا موسى بن داود حدثنا فليح بن سليمان عن هلال بن علي عن عطاء بن يسار قال: لقيت عبد الله بن عمرو بن العاص فقلت: أخبرني عن صفة رسول الله في التوراة، فقال: أجل والله! إنه لموصوف في التوراة بصفته في القرآن: يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً، وحرزاً للأميين وأنت عبدي ورسولي سميتك المتوكل، لا فظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق، ولا يدفع بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويغفر، ولن يقبضه حتى يقيم به الملة العوجاء بأن يقولوا: لا إله إلا الله، فيفتح به أعيناً عمياً، وآذاناً صماً، وقلوباً غلفاً ].

    قوله: (والملة العوجاء) أي: ملة التوحيد، وقد سميت عوجاء؛ لأنها مائلة عن الأديان الباطلة، أما في نفسها فهي مستقيمة غير مائلة.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ انفرد بإخراجه البخاري ، فرواه في البيوع عن محمد بن سنان عن فليح به، وقال: تابعه عبد العزيز بن أبي سلمة عن هلال ، وقال: سعيد عن هلال عن عطاء عن عبد الله بن سلام ، ورواه في التفسير عن عبد الله عن عبد العزيز بن أبي سلمة عن هلال عن عطاء عن عبد الله بن عمرو بن العاص به فذكر نحوه،. فـعبد الله هذا هو ابن صالح كما صرح به في كتاب الأدب، وزعم أبو مسعود الدمشقي أنه عبد الله بن رجاء .

    وقد رواه الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسير هذه الآية من البقرة عن أحمد بن الحسن بن أيوب عن محمد بن أحمد بن البراء عن المعافى بن سليمان عن فليح به وزاد: قال عطاء : ثم لقيت كعب الأحبار فسألته فما اختلفا في حرف، إلا أن كعباً قال بلغته: أعيناً عموماً، وآذاناً صموماً، وقلوباً غلوفاً ].

    وكعب الأحبار هذا كان من يهود اليمن، وكان ينقل عن بني إسرائيل كثيراً، وقد أسلم في زمن التابعين في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

    1.   

    الأسئلة

    المراد بالسنة الحسنة والسنة السيئة

    السؤال: ما معنى السنة الحسنة والسيئة في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها ...)الخ، وما هو سبب ورود الحديث؟

    الجواب: حديث: (من سن سنة حسنة فله أجره وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها)، قوله: (من سن سنة حسنة) يعني: أظهرها، وعمل بها، وصار قدوة للناس فيها، بشرط أن تكون تلك السنة مندثرة مهملة، كأن يوجد أناس في بلد لا يصلون الضحى مثلاً؛ لجهلهم بسنيتها، فتأتي أنت فتظهرها بينهم وتخبرهم بأنها سنة، فهذا هو معنى قوله: (من سن سنة حسنة).

    وأما سبب ورود الحديث: فهو أن النبي صلى الله عليه وسلم حث على الصدقة لما جاءه بعض الفقراء ممن أصابتهم الفاقة وثيابهم متخرقة، فتمعر وجهه صلى الله عليه وسلم لذلك، فجاء رجل من الأنصار بملء كفه من الطعام، فتتابع الناس على ذلك حتى تهلل وجه الرسول صلى الله عليه وسلم، فقال: (من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة).

    وأما جزاء الذي يحدث في الإسلام بدعة في الدين فهو الرد وعدم القبول، كما قال صلى الله عليه وسلم: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد).