إسلام ويب

تفسير سورة البقرة [102-103] - [2]للشيخ : عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • السحر علم قبيح ضار، ومتعلمه لأي غرض مذموم، فضلاً عن أن يقال باستحباب تعلمه أو وجوبه، ومن المقرر عند أهل السنة أن السحر منه ما هو حقيقة ومنه ما هو خيال، وقد تعرض العلماء لبيان أقسام هذين النوعين، فذكروا منها سحر الأوهام، وسحر الشعوذة وسحر الاستعانة بالجن وغير ذلك.

    1.   

    تابع تفسير قوله تعالى: (... واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان ...)

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ (فصل): حكى أبو عبد الله الرازي في تفسيره عن المعتزلة أنهم أنكروا وجود السحر، قال: وربما كفروا من اعتقد وجوده ].

    قول المعتزلة هذا ذكره الرازي في كتابه: (مفاتيح الغيب)، وقد قال بعض العلماء: إنه ذكر فيه كل شيء إلا التفسير، ومما ذكر فيه الطب والهندسة والكيمياء وكثير من العلوم، وقد نقل عنه الحافظ ابن كثير رحمه الله.

    وقد أنكر المعتزلة السحر حتى لا يشتبه النبي بالساحر، وحتى تسلم النبوة بزعمهم؛ لأنهم يرون أن السحر لو حصلت منه الخوارق لالتبس النبي بالساحر.

    فإن قيل: وما مذهب الرازي ؟ قلنا: هو أشعري، ومن متأخري الأشاعرة، ثم صار جهمياً، ومتأخروا الأشاعرة صاروا جهمية، فهم يقولون: إن الله تعالى لا داخل العالم ولا خارجه.

    وقد كفر ابن تيمية الرازي ، ثم ذكر أنه تاب وترحم عليه، وله وصية في آخر حياته، وله كتاب آخر اسمه (السر المكتوم في مخاطبة النجوم).

    وقد نقل عنه الحافظ أنه أوجب تعلم السحر، وعنده أن العلم شريف بذاته، ودليله قول الله تعالى: قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ [الزمر:9]، والسحر علم، فيجب تعلمه، حتى لا يكون هناك علم مفقود.

    وما ذكره الرازي قول باطل، فإنه لا يجوز تعلم الكفر، وقد ذكر الله تعالى أن السحر كفر، قال تعالى عن الملكين: إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ [البقرة:102]، ولكن الرازي تاب عن هذا القول في آخر حياته، وله وصية معروفة.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ قال: وأما أهل السنة فقد جوزوا أن يقدر الساحر أن يطير في الهواء، ويقلب الإنسان حماراً والحمار إنساناً، إلا أنهم قالوا: إن الله يخلق الأشياء عندما يقول الساحر تلك الرقى والكلمات المعيّنة ].

    يمكن للساحر أن يطير في الهواء ويغوص في البحار، أما أن يقلب الإنسان حماراً والحمار إنساناً فليس بصحيح، ونسبة هذا القول إلى أهل السنة باطل.

    والساحر يستطيع التخييل فقط، فهو قد يخيل أن الإنسان حمار والحمار إنسان، ولكنه لا يقلب الإنسان حماراً حقيقياً، وهذا ما فعله سحرة فرعون، كما قال الله : يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى [طه:66]، فكانوا يأتون بالعصي والحبال، ويجعلون فيها الزئبق فتتلوى وتضطرب بحرارة الشمس، وصارت كأنها حيات، فخيلوا على الناس بذلك.

    فكذلك الساحر يخيل الإنسان في صورة غير صورته التي يرى فيها، ولكنه لا يقلب الإنسان حماراً، أو الحمار إنساناً، ولا الحجر ذهباً أو الذهب حجراً.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ فأما أن يكون المؤثر في ذلك هو الفلك والنجوم فلا، خلافاً للفلاسفة والمنجمين والصابئة، ثم استدل على وقوع السحر وأنه بخلق الله تعالى بقوله تعالى: وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ [البقرة:102]، ومن الأخبار بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم سُحر، وأن السحر عمل فيه ].

    معنى قوله: [ عمل فيه ] أي: أثر فيه، وتأثير السحر إنما كان في جسمه وفي أمور الدنيا، ولم يؤثر في عقله ولا في تبليغه صلى الله عليه وسلم، وقد كان يخيل إليه أنه يفعل الشيء وهو لم يفعله.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وبقصة تلك المرأة مع عائشة رضي الله عنها، وما ذكرت تلك المرأة من إتيانها بابل وتعلمها السحر، قال: وبما يذكر في هذا الباب من الحكايات الكثير، ثم قال بعد هذا:

    (المسألة الخامسة) في أن العلم بالسحر ليس بقبيح ولا محظور، اتفق المحققون على ذلك ].

    هذا كلام باطل، والمحققون لا يقولون بهذا، والله تعالى قبح السحر وأخبر أنه كفر، وحذر منه النبي صلى الله عليه وسلم.

    فإن قيل: هل للسحر حقيقة وخيال؟ قلنا: نعم، له حقيقة وله خيال، فحقيقته أن يؤثر بالقتل والمرض والشلل وغير ذلك، وخياله كأن يقلب صورة الإنسان حماراً والحمار إنساناً، ولكنه لا يغير الحقائق، قال تعالى: وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ [الفلق:4].

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ لأن العلم لذاته شريف ].

    العلم النافع لذاته شريف، أما علم السحر فعلم قبيح، ولا شرف له.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ لعموم قوله تعالى: قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ [الزمر:9] ].

    المراد بالمدح الذين يعلمون العلم النافع، لا الذين يعلمون العلم السيئ الضار.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ولأن السحر لو لم يكن يعلم لما أمكن الفرق بينه وبين المعجزة ].

    وهذا باطل أيضاً، وهو عكس قول المعتزلة الذين يقولون: إنه لا يوجد سحر ولا خوارق؛ لئلا يشتبه الساحر بالنبي، ومن أثبت السحر كفر.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ والعلم بكون المعجز معجزاً واجب، وما يتوقف الواجب عليه فهو واجب؛ فهذا يقتضي أن يكون تحصيل العلم بالسحر واجباً، وما يكون واجباً فكيف يكون حراماً وقبيحاً؟!

    هذا لفظه بحروفه في هذه المسألة، وهذا الكلام فيه نظر من وجوه ].

    ينتقد الحافظ على الرازي فيما ذكره من وجوب تعلم السحر، ويرد عليه بما يأتي.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ أحدها قوله: (العلم بالسحر ليس بقبيح) إن عنى به ليس بقبيح عقلاً فمخالفوه من المعتزلة يمنعون هذا ].

    إن أراد أنه ليس بقبيح عقلاً فهو باطل، وإن أراد أنه ليس بقبيح شرعاً فهو باطل أيضاً، فهو قبيح عقلاً وشرعاً، وأصحابه لا يوافقونه على أنه ليس بقبيح عقلاً.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وإن عنى أنه ليس بقبيح شرعاً؛ ففي هذه الآية الكريمة تبشيع لتعلم السحر، وفي الصحيح: (من أتى عرافاً أو كاهناً فقد كفر بما أنزل على محمد)، وفي السنن: (من عقد عقدة ونفث فيها فقد سحر)، وقوله: (ولا محظور اتفق المحققون على ذلك) كيف لا يكون محظوراً مع ما ذكرناه من الآية والحديث؟! واتفاق المحققين يقتضي أن يكون قد نص على هذه المسألة أئمة العلماء أو أكثرهم، وأين نصوصهم على ذلك؟! ثم إدخاله علم السحر في عموم قوله تعالى: قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ [الزمر:9] فيه نظر؛ لأن هذه الآية إنما دلت على مدح العالمين العلم الشرعي، ولم قلت: إن هذا منه؟ إثم ترقيه إلى وجوب تعلمه؛ لأنه لا يحصل العلم بالمعجز إلا به ضعيف، بل فاسد؛ لأن أعظم معجزات رسولنا عليه الصلاة والسلام هي القرآن العظيم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، ثم إن العلم بأنه معجز لا يتوقف على علم السحر أصلاً، ثم من المعلوم بالضرورة أن الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين وعامتهم كانوا يعلمون المعجز، ويفرقون بينه وبين غيره، ولم يكونوا يعلمون السحر ولا تعلموه ولا علموه، والله أعلم ].

    قوله: [ ولم قلت: إن هذا منه؟ ] أي: علم السحر، والحافظ ابن كثير أجاد وأفاد في الرد على الرازي .

    1.   

    أنواع السحر

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ثم قد ذكر أبو عبد الله الرازي أن أنواع السحر ثمانية: (الأول): سحر الكلدانيين والكشدانيين الذين كانوا يعبدون الكواكب السبعة المتحيرة، وهي السيارة، وكانوا يعتقدون أنها مدبرة العالم ].

    الصحيح : (المتحيزة) لا المتحيرة؛ لأن المتحيرة معناها: الواقفة الساكنة، والكواكب السيارة ماشية، والمعنى أنها متحيزة في جهة عن الكواكب الأخرى.

    سحر الكلدانيين والكشدانيين

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وأنها تأتي بالخير والشر، وهم الذين بعث الله إليهم إبراهيم الخليل صلى الله عليه وسلم مبطلاً لمقالتهم وراداً لمذهبهم، وقد استقصى في كتاب (السر المكتوم في مخاطبة الشمس والنجوم) المنسوب إليه، كما ذكر القاضي ابن خلكان وغيره ].

    والكتاب المذكور والمسمى (بالسر المكتوم في مخاطبة الشمس والنجوم) للرازي نسبه إليه شيخ الإسلام ابن تيمية ، وذكر أن فيه كفراً، ولكنه تاب منه، وقد ترحم ابن تيمية عليه، وله وصية في آخر حياته، وهي موجودة الآن.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ويقال: إنه تاب منه، وقيل: بل صنفه على وجه إظهار الفضيلة لا على سبيل الاعتقاد، وهذا هو المظنون به ].

    أي: فضيلة السحر وعلمه، والذي ينبغي أن يكون إظهار الفضيلة للعلم الشرعي، ولعل مقصوده: إظهار الباطل ليتضح الحق، ومن باب: عرفت الشر لا للشر، والفضيلة لا تكون إلا للإيمان، ومن منّ الله عليه بالإيمان تظهر فضيلته على من خاطب النجوم.

    سحر الأوهام

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ إلا أنه ذكر فيه طريقهم في مخاطبة كل من هذه الكواكب السبعة، وكيفية ما يفعلون وما يلبسونه وما يتمسكون به.

    قال: (والنوع الثاني): سحر أصحاب الأوهام والنفوس القوية، ثم استدل على أن الوهم له تأثير بأن الإنسان يمكنه أن يمشي على الجسر الموضوع على وجه الأرض ولا يمكنه المشي عليه إذا كان ممدوداً على نهر أو نحوه ].

    إذا وجد جذع على الأرض فإن الإنسان يمشي عليه ولا يتوهم؛ لأنه إذا سقط سقط على الأرض، أما إذا كان هناك جسر موضوع على نهر فيتوهم أنه سيسقط، فيسقط لأجل قوة الوهم، وهذا هو سحر الوهم.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ قال: وكما أجمعت الأطباء على نهي المرعوف عن النظر إلى الأشياء الحمر ].

    نهي الأطباء المرعوف من النظر إلى الشيء الأحمر لئلا يتوهم فيخرج منه الدم.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ والمصروع إلى الأشياء القوية اللمعان أو الدوران، وما ذلك إلا لأن النفوس خلقت مطيعة للأوهام. قال: وقد اتفق العقلاء على أن الإصابة بالعين حق، وله أن يستدل على ذلك بما ثبت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (العين حق، ولو كان شيء سابق القدر لسبقته العين). قال: فإذا عرفت هذا فنقول: النفس التي تفعل هذه الأفاعيل قد تكون قوية جداً فتستغني في هذه الأفاعيل عن الاستعانة بالآلات والأدوات، وقد تكون ضعيفة فتحتاج إلى الاستعانة بهذه الآلات، وتحقيقه أن النفس إذا كانت مستعلية على البدن شديدة الانجذاب إلى عالم السموات صارت كأنها روح من الأرواح السماوية، فكانت قوية على التأثير في مواد هذا العالم، وإذا كانت ضعيفة شديدة التعلق بهذه الذات البدنية؛ فحينئذ لا يكون لها تأثير البتة إلا في هذا البدن، ثم أرشد إلى مداواة هذا الداء بتقليل الغذاء، والانقطاع عن الناس والرياء مراءاة الناس. قلت: وهذا الذي يشير إليه هو التصرف بالحال، وهو على قسمين: تارة تكون حالاً صحيحة شرعية، يتصرف بها فيما أمر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، ويترك ما نهى الله تعالى عنه ورسوله صلى الله عليه وسلم. فهذه الأحوال مواهب من الله تعالى وكرامات للصالحين من هذه الأمة ].

    وإنما يعينهم الله بسبب التقوى، فيعمل الواحد منهم أعمالاً يعجز عنها مئات الناس وهو شخص واحد؛ لتوفيق الله وإعانته له بسبب تقواه وامتثاله أمر الله، وقد توجد عند شخصٍ أحوال شيطانية، فتعينه الشياطين بسبب تركه ما أمره الله به، واقترافه ما حرم الله عليه.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ولا يسمى هذا سحراً في الشرع، وتارة تكون الحال فاسدة لا يمتثل صاحبها ما أمر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، ولا يتصرف بها في ذلك، فهذه حال الأشقياء المخالفين للشريعة، ولا يدل إعطاء الله إياهم هذه الأحوال على محبته لهم، كما أن الدجال له من الخوارق للعادات ما دلت عليه الأحاديث الكثيرة مع أنه مذموم شرعاً لعنه الله، وكذلك من شابهه من مخالفي الشريعة المحمدية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، وبسط هذا يطول جداً، وليس هذا موضعه ].

    الدجال كافر، ومع ذلك يمكنه الله من إظهار الخوارق، فيأمر السماء أن تمطر فتمطر، ويمر بالخربة فتتبعه كنوزها كيعاسيب النحل، ويقطع الرجل نصفين ثم يقول له: قم، فيستوي قائماً، فمع كفره يعطيه الله الخوارق لحكمة بالغة.

    سحر الاستعانة بالجن

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ قال: والنوع الثالث من السحر: الاستعانة بالأرواح الأرضية، وهم الجن، خلافاً للفلاسفة والمعتزلة، وهم على قسمين: مؤمنون، وكفار وهم الشياطين، قال: واتصال النفوس الناطقة بها أسهل من اتصالها بالأرواح السماوية؛ لما بينها من المناسبة والقرب ].

    أي أنَّ اتصال النفوس البشرية بالجن أقرب من اتصالها بالملائكة.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ثم إن أصحاب الصنعة وأرباب التجربة شاهدوا أن الاتصال بهذه الأرواح الأرضية يحصل بأعمال سهلة قليلة من الرقي والدخن والتجريد، وهذا النوع هو المسمى بالعزائم وعمل التسخير ].

    الدخن والرقى والتجريد أشياء يعملها الساحر، ثم ينادي بأسماء الجن والشياطين فيجتمعون له ويحضرون؛ فإذا لم يستطع تفريقهم قتلوه.

    وهناك كتب سحر منتشرة ككتاب (شمس المعارف)، وبعض الناس يأخذ هذا الكتاب ويقرؤه، وينادي الجن بأسمائهم فيحضرون عنده، فإذا لم يستطع تفريقهم قتلوه، فينبغي للإنسان أن يحذر من قراءته وأمثاله، ولا يسلك طريق السحر؛ لأن فيها إشراكاً بالله ودعاء لغيره، ولا يحضر الجن إلا بعد هذا.

    والرقى التي يقرؤها الساحر لإحضار الجن تسمى عزائم وعمل السّخير؛ فالجن يسخرون له ويخدمونه بسبب الرقى والتعاويذ، ولكنه قبل ذلك يشرك بالله.

    سحر الشعوذة والتخييل

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ قال: النوع الرابع من السحر: التخيلات والأخذ بالعيون والشعبذة، ومبناه على أن البصر قد يخطىء ويشتغل بالشيء المعين دون غيره، ألا ترى ذا الشعبذة الحاذق يظهر عمل شيء يذهل أذهان الناظرين به ويأخذ عيونهم إليه، حتى إذا استفرغهم الشغل بذلك الشيء بالتحديث ونحوه عمل شيئاً آخر عملاً بسرعة شديدة، وحينئذ يظهر لهم شيء آخر غير ما انتظروه؛ فيتعجبون منه جداً ].

    كل ما يفعله المشعبذ هو أنه يصرف الخواطر، وهذا هو سحر التخييل، ويسميه بعض العامة (قمرة)، ومنه سحر سحرة فرعون، فإنهم جعلوا في العصي والحبال زئبقاً، فصارت تتلوى وكأنها حيات، وخيلوا على الناس، ومنها الألعاب البهلوانية التي يفعلها بعض الناس، كمن يجر السيارة بشعر لحيته، أو يضرب بطنه ويخرج الدم، أو يدخل من فم البعير ويخرج من دبره، وهو كذاب يخيل أنه يدخل من فم البعير وهو يمشي حوله، أو يخيل أنه يضرب بطنه وهو لا يضرب بطنه، وحتى الذي يقول: إنه يقطع شخصاً نصفين وهو في صندوق كاذب، وقد تبين أنهم يصورون الصورة التي تعرض هذا في وقت آخر، ويضعون شخصاً في جهة وآخر في جهة أخرى، ثم يعرضونها والساحر يضرب الصندوق وكأنه قطعه نصفين، وهذا كله من سحر التخييل.

    والسحر نوعان: سحر تخييل، وسحر حقيقة، ويقول أبو حنيفة رحمه الله: لا يكون السحر إلا خيالاً، والصواب أن له حقيقة وله خيالاً، فسحر الحقيقة يؤثر في البدن بأن يقتل أو يمرض أو يفرق بين المرء وزوجه، قال الله تعالى: وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ [الفلق:4]، وسحر الخيال إنما هو تخييل على العيون فقط، قال تعالى: سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ [الأعراف:116]، مثل الذي يخيل للناس أنه يقطع الشخص نصفين، فيتراءى للعيون غير الحقائق، والساحر الذي يتصل بالشياطين كافر.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ولو أنه سكت ولم يتكلم بما يصرف الخواطر إلى ضد ما يريد أن يعمله، ولم تتحرك النفوس والأوهام إلى غير ما يريد إخراجه لفطن الناظرون لكل ما يفعله.

    قال: وكلما كانت الأحوال تفيد حسن البصر نوعاً من أنواع الخلل أشد كان العمل أحسن، مثل أن يجلس المشعبذ في موضع مضيء جداً أو مظلم، فلا تقف القوة الناظرة على أحوالها والحالة هذه.

    قلت: وقد قال بعض المفسرين: إن سحر السحرة بين يدي فرعون إنما كان من باب الشعبذة، ولهذا قال تعالى: فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ [الأعراف:116]، وقال تعالى: يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى [طه:66]، قالوا: ولم تكن تسعى في نفس الأمر، والله أعلم ].

    الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى أطال النفس وبسط في شرحه لهذه الآية.