إسلام ويب

تفسير سورة البقرة [75-79]للشيخ : عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد بين الله تعالى طمع المؤمنين في إيمان الفرق الضالة من اليهود الذين شاهد آباؤهم من الآيات البينات ما شاهدوه، وبيان ما هم عليه من تحريف لكتب الله تعالى، والنفاق والإندساس بين صفوف المسلمين، ونسوا أن الله يعلم سرهم وجهرهم، ويعلم كفرهم وتكذيبهم بمحمد صلى الله عليه وسلم. وقد بين تعالى أن من أهل الكتاب أناساً لا يعلمون من الكتاب (التوراة) إلا تلاوة مجردة، ولا يفقهون المعاني، كما بين وجود صنف آخر من اليهود، وهم الدعاة إلى الضلال بالزور والكذب على الله وأكل أموال الناس بالباطل.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه ...)

    قال الله تعالى: أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ * وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ * أَوَلا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ [البقرة:75-77].

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ أَفَتَطْمَعُونَ [البقرة:75] أيها المؤمنون (أن يؤمنوا لكم)، أن ينقاد لكم بالطاعة هؤلاء الفرقة الضالة من اليهود الذين شاهد آباؤهم من الآيات البينات ما شاهدوه، ثم قست قلوبهم من بعد ذلك، وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ [البقرة:75] أي: يتأولونه على غير تأويله، مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ [البقرة:75] أي: فهموه على الجلية، ومع هذا يخالفونه على بصيرة، (وهم يعلمون) أنهم مخطئون فيما ذهبوا إليه من تحريفه وتأويله.

    وهذا المقام شبيه بقوله تعالى: فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ [المائدة:13] قال محمد بن إسحاق : حدثني محمد بن أبي محمد عن عكرمة أو سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال: ثم قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم ولمن معه من المؤمنين يؤيسهم منهم: أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ [البقرة:75].

    وليس قوله: ليسمعون التوراة كلهم قد سمعها، ولكن هم الذين سألوا موسى رؤية ربهم فأخذتهم الصاعقة فيها.

    وقال محمد بن إسحاق : فيما حدثني بعض أهل العلم أنهم قالوا لموسى: يا موسى! قد حيل بيننا وبين رؤية ربنا تعالى فأسمعنا كلامه حين يكلمك، فطلب ذلك موسى إلى ربه تعالى، فقال: نعم، مرهم فليتطهروا وليطهروا ثيابهم ويصوموا، ففعلوا، ثم خرج بهم حتى أتوا الطور، فلما غشيهم الغمام أمرهم موسى أن يسجدوا، فوقعوا سجوداً وكلمه ربه، فسمعوا كلامه يأمرهم وينهاهم حتى عقلوا منه ما سمعوا، ثم انصرف بهم إلى بني إسرائيل، فلما جاءوهم حرف فريق منهم ما أمرهم به، وقالوا حين قال موسى لبني إسرائيل: إن الله قد أمركم بكذا وكذا، قال ذلك الفريق الذين ذكرهم الله: إنما قال كذا وكذا، خلافاً لما قال الله عز وجل لهم، فهم الذين عنى الله لرسوله صلى الله عليه وسلم.

    وقال السدي : وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ [البقرة:75] قال: هي التوراة حرفوها. وهذا الذي ذكره السدي أعم مما ذكره ابن عباس وابن إسحاق ، وإن كان قد اختاره ابن جرير لظاهر السياق. فإنه ليس يلزم من سماع كلام الله أن يكون منه، كما سمعه الكليم موسى بن عمران عليه الصلاة والسلام ].

    وهو كما قال المؤلف رحمه الله من أن قول السدي أعم، وأثر ابن عباس محمول على أنه كان عن بني إسرائيل، وأثر ابن إسحاق منقطع.

    والصواب: أن القول بأنهم سمعوا كلام الله يحتاج إلى دليل، وليس هناك دليل.

    واليهود يحرفون الحق، وقد حرفوا التوراة، وحرفوا كتب الله، كما جاء عن ابن عباس أنه قال: تسألون أهل الكتاب عن كتبهم وعندكم كتاب الله.

    وفي هذه الآيات تحذير لهذه الأمة من أن تسلك ما سلكه اليهود، فيصيبهم ما أصابهم من تحريف كلام الله، وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم، وتأويله على غير تأويله، كما فعل كثير من المبتدعة الذين حرفوا كلام الله، وأولوا النصوص وجحدوا صفات الله عز وجل.

    وقد قال العلماء: إن اللام التي زادها الجهمية مثل النون التي زادها اليهود، فعندما قال الله: وَقُولُوا حِطَّةٌ [البقرة:58] قال اليهود: حنطة، وعندما قال الله: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5] قال الجهمية: استولى.

    والواجب على كل مسلم أن يتدبر كتاب الله ويعمل به وبسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وأن يحذر من التحريف والتأويل الباطلين، وأن يفهم نصوص كلام الله وكلام رسوله، ويفسرها بالنصوص الأخرى وبالأحاديث، فيفسر كلام الله بكلامه، ثم بكلام رسوله صلى الله عليه وسلم، ويفهم النصوص على ما فهمها السلف الصالح من الصحابة والتابعين والأئمة بعدهم، ويحذر من تحريفات وتأويلات أهل البدع حتى لا يسلك مسلك اليهود.

    قال المصنف رحمه الله: [ وقد قال الله تعالى: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ [التوبة:6] أي: مبلغاً إليه. ولهذا قال قتادة في قوله: ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [البقرة:75] قال: هم اليهود كانوا يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعدما عقلوه ووعوه.

    وقال مجاهد : الذين يحرفونه والذين يكتمونه هم العلماء منهم. وقال أبو العالية : عمدوا إلى ما أنزل الله في كتابهم من نعت محمد صلى الله عليه وسلم فحرفوه عن مواضعه ].

    يعني: قصدوا ذلك.

    قال: [ وقال السدي : وَهُمْ يَعْلَمُونَ [البقرة:75]، أي: أنهم أذنبوا. وقال ابن وهب : قال ابن زيد في قوله: يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ [البقرة:75] قال: التوراة التي أنزلها الله عليهم يحرفونها، يجعلون الحلال فيها حراماً والحرام فيها حلالاً، والحق فيها باطلاً والباطل فيها حقاً، إذا جاءهم المحق برشوة أخرجوا له كتاب الله، وإذا جاءهم المبطل برشوة أخرجوا له ذلك الكتاب فهو فيه محق، وإذا جاءهم أحد يسألهم شيئاً ليس فيه حق ولا رشوة ولا شيء أمروه بالحق، فقال الله لهم: أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ [البقرة:44]].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا....)

    قال المصنف رحمه الله: [ وقوله تعالى: وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ [البقرة:76] الآية، قال محمد بن إسحاق : حدثنا محمد بن أبي محمد عن عكرمة أو سعيد بن جبير وعن ابن عباس وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا [البقرة:76] أي: أن صاحبكم رسول الله ولكنه إليكم خاصة، وَإِذَا خَلا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ [البقرة:76] قالوا: لا تحدثوا العرب بهذا، فإنكم قد كنتم تستفتحون به عليهم فكان منهم، فأنزل الله: وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ [البقرة:76] أي: تقرون بأنه نبي، وقد علمتم أنه قد أخذ له الميثاق عليكم باتباعه، وهو يخبرهم أنه النبي الذي كنا ننتظر ونجد في كتابنا، اجحدوه ولا تقروا به، يقول الله تعالى: أَوَلا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ [البقرة:77].

    وقال الضحاك عن ابن عباس : يعني: المنافقين من اليهود كانوا إذا لقوا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم قالوا: آمنا.

    وقال السدي : هؤلاء ناس من اليهود آمنوا ثم نافقوا. وكذا قال الربيع بن أنس وقتادة وغير واحد من السلف والخلف. حتى قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم فيما رواه ابن وهب عنه، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قال: (لا يدخلن عليكم قصبة المدينة إلا مؤمن) فقال رؤساؤهم من أهل الكفر والنفاق: اذهبوا فقولوا: آمنا واكفروا إذا رجعتم إلينا، فكانوا يأتون المدينة بالبكر ويرجعون إليهم بعد العصر ].

    قوله: بالبكر، يعني: أول النهار، جمع بكرة.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ وقرأ قول الله تعالى: وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [آل عمران:72] وكانوا يقولون إذا دخلوا المدينة: نحن مسلمون؛ ليعلموا خبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمره، فإذا رجعوا رجعوا إلى الكفر، فلما أخبر الله نبيه صلى الله عليه وسلم قطع ذلك عنهم، فلم يكونوا يدخلون، وكان المؤمنون يظنون أنهم مؤمنون، فيقولون: أليس قد قال الله لكم كذا وكذا؟ فيقولون: بلى، فإذا رجعوا إلى قومهم، يعني: الرؤساء، فقالوا: أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ [البقرة:76]، الآية.

    وقال أبو العالية : أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ [البقرة:76] يعني: بما أنزل عليكم في كتابكم من نعت محمد صلى الله عليه وسلم.

    وقال عبد الرزاق عن معمر عن قتادة : أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ [البقرة:76] قال: كانوا يقولون: سيكون نبي فخلا بعضهم إلى بعض، فقالوا: أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ [البقرة:76]، قول آخر في المراد بالفتح:

    قال ابن جريج : حدثني القاسم بن أبي برزة عن مجاهد في قوله تعالى: أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ [البقرة:76]، قال: (قام النبي صلى الله عليه وسلم يوم قريظة تحت حصونهم، فقال: يا إخوان القردة والخنازير! ويا عبدة الطاغوت! فقالوا: من أخبر بهذا الأمر محمداً؟ ما خرج هذا القول إلا منكمأَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ [البقرة:76]، بما حكم الله للفتح ليكون لهم حجة عليكم. قال ابن جريج عن مجاهد : هذا حين أرسل إليهم علياً فآذوا محمداً صلى الله عليه وسلم ].

    الصواب: القاسم بن أبي بزة .

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ وقال السدي : أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ [البقرة:76]، من العذاب، لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ [البقرة:76]، هؤلاء ناس من اليهود آمنوا ثم نافقوا، فكانوا يحدثون المؤمنين من العرب بما عذبوا به، فقال بعضهم لبعض: أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ [البقرة:76] من العذاب، ليقولوا: نحن أحب إلى الله منكم وأكرم على الله منكم.

    وقال عطاء الخراساني : أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ [البقرة:76] يعني: بما قضى لكم وعليكم ].

    والأقرب هو القول الأول، وأن معنى الفتح هو: قول اليهود للمؤمنين: أنه في كتابهم: إن الله سيبعث نبياً، وسيكون مهاجره من مكة إلى المدينة، وأنه موجود في كتابهم، ولم يكن اليهود يخبرون به المسلمين، وأنه سيبعث نبي، وأن مهاجره المدينة، وأنه أنزل في كتابهم.

    قال المصنف رحمه الله: [ وقال الحسن البصري : هؤلاء اليهود كانوا إذا لقوا الذين آمنوا قالوا: آمنا، وإذا خلا بعضهم إلى بعض، قال بعضهم: لا تحدثوا أصحاب محمد بما فتح الله عليكم مما في كتابكم؛ ليحاجوكم به عند ربكم فيخصموكم].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (أولا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون)

    قال المصنف رحمه الله: [ وقوله تعالى: أَوَلا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ [البقرة:77]، قال أبو العالية : يعني: ما أسروا من كفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم وتكذيبهم به وهم يجدونه مكتوباً عندهم، وكذا قال قتادة . وقال الحسن : إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ [البقرة:77]، قال: كان ما أسروا أنهم كانوا إذا تولوا عن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وخلا بعضهم إلى بعض، تناهوا أن يخبر أحد منهم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم بما فتح الله عليهم مما في كتابهم؛ خشية أن يحاجهم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم بما في كتابهم عند ربهم وَمَا يُعْلِنُونَ [البقرة:77] يعني: حين قالوا لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم: آمنا. كذا قال أبو العالية والربيع وقتادة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني...)

    قال الله تعالى: وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ * فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ [البقرة:78-79].

    قال المصنف رحمه الله: [ يقول تعالى: وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ [البقرة:78] أي: ومن أهل الكتاب، قاله مجاهد والأميون جمع أمي، وهو: الرجل الذي لا يحسن الكتابة. قاله أبو العالية والربيع وقتادة وإبراهيم النخعي وغير واحد؛ وهو ظاهر في قوله تعالى: لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ [البقرة:78] أي: لا يدرون ما فيه. ولهذا في صفات النبي صلى الله عليه وسلم: أنه الأمي؛ لأنه لم يكن يحسن الكتابة، كما قال تعالى وَمَا كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ [العنكبوت:48] ].

    والأمي هو: المنسوب إلى أمه؛ لأن الغالب في عادة العرب أن الأم لا تقرأ ولا تكتب.

    قال المصنف رحمه الله: [ وقال عليه الصلاة السلام: (إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب، الشهر هكذا وهكذا وهكذا) الحديث، أي: لا نفتقر في عباداتنا ومواقيتها إلى كتاب ولا حساب ].

    وهذا هو معنى كوننا أمة أمية، أي: أننا لا نحتاج إلى كتابة للعبادات ومواقيتها، لا في الصلاة ولا في الصيام ولا في الحج، وفي رواية حفص: هكذا وهكذا وهكذا، وقبض إحدى أصابعه، يعني: يكون الشهر مرة ثلاثين، ومرة تسعة وعشرين، فنحن لا نحتاج إلى كتابة مواقيت الصلوات الخمس لأن علاماتها ظاهرة، مثل استواء الشمس وغروبها، ومصير ظل الشيء مثليه، ومغيب الشفق وطلوع الفجر.

    وكذلك أيضاً الصيام على الهلال، وكذلك الحج، فلا يحتاج المسلمون في معرفة مواقيت العبادات إلى كتابة ولا إلى حساب. هذا هو معنى أننا أمة أميه.

    قال المصنف رحمه الله: [ وقال تبارك وتعالى: هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ [الجمعة:2]، وقال ابن جرير : نسبت العرب من لا يكتب ولا يخط من الرجال إلى أمه في جهله بالكتاب دون أبيه ].

    لأن الأم أولى من الأب في عدم الكتابة، فهي لا تقرأ. وهذا وصف أغلبي للعرب، وإلا فهناك فيهم من يكتب ويقرأ، ولكن الأغلب فيهم عدم القراءة والكتابة.

    والصحابة رضي الله عنهم كانوا كذلك، فكان منهم من يكتب، ومنهم من لا يكتب. وقد قال أبو هريرة رضي الله عنه -وهو من أحفظ الصحابة-: إلا أن عبد الله بن عمرو كان يكتب. وكان يدرس الحديث في أول الليل، ولهذا أوصاه النبي صلى الله عليه وسلم أن يوتر قبل أن ينام.

    قال المصنف رحمه الله: [ قال: وقد روي عن ابن عباس رضي الله عنهما قول خلاف هذا، وهو ما حدثنا به أبو كريب حدثنا عثمان بن سعيد عن بشر بن عمارة عن أبي روق عن الضحاك عن ابن عباس في قوله تعالى: وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ [البقرة:78].

    قال الأميون: قوم لم يصدقوا رسولاً أرسله الله، ولا كتاباً أنزله الله، فكتبوا كتاباً بأيديهم، ثم قالوا لقوم سفلة جهال: هذا من عند الله، وقال: قد أخبر أنهم يكتبون بأيديهم ثم سماهم أميين؛ لجحودهم كتب الله ورسله.

    ثم قال ابن جرير : وهذا التأويل تأويل على خلاف ما يعرف من كلام العرب المستفيض بينهم؛ وذلك أن الأمي عند العرب الذي لا يكتب ].

    وصدق ابن جرير رحمه الله في ذلك.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ ثم في صحة هذا عن ابن عباس بهذا الإسناد نظر، والله أعلم ].

    وهو ضعيف، لأن فيه علتان: الأولى: بشر بن عمارة.

    والثانية: أنه منقطع؛ لأن الضحاك لم يسمع من ابن عباس، فهو لا يصح.

    والصواب: أن الأمي هو الذي لا يحسن القراءة والكتابة.

    وأبو روق عطية بن الحارث -بفتح الراء وسكون الواو بعد قاف- هو الهمداني الكوفي ، صاحب التفسير، صدوق من الخامسة.

    قال المصنف رحمه الله: [ وقوله تعالى: إِلَّا أَمَانِيَّ [البقرة:78] قال ابن أبي طلحة عن ابن عباس : إلا أماني: الأحاديث. وقال الضحاك عن ابن عباس في قوله تعالى: إِلَّا أَمَانِيَّ [البقرة:78] يقول: إلا قولاً يقولون بأفواههم كذباً. وقال مجاهد : إلا كذباً. وقال سنيد : عن حجاج عن ابن جريج عن مجاهد : وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ [البقرة:78] قال: أناس من اليهود لم يكونوا يعلمون من الكتاب شيئاً، وكانوا يتكلمون بالظن بغير ما في كتاب الله، ويقولون هو من الكتاب، أماني يتمنونها.

    وعن الحسن البصري نحوه. وقال أبو العالية والربيع وقتادة : إلا أماني يتمنون على الله ما ليس لهم. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : (إلا أماني) قال: تمنوا فقالوا: نحن من أهل الكتاب وليسوا منهم. قال ابن جرير : والأشبه بالصواب قول الضحاك عن ابن عباس . وقال مجاهد : إن الأميين الذين وصفهم الله تعالى أنهم لا يفقهون من الكتاب الذي أنزله الله تعالى على موسى شيئاً، ولكنهم يتخرصون الكذب، ويتخرصون الأباطيل كذباً وزوراً. والتمني في هذا الموضع هو تخلق الكذب وتخرصه، ومنه الخبر المروي عن عثمان بن عفان رضي الله عنه: ما تغنيت ولا تمنيت، يعني: ما تخرصت الباطل ولا اختلقت الكذب. وقيل المراد بقوله: (إلا أماني) بالتشديد والتخفيف أيضاً، أي: إلا تلاوة، فعلى هذا يكون استثناء منقطعاً، واستشهدوا على ذلك بقوله تعالى: إِلَّا إِذَا تَمَنَّى [الحج:52] -أي: تلا- ، أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ [الحج:52] الآية ].

    وهذا هو الصواب. فالصواب أن التمني هو التلاوة المجردة، قال تعالى: لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيّ [البقرة:78] أي: إلا تلاوة مجردة، ولا يفقهون المعاني. وقوله تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى [الحج:52] أي: إذا قرأ، أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ [الحج:52] وهي القراءة، والتمني: القراءة المجردة. والله تعالى أخبر أن هؤلاء الطائفة من اليهود أميون لا يفقهون ولا يفهمون إلا مجرد التلاوة.

    قال المصنف رحمه الله: [ وقال كعب بن مالك الشاعر:

    تمنى كتاب الله أول ليله وآخره لاقى حمام المقادر .

    يعني: عثمان ، تمنى، يعني: قرأ كتاب الله أول الليل، وفي آخره لاقى الحمام، أي: الموت، فقتله الثوار وهو يتلو كتاب الله.

    قال المصنف رحمه الله: [ وقال آخر:

    تمنى كتاب الله آخر ليله تمني داود الكتاب على رسل، يعني: قرأ كتاب الله قراءة تجاوب بحسن صوته، على رسل: على مهل وتؤدة، كقراءة داود، فقد كان داود عليه الصلاة والسلام حسن الصوت، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لـأبي موسى الأشعري : لقد أوتيت مزماراً من مزامير آل داود. والمراد بالمزمار: الصوت الحسن.

    قال المصنف رحمه الله: [ وقال محمد بن إسحاق : حدثني محمد بن أبي محمد عن عكرمة أو سعيد بن جبير عن ابن عباس : لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ [البقرة:78]، أي: ولا يدرون ما فيه، وهم يجدون نبوتك بالظن. وقال مجاهد : وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ [البقرة:78] يكذبون.

    وقال قتادة وأبو العالية والربيع : يظنون بالله الظنون بغير الحق].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله...)

    قال المصنف رحمه الله: [ وقوله تعالى: فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا [البقرة:79] الآية. هؤلاء صنف آخر من اليهود، وهم الدعاة إلى الضلال بالزور والكذب على الله وأكل أموال الناس بالباطل ].

    واليهود أصناف كما ذكر الله، فصنف: ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ [البقرة:75]. والصنف الثاني: المنافقون، قال تعالى: وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا [البقرة:14]، والصنف الثالث: الأميون، قال تعالى: أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ [البقرة:78]، وهذا الصنف الرابع: أهل الزور والبهتان، الذين: يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ [البقرة:79].

    قال المصنف رحمه الله: [ والويل: الهلاك والدمار، وهي: كلمة مشهورة في اللغة. وقال سفيان الثوري عن زياد بن فياض سمعت أبا عياض يقول: ويل صديد في أصل جهنم، وقال عطاء بن يسار : الويل واد في جهنم لو سيرت فيه الجبال لماعت.

    وقال ابن أبي حاتم : حدثنا يونس بن عبد الأعلى أخبرنا ابن وهب أخبرني عمرو بن الحارث

    عن دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ويل واد في جهنم يهوي فيه الكافر أربعين خريفاً قبل أن يبلغ قعره). ورواه الترمذي عن عبد الرحمن بن حميد عن الحسن بن موسى عن أبي لهيعة عن دارج به ].

    وهو ضعيف؛ لأن ابن لهيعة ضعيف، وأيضاً دراج عن أبي الهيثم ضعيف.

    ولا يصح تفسير الويل بأنه واد في جهنم. والصواب: أنه كلمة وعيد، والمراد به شدة العذاب والهلع.

    وهذه الأصناف لا تجتمع في واحد؛ لأن فيها الأميون الذين لا يعلمون الكتاب إلا مجرد التلاوة، وفيها طائفة يحرفون الكلام عن قصده، وهم يعلمون.

    قال المصنف رحمه الله: [ وقال: هذا الحديث غريب لا نعرفه إلا من حديث ابن لهيعة، قلت: لم ينفرد به ابن لهيعة كما ترى، ولكن الآفة ممن بعده. وهذا الحديث بهذا الإسناد مرفوعاً منكر، والله أعلم.

    وقال ابن جرير : حدثنا المثنى حدثنا إبراهيم بن عبد السلام حدثنا صالح القشيري حدثنا علي بن جرير عن حماد بن سلمة عن عبد الحميد بن جعفر عن كنانة العدوي عن عثمان بن عفان رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ [البقرة:79] قال: (الويل جبل في النار)، وهو الذي أنزل في اليهود؛ لأنهم حرفوا التوراة، زادوا فيها ما أحبوا ومحوا منها ما يكرهون، ومحوا اسم محمد صلى الله عليه وسلم من التوراة، ولذلك غضب الله عليهم فرفع بعض التوراة، فقال تعالى: فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ [البقرة:79]، وهذا غريب أيضاً جداً.

    وعن ابن عباس : الويل: المشقة من العذاب. وقال الخليل بن أحمد : الويل: شدة الشر. وقال سيبويه : ويل لمن وقع في الهلكة، وويح لمن أشرف عليها. وقال الأصمعي : الويل تفجع والويح ترحم. وقال غيره: الويل: الحزن. وقال الخليل : وفي معنى ويل: ويح وويش وويه وويك وويب، ومنهم من فرق بينها. وقال بعض النحاة: إنما جاز الابتداء بها وهي نكرة؛ لأن فيها معنى الدعاء. ومنهم من جوز نصبها بمعنى: ألزمهم ويلاً. قلت: لكن لم يقرأ بذلك أحد.

    وعن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما: فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ [البقرة:79]، قال: هم أحبار اليهود. وكذا قال سعيد عن قتادة : هم اليهود. وقال سفيان الثوري : عن عبد الرحمن بن علقمة سألت ابن عباس رضي الله عنه عن قوله تعالى: فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ [البقرة:79] قال: نزلت في المشركين وأهل الكتاب.

    وقال السدي : كان ناس من اليهود كتبوا كتاباً من عندهم يبيعونه من العرب ويحدثونهم أنه من عند الله فيأخذوا به ثمناً قليلاً.

    وقال الزهري : أخبرني عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس أنه قال: يا معشر المسلمين! كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء وكتاب الله الذي أنزله على نبيه أحدث أخبار الله تقرءونه غضاً لم يشب ].

    والصواب: محضاًً، كما رواه البخاري في صحيحه، و(محضاً لم يشب) يعني: خالصاً لم يصب بغيره. وروي بلفظ: (أقرب الكتب عهداً بالله) كما قال: مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ [الأنبياء:2] يعني: عندكم كتاب الله آخر الكتب نزولاً من عنده، ثم تسألون أهل الكتاب، وهذا إنكار من ابن عباس . وقال في آخره: (فلا والله ما رأينا أحداً منهم يسألكم عما في الكتاب، فكيف تسألونهم أنتم؟) وعندكم كتاب الله محض لم يشب، ولم يختلط بغيره، وإنما هو محفوظ.

    قال المصنف رحمه الله: [ وقد حدثكم الله تعالى أن أهل الكتاب قد بدلوا كتاب الله وغيروه، وكتبوا بأيديهم الكتاب وقالوا: هو من عند الله؛ ليشتروا به ثمناً قليلاً، أفلا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مساءلتهم؟! ولا والله ما رأينا منهم أحداً قط سألكم عن الذي أنزل عليكم، رواه البخاري من طرق عن الزهري . وقال الحسن بن أبي الحسن البصري : الثمن القليل: الدنيا بحذافيرها ].

    فالدنيا كلها مهما عظمت ثمن قليل، ولو أعطوا الدنيا كلها من أولها إلى آخرها فذلك ثمن قليل لا تساوي شيئاً. وفي الحديث: (لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى كافراً منها شربة ماء).

    قال المصنف رحمه الله: [ وقوله تعالى: فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ [البقرة:79] أي: فويل لهم مما كتبوا بأيديهم من الكذب والبهتان والافتراء، وويل لهم مما أكلوا به من السحت. كما قال الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما: فَوَيْلٌ لَهُمْ [البقرة:79] يقول: فالعذاب عليهم من الذي كتبوا بأيديهم من ذلك الكذب وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ [البقرة:79] يقول: مما يأكلون به الناس السفلة وغيرهم ].