إسلام ويب

تفسير سورة البقرة [51-56]للشيخ : عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • واعد الله تعالى نبيه موسى عليه السلام، فقام بنو إسرائيل بعبادة العجل، وذلك من جهلهم وعنادهم وعدم التزامهم بأحكام أنبيائهم، ثم عفا الله تعالى عنهم بعد ذلك، وآتى موسى الكتاب والفرقان لعلهم يهتدون. ثم حصل بعد ذلك عناد من بني إسرائيل لأنبيائهم فأرسل الله عليهم الصيحة فأخذتهم، ثم أحياهم بعد ذلك لعلهم يشكرون.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة ...)

    قال تعالى: وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ * ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [البقرة:51-53]].

    هذه من النعم التي يعددها الله تعالى عليهم، يعني واذكروا إذ واعدتم موسى أربعين ليلة، ثم عبدتم العجل، ثم الله عفا الله عنكم وتاب عليكم، مع أنهم وقعوا في الشرك.

    قال المصنف رحمه الله: [ يقول تعالى: واذكروا نعمتي عليكم في عفوي عنكم لما عبدتم العجل بعد ذهاب موسى لميقات ربه عند انقضاء أمد المواعدة وكانت أربعين يوما، وهي المذكورة في الأعراف في قوله تعالى: وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ [الأعراف:142]، قيل إنها: ذو القعدة بكماله وعشر من ذي الحجة وكان ذلك بعد خلاصهم من فرعون وإنجائهم من البحر وقوله تعالى: وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ [البقرة:53] يعني: التوراة وَالْفُرْقَانَ [البقرة:53] وهو: ما يفرق بين الحق والباطل، والهدى والضلالة (لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) ].

    أما بالنسبة لتحديد السنة التي أنزلت فيها التوراة فهذا يحتاج إلى دليل، والمهم أنه بعد هلاك فرعون وجنوده وإنجاء بني إسرائيل أنزل الله التوراة على موسى، كما قال: وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ [القصص:43].

    قال المؤلف رحمه الله: [وكان ذلك أيضا بعد خروجهم من البحر كما دل عليه سياق الكلام في سورة الأعراف ولقوله تعالى: وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ [القصص:43]، وقيل: الواو زائدة والمعنى ولقد آتينا موسى الكتاب الفرقان وهذا غريب ].

    فكلمة الفرقان هي وصف للكتاب -إذا قيل: إن الواو زائدة- أي: آتى موسى الكتاب الفرقان الذي يفرق بين الحق والباطل.

    قال المؤلف رحمه الله: [ وقيل عطف عليه وإن كان المعنى واحداً، كما في قول الشاعر :

    وقدمت الأديم لراقشيه فألفى قولها كذبا وميناً ].

    لراهشيه بالهاء وهذا هو المعروف.

    الشاهد هو قوله: (كذباً وميناً)، فعطف مين على الكذب، والمين هو: الكذب والكذب هو: المين، فيريد أن يستشهد به في عطف الفرقان على الكتاب وهما شيء واحد، وهذا من باب اختلاف اللفظ والمعنى واحد، فإذا اختلف اللفظ عطف أحدهما على الآخر وإن كان المعنى واحداً، كما تقول: قام ووقف، جلس وقعد، والجلوس هو القعود، والقعود هو الجلوس، فعطف أحدهما على الآخر تأكيداً.

    قال المؤلف رحمه الله: [ وقال الآخر:

    ألا حبذا هند وأرض بها هند و هند أتى من دونها النأي والبعد ]

    الشاهد هو: (النأي والبعد)، فعطف البعد على النأي وهما بمعنى واحد، فالنأي هو البعد والبعد هو النأي، كذلك الكتاب هو الفرقان والفرقان هو الكتاب.

    قال المؤلف رحمه الله: [ فالكذب هو المين، والنأي هو البعد، وقال عنترة :

    حييت من طلل تقادم عهده أقوى وأقفر بعد أم الهيثم

    فعطف الإقفار على الإقواء وهو هو].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وإذ قال موسى لقومه يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم ...)

    قال الله تعالى: وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [البقرة:54].

    قال المصنف رحمه الله: [ هذه صفة توبته تعالى على بني إسرائيل من عبادة العجل، قال الحسن البصري رحمه الله في قوله تعالى: وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ [البقرة:54]، فقال: ذلك حين وقع في قلوبهم من شأن عبادتهم العجل ما وقع، حتى قال تعالى: وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا [الأعراف:149]، الآية.

    قال: فذلك حين يقول موسى: يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ [البقرة:54].

    وقال أبو العالية وسعيد بن جبير والربيع بن أنس فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ [البقرة:54] أي: إلى خالقكم.

    قلت: وفي قوله هاهنا إِلَى بَارِئِكُمْ [البقرة:54] تنبيه على عظم جرمهم، أي: فتوبوا إلى الذي خلقكم وقد عبدتم معه غيره.

    وقد روى النسائي وابن جرير وابن أبي حاتم من حديث يزيد بن هارون عن الأصبغ بن زيد الوراق عن القاسم بن أبي أيوب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: فقال الله تعالى: (إن توبتهم أن يقتل كل واحد منهم من لقي من والد وولد فيقتله بالسيف ولا يبالي من قتل في ذلك الموطن، فتاب أولئك الذين كانوا خفي على موسى وهارون ما اطلع الله على ذنوبهم، فاعترفوا بها، وفعلوا ما أمروا به، فغفر الله للقاتل والمقتول)، وهذا قطعة من حديث الفتون، وسيأتي في سورة طه بكماله إن شاء الله].

    وذلك أن ذنبهم عظيم وهو: الشرك، حيث عبدوا العجل فجعل الله توبتهم أن يقتل بعضهم بعضاً نسأل الله العافية، وهذه أخبار عن بني إسرائيل لكن الآية واضحة في هذا، ويروى عن ابن عباس وغيره أنهم جاءتهم ظلمة فكانوا فيها وأخذوا السيوف فجعل يقتل بعضهم بعضاً حتى انجلت، فإذا بالقتلى يبلغون سبعين ألفاً، فتاب الله عليهم، والله أعلم بالكيفية، والواضح في هذا أن الله تاب عليهم، وأنه جعل من توبتهم أن يقتل بعضهم بعضاً، وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ [البقرة:54]، فجعل توبتهم من عبادة العجل والشرك أن يقتل بعضهم بعضاً، وأما الكيفية والعدد فلا يهمان.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقال ابن جرير : حدثني عبد الكريم بن الهيثم حدثنا إبراهيم بن بشار حدثنا سفيان بن عيينة قال: قال أبو سعيد : عن عكرمة عن ابن عباس قال: قال موسى لقومه: فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [البقرة:54] قال: أمر موسى قومه عن أمر ربه عز وجل أن يقتلوا أنفسهم، قال: واحتبى الذين عبدوا العجل فجلسوا، وقام الذين لم يعكفوا على العجل فأخذوا الخناجر بأيديهم وأصابتهم ظلمة شديدة، فجعل يقتل بعضهم بعضاً، فانجلت الظلمة عنهم وقد جلوا عن سبعين ألف قتيل، كل من قتل منهم كانت له توبة، وكل من بقى كانت له توبة.

    قال ابن جريج : أخبرني القاسم بن أبي بزة : أنه سمع سعيد بن جبير ومجاهداً يقولان في قوله تعالى: فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ [البقرة:54] قالا: قام بعضهم إلى بعض بالخناجر يقتل بعضهم بعضاً، لا يحنو رجل على قريب ولا بعيد، حتى ألوى موسى بثوبه فطرحوا ما بأيديهم، فكشف عن سبعين ألف قتيل، وأن الله أوحى إلى موسى أن حسبي فقد اكتفيت، فذلك حين ألوى موسى بثوبه.

    وروي عن علي رضي الله عنه نحو ذلك.

    وقال قتادة : أمر القوم بشديد من الأمر، فقاموا يتناحرون بالشفار يقتل بعضهم بعضاً، حتى بلغ الله فيهم نقمته، فسقطت الشفار من أيديهم، فأمسك عنهم القتل، فجعل لحيهم توبة وللمقتول شهادة.

    وقال الحسن البصري : أصابتهم ظلمة حندس فقتل بعضهم بعضاً، ثم انكشف عنهم فجعل توبتهم في ذلك.

    وقال السدي في قوله: فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ [البقرة:54] قال: فاجتلد الذين عبدوه والذين لم يعبدوه بالسيوف، فكان من قتل من الفريقين شهيداً، حتى كثر القتل حتى كادوا أن يهلكوا، حتى قتل منهم سبعون ألفاً، وحتى دعا موسى وهارون: ربنا أهلكت بني إسرائيل، ربنا البقية البقية، فأمرهم أن يلقوا السلاح، وتاب عليهم، فكان من قتل من الفريقين شهيداً، ومن بقي مكفراً عنه، فذلك قوله: فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [البقرة:54] .

    وقال الزهري : لما أمرت بنو إسرائيل بقتل أنفسها برزوا ومعهم موسى، فاضطربوا بالسيوف وتطاعنوا بالخناجر، وموسى رافع يديه، حتى إذا فتر أتاه بعضهم وقالوا: يا نبي الله! ادع الله لنا، وأخذوا بعضديه يسندون يديه، فلم يزل أمرهم على ذلك، حتى إذا قبل الله توبتهم قبض أيديهم بعضهم عن بعض، فألقوا السلاح، وحزن موسى وبنو إسرائيل للذي كان من القتل فيهم، فأوحى الله جل ثناؤه إلى موسى: ما يحزنك؟ أما من قتل منهم فحي عندي يرزقون، وأما من بقي فقد قبلت توبته، فسر بذلك موسى وبنو إسرائيل. رواه ابن جرير بإسناد جيد عنه.

    وقال ابن إسحاق : لما رجع موسى إلى قومه وأحرق العجل وذرَّه في اليم خرج إلى ربه بمن اختار من قومه، فأخذتهم الصاعقة ثم بعثوا، فسأل موسى ربه التوبة لبني إسرائيل من عبادة العجل، فقال: لا، إلا أن يقتلوا أنفسهم، قال: فبلغني أنهم قالوا لموسى: نصبر لأمر الله، فأمر موسى من لم يكن عبد العجل أن يقتل من عبده، فجلسوا بالأفنية، وأصلت عليهم القوم السيوف، فجعلوا يقتلونهم، فهش موسى، فبكى إليه النساء والصبيان يطلبون العفو عنهم، فتاب الله عليهم وعفا عنهم، وأمر موسى أن ترفع عنهم السيوف.

    وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : لما رجع موسى إلى قومه وكانوا سبعين رجلاً قد اعتزلوا مع هارون العجل لم يعبدوه، فقال لهم موسى: انطلقوا إلى موعد ربكم، فقالوا: يا موسى! ما من توبة؟ قال: بلى، فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ .. [البقرة:54] الآية، فاخترطوا السيوف والجرزة والخناجر والسكاكين ].

    الجرزة بالضم عمود من حديد.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [وبعث عليهم ضبابة، قال: فجعلوا يتلامسون بالأيدي ويقتل بعضهم بعضاً، قال: ويلقى الرجل أباه وأخاه فيقتله وهو لا يدري، قال: ويتنادون فيها: رحم الله عبداً صبر نفسه حتى يبلغ الله رضاه، قال: فقتلاهم شهداء، وتيب على أحيائهم، ثم قرأ: فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [البقرة:54] ].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة...)

    قال الله تعالى: وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ * ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [البقرة:55-56] .

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ يقول تعالى: واذكروا نعمتي عليكم في بعثي لكم بعد الصعق، إذ سألتم رؤيتي جهرة عِياناً مما لا يستطاع لكم ولا لأمثالكم، كما قال ابن جريج : قال ابن عباس في هذه الآية: وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً [البقرة:55] قال: علانية، وكذا قال إبراهيم بن طهمان عن عباد بن إسحاق عن أبي الحويرث عن ابن عباس : أنه قال في قول الله تعالى: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً [البقرة:55] أي: علانية.

    وقال قتادة والربيع بن أنس : حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً [البقرة:55] أي: عياناً.

    وقال أبو جعفر عن الربيع بن أنس : هم السبعون الذين اختارهم موسى فساروا معه، قال: فسمعوا كلاماً فقالوا: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً [البقرة:55]، قال: فسمعوا صوتاً فصعقوا، يقول: ماتوا.

    وقال مروان بن الحكم فيما خطب به على منبر مكة: الصاعقة صيحة من السماء.

    وقال السدي في قوله: فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ [البقرة:55] نار.

    وقال عروة بن رويم في قوله: وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ [البقرة:55] قال: صعق بعضهم وبعض ينظرون، ثم بعث هؤلاء وصعق هؤلاء.

    وقال السدي : فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ [البقرة:55] فماتوا، فقام موسى يبكي ويدعو الله ويقول: رب ماذا أقول لبني إسرائيل إذا أتيتهم وقد أهلكت خيارهم؟ قال: لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا [الأعراف:155]، فأوحى الله إلى موسى: أن هؤلاء السبعين ممن اتخذوا العجل، ثم إن الله أحياهم فقاموا وعاشوا رجلاً رجلاً ينظر بعضهم إلى بعض كيف يحيون، قال: فذلك قوله تعالى: ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [البقرة:56].

    وقال الربيع بن أنس : كان موتهم عقوبة لهم، فبعثوا من بعد الموت ليستوفوا آجالهم، وكذا قال قتادة .

    وقال ابن جرير : حدثنا محمد بن حميد حدثنا سلمة بن الفضل عن محمد بن إسحاق قال: لما رجع موسى إلى قومه فرأى ما هم عليه من عبادة العجل، وقال لأخيه وللسامري ما قال، وحرق العجل وذره في اليم، اختار موسى منهم سبعين رجلاً الخيّرَ فالخيّرَ، وقال: انطلقوا إلى الله وتوبوا إلى الله مما صنعتم، واسألوه التوبة على من تركتم وراءكم من قومكم، صوموا وتطهروا وطهروا ثيابكم، فخرج بهم إلى طور سيناء لميقات وقّته له ربه، وكان لا يأتيه إلا بإذن منه وعلم، فقال له السبعون فيما ذكر لي حين صنعوا ما أُمروا به، وخرجوا للقاء الله، قالوا: يا موسى! اطلب لنا إلى ربك نسمع كلام ربنا، فقال: أفعل، فلما دنا موسى من الجبل وقع عليه الغمام حتى تغشى الجبل كله، ودنا موسى فدخل فيه، وقال للقوم: ادنوا، وكان موسى إذا كلمه الله وقع على جبهته نور ساطع لا يستطيع أحد من بني آدم أن ينظر إليه، فضرب دونه بالحجاب، ودنا القوم حتى إذا دخلوا في الغمام وقعوا سجوداً، فسمعوه وهو يكلم موسى يأمره وينهاه: افعل ولا تفعل، فلما فرغ إليه من أمره انكشف عن موسى الغمام، فأقبل إليهم، فقالوا لموسى: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً [البقرة:55] ، فأخذتهم الرجفة وهي الصاعقة فماتوا جميعاً، وقام موسى يناشد ربه ويدعوه ويرغب إليه ويقول: رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ [الأعراف:155] قد سفهوا، أفتهلك من ورائي من بني إسرائيل بما يفعل السفهاء منا؟

    أي: إن هذا لهم هلاك، واخترت منهم سبعين رجلاً الخيّر فالخيّر، أرجع إليهم وليس معي منهم رجل واحد، فما الذي يصدقوني به ويأمنوني عليه بعد هذا؟ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ [الأعراف:156]، فلم يزل موسى يناشد ربه عز وجل، ويطلب إليه حتى رد إليهم أرواحهم، وطلب إليه التوبة لبني إسرائيل من عبادة العجل، فقال: لا، إلا أن يقتلوا أنفسهم، هذا سياق محمد بن إسحاق ].

    صور من عنت بني إسرائيل تجاه نبي الله موسى عليه السلام

    هذا تعنت من بني إسرائيل في سؤالهم موسى أن يريهم الله جهرة، وقالوا: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً [البقرة:55]، فهذا من عتوهم وتعنتهم، فإنه لا يمكن لحي أن يرى الله في الدنيا، ولهذا لما سأل موسى الكليم ربه: قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ [الأعراف:143] قال الله: لَنْ تَرَانِي [الأعراف:143] يعني: لن تستطيع أن تتحمل الرؤية في الدنيا، ولهذا قال الله: وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا [الأعراف:143]، لما تجلى الله للجبل تدكدك ولم يثبت لرؤية الله، وهو من الحجارة الصم! فكيف يستطيع البشر أن يثبتوا لرؤية الله؟! لا يستطيعون، لكن في يوم القيامة ينشئ الله المؤمنين تنشئة قوية يتحملون فيها رؤية الله عز وجل، فتبدل الصفات، وتكون أبصارهم قوية، وأجسامهم قوية تتحمل الرؤية، وأما في هذه الدنيا فلا يستطيع أحد أن يرى الله، ولهذا ثبت في الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (واعلموا أنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا).

    وثبت في صحيح مسلم من حديث أبي ذر : (أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم قال: هل رأيت ربك؟ قال: رأيت نوراً)، وفي اللفظ الآخر: (نور أنى أراه) يعني: النور حجاب يمنعني من رؤيته، وفي الحديث الآخر في حديث أبي موسى كما في صحيح مسلم : (إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، حجابه النور -وفي لفظ: النار-، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه) وهذا عام يشمل جميع الخلق.

    فالصواب أن الله تعالى لن يراه أحد في الدنيا حتى نبينا صلى الله عليه وسلم، وذهب بعض الصحابة إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى ربه، والصواب الذي عليه الجمهور والذي تدل عليه النصوص أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ير ربه، وإنما سمع كلامه ولم يره، ويدل على هذا قول الله تعالى: وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ [الشورى:51]، فالله تعالى كلم نبيه صلى الله عليه وسلم من وراء حجاب، وكلم موسى كذلك، فهو محجوب عن الرؤية في الدنيا، ولا يستطيع أحد أن يراه، وإنما الرؤية نعيم خاص بأهل الجنة.

    وبنو إسرائيل لهم تعنتات على أنبيائهم وعلى نبيهم موسى عليه السلام، وهذا من تعنتاتهم، فهم لما سألوا الرؤية عاقبهم الله بالصاعقة، وهي رجفة أصابتهم فماتوا، ثم أحياهم الله؛ ليستكملوا بقية آجالهم، فموسى عليه الصلاة والسلام ناجى وسأل وتضرع إلى ربه أن يحييهم فأحياهم، كما قال الله تعالى في سورة الأعراف: وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ [الأعراف:155] أي: أصابتهم الصاعقة فماتوا، فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ [الأعراف:155]، فلم يزل يتضرع لربه حتى أحياهم الله، وامتن الله تعالى عليهم بذلك، كما في هذه الآية الكريمة: وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ * ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [البقرة:55-56] يعني: اذكروا نعمتي عليكم حيث سألتم موسى رؤية الله جهرة فأخذتكم الصاعقة، ثم بعثتكم من بعد موتكم، فهذه امتن الله بها عليهم، وهذا لم يحصل لليهود الذين في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما حصل لآبائهم وأجدادهم، لكن النعمة على الآباء والأجداد نعمة على الأحفاد والأولاد، إِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ * ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ [البقرة:55-56] أي: اذكروا نعمة الله حين عاقبكم بالصاعقة والرجفة لما سألتم شيئاً ممنوعاً على أهل الدنيا، ثم امتن الله عليكم فأحياكم واستكملتم آجالكم.

    وقال تعالى في سورة النساء: يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ [النساء:153].

    ذكر أقوال العلماء في رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لربه ليلة المعراج

    إن رؤية الله تعالى في الآخرة حق، ولا يلزم من هذا التشبيه، وكل يرى ربه على حسب اعتقاده، ولما كان النبي صلى الله عليه وسلم أحسن الناس اعتقاداً وأصحهم علماً وعملاً رأى ربه في أحسن صورة، كما في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (رأيت ربي في أحسن صورة، فقال: يا محمد! فيم يختصم الملأ الأعلى؟ فقلت: لا أدري، فوضع كفه بين كتفي حتى وجدت برد أنامله، فعلمت، فقلت: يا رب! في الكفارات، ونقل الأقدام إلى الجماعات، وانتظار الصلاة بعد الصلاة)، فهذا حديث اختصام الملأ الأعلى، وقد أفرده بعض العلماء بالشرح ومنهم: الحافظ ابن رجب فقد شرح هذا الحديث في مؤلف مستقل.

    فقوله: (رأيت ربي في أحسن صورة) هذا في المنام، أما في اليقظة فلم ير ربه، وإنما كلمه الله من وراء حجاب، وفرض عليه الصلوات الخمس من وراء حجاب، وهو صلى الله عليه وسلم داخل في قوله صلى الله عليه وسلم: (حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه) وهو من خلقه، ولا يتحمل، وداخل في قوله تعالى: وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ [الشورى:51]، فهذا هو الصواب.

    قال بعض الصحابة وبعض العلماء: إنه رآه بعين رأسه، والصواب أنه رآه بعين قلبه ولم يره بعين رأسه، وهذا هو الجمع الصحيح بين الآثار والنصوص، وما جاء من النصوص ومن الآثار ومن أقوال الصحابة والسلف على أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى ربه، فيحمل على أنه رآه بعين قلبه، وما جاء من النصوص والآثار أنه لم يره، فيحمل على أنه لم يره بعين رأسه.

    وجاء عن عائشة أنها أنكرت ذلك لما سألها مسروق : (هل رأى محمد ربه؟ قالت: لقد قف شعري مما قلت، ثم قالت: من حدثك أن محمداً رأى ربه فقد كذب).

    وزعم ابن عباس : (أنه رأى ربه)، ورواية عن الإمام أحمد ، لكن ما جاء عن ابن عباس وعن الإمام أحمد مطلق ويقيد برؤية الفؤاد، فيحمل المطلق على المقيد.

    وذهب بعض العلماء إلى أنه رآه بعين رأسه، وقالوا: إن هذا من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم، وقالوا: إن التكليم لموسى، والرؤية لمحمد، والخلة لإبراهيم، وهو ما ذهب إلى هذا القاضي عياض والنووي في شرح صحيح مسلم ، وأبو إسماعيل الهروي وجماعة، لكن هذا القول مرجوح، والصواب أن نبينا صلى الله عليه وسلم شارك موسى في التكليم وشارك إبراهيم في الخلة.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقال إسماعيل بن عبد الرحمن السدي الكبير : لما تابت بنو إسرائيل من عبادة العجل، وتاب الله عليهم بقتل بعضهم لبعض كما أمرهم الله به، أمر الله موسى أن يأتيه في كل أناس من بني إسرائيل يعتذرون إليه من عبادة العجل، وواعدهم موسى، فاختار موسى سبعين رجلاً على عينه، ثم ذهب بهم ليعتذروا، وساق البقية، وهذا السياق يقتضي أن الخطاب توجه إلى بني إسرائيل في قوله: وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً [البقرة:55]، والمراد السبعون المختارون منهم، ولم يحك كثير من المفسرين سواه، وقد أغرب الرازي في تفسيره حين حكى في قصة هؤلاء السبعين: أنهم بعد إحيائهم قالوا: يا موسى! إنك لا تطلب من الله شيئاً إلا أعطاك، فادعه أن يجعلنا أنبياء، فدعا بذلك فأجاب الله دعوته. وهذا غريب جداً؛ إذ لا يعرف في زمان موسى نبي سوى هارون ثم يوشع بن نون، وقد غلط أهل الكتاب أيضاً في دعواهم أن هؤلاء رأوا الله عز وجل، فإن موسى الكليم عليه السلام قد سأل ذلك فمنع منه، فكيف يناله هؤلاء السبعون؟ ].

    لا شك أن القول بأنهم رأوا ربهم غلط، وقولهم: إنهم أنبياء هذا من أشد الأغلاط التي نقلها الرازي رحمه الله.

    القول الثاني للمفسرين في طلب بني إسرائيل رؤية الله وتكليمه

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ القول الثاني في الآية: قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في تفسير هذه الآية: قال لهم موسى لما رجع من عند ربه بالألواح قد كتب فيها التوراة، فوجدهم يعبدون العجل، فأمرهم بقتل أنفسهم ففعلوا فتاب الله عليهم، فقال: إن هذه الألواح فيها كتاب الله فيه أمركم الذي أمركم به، ونهيكم الذي نهاكم عنه، فقالوا: ومن يأخذه بقولك أنت؟ لا والله حتى نرى الله جهرة، حتى يطلع الله علينا ويقول: هذا كتابي فخذوه، فما له لا يكلمنا كما يكلمك أنت يا موسى؟! وقرأ قول الله: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً [البقرة:55]، قال: فجاءت غضبة من الله، فجاءتهم صاعقة بعد التوبة فصعقتهم فماتوا أجمعون.

    قال: ثم أحياهم الله من بعد موتهم، وقرأ قول الله: ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [البقرة:56] ، فقال لهم موسى: خذوا كتاب الله، فقالوا: لا، فقال: أي شيء أصابكم؟ فقالوا: أصابنا أنا متنا ثم أحيينا، قال: خذوا كتاب الله، قالوا: لا، فبعث الله ملائكة فنتقت الجبل فوقهم، وهذا السياق يدل على أنهم كُلفوا بعدما أحيوا، وقد حكى الماوردي في ذلك قولين:

    أحدهما: أنه سقط التكليف عنهم؛ لمعاينتهم الأمر جهرة، حتى صاروا مضطرين إلى التصديق.

    والثاني: أنهم مكلفون؛ لئلا يخلو عاقل من تكليف ].

    الصواب: أنهم مكلفون، وهذا الصعق والموت شيء عارض، فهو ليس الموتة التي سيموتون والتي كتبت عليهم، وإنما هذا الموت بالصاعقة والرجف عقوبة ولا تمنع من التكليف، فالتكليف مستمر، فهم لما أحيوا استمر التكليف عليهم إلى موتهم، حتى يأتي كل واحد أجله الذي قدره الله له.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ قال القرطبي : وهذا هو الصحيح؛ لأن معاينتهم للأمور الفظيعة لا تمنع تكليفهم؛ لأن بني إسرائيل قد شاهدوا أموراً عظاماً من خوارق العادات، وهم في ذلك مكلفون، وهذا واضح. والله أعلم ].

    صدق القرطبي رحمه الله، وهو كلام جيد.