إسلام ويب

تفسير سورة البقرة [44]للشيخ : عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يعيّر الله سبحانه وتعالى بني إسرائيل ويبتكهم على كونهم يأمرون الناس بالبر والخير وينصحون الناس في ذلك، وهم أنفسهم مقصرون في ذلك، وهذا الفعل ليس بصحيح، بل ينبغي للإنسان أن يبادر إلى الخير الذي يأمر الناس به؛ حتى لا ينجو الناس وهو من الهالكين.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم...)

    قال الله تعالى: أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ [البقرة:44].

    قال المصنف رحمه الله: [ يقول تعالى: كيف يليق بكم يا معشر أهل الكتاب وأنتم تأمرون الناس بالبر -وهو جماع الخير- أن تنسوا أنفسكم فلا تأمرونها بما تأمرون الناس به، وأنتم مع ذلك تتلون الكتاب، وتعلمون ما فيه على من قصر في أوامر الله، أفلا تعقلون ما أنتم صانعون بأنفسكم فتنتبهوا من رقدتكم، وتتبصروا من عمايتكم، وهذا كما قال عبد الرزاق عن معمر عن قتادة في قوله تعالى: أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ [البقرة:44] قال: كان بنو إسرائيل يأمرون الناس بطاعة الله وبتقواه وبالبر ويخالفون، فعيرهم الله عز وجل ].

    فعيرهم، يعني: عابهم وذمهم، وهذا ليس خاصاً ببني إسرائيل، بل هو عام لبني إسرائيل ولهذه الأمة، ولهذا قال بعضهم: مضى القوم ولم يعن به سواكم، أي: أن المراد هذه الأمة؛ لأن بني إسرائيل قد مضوا، والله تعالى إنما ذكر هذا ليحذرنا من أن نفعل مثل فعلهم، فيصيبنا ما أصابهم.

    فالواجب على الإنسان إذا أمر بالمعروف أن يكون أول المؤتمرين به، وإذا نهى عن منكر أن يكون أول المنتهين عنه، ولا شك أنه قبيح بالإنسان أن يأمر الناس بالخير ويتخلف عنه، ولكن كما سيأتي أن الإنسان عليه واجبات: الأول: واجب العمل، والثاني: واجب الدعوة. فيعمل بالواجب ويدعو الناس إليه، وإذا قصر في واحد منهما لم يسقط الآخر، فإذا كان الإنسان مقصر في الامتثال فلا يدعوه هذا التقصير إلى ألا يدعو غيره، بل يدعو ولو كان مقصراً، لكنه عيب منه، فهذا مما يعاب به الإنسان ويذم.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وكذلك قال السدي ، وقال ابن جريج : أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ [البقرة:44]: أهل الكتاب والمنافقون كانوا يأمرون الناس بالصوم والصلاة، ويدعون العمل بما يأمرون به الناس، فعيرهم الله بذلك، فمن أخبر بخير فليكن أشد الناس فيه مسارعة. وقال محمد بن إسحاق عن محمد عن عكرمة أو سعيد بن جبير عن ابن عباس : وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ [البقرة:44] أي: تتركون أنفسكم.

    وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ [البقرة:44] أي: تنهون الناس عن الكفر بما عندكم من النبوة والعهد من التوراة وتتركون أنفسكم، أي: وأنتم تكفرون بما فيها من عهدي إليكم في تصديق رسولي، وتنقضون ميثاقي، وتجحدون ما تعلمون من كتابي.

    وقال الضحاك عن ابن عباس : في هذه الآية يقول: أتأمرون الناس بالدخول في دين محمد صلى الله عليه وسلم وغير ذلك مما أمرتم به من إقام الصلاة وتنسون أنفسكم. وقال أبو جعفر بن جرير : حدثني علي بن الحسن قال: حدثنا أسلم الحرمي قال: حدثنا مخلد بن الحسين عن أيوب السختياني عن أبي قلابة في قول الله تعالى: أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ [البقرة:44] قال أبو الدرداء رضي الله عنه : لا يفقه الرجل كل الفقه حتى يمقت الناس في ذات الله، ثم يرجع إلى نفسه فيكون لها أشد مقتاً ].

    يعني: يحاسب نفسه حتى تستقيم على طاعة الله.

    قال: [ وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في هذه الآية: هؤلاء اليهود إذا جاء الرجل وسألهم عن الشيء ليس فيه حق ولا رشوة أمروه بالحق، فقال الله تعالى: أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ [البقرة:44]، والغرض: أن الله تعالى ذمهم على هذا الصنيع، ونبههم على خطئهم في حق أنفسهم، حيث كانوا يأمرون بالخير ولا يفعلونه، وليس المراد ذمهم على أمرهم بالبر مع تركهم له، بل على تركهم له، فإن الأمر بالمعروف معروف، وهو واجب على العالم، ولكن الواجب والأولى بالعالم أن يفعله مع من أمرهم به، ولا يتخلف عنهم، كما قال شعيب عليه السلام: قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ [هود:88]، فكل من الأمر بالمعروف وفعله واجب لا يسقط أحدهما بترك الأخر على أصح قولي العلماء من السلف والخلف، وذهب بعضهم إلى أن من ارتكب المعاصي لا ينهى غيره عنها، وهذا ضعيف ].

    هذا ضعيف بلا شك، فالإنسان عليه واجبان: واجب امتثال الأمر، والواجب الثاني أن يدعو الناس إليه، وعليه واجبان في المنهيات: ترك المحرم، ونهي غيره عنه، فإذا ضعف عن واحد منهما فلا يسقط الآخر، فإذا لم يعمل وجب عليه أن يدعو الناس وإن كان مذموماً، لكنه ترك أحد الواجبين وبقي عليه واجب آخر؛ ولهذا يقال: على أهل الكئوس -يعني: الذين يشربون الخمر- أن ينهى بعضهم بعضاً وهم يشربون الخمر، فكونه الآن لا يترك الخمر قبيح، لكن كونه ينهى غيره فهذا مطلوب، إذ هذا واجب آخر، وإن كان هذا قبيح بالإنسان، حيث ينهى عن الشيء ثم يفعله ويأمر بالشيء ولا يفعله.

    ولهذا قال الشاعر :

    لا تنه عن خلق وتأتي مثله عار عليك إذا فعلت عظيم

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وأضعف منه تمسكهم بهذه الآية، فإنه لا حجة لهم فيها، والصحيح: أن العالم يأمر بالمعروف وإن لم يفعله، وينهى عن المنكر وإن ارتكبه.

    قال مالك عن ربيعة : سمعت سعيد بن جبير يقول: لو كان المرء لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر حتى لا يكون فيه شيء ما أمر أحد بمعروف ولا نهى عن منكر، قال مالك : وصدق، من ذا الذي ليس فيه شيء؟

    قلت: لكنه والحالة هذه مذموم على ترك الطاعة وفعله المعصية؛ لعلمه بها ومخالفته على بصيرة، فإنه ليس من يعلم كمن لا يعلم؛ ولهذا جاءت الأحاديث في الوعيد على ذلك، كما قال الإمام أبو القاسم الطبراني في معجمه الكبير: حدثنا أحمد بن المعلى الدمشقي والحسن بن علي العمري قالا: حدثنا هشام بن عمار ، حدثنا علي بن سليمان الكلبي ، حدثنا الأعمش عن أبي تميمة الهجيمي عن جندب بن عبد الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مثل العالم الذي يعلم الناس الخير ولا يعمل به كمثل السراج يضيء للناس ويحرق نفسه)، هذا حديث غريب من هذا الوجه.

    حديث آخر: قال الإمام أحمد بن حنبل في مسنده : حدثنا وكيع ، حدثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد وهو ابن جدعان عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مررت ليلة أسري بي على قوم تقرض شفاههم بمقاريض من نار، قال: قلت: من هؤلاء؟ قالوا: خطباء أمتك من أهل الدنيا ممن كانوا يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم وهم يتلون الكتاب، أفلا يعقلون؟!).

    ورواه عبد بن حميد في مسنده وتفسيره عن الحسن بن موسى عن حماد بن سلمة به، ورواه ابن مردويه في تفسيره من حديث يونس بن محمد المؤدب والحجاج بن منهال كلاهما عن حماد بن سلمة به، وكذا رواه يزيد بن هارون عن حماد بن سلمة به ].

    كل هذه الأحاديث تدور على علي بن جدعان وهو ضعيف، فيكون الحديث ضعيفاً.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ ثم قال ابن مردويه : حدثنا محمد بن عبد الله بن إبراهيم ، حدثنا موسى بن هارون ، حدثنا إسحاق بن إبراهيم التستري ببلح - التسرتي نسبة إلى تستر وهي بلدة في الشرق- حدثنا مكي بن إبراهيم ، حدثنا عمر بن قيس عن علي بن زيد عن ثمامة عن أنس قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (مررت ليلة أسري بي على أناس تقرض شفاههم وألسنتهم بمقاريض من نار، قلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء خطباء أمتك الذين يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم)].

    علي بن زيد هو علي بن زيد بن جدعان المذكور في السند الأول.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ وأخرجه ابن حبان في صحيحه وابن أبي حاتم وابن مردويه أيضاً من حديث هشام الدستوائي عن المغيرة -يعني ابن حبيب ختن مالك بن دينار - عن مالك بن دينار عن ثمامة عن أنس بن مالك قال: (لما عرج برسول الله صلى الله عليه وسلم مر بقوم تقرض شفاههم، فقال: يا جبريل من هؤلاء؟ قال: هؤلاء الخطباء من أمتك يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم أفلا يعقلون؟!) ].

    قوله: (ختن) يعني: صهره زوج ابنته.

    وهذه الأحاديث قد يقال: إنها يشد بعضها بعضاً، فالسند هذا يشد السند الآخر إذا لم يكن فيه ضعيف شديد.

    نصيحة الحكام سراً، وحكم الخروج عليهم

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ حديث آخر: قال الإمام أحمد : حدثنا يعلى بن عبيد حدثنا الأعمش عن أبي وائل قال: قيل لـأسامة وأنا رديفه: ألا تكلم عثمان ؟ فقال: إنكم ترون أني لا أكلمه إلا أسمعكم، إني لأكلمه فيما بيني وبينه دون أن أفتتح أمراً أحب أن أكون أول من افتتحه].

    يعني: قيل أسامة: ألا تكلم عثمان ؟ يعني: في بعض المسائل، فقال: أترون أني لا أكلمه إلا أسمعكم، أكلمه فيما بيني وبينه ولا أفتح شراً على الناس، وهذا دليل على أنه ينبغي مناصحة ولاة الأمور في السر ولا تكون في العلن، حيث يخاطب ولاة الأمور بما يليق بهم، فلا يتكلم الإنسان في المنابر ويقول: فعل كذا وفعل كذا وفعل كذا؛ لأن هذا يسبب الشر والفتنة، ولما تكلم الثوار الذين ثاروا على عثمان وهم سفهاء من البصرة ومن الكوفة ومن مصر وتكلموا من على المنابر وأشاعوا العيوب، وقالوا: عثمان فعل كذا، وفعل كذا، وقرب أقرباءه، وأخذ الزكاة على الخيل، وأتم الصلاة في السفر، وجعلوا ينشرونها، ثم جاءوا وأحاطوا ببيته وقتلوه، فهذا يسبب الفتنة، لكن النصيحة تكون سراً، حيث يناصح ولاة الأمور بما يليق بهم، ويخاطبون بما يليق بهم فيما بينهم، فإن امتثلوا فالحمد لله، وإن لم يمتثلوا فقد أدى الإنسان ما عليه، ولا يجوز الخروج على ولاة الأمور، لحديث عوف بن مالك الأشجعي في صحيح مسلم : (خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم، وتصلون عليهم ويصلون عليكم -يعني: تدعون لهم ويدعون لكم-، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم، قلنا: يا رسول الله! أفلا ننابذهم بالسيف؟ قال: لا ما أقاموا فيكم الصلاة، ألا من ولي عليه وال فرآه يأتي شيئاً من معصية الله فليكره ما يأتي من معصية الله، ولا ينزعن يداً من طاعة)، رواه مسلم في صحيحه.

    فقال: (فليكره ما يأتي) أي: اكره المعصية ولا تنزعن يداً من طاعة، والنصيحة مبذولة من العلماء ومن يستطيع الكلام مع ولاة الأمور بما يليق بهم، وأما الخروج ومنابذتهم وقتالهم وتأليب الناس عليهم فهذا ممنوع إلا في حالة واحدة، وهي كما جاء في الحديث: (إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان)، فذكر شروطاً هي: الأول: أن يصدر من ولي الأمر كفر، والثاني: أن يكون الكفر بواحاً يعني: صريحاً لا لبس فيه. الثالث: (عندكم من الله فيه برهان)، وأيضاً الشرط الأخير هو: القدرة ووجود البديل، فإن كان الإنسان لا يستطيع فعليه أن يصبر على الولاية ولو كانت كافرة، فإذا استطاع أن يزيل الكافر ويأتي بدله بكافر فما حصل المطلوب، وذلك مثل الانقلابات العسكرية، حيث تزال حكومة عسكرية كافرة ويأتي بدلها بحكومة عسكرية كافرة، وأما إذا كفر كفراً صريحاً واضحاً لا لبس فيه، والناس عندهم قدرة ووجد البديل وهي حكومة مسلمه فيخرج، وإلا فلا.

    وأما العاصي فلا يجوز الخروج عليه، وإنما تكره المعاصي وتبذل النصيحة لولاة الأمور بسرية وبالطريقة المناسبة، وأما الخروج على ولاة الأمور فهذا يسبب الفوضى، والاضطراب، وإراقة الدماء، وانقسام الناس، واختلال الأمن، والزراعة، والمعيشة، والاقتصاد، والتعليم، وتتربص الأعداء بهم الدوائر، وتتدخل الدول الكافرة، إلى غير ذلك من المفاسد، فلا يجوز الخروج على ولاة الأمور كما قرر ذلك أهل السنة في عقائدهم كـالطحاوي وغيره، حيث قال: ولا تنزع يداً من طاعة، وندعو لهم بالصلاح والمعافاة.

    وهذا معروف عند أهل العلم، وقرر هذا أهل العلم كشيخ الإسلام ابن تيمية والمجدد الإمام محمد عبد الوهاب وأئمة الدعوة وغيرهم، وأما الدعوة إلى الخروج بالمعاصي فهذه طريقة الخوارج.

    ومثل المعاصي المنكرات فإنها تبين وتنكر، فيبين ويقال: الربا حرام ولا يجوز التعامل به، وتبرج النساء حرام ، ويرد على أهل الباطل الذين يكتبون باطلهم في الصحف.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ فقال : إنكم ترون أني لا أكلمه إلا أسمعكم، إني لأكلمه فيما بيني وبينه دون أن أفتتح أمراً أحب أن أكون أول من افتتحه، والله! لا أقول لرجل إنك خير الناس وإن كان علي أميراً بعد أن سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول، قالوا: وما سمعته يقول؟ قال: سمعته يقول: (يجاء بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق به أقتابه، فيدور بها في النار كما يدور الحمار برحاه، فيطيف به أهل النار فيقولون : يا فلان! ما أصابك؟ ألم تكن تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟ فيقول: كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه وأنهاكم عن المنكر وآتيه)، ورواه البخاري ومسلم من حديث سليمان بن مهران الأعمش به نحوه.

    وقال أحمد حدثنا سيار بن حاتم حدثنا جعفر بن سليمان عن ثابت عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله يعافي الأميين يوم القيامة ما لا يعافي العلماء) ].

    معنى لفظة: (الأميين)

    قوله: (يعافي الأميين) يعني: الذين لا يعلمون ولا يكتبون ولا يقرءون، وسموا أميين نسبة إلى الأمهات؛ لأن الغالب أن الأم لا تعلم ولا تقرأ ولا تكتب، قال تعالى: هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ [الجمعة:2]، والرسول نبي أمي منسوب إلى أمه؛ لأن الأم لا تقرأ ولا تكتب في الغالب، ومعنى الحديث: إن الله يعافي الأميين الذين لا يعلمون ما لا يعافي الذين يعلمون، فالأمي الذي لا يعلم جاهل، والجاهل ليس كالعالم، فإثم العالم أعظم من إثم الجاهل، فالجاهل قد يكون معذوراً.

    بيان معنى حديث: (كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه...)

    وقوله: (كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه).

    لاشك أنه يكون في ترك الأمور الواجبة كالصلاة، وفعْل الأمور المحرمة، فالأمور الواجبة يجب على الإنسان أن يلتزم بها والمحرمة يجب أن يبتعد عنها، فإذا أمر غيره بالأمور الواجبة ولم يمتثل صار مذموماً، وإذا نهى غيره عن المنهيات ولم ينته صار مذموماً، وأما النوافل فأمرها سهل إذا أمر بها ولم يأتها.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقد ورد في بعض الآثار: أنه يغفر للجاهل سبعين مرة حتى يغفر للعالم مرة واحدة، ليس من يعلم. وقال تعالى: قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ [الزمر:9]، وروى ابن عساكر في ترجمة الوليد بن عقبة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن أناسا من أهل الجنة يطلعون على أناس من أهل النار فيقولون: بم دخلتم النار؟ فوالله ما دخلنا الجنة إلا بما تعلمنا منكم، فيقولون : إنا كنا نقول ولا نفعل)، ورواه ابن جرير الطبري عن أحمد بن يحيى الخباز الرملي عن زهير بن عباد الرواسي عن أبي بكر الزاهري عبد الله بن حكيم عن إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي عن الوليد بن عقبة فذكره.

    وقال الضحاك عن ابن عباس : أنه جاءه رجل فقال: يا ابن عباس إني أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، قال: أبلغت ذلك؟ قال: أرجو، قال: إن لم تخش أن تفتضح بثلاث آيات من كتاب الله فافعل، قال: وما هن؟ قال: قوله تعالى: أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ [البقرة:44]، أحكمت هذه؟ قال: لا، قال: فالحرف الثاني؟ قال: قوله تعالى: لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ [الصف:2-3]، أحكمت هذه؟ قال: لا، قال: فالحرف الثالث؟ قال: قول العبد الصالح شعيب عليه السلام: وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الإِصْلاحَ [هود:88]، أحكمت هذه الآية؟ قال: لا، قال: فابدأ بنفسك. رواه ابن مردويه في تفسيره.

    وقال الطبراني : حدثنا عبدان بن أحمد حدثنا زيد بن الحارث حدثنا عبد الله بن خراش عن العوام بن حوشب عن المسيب بن رافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من دعا الناس إلى قول أو عمل ولم يعمل هو به لم يزل في ظل سخط الله حتى يكف أو يعمل ما قال أو دعا إليه)، إسناده فيه ضعف].

    العوام ضعيف.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقال إبراهيم النخعي : إني لأكره القصص لثلاث آيات: قوله تعالى: أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ [البقرة:44]، وقوله : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ [الصف:2-3]، وقوله إخباراً عن شعيب: وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ [هود:88] ].

    وإبراهيم النخعي من التابعين، وهو من أهل الكوفة.

    وفي نسخة أخرى قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وما أحسن ما قال سلم بن عمرو :

    ما أقبح التزهيد من واعظٍ يزهِّد الناس ولا يزهدُ

    لو كان في تزهيده صادقاً أضحى وأمسى بيته المسجد

    إن رفض الناس فما باله يستمنح الناس ويسترفد

    والرزق مقسوم على من ترى يسعى له الأبيض والأسود

    وقال بعضهم: جلس أبو عثمان الحيري الزاهد على مجلس التذكير فأطال السكوت، ثم أنشأ يقول:

    وغير تقي يأمر الناس بالتقى طبيب يداوي والطبيب مريض

    قال: فضج الناس بالبكاء.

    وقال أبو العتاهية الشاعر:

    وصفت التقى حتى كأنك ذو تقى وريح الخطايا من ثيابك تسطع

    وقال أبو الأسود الدؤلي :

    لا تنه عن خلق وتأت مثله عار عليك إذا فعلت عظيم

    فابدأ بنفسك فانهها عن غيها فإذا انتهت عنه فأنت حكيم

    فهناك يقبل إن وعظت ويقتدى بالقول منك وينفع التعليم

    وذكر الحافظ ابن عساكر في ترجمة عبد الواحد بن زيد البصري العابد الواعظ قال: دعوت الله أن يريني رفيقي في الجنة، فقيل له في المنام: هي امرأة في الكوفة يقال لها: ميمونة السوداء، فقصدت الكوفة لأراها فقيل لي: هي ترعى غنماً في وادٍ هناك، فجئت إليها فإذا هي قائمة تصلي والغنم ترعى حولها وبينهن الذئاب لا ينفرن منهن، ولا يسطو الذئاب عليهن، فلما سلمت قالت: يا ابن زيد ليس الموعد هنا إنما الموعد ثمَّ، فسألتها عن شأن الذئاب والغنم، فقالت: إني أصلحت ما بيني وبين سيدي فأصلح ما بين الذئاب والغنم ].

    المراد (بسيدي) الله سبحانه وتعالى.

    [ فقلت لها: عظيني فقالت: يا عجباً من واعظ يوعظ، ثم قالت: يا ابن زيد ! إنك إن وضعتَ موازين القسط على جوارحك لخبرتك بمفهوم مكنون ما فيها، يا ابن زيد ! إنه بلغني: ما من عبد أعطي من الدنيا شيئاً فابتغى إليه إلا سلبه الله حب الخلوة، وبدله بعد القرب البعد، وبعد الأنس الوحشة، ثم أنشأت تقول:

    يا واعظاً قام باحتساب يزجر قوماً عن الذنوب

    تنهى ولما تستقيم حقاً هذا من المنكر العجيب

    تنهى عن الغي والتمادي وأنت في النهي كالمريب

    لو كنت أصلحت قبل هذا عيبك أو تبت من قريب

    كان لما قلت يا حبيب موضع صدق من القلوب

    القصة فيها نكارة من جهة أنه ذهب إليها وهي ترعى في الغنم، وهذه خلوة في البر ].