إسلام ويب

تفسير سورة البقرة [21-22]للشيخ : عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • نعم الله تعالى على الناس بالخلق والإيجاد وإسباغ الخير والفضل عليهم كثيرة، ولازم هذا أن يعبده الناس ولا يشركوا به، وأن يوحدوه في إلهيته وربوبيته وأسمائه وصفاته، وهذا المعنى قد أرشد الله تعالى عباده إليه، مبيناً لهم استحقاقه تعالى له بخلقهم وإيجادهم وتسخير الكون لهم، وما بثه تعالى من الآيات التي لا تحصى في الكون دليل على أنه الخالق الموجد المستحق للعبادة دوه سواه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم...)

    قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة:21-22].

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ شرع تبارك وتعالى في بيان وحدانية ألوهيته بأنه تعالى هو المنعم على عبيده بإخراجهم من العدم إلى الوجود، وإسباغه عليهم بالنعم الظاهرة والباطنة، بأن جعل لهم الأرض فراشاً، أي: مهداً كالفراش مقررة موطأة مثبتة بالرواسي الشامخات، وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وهو السقف، كما قال في الآية الأخرى: وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ [الأنبياء:32]، وأنزل لهم من السماء ماء -والمراد به السحاب هاهنا- في وقته عند احتياجهم إليه، فأخرج لهم به من أنواع الزروع والثمار ما هو مشاهد، رزقاً لهم ولأنعامهم، كما قرر هذا في غير موضع من القرآن.

    ومن أشبه آية بهذه الآية قوله تعالى: اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [غافر:64]، ومضمونه أنه الخالق الرازق مالك الدار وساكنيها ورازقهم، فبهذا يستحق أن يعبد وحده ولا يشرك به غيره، ولهذا قال: (فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون) ].

    أول أمر في القرآن الكريم هو هذه الآية: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ [البقرة:21]، وفي الآيات السابقة بيان أوصاف المؤمنين، وأوصاف الكفار ظاهراً وباطناً، وأوصاف المنافقين، ثم بعد ذلك وجه الله سبحانه وتعالى الأمر إلى عباده المؤمنين بأن يعبدوه فقال: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ أي: وحدوه وأخلصوا له العبادة، وبيَّن سبحانه وتعالى أنه مستحق للعبادة؛ لما له من النعم العظيمة، فقد أوجد الخلق من العدم، وأسبغ عليهم نعمه الظاهرة والباطنة.

    وقوله هنا: (اعبدوا ربكم) فيه توحيد العبادة، وقد استدل عليه بتوحيد الربوبية، فتوحيد الربوبية دليل على توحيد الإلهية، فالذي خلقكم وأوجدكم من العدم ورباكم بنعمه وأسبغ عليكم نعمه هو المستحق للعبادة وحده دون ما سواه؛ لأنه المنعم والمتفضل والخالق، ويستحق العبادة لما له من الأسماء الحسنى والصفات العظيمة، فهو سبحانه وتعالى الحميد الرازق الرزاق المدبر الخالق المحيي المميت، ولأنه سبحانه وتعالى هو الذي أوجد الخلق من العدم، وأسبغ عليهم نعمه ظاهرة وباطنة.

    وكثيراً ما يدلل سبحانه وتعالى على استحقاقه للعبادة بتوحيد الربوبية كما في هاتين الآيتين.

    وفي سورة النمل دلل سبحانه وتعالى في آيات متعددة على استحقاقه للعبادة بتوحيد الربوبية، قال تعالى: قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ * أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً [النمل:59-60].

    ثم قال: أَمَّنْ جَعَلَ الأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلالَهَا أَنْهَارًا ... [النمل:61] الآية، وقال: أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ... [النمل:62] الآية، وفي كل آية يقول: أإله مع الله، وقال: أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ * أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ [النمل:63-64].

    وفي هذه الآية قال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة:21] أي: كما أنكم -أيها المشركون- تقرون بأن الله هو الخالق والرازق والمدبر، وهو الذي أنزل من السماء ماءً، وهو المنعم على عباده، فتقرون بهذا كله ولا تنكرونه، فأفردوه بالعبادة، فلماذا تشركون معه غيره؟! ولماذا لا تفردونه بالعبادة؟!

    فائدة: توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات واحد؛ لأن فيهما إثبات حقيقة ذات الرب وأسمائه وصفاته، وهو التوحيد العلمي الخبري، وأما توحيد الإلهية فتوحيد ثانٍ، وهذا هو الأصل كما قال هذا شيخ الإسلام ابن تيمية في كتاب (التدمرية) وغيره، لكن لما كثر الاشتباه في الأسماء والصفات فأنكرت المعطلة الأسماء والصفات، فصل العلماء توحيد الأسماء والصفات عن توحيد الربوبية وجعلوه قسماً مستقلاً، وإلا فهما شيء واحد.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ فبهذا يستحق أن يعبد وحده ولا يشرك به غيره، ولهذا قال: فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ .

    وفي الصحيحين عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قلت: (يا رسول الله! أي الذنب أعظم عند الله؟ قال: أن تجعل لله نداً وهو خلقك) الحديث.

    وكذا حديث معاذ : (أتدري ما حق الله على عباده؟ أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً) الحديث ].

    في حديث معاذ : (أتدري ما حق الله على العباد، وما حق العباد على الله؟ فقال معاذ : الله ورسوله أعلم، قال: حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، وحق العباد على الله أن لا يعذبهم).

    ففي حديث معاذ بيان للحقين: الحق الأول: حق الله، وهو حق إيجاب وإلزام، وليس للإنسان فيه خيرة، بل هو عبد لله مخلوق لعبادة الله، وأما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك فهو حق تفضل وإكرام منه سبحانه وتعالى، وهذا هو الحق الثاني، وقد أوجبه سبحانه على نفسه ولم يوجبه عليه أحد؛ لأنه ليس فوقه أحد سبحانه وتعالى، فأوجبه على نفسه من نفسه ولم يوجبه عليه أحد، كما كتب على نفسه الرحمة، وكما حرم على نفسه الظلم، فحرم على نفسه من نفسه، وكتب على نفسه الرحمة تفضلاً منه وإحساناً، كما قال القائل:

    ما للعباد عليه حق واجب كلا ولا سعي لديه ضائع

    إن عذبوا فبعدله أو نعموا فبفضله وهو الكريم الواسع

    التنديد الأصغر

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وفي الحديث الآخر : (لا يقولن أحدكم: ما شاء الله وشاء فلان، ولكن ليقل: ما شاء الله ثم شاء فلان) ].

    هذا من التنديد الأصغر، وسيأتي أن التنديد نوعان: تنديد أكبر، وهو مخرج من الملة، وتنديد أصغر، وهو ما كان وسيلة إلى الشرك الأكبر، مثل: (ما شاء الله وشئت)، ولولا الله وأنت، كما سيأتي عن ابن عباس في تفسير الآية.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقال حماد بن سلمة : حدثنا عبد الملك بن عمير عن ربعي بن حراش عن الطفيل بن سخبرة أخي عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها لأمها قال: (رأيت فيما يرى النائم كأني أتيت على نفر من اليهود فقلت: من أنتم؟ فقالوا: نحن اليهود، قلت: إنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: عزير ابن الله، قالوا: وإنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: ما شاء الله وشاء محمد، قال: ثم مررت بنفر من النصارى فقلت: من أنتم؟ قالوا: نحن النصارى، قلت: إنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: المسيح ابن الله، قالوا: وإنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: ما شاء الله وشاء محمد، فلما أصبحت أخبرت بها من أخبرت، ثم أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته، فقال: هل أخبرت بها أحداً؟ قلت: نعم، فقام فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد: فإن طفيلاً رأى رؤيا أخبر بها من أخبر منكم، وإنكم قلتم كلمة كان يمنعني كذا وكذا أن أنهاكم عنها، فلا تقولوا: ما شاء الله وشاء محمد، ولكن قولوا: ما شاء الله وحده) ].

    هذه الرؤيا أقرها النبي صلى الله عليه وسلم، وقوله: (قلتم كلمة كان يمنعني كذا وكذا أن أنهاكم عنها) جاء في بعض الروايات أنه كان يمنعه الحياء، وإنما منعه الحياء لأن الله لم يأمره بنهيهم عنها، ولو أمره الله بنهيهم عنها لما منعه الحياء، فكان هذا الأمر جائزاً في أول الإسلام، فكانوا يقولون: (ما شاء الله وشئت) في أول الهجرة، وكانوا يحلفون بآبائهم، ثم جاء النهي بعد ذلك عن الحلف بغير الله، والنهي عن قول (ما شاء الله وشئت)، قال صلى الله عليه وسلم: (لا تحلفوا بآبائكم ولا بالأنداد، فمن كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت).

    وقد كانت هذه الرؤيا سبباً في التشريع، وفيها أن اليهود والنصارى فهموا أن قوله المسلمين: (ما شاء الله وشاء محمد) من الشرك الأصغر، ولم يفهموا ولم يفقهوا ما هم عليه من الشرك الأكبر، فاليهود يقولون: عزير ابن الله، والنصارى يقولون: المسيح ابن الله، وهذا شرك أكبر وكفر وردة عن الإسلام، فأنكروا على المسلمين قولهم: ما شاء الله وشاء محمد، ولم ينظروا إلى ما هم فيه من الشرك الأكبر، وهذا يدل على أن الخاسر والخائب لا ينظر إلى عيبه وإنما ينظر إلى عيوب الآخرين.

    وهذا من الأحاديث التي نقلها الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في (كتاب التوحيد) في باب: (ما شاء الله وشئت).

    وليس في الحديث السابق تأخير البيان عن وقت الحاجة، فالنبي عليه الصلاة والسلام لم يؤمر بأن ينهاهم، فقد كان هذا الأمر جائزاً في أول الإسلام، وكانت هذه الرؤيا سبباً في تشريع النهي عن قول (ما شاء الله وشئت)، فكانوا في الأول الأمر يقولون: ما شاء الله وشئت، وكانوا يحلفون بآبائهم، ثم استقرت الشريعة ونهي عن الحلف بغير الله، ونهي عن قول: ما شاء الله وشئت.

    وفي الحديث دليل على أنه يجوز للإنسان أن يقول: (ما شاء الله ثم شئت)، فهناك فرق بين (الواو) و(ثم)؛ فالواو تفيد التشريك بين المعطوف والمعطوف عليه، أما (ثم) فإنها تفيد الترتيب والتراخي، والمعنى أن مشيئة الله أولاً ثم تأتي مشيئة المخلوق متراخية بعد مشيئة الله، أما الواو فإنها تفيد التشريك ولا تفيد الترتيب، فلهذا نهي عنها.

    إذاً: فهناك ثلاث حالات:

    الحالة الأولى: أن يقول: ما شاء الله وشئت، وهذا شرك أصغر.

    والحالة الثانية: أن يقول: ما شاء الله ثم شئت، وهذه جائزة.

    والحالة الثالثة: أن يقول: ما شاء الله وحده، وهذه أفضل الحالات.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ هكذا رواه ابن مردويه في تفسير هذه الآية من حديث حماد بن سلمة به، وأخرجه ابن ماجة من وجه آخر عن عبد الملك بن عمير به بنحوه.

    وقال سفيان بن سعيد الثوري عن الأجلح بن عبد الله الكندي عن يزيد بن الأصم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم: ما شاء الله وشئت، فقال: أجعلتني لله نداً؟ قل: ما شاء الله وحده)، رواه ابن مردويه ، وأخرجه النسائي ، وابن ماجة من حديث عيسى بن يونس عن الأجلح به.

    وهذا كله صيانة، وحماية لجناب التوحيد، والله أعلم ].

    قوله: (ما شاء الله وحده) هذا هو الأكمل، وقوله: (أجعلتني لله نداً)، التنديد نوعان: تنديد أكبر، وتنديد أصغر، وهو كما جاء فيه الحديث: ما شاء الله وشئت، وهو وسيلة إلى الشرك الأكبر.

    عموم الأمر بعبادة الله تعالى

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقال محمد بن إسحاق : حدثني محمد بن أبي محمد عن عكرمة -أو سعيد بن جبير- عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ للفريقين جميعاً من الكفار والمنافقين، أي: وحدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم ].

    لا شك في أن هذا الأمر للفريقين: للمؤمنين والكفار، فكل واحد من الجن والإنس من المؤمنين والكفار مأمور بهذا الأمر: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ أي: وحدوه وأخلصوا له العبادة، فليس لهم الخيرة في هذا.

    وقد انقسم الناس إلى فريقين: فمنهم من أطاع الله، وهم الموحدون، ومنهم من أشرك بالله، وهم الكفرة من اليهود والنصارى وغيرهم، وهذا حاصل في أهل الأرض، وأما أهل السماء فهم كما قال الله لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [التحريم:6].

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وبه عن ابن عباس : فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أي: لا تشركوا بالله غيره من الأنداد التي لا تنفع ولا تضر ].

    قوله: يَا أَيُّهَا النَّاسُ من الخطابات العامة التي تشمل كل أحد، والله تعالى يوجه الخطاب تارة بقوله: (يا أيها الذين آمنوا) كقوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ [الحشر:18] وقوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ [آل عمران:102]، وأحياناً بقوله: (يا أيها الناس)، كقوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ [البقرة:21] كما في هذه الآية، وقوله: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ [النساء:1]، وقوله: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ [لقمان:33]، وهذا عام للمؤمنين وللكفار، وللذكور والإناث.

    فكل واحد مأمور بأن يعبد الله ويوحده، وكل واحد مأمور بأن يتقي الله ويستقيم على طاعته، حتى ينقذ نفسه من النار.

    وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب الناس يوماً فقال: (يا أيها الناس!) وكانت أم سلمة لها ماشطة تمشطها، فقالت: كفي عني، وأرادت أن تسمع خطبة النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت الماشطة: إنه يقول: (يا أيها الناس، فقالت: أنا من الناس).

    فقوله: (يا أيها الناس) يشمل الذكور والإناث، والمؤمنين والكفار من الثقلين.

    والخطاب في قوله: (يا أيها الذين آمنوا) وجه إلى المؤمنين؛ لأنهم هم الذين يقومون بالأوامر والنواهي، وهم الذين ينقادون، وهم الذين ينتفعون، فلذلك وجه الخطاب إليهم، ويوجه خطاب في موضع آخر إلى الناس جميعاً.

    النهي عن الشرك بالله، وأمثلة الأصغر منه

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وبه عن ابن عباس : فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة:22] أي: لا تشركوا بالله غيره من الأنداد التي لا تنفع ولا تضر وأنتم تعلمون أنه لا رب لكم يرزقكم غيره، وقد علمتم أن الذي يدعوكم إليه الرسول صلى الله عليه وسلم من التوحيد هو الحق الذي لا شك فيه، وهكذا قال قتادة .

    وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أحمد بن عمرو بن أبي عاصم حدثنا أبي عمرو حدثنا أبي الضحاك بن مخلد أبو عاصم حدثنا شبيب بن بشر حدثنا عكرمة عن ابن عباس في قول الله عز وجل: فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا قال: الأنداد هو الشرك، وهو أخفى من دبيب النمل على صفاة سوداء في ظلمة الليل، وهو أن يقول: والله وحياتك يا فلان، وحياتي، ويقول: لولا كلبة هذا لأتانا اللصوص البارحة، ولولا البط في الدار لأتى اللصوص، وقول الرجل لصاحبه: ما شاء الله وشئت، وقول الرجل: لولا الله وفلان، لا تجعل فيها فلاناً، هذا كله به شرك ].

    قوله: [ حدثني أبي عمرو ] هو والد أحمد بن عمرو ، وقوله: [ حدثنا أبي الضحاك بن عمرو ] هو والد عمرو .

    وهذا فيه دليل على أن هذا من التنديد الأصغر، وهو وسيلة إلى الشرك الأكبر، وذلك كالحلف بغير الله، مثل: والله وحياتك يا فلان، وحياتي، وكقول الرجل: لولا كلبة هذا لأتى اللصوص، ولولا البط في الدار لأتى اللصوص، فيضاف الشيء إلى السبب، وإن كان المسبب هو الله تعالى، والصواب أن يقول: لولا الله ثم هذا السبب.

    وأما ما جاء في الحديث: (لولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار) فيحتمل أن بعض الرواة رواه بالمعنى، ويحتمل أن هذا كان أولاً قبل النهي عنه، كما كانوا في أول الأمر يحلفون بآبائهم، ثم نهوا عن الحلف بغير الله، وكما كان قبل النهي عن قول: ما شاء الله وشئت.

    يقول ابن القيم في الميمية عن الصحابة:

    لولاهمو ما كان في الأرض مسكين ولولاهمو كادت تميد بأهلها

    وهكذا.

    وقد نقل الشيخ محمد بن عبد الوهاب عن شيخ الإسلام ابن تيمية أن إسناد الشيء إلى الأسباب هو كقولهم: كانت الريح طيبة والملاح حاذقاً، وغير هذا مما هو جار على ألسنة الكثير، نقل ذلك في كتاب التوحيد في قوله تعالى: يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ [النحل:83] ومثل قول بعضهم: السيارة جديدة، والسائق جيد إذا وصلوا -مثلاً- بسرعة، وكل هذا من الإضافة إلى السبب، والذي ينبغي هو أن يذكر المسبب، وهو الله، وهو المنعم سبحانه وتعالى.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وفي الحديث أن رجلاً قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما شاء وشئت. فقال: أجعلتني لله ندا؟!) ، وفي الحديث الآخر : (نعم القوم أنتم لولا أنكم تنددون تقولون: ما شاء الله وشاء فلان).

    قال أبو العالية : فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا [البقرة:22] أي: عدلاء شركاء ].

    كل هذا -كما سبق- من التنديد الأصغر لا يخرج من الملة، وإنما هو وسيلة إلى الشرك الأكبر.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وهكذا قال الربيع بن أنس وقتادة والسدي وأبو مالك وإسماعيل بن أبي خالد .

    وقال مجاهد : فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة:22] قال: تعلمون أنه إله واحد في التوراة والإنجيل ].

    ذكر حديث الخمس الكلمات

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ذكر حديث في معنى هذه الآية الكريمة.

    قال الإمام أحمد :حدثنا عفان حدثنا أبو خلف موسى بن خلف -وكان يعد من البدلاء- ].

    يعني: من العلماء الذين يخلف بعضهم بعضاً، كما قال شيخ الإسلام في الوصية: (وفيهم الأبدال)، يعني: العلماء الذين يخلف بعضهم بعضاً، كلما ذهب عالم خلفه عالم، وهذا من خصائص هذه الأمة، فالعلماء في هذه الأمة كالأنبياء في بني إسرائيل، فإنهم كانوا كلما هلك نبي خلفه نبي، ونبينا -صلى الله عليه وسلم- هو آخر الأنبياء ليس بعده نبي، لكن الله جعل العلماء ورثة الأنبياء يخلفون الأنبياء، ويقومون مقام أنبياء بني إسرائيل، فهم يخلف بعضهم بعضاً.

    قال: [ قال الإمام أحمد حدثنا عفان حدثنا أبو خلف موسى بن خلف وكان يعد من البدلاء.

    حدثنا يحيى بن أبي كثير عن زيد بن سلام عن جده ممطور عن الحارث الأشعري -رضي الله عنه- أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله عز وجل أمر يحيى بن زكريا عليه السلام بخمس كلمات أن يعمل بهن وأن يأمر بني إسرائيل أن يعملوا بهن، وأنه كاد أن يبطئ بها) ].

    وكان يحيى وعيسى ابني خالة، وكلاهما نبيان.

    قال: [ (فقال له عيسى عليه السلام: إنك قد أمرت بخمس كلمات أن تعمل بهن وتأمر بني اسرائيل أن يعملوا بهن، فإما أن تبلغهم وإما أن أبلغهن، فقال: يا أخي! إني أخشى إن سبقتني أن أعذب أو يخسف بي) ].

    وهذا من ورعه وتقواه عليه الصلاة والسلام، وإذا كان الذي يبطئ بالتبليغ يخشى عليه من العذاب والخسف، فكيف بمن يترك أوامر الله عن علم وعن بصيرة ويرتكب النواهي؟! وإذا كان الذي يبطئ في التبليغ يخشى عليه من العذاب والخسف لأنه تأخر في التبليغ، فكيف بمن كتم العلم؟! وكيف بمن ارتكب المحظور وترك الأوامر؟! لا شك في أن العقوبة أشد.

    قال: [ قال: (فجمع يحيى بن زكريا بني إسرائيل في بيت المقدس حتى امتلأ المسجد، فقعد على الشرف فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: إن الله أمرني بخمس كلمات أن أعمل بهن وآمركم أن تعملوا بهن، أولهن: أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً) ].

    وأصل الدين وأساس الملة توحيد الله وإخلاص العبادة لله، وهذا هو الأمر الذي خلق العباد من أجله، كما قال تعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56]، هذا هو الأمر الأول، وهو أهمها وأعظمها، وهو عبادة الله وإخلاص الدين له، وهو الأمر الذي جاءت به الرسل، ودعوا إليه أممهم.

    قال: [ (أولهن: أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً، فإن مثل ذلك كمثل رجل اشترى عبداً من خالص ماله بورق أو ذهب، فجعل يعمل ويؤدي غلته إلى غير سيده، فأيكم يسره أن يكون عبده كذلك؟!) ].

    وهذا مثل المشرك، فإنه عبد سوء، فالمثال له كإنسان اشترى هذا العبد من خالص ماله بورق -أي: فضة- أو ذهب، وقال له: اعمل، فصار يعمل ويعطي الأجرة غير سيده، وكلنا لا يحب هذا، فهذا عبد سوء، وهو مثل المشرك بالله تعالى، فالله خلقك وأوجدك، وأنعم عليك بالنعم ورباك بنعمه، ثم تعبد غيره!

    قال: [ (وإن الله خلقكم ورزقكم فاعبدوه ولا تشركوا به شيئاً، وآمركم بالصلاة، فإن الله ينصب وجهه لوجه عبده ما لم يلتفت، فإذا صليتم فلا تلتفتوا، وآمركم بالصيام؛ فإن مثل ذلك كمثل رجل معه صرة من مسك في عصابة كلهم يجد ريح المسك، وإن خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك) ].

    يقال: خُلوف، وخَلوف.

    قال: (وآمركم بالصدقة؛ فإن مثل ذلك كمثل رجل أسره العدو فشدوا يديه إلى عنقه، وقدموه ليضربوا عنقه، وقال لهم: هل لكم أن أفتدي نفسي منكم؟ فجعل يفتدي نفسه منهم بالقليل والكثير حتى فك نفسه، وآمركم بذكر الله كثيراً، وإن مثل ذلك كمثل رجل طلبه العدو سراعاً في أثره، فأتى حصناً حصينا فتحصن فيه، وإن العبد أحصن ما يكون من الشيطان إذا كان في ذكر الله) ].

    هذه أمور عظيمة: عبادة الله، والصلاة، والصيام، والصدقة، وذكر الله.

    [ قال: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (وأنا آمركم بخمس الله أمرني بهن: الجماعة، والسمع والطاعة، والهجرة، والجهاد في سبيل الله، فإنه من خرج من الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه إلا أن يراجع) ].

    الجماعة هي جماعة المسلمين، والسمع والطاعة لولاة الأمور في طاعة الله.

    والهجرة من بلد الشرك إلى بلد الإسلام باقية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها)، وأما الهجرة من مكة إلى المدينة فقد انتهت بعد فتح مكة؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: (لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية).

    فيجب لزوم جماعة المسلمين في معتقداتهم، وفي عباداتهم، وأوطانهم، والسمع والطاعة لولاة الأمور في طاعة الله، وهذا هو قيد هذا الأمر، ومثله قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ [النساء:59] فهو مقيد بقوله: (إنما الطاعة في المعروف) وقوله:(لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق) وفي الحديث الآخر: (على المرء السمع والطاعة فيما أحب وكره، إلا أن يؤمر بمعصية، فإن أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة)، والنصوص يقيد بعضها بعضاً، فالسمع والطاعة لولاة الأمور في طاعة الله وفي الأمور المباحة، أما المعاصي فلا يطاع فيها أحد، وليس معنى ذلك الخروج، ولا يلزم منه الخروج، وإنما لا يطاع في المعصية، فالسيد إذا أمر عبده بالمعصية لا يطيعه، والوالد إذا أمر ابنه بالمعصية لا يطيعه، والزوجة إذا أمرها زوجها بالمعصية لا تطيعه، لكن لا يتمردون عليهم، وإنما لا يطيعونهم في المعاصي.

    فإن قيل: هل ما زالت الهجرة على سبيل الإيجاب؟

    فالجواب: نعم إذا كان لا يستطيع إظهار دينه في بلد الشرك، فيجب عليه أن يهاجر إذا استطاع، والله تعالى توعد من بقي بين أظهر الكفار بوعيد شديد فقال: إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا [النساء:97]، واستثنى الله العاجز، فقال: إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا * فَأُوْلَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا [النساء:98-99]، وهذه الآية نزلت في جماعة في مكة كانوا يخفون إسلامهم ولا يستطيعون الهجرة، وأخرجهم الكفار معهم يوم بدر، حتى قتل بعضهم، فقال الصحابة: قتلنا بعض إخواننا، فأنزل الله فيهم هذه الآية، فالذي لا يستطيع الهجرة معذور، أما الذي يستطيع فليس له أن يبقى، حتى إن المرأة لها أن تهاجر ولو لم يكن معها محرم؛ لأن الهجرة مقدمة على المحرم، لأنها تخشى على دينها.

    وإذا كان المرء لا يستطيع أن يظهر دينه وليس عليه خطر، أو كان داعية يسلم على يديه الخلق، فهذا مستثنى، وإظهار الدين ليس بالصلاة والصيام فقط، بل بأن يصلي ويرد الشبه التي ترد عليه، ويبين محاسن الإسلام، ويبين ما هم عليه من الباطل إذا اقتضى الحال.

    وقوله: [ (فإنه من خرج من الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام) ].

    هذا دليل على أن الخروج على جماعة المسلمين وعلى ولاة الأمور من الكبائر، وفي الحديث الآخر : (فإنه من خرج من الجماعة شبراً فمات فميتته جاهلية).

    وقوله: [ (خلع رقبة الإسلام من عنقه) ] هو من باب الوعيد عند أهل العلم، ويدل على أن ذلك من الكبائر، لا أنه يخرج من الملة.

    [ قال: (ومن دعا بدعوى جاهلية فهو من جثي جهنم) ].

    هذا وعيد شديد، فمن دعا بدعوى الجاهلية إلى قومية أو إلى عصبية أو إلى قبيلته أو نحو ذلك فهو من جثي جهنم، وفي الحديث الآخر (من تعزى بعزاء الجاهلية فأعضوه بهني أبيه ولا تكنوا) يعني: كما قال بعض الصحابة في الحديبية لـعروة بن مسعود امصص بظر اللات، ولما حصل بعض الكلام بين بعض المهاجرين والأنصار فقال المهاجرون: يا للمهاجرين، وقال الأنصار: يا للأنصار؛ قال النبي: (أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم؟! دعوها فإنها منتنة)، مع أن هذه أسماء إسلامية، فكيف بمن دعا إلى القبيلة الفلانية؟! فإذا قال: يا بني فلان فقد دعا إلى عصبية، ودعا إلى حرب، ولا شك في أن هذا يوجد النزاع والخلاف، ثم يوجد القتال والفرقة، وأشد من هذا من يدعو إلى القومية العربية، أو يدعو إلى الاشتراكية وما أشبه ذلك من الدعوات الكفرية، فهذه أعظم وأعظم، والمقصود أن الدعاء بدعوى الجاهلية من كبائر الذنوب، حتى ولو كانت أسماء إسلامية، فكيف إذا كانت أسماء كفرية.

    وقد يقال: هل الجماعات تدخل في هذه التفرقة والعصبية؟

    والجواب: نعم، إذا كان فيها تفرقة، أو كان بينهم نزاع فدعا هذا إلى جماعته، ودعا ذاك إلى جماعته، وصاروا يتنازعون، أما إذا كانت الجماعات كلها تعمل في سبيل الحق، وكان هذا التقسيم من باب تنظيم العمل فلا بأس، أما إذا كان بينهم نزاع وشقاق، وكان بينهم شحناء وبغضاء، فالواجب عليهم أن يتحاكموا إلى كتاب الله وسنة نبيه، وأن يجتمعوا ولا يتفرقوا، وينظر في كون الحق مع من، ثم الرجوع إلى كتاب الله: فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ [النساء:59] فيرجعون إلى العلماء ليبينوا لهم هذا، ولا يتنازعون، بل ينظر فيمن هو على الحق، فهذه الجماعة ينظر في منهجها هل هي موافقة للحق أو مخالفة؟ والجماعة الأخرى كذلك، والعلماء يبينون لهم، هذا هو الواجب.

    فإن قيل: هل الفخر بالأنساب جائز؟

    فالجواب: هذا من خصال الجاهلية، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إن في أمتي أربعاً من الجاهلية ليسوا بتاركيهن...)، وذكر منهن الفخر بالأحساب، كقوله: أنا من قبيلة كذا، من باب الفخر والخيلاء، وكذلك ذكر الطعن في الأنساب، أي: أن يعيب أنساب الناس، أما إذا كان ذلك من باب الإخبار فلا بأس.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ (ومن دعا بدعوى جاهلية فهو من جثي جهنم، قالوا: يا رسول الله! وإن صام وصلى؟ فقال: وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم، فادعوا المسلمين بأسمائهم على ما سماهم الله عز وجل المسلمين المؤمنين عباد الله) ].

    وهذا دليل على أن هذا من كبائر الذنوب.

    قوله: (وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم) يعني: وزعم أنه مسلمٌ حقاً، وإلا فإنه ليس بكافر، وهذا مثلما جاء في حديث عائشة : (آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان)، وفي رواية لـمسلم : (وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم) ، أي: وزعم أنه مسلم حقاً.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ هذا حديث حسن، والشاهد منه في هذه الآية قوله: (وإن الله خلقكم ورزقكم فاعبدوه ولا تشركوا به شيئاً) ].

    يعني الأمر الأول الذي أمر به يحيى عليه السلام بني إسرائيل، وهو أن تعبدوا الله تعالى ولا تشركوا به شيئاً، وهذا الحديث سنده جيد مثلما قال المؤلف، لولا ما فيه من عنعنة يحيى بن أبي كثير .

    لكن أظن أنه صرح في رواية أحمد بالسماع، وعلى هذا يزول الإشكال، ويحتمل -أيضاً- أن له رواية في السنن صرح فيها.

    قال في تهذيب التهذيب: (قال يحيى بن حسان عن معاوية بن سلام: أخذ مني يحيى بن أبي كثير كتب أخي زيد بن سلام ، وقال ابن معين : لم يلقه يحيى ، وقال الأثرم : قلت لـأحمد : يحيى سمع من زيد ؟ قال: ما أشبهه).

    وهذه الأمور العظيمة كلها أيضاً لها شواهد، ولها أدلتها من النصوص، كل هذه الأمور الخمسة التي أمر بها يحيى -وكذلك أيضاً ما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم- جاءت نصوص أخرى وأدلة تشهد لها وتقويها.

    دلالة الآية الكريمة على توحيد الربوبية والإلهية

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وهذه الآية دالة على توحيده تعالى بالعبادة وحده لا شريك له، وقد استدل بها كثير من المفسرين كـالرازي وغيره على وجود الصانع تعالى، وهي دالة على ذلك بطريق الأولى ].

    دالة بطريق الأولى لأن من عبد الله فلا بد من أن يقر بربوبيته وإلهيته؛ لأن توحيد الإلهية متضمن لتوحيد الربوبية، أما توحيد الربوبية فهو مستلزم لتوحيد الإلهية، فمن أقر بربوبية الله وأنه الخالق الرازق يلزمه أن يعبد الله، فما دمت تقر أنه هو الخالق الرازق المدبر المحيي المميت المتصف بالصفات العظيمة فإنه يلزمك أن تعبده وتصرف له العبادة، أما من وحد الله وأخلص له العبادة ففي ضمن ذلك إقراره بالربوبية، وهذه الآيات فيها الأمر بتوحيد الله وعبادته.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وهي دالة على ذلك بطريق الأولى؛ فإن من تأمل هذه الموجودات السفلية والعلوية واختلاف أشكالها وألوانها وطباعها ومنافعها ووضعها في مواضع النفع بها محكمة؛ علم قدرة خالقها وحكمته وعلمه وإتقانه وعظيم سلطانه، كما قال بعض الأعراب وقد سئل: ما الدليل على وجود الرب تعالى؟ فقال: يا سبحان الله! إن البعر ليدل على البعير، وإن أثر الأقدام لتدل على المسير؛ فسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، وبحار ذات أمواج ؟ ألا يدل ذلك على وجود اللطيف الخبير ].

    بلى والله، وهذه من الأدلة الحسية، والعقول التي ركبها الله في الخلق كذلك تدلهم على خالقهم سبحانه وتعالى، وهذه من الأدلة الحسية المشاهدة، كما لفت الرب سبحانه وتعالى النظر إليها.

    استدلال الإمام مالك على توحيد الربوبية

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وحكى الرازي عن الإمام مالك أن الرشيد سأله عن ذلك فاستدل له باختلاف اللغات والأصوات والنغمات ].

    ولا شك في أن هذا من الأدلة على وجود الله وقدرته، فكم لغة الآن في البلد الواحد؟! ففي الهند مئات اللغات، وكل أهل قرية فيها قد لا يعرفون اللغة الأخرى، بل في البلد الواحد تجد لغات ولهجات متعددة، وكذلك اختلاف النغمات، واختلاف الأشكال والصور، وذكر العلامة ابن القيم رحمه الله في كتابه العظيم (مفتاح دار السعادة) ذلك، وقال: إنك تجد سرب القطا مشتبهاً لا تفرق بين هذا وهذا، ولكن الله سبحانه وتعالى جعل فروقاً بين الآدميين، وذكر من الحكم والأسرار أنه لولا أن الله سبحانه جعل هذه الفروق لحصلت مفاسد عظيمة، فكيف يعرف هذا من هذا؟ وكيف يعرف الإنسان أباه من أمه؟! وكيف يعرف الإنسان زوجته؟! وكيف يعرف الإنسان أولاده إذا كان فيهم اشتباه، بحيث لا يعرف هذا من هذا، لكن لا بد من أن يكون هناك فرق، فهذا من حِكَمه، لا شك في أن ما ذكره الإمام مالك للرشيد من اختلاف اللغات والأصوات واختلاف الصور من الأدلة الواضحة على وجود الرب وقدرته ووحدانيته واستحقاقه للعبادة.

    استدلال الإمام أبي حنيفة على توحيد الربوبية

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وعن أبي حنيفة أن بعض الزنادقة سألوه عن وجود الباري تعالى فقال لهم: دعوني؛ فإني مفكر في أمر قد أخبرت عنه، ذكروا لي أن سفينة في البحر موقرة فيها أنواع من المتاجر وليس بها أحد يحرسها ولا يسوقها، وهي مع ذلك تذهب وتجيء وتسير بنفسها، وتخترق الأمواج العظام حتى تتخلص منها، وتسير حيث شاءت بنفسها من غير أن يسوقها أحد، فقالوا: هذا شيء لا يقوله عاقل، فقال: ويحكم! هذه الموجودات بما فيها من العالم العلوي والسفلي، وما اشتملت عليه من الأشياء المحكمة ليس لها صانع! فبهت القوم ورجعوا إلى الحق، وأسلموا على يديه ].

    هذه القصة مشهورة عن أبي حنيفة ذكرها شارح الطحاوية وغيره، وأنه قال لهم: أخبروني عن سفينة في نهر دجلة تمشي وحدها من دون ملاح، وتقف وتفرغ, وتحمل البضاعة والأمتعة، ثم ترجع إلى الجهة الأخرى وتفرغ، وهكذا، فقالوا: هذا لا يقوله عاقل، فقال لهم: كذلك العالم العلوي والسفلي هل يدبر نفسه؟! والسماء من الذي أمسكها؟ وهل يمكن أن تقف من دون خالق؟! لماذا لا تسقط؟! والأرض من الذي أرساها؟! والبحار من الذي أوجدها؟ والنجوم من الذي أمسكها حتى لا تسقط؟! وهل العالم العلوي والسفلي يمشي من دون مدبر؟! إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ [فاطر:41] فبهتوا وانقطعوا وانتهت المناظرة، وهذه مسألة مشهورة أيضاً عن غيره، قيل: إنها مذكورة عن غير الإمام أبي حنيفة .

    استدلال الإمام الشافعي على توحيد الربوبية

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وعن الشافعي أنه سئل عن وجود الصانع فقال: هذا ورق التوت طعمه واحد، تأكله الدود فيخرج منه الابريسم، وتأكله النحل فيخرج منه العسل، وتأكله الشاة والبقر والأنعام فتلقيه بعراً وروثاً، وتأكله الظباء فيخرج منها المسك، وهو شيء واحد ].

    الظباء هي الغزلان، يخرج منها المسك، والمسك أحسن أنواع الطيب، تكون ورماً في الغزال مثل الكرة، تسقط ثم تسمى بعرة المسك، وإذا شقت طلع منها المسك، وهو جزء من دمها، ولهذا يقول الشاعر:

    فإن تفق الأنام وأنت منهم فإن المسك بعض دم الغزال

    يقول: أنت من الناس، لكنك تفوقهم، كالمسك، فهو شيء من دم الغزال وفاقه، فلا يستغرب كونك من الناس وأنت فوقهم، كما لا يستغرب أن الغزال يخرج منه شيء من دمه يفوق الدم وهو المسك.

    استدلال الإمام أحمد على توحيد الربوبية

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وعن الإمام أحمد بن حنبل أنه سئل عن ذلك فقال: ههنا حصن حصين أملس ليس له باب ولا منفذ، ظاهره كالفضة البيضاء، وباطنه كالذهب الإبريز، فبينا هو كذلك إذ انصدع جداره، فخرج منه حيوان سميع بصير ذو شكل حسن وصوت مليح، يعني بذلك البيضة إذا خرج منها الدجاجة ].

    ولا شك في أن هذا من العبر ومن الآيات العظيمة الدالة على قدرة الله ووحدانيته واستحقاقه للعبادة، والأدلة على هذا كثيرة لا تحصى، والعالم العلوي والسفلي مليء بالآيات والعبر.

    وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد

    التأمل في الملكوت ودلالته على الخالق جل جلاله

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وسئل أبو نواس عن ذلك فأنشد :

    تأمل في نبات الأرض وانظر إلى آثار ما صنع المليك

    عيون من لجين شاخصات بأحداق هي الذهب السبيك

    على قضب الزبرجد شاهدات بأن الله ليس له شريك

    وقال ابن المعتز :

    فيا عجباً كيف يعصى الإله أم كيف يجحده الجاحد

    وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد

    وقال آخرون: من تأمل هذه السماوات في ارتفاعها واتساعها وما فيها من الكواكب الكبار والصغار النيرة من السيارة ومن الثوابت، وشاهدها كيف تدور مع الفلك العظيم في كل يوم وليلة دويرة، ولها في أنفسها سير يخصها، ونظر إلى البحار المكتنفة للأرض من كل جانب، والجبال الموضوعة في الأرض لتقر ويسكن ساكنوها مع اختلاف أشكالها وألوانها، كما قال تعالى: وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ * وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [فاطر:27-28]، وكذلك هذه الأنهار السارحة من قطر إلى قطر للمنافع، وما ذرأ في الأرض من الحيوانات المتنوعة، والنبات المختلف الطعوم والأراييج والأشكال والألوان، مع اتحاد طبيعة التربة والماء؛ استدل على وجود الصانع وقدرته العظيمة، وحكمته ورحمته بخلقه، ولطفه بهم، وإحسانه إليهم، وبره بهم، لا إله غيره ولا رب سواه، عليه توكلت وإليه أنيب، والآيات في القرآن الدالة على هذا المقام كثيرة جداً ].

    1.   

    الأسئلة

    قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة:21-22].

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ شرع تبارك وتعالى في بيان وحدانية ألوهيته بأنه تعالى هو المنعم على عبيده بإخراجهم من العدم إلى الوجود، وإسباغه عليهم بالنعم الظاهرة والباطنة، بأن جعل لهم الأرض فراشاً، أي: مهداً كالفراش مقررة موطأة مثبتة بالرواسي الشامخات، وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وهو السقف، كما قال في الآية الأخرى: وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ[الأنبياء:32]، وأنزل لهم من السماء ماء -والمراد به السحاب هاهنا- في وقته عند احتياجهم إليه، فأخرج لهم به من أنواع الزروع والثمار ما هو مشاهد، رزقاً لهم ولأنعامهم، كما قرر هذا في غير موضع من القرآن.

    ومن أشبه آية بهذه الآية قوله تعالى: اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ[غافر:64]، ومضمونه أنه الخالق الرازق مالك الدار وساكنيها ورازقهم، فبهذا يستحق أن يعبد وحده ولا يشرك به غيره، ولهذا قال: (فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون) ].

    أول أمر في القرآن الكريم هو هذه الآية: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ[البقرة:21]، وفي الآيات السابقة بيان أوصاف المؤمنين، وأوصاف الكفار ظاهراً وباطناً، وأوصاف المنافقين، ثم بعد ذلك وجه الله سبحانه وتعالى الأمر إلى عباده المؤمنين بأن يعبدوه فقال: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ أي: وحدوه وأخلصوا له العبادة، وبيَّن سبحانه وتعالى أنه مستحق للعبادة؛ لما له من النعم العظيمة، فقد أوجد الخلق من العدم، وأسبغ عليهم نعمه الظاهرة والباطنة.

    وقوله هنا: (اعبدوا ربكم) فيه توحيد العبادة، وقد استدل عليه بتوحيد الربوبية، فتوحيد الربوبية دليل على توحيد الإلهية، فالذي خلقكم وأوجدكم من العدم ورباكم بنعمه وأسبغ عليكم نعمه هو المستحق للعبادة وحده دون ما سواه؛ لأنه المنعم والمتفضل والخالق، ويستحق العبادة لما له من الأسماء الحسنى والصفات العظيمة، فهو سبحانه وتعالى الحميد الرازق الرزاق المدبر الخالق المحيي المميت، ولأنه سبحانه وتعالى هو الذي أوجد الخلق من العدم، وأسبغ عليهم نعمه ظاهرة وباطنة.

    وكثيراً ما يدلل سبحانه وتعالى على استحقاقه للعبادة بتوحيد الربوبية كما في هاتين الآيتين.

    وفي سورة النمل دلل سبحانه وتعالى في آيات متعددة على استحقاقه للعبادة بتوحيد الربوبية، قال تعالى: قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ * أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً [النمل:59-60].

    ثم قال: أَمَّنْ جَعَلَ الأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلالَهَا أَنْهَارًا ...[النمل:61] الآية، وقال: أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ...[النمل:62] الآية، وفي كل آية يقول: أإله مع الله، وقال: أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ * أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ [النمل:63-64].

    وفي هذه الآية قال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ[البقرة:21] أي: كما أنكم -أيها المشركون- تقرون بأن الله هو الخالق والرازق والمدبر، وهو الذي أنزل من السماء ماءً، وهو المنعم على عباده، فتقرون بهذا كله ولا تنكرونه، فأفردوه بالعبادة، فلماذا تشركون معه غيره؟! ولماذا لا تفردونه بالعبادة؟!

    فائدة: توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات واحد؛ لأن فيهما إثبات حقيقة ذات الرب وأسمائه وصفاته، وهو التوحيد العلمي الخبري، وأما توحيد الإلهية فتوحيد ثانٍ، وهذا هو الأصل كما قال هذا شيخ الإسلام ابن تيمية في كتاب (التدمرية) وغيره، لكن لما كثر الاشتباه في الأسماء والصفات فأنكرت المعطلة الأسماء والصفات، فصل العلماء توحيد الأسماء والصفات عن توحيد الربوبية وجعلوه قسماً مستقلاً، وإلا فهما شيء واحد.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ فبهذا يستحق أن يعبد وحده ولا يشرك به غيره، ولهذا قال: فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ.

    وفي الصحيحين عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قلت: (يا رسول الله! أي الذنب أعظم عند الله؟ قال: أن تجعل لله نداً وهو خلقك) الحديث.

    وكذا حديث معاذ : (أتدري ما حق الله على عباده؟ أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً) الحديث ].

    في حديث معاذ : (أتدري ما حق الله على العباد، وما حق العباد على الله؟ فقال معاذ

    : الله ورسوله أعلم، قال: حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، وحق العباد على الله أن لا يعذبهم).

    ففي حديث معاذ بيان للحقين: الحق الأول: حق الله، وهو حق إيجاب وإلزام، وليس للإنسان فيه خيرة، بل هو عبد لله مخلوق لعبادة الله، وأما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك فهو حق تفضل وإكرام منه سبحانه وتعالى، وهذا هو الحق الثاني، وقد أوجبه سبحانه على نفسه ولم يوجبه عليه أحد؛ لأنه ليس فوقه أحد سبحانه وتعالى، فأوجبه على نفسه من نفسه ولم يوجبه عليه أحد، كما كتب على نفسه الرحمة، وكما حرم على نفسه الظلم، فحرم على نفسه من نفسه، وكتب على نفسه الرحمة تفضلاً منه وإحساناً، كما قال القائل:

    ما للعباد عليه حق واجب كلا ولا سعي لديه ضائع

    إن عذبوا فبعدله أو نعموا فبفضله وهو الكريم الواسع

    حكم الدولة الحاكمة بغير ما أنزل الله

    السؤال: هل الدولة التي تحكم بغير ما أنزل الله كافرة؟

    الجواب: هذا فيه كلام لأهل العلم، فبعض أئمة الدعوة يرى أن العبرة بالحكومة، وأنه إذا كانت الحكومة كافرة تسمى البلاد بلاد كفر، هذا إذا كانت لا تحكم شرع الله، وبعضهم يرى أن العبرة بالمسلمين وبالشعب، والشعب أكثر الناس.

    حكم الهجرة من بلاد المعاصي والبدع

    السؤال: ما حكم الانتقال من بلاد أهل البدع مثل الروافض إلى بلاد السنة؟

    الجواب: هذا مستحب عند أهل العلم، فالهجرة من بلد تكثر فيه المعاصي مستحبة، وذلك إذا لم يستطع تغييرها ولم يكن له تأثير، أما إذا كان له تأثير في تغييرها فطيب بقاؤه فيها، مثل أن يكون داعية، حتى في بلاد الكفار، فإذا كان داعية يسلم على يديه خلق كثير، فهذا شيء طيب، أما إذا خشي على نفسه فالهجرة من بلاد الكفار واجبة، والهجرة من بلد تكثر فيه المعاصي مستحبة.