إسلام ويب

تفسير سورة البقرة [13-16]للشيخ : عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • قد يدعى المنافقون إلى الإيمان فيظهرونه ليحقنوا بذلك دماءهم وأموالهم وليجدوا الملجأ الآمن في دولة المسلمين، وفي كوامن أنفسهم الهزء بالله ورسوله والمؤمنين، ولذا كان جزاؤهم من جنس عملهم، حيث تولى الله تعالى إمدادهم في طغيانهم وإملاءً لهم هزءاً بهم في الدنيا، ثم يعاقبهم بجنس عملهم على الصراط يوم القيامة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس...)

    قال الله تعالى: وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لا يَعْلَمُونَ [البقرة:13].

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ يقول الله تعالى: وإذا قيل للمنافقين: آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ [البقرة:13] أي: كإيمان الناس بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت والجنة والنار، وغير ذلك مما أخبر المؤمنين به وعنه، وأطيعوا الله ورسوله في امتثال الأوامر وترك الزواجر قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ [البقرة:13] يعنون -لعنهم الله- أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رضي الله عنهم، قاله أبو العالية والسدي في تفسيره بسنده عن ابن عباس وابن مسعود وغير واحد من الصحابة، وبه يقول الربيع بن أنس وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغيرهم، يقولون: أنصير نحن وهؤلاء بمنزلة واحدة وعلى طريقة واحدة وهم سفهاء؟! ].

    وهذا أيضاً من أوصافهم، وهو أنهم يسمون الإيمان سفهاً، ومن أوصافهم إظهار الإسلام وإبطان الكفر، ومن صفاتهم الخداع، وكذلك الحقد.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ والسفهاء جمع سفيه، كما أن الحكماء جمع حكيم، والحلماء جمع حليم، والسفيه هو الجاهل الضعيف الرأي، القليل المعرفة بمواضع المصالح والمضار، ولهذا سمى الله النساء والصبيان سفهاء في قوله تعالى: وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا [النساء:5] قال عامة علماء السلف: هم النساء والصبيان.

    وقد تولى الله سبحانه جوابهم في هذه المواطن كلها فقال: أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ [البقرة:13] فأكد وحصر السفاهة فيهم، وَلَكِنْ لا يَعْلَمُونَ [البقرة:13] يعني: ومن تمام جهلهم أنهم لا يعلمون بحالهم في الضلالة والجهل، وذلك أردى لهم وأبلغ في العمى والبعد عن الهدى ].

    هذا فيه تأكيد، كقوله تعالى: أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ [البقرة:12]، لأن الله تعالى أكد ذلك بـ (إن) والجملة الاسمية، وهذان المؤكدان يفيدان الحصر، أي: حصر السفه فيهم، وحصر الفساد فيهم.

    و(أل) في قوله: (المفسدون) و(السفهاء) مؤكدة كذلك تدل على المبالغة، وأن الفساد محصور فيهم لا يتجاوزهم إلى غيرهم، والسفه كذلك.

    وهل هناك أعظم سفهاً وفساداً من شخص يظهر الإسلام ويبطن الكفر ويعمل بما يكون سبباً في هلاكه في الدنيا والآخرة، ولا يستفيد في الدنيا شيئاً، فهو في الدنيا معرض للقتل، ومعرض للخزي والعار، وفي الآخرة محقق هلاكه؟! هذا أعظم سفه، نسأل الله السلامة والعافية.

    وقوله تعالى: (ولكن لا يعلمون) أي: لا يعلمون أنهم سفهاء، فالعقل كل العقل في الإيمان بالله ورسوله، وفي تخليص الإنسان نفسه من عذاب الله.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا...)

    قال الله تعالى: وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ * اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ [البقرة:14-15] .

    هذا -أيضاً- من أوصافهم، وهو أن لهم وجهاً عند المؤمنين ولهم وجهاً آخر مع أصحابهم، فإذا جاءوا إلى المؤمنين أظهروا الإيمان، وإذا خلا بعضهم إلى بعض أظهروا ما هم عليه من الكفر، فلهم وجهان، ويتلونون بلونين: لون عند المؤمنين ولون عند الكافرين، نسأل الله العافية.

    فهم إذا ذهبوا إلى اليهود، أو إلى أصحابهم، أو إلى المشركين أظهروا الكفر، وإذا جاءوا إلى المؤمنين أظهروا الإيمان، وإنما فعلوا ذلك لتسلم نفوسهم، ولتسلم أموالهم؛ لأنهم لو أظهروا الكفر لقتلوا، وسبيت أموالهم، فيظهرون الإسلام حتى تجرى عليهم أحكام الإسلام ويسلموا من القتل.

    قال المصنف رحمه الله: [ وإذا لقي هؤلاء المنافقون المؤمنين قالوا آمنا، وأظهروا لهم الإيمان والموالاة والمصافاة غروراً منهم للمؤمنين ونفاقاً ومصانعةً وتقية، وليشركوهم فيما أصابوا من خير ومغنم ].

    أي أنهم إنما يفعلون ذلك لكي تجرى عليهم أحكام الإسلام، فهم يصلون مع النبي صلى الله عليه وسلم ويجاهدون معه، فإذا جاهدوا حصل لهم ما حصل للمؤمنين من الغنيمة، فهم لهذا يظهرون الإسلام حتى تسلم نفوسهم وأموالهم، وحتى يشاركوا المسلمين في المغانم والغزوات والسرايا.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ [البقرة:14] يعني: وإذا انصرفوا وذهبوا وخلصوا إلى شياطينهم. فضمن (خلوا) معنى: (انصرفوا) لتعديته بـ (إلى)؛ ليدل على الفعل المضمر والفعل الملفوظ به.

    ومنهم من قال: (إلى) هنا بمعنى: (مع) والأول أحسن، وعليه يدور كلام ابن جرير .

    وقال السدي عن أبي مالك : (خلوا) يعني: مضوا، و(شياطينهم) يعني: سادتهم وكبراءهم ورؤساءهم من أحبار اليهود ورءوس المشركين والمنافقين.

    قال السدي في تفسيره عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة عن ابن مسعود عن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ [البقرة:14] يعني: هم رءوسهم من الكفر.

    وقال الضحاك عن ابن عباس : (وإذا خلوا إلى أصحابهم) وهم شياطينهم.

    وقال محمد بن إسحاق عن محمد بن أبي محمد عن عكرمة -أو سعيد بن جبير- عن ابن عباس : وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ [البقرة:14] من يهود الذين يأمرونهم بالتكذيب وخلاف ما جاء به الرسول. وقال مجاهد : وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ [البقرة:14]: إلى أصحابهم من المنافقين والمشركين.

    وقال قتادة : وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ [البقرة:14] قال: إلى رءوسهم وقادتهم في الشرك والشر. وبنحو ذلك فسره أبو مالك وأبو العالية والسدي والربيع بن أنس .

    قال ابن جرير : وشياطين كل شيء مردته، ويكون الشيطان من الإنس والجن، كما قال تعالى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا [الأنعام:112] ].

    فالشيطان هو كل من تمرد من البشر والدواب والجن، فالكافر شيطان، ومن أسلم من الجن لا يسمى شيطاناً، ولهذا جاء في الحديث: (يقطع صلاة الرجل -إذا لم يكن بين يديه قيد آخرة الرحل- الحمار والكلب الأسود والمرأة)، فقال الراوي لـأبي ذر : ما بال الأسود من الأحمر من الأصفر من الأبيض؟ فقال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (الكلب الأسود شيطان).

    فهو شيطان لأنه متمرد خرج عن طبيعته، فكل جنس له شياطينه، وهم المتمردون الخارجون عن طبيعة جنسهم بالأذى، ولهذا قال تعالى: شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ [الأنعام:112].

    والجن فيهم شياطين، وهم الكفرة، ومن أسلم منهم لا يسمى شيطاناً، والإنس فيهم شياطين، وهم المتمردون من الفسقة وأهل الشر وأهل الكفر والضلال.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وفي المسند عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (نعوذ بالله من شياطين الإنس والجن. فقلت: يا رسول! أوللإنس شياطين؟! قال: نعم) ].

    الحديث أخرجه الإمام أحمد رحمه الله تعالى فقال: حدثنا وكيع حدثنا المسعودي أنبأني أبو عمر الدمشقي عن عبيد بن الخشخاش عن أبي ذر قال: (أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في المسجد فجلست فقال: يا أبا ذر ! هل صليت؟ قلت: لا. قال: قم فصل، قال: فقمت فصليت ثم جلست، فقال: يا أبا ذر ! تعوذ بالله من شر شياطين الإنس والجن. قال: قلت: يا رسول الله! وللإنس شياطين؟! قال: نعم)، وذكر الحديث.

    و المسعودي ضعيف واختلط، ولكن لا شك في أن من الإنس شياطين، كما في الآية: شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ [الأنعام:112].

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقوله تعالى: قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ [البقرة:14] قال محمد بن إسحاق عن محمد بن أبي محمد عن عكرمة -أو سعيد بن جبير- عن ابن عباس رضي الله عنهما: أي: إنا على مثل ما أنتم عليه إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ [البقرة:14] أي: إنما نحن نستهزئ بالقوم ونلعب بهم.

    وقال الضحاك عن ابن عباس : إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ [البقرة:14] ساخرون بأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم. وكذلك قال الربيع بن أنس وقتادة ].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (الله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون)

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله تعالى جواباً لهم ومقابلة على صنيعهم: اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ [البقرة:15].

    وقال ابن جرير : أخبر الله تعالى أنه فاعل بهم ذلك يوم القيامة في قوله تعالى: يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ [الحديد:13]، وقوله تعالى: وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ [آل عمران:178].

    قال: فهذا وما أشبهه من استهزاء الله -تعالى ذكره- وسخريته ومكره وخديعته للمنافقين وأهل الشرك به عند قائل هذا القول ومتأول هذا التأويل ].

    أي أن قوله تعالى: اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ [البقرة:15] معناه: أنه يجازيهم على استهزائهم في مقابل أعمالهم، وهو كقوله تعالى: وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ [آل عمران:54] وهذا من باب الخبر.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ قال: وقال آخرون: بل استهزاؤه بهم توبيخه إياهم، ولومه لهم على ما ركبوا من معاصيه، والكفر به.

    قال: وقال آخرون: هذا وأمثاله على سبيل الجواب، كقول الرجل لمن يخدعه إذا ظفر به: أنا الذي خدعتك ولم تكن منه خديعة، ولكن قال ذلك إذ صار الأمر إليه، قالوا: وكذلك قوله: وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ [آل عمران:54]، وقوله: اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ [البقرة:15] على الجواب، والله لا يكون منه المكر ولا الهزء، والمعنى أن المكر والهزء حاق بهم.

    وقال آخرون: قوله: إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ * اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ [البقرة:14-15]، وقوله: يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ [النساء:142]، وقوله: فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ [التوبة:79]، وقوله: نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ [التوبة:67] وما أشبه ذلك إخبار من الله تعالى أنه يجازيهم جزاء الاستهزاء، ويعاقبهم عقوبة الخداع، فأخرج خبره عن جزائه إياهم وعقابه لهم مخرج خبره عن فعلهم الذي عليه استحقوا العقاب في اللفظ، وإن اختلف المعنيان، كما قال تعالى: وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا [الشورى:40]، وقوله تعالى: فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ [البقرة:194]، فالأول ظلم والثاني عدل، فهما وإن اتفق لفظاهما فقد اختلف معناهما ].

    وعلى هذا يكون هذا من باب الخبر عن الله، ولا يشتق من هذا صفات لله، ولا يقال: إن من صفات الله: المستهزئ، أو الساخر، أو الماكر، أو الكائد، وإنما هذا من باب المقابلة والإخبار، أي أن الله تعالى يقابلهم ويجازيهم على أعمالهم السيئة.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ قال: وإلى هذا المعنى وجهوا كل ما في القرآن من نظائر ذلك.

    قال: وقال آخرون: إن معنى ذلك أن الله أخبر عن المنافقين أنهم إذا خلوا إلى مردتهم قالوا: إنا معكم على دينكم في تكذيب محمد صلى الله عليه وسلم وما جاء به، وإنما نحن بما نظهر لهم من قولنا لهم: (صدقنا بمحمد -عليه السلام- وما جاء به) مستهزئون، فأخبر الله تعالى أنه يستهزئ بهم فيظهر لهم من أحكامه في الدنيا -يعني: من عصمة دمائهم وأموالهم- خلاف الذي لهم عنده في الآخرة، يعني: من العذاب والنكال ].

    1.   

    إملاء الله تعالى وزيادته للمنافقين في طغيانهم

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ثم شرع ابن جرير يوجه هذا القول وينصره؛ لأن المكر والخداع والسخرية على وجه اللعب والعبث منتف عن الله عز وجل بالإجماع، وأما على وجه الانتقام والمقابلة بالعدل والمجازاة فلا يمتنع ذلك، قال: وبنحو ما قلنا فيه روي الخبر عن ابن عباس، حدثنا أبو كريب حدثنا عثمان حدثنا بشر عن أبي روق عن الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ [البقرة:15] قال: يسخر بهم للنقمة منهم، وقوله تعالى: وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ [البقرة:15] قال السدي : عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود وعن أناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: (يمدهم) يملي لهم، وقال مجاهد : يزيدهم، وقال تعالى: أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لا يَشْعُرُونَ [المؤمنون:55-56].

    وقال: سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ [الأعراف:182] قال بعضهم: كلما أحدثوا ذنباً أحدث لهم نعمة، وهي في الحقيقة نقمة، وقال تعالى: فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ * فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الأنعام:44-45].

    قال ابن جرير : والصواب: نزيدهم على وجه الإملاء والترك لهم في عتوهم وتمردهم، كما قال تعالى: وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ [الأنعام:110].

    والطغيان: هو المجاوزة في الشيء، كما قال تعالى: إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ [الحاقة:11].

    وقال الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما: فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ [البقرة:15]: في كفرهم يترددون. وكذا فسره السدي بسنده عن الصحابة، وبه يقول أبو العالية وقتادة والربيع بن أنس ومجاهد وأبو مالك وعبد الرحمن بن زيد : في كفرهم وضلالتهم.

    قال ابن جرير : والعمه: الضلال، يقال: عمه فلان يعمه عمهاً وعموهاً: إذا ضل. قال: وقوله: فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ [البقرة:15] في ضلالتهم وكفرهم الذي غمرهم دنسه وعلاهم رجسه يترددون حيارى ضلالاً لا يجدون إلى المخرج منه سبيلاً؛ لأن الله قد طبع على قلوبهم وختم عليها، وأعمى أبصارهم عن الهدى وأغشاها، فلا يبصرون رشداً ولا يهتدون سبيلاً.

    وقال بعضهم: العمى في العين، والعمه في القلب. وقد يستعمل العمى في القلب أيضاً، قال الله تعالى: فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ [الحج:46] وتقول: عمه الرجل، يعمه عموهاً فهو عمه وعامه وجمعه: عُمَّه، وذهبت إبله العمهاء: إذا لم يدر أين ذهبت ].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى...)

    قال الله تعالى: أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ [البقرة:16].

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال السدي في تفسيره عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما وعن مرة عن ابن مسعود رضي الله عنه وعن ناس من الصحابة: أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى [البقرة:16] قال: أخذوا الضلالة وتركوا الهدى.

    وقال ابن إسحاق عن محمد بن أبي محمد عن عكرمة -أو سعيد بن جبير- عن ابن عباس : أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى [البقرة:16] أي: الكفر بالإيمان ].

    معنى (اشتروا) اعتاضوا، أي: أخذوا هذا عوضاً عن هذا، حيث أخذوا الضلالة وتركوا الهدى، فاعتاضوا عن الهدى بالضلالة، كحال المشتري، فإنه يعتاض عن المبيع بالثمن.

    وهؤلاء -والعياذ بالله- اعتاضوا عن الهدى بالضلالة، أي: أخذوا الضلالة وتركوا الهدى.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقال مجاهد : آمنوا ثم كفروا. وقال قتادة : استحبوا الضلالة على الهدى، وهذا الذي قاله قتادة يشبهه في المعنى قوله تعالى في ثمود: وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى [فصلت:17] ].

    والمراد بالهداية هنا هداية الدلالة والإرشاد، فقوله تعالى: (هديناهم) يعني: دللناهم، مثل قوله: وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ [البلد:10] يعني: بينا له طريق الخير وطريق الشر؛ لأن الهداية نوعان: هداية دلالة وإرشاد، وهداية توفيق وتسديد، فالله تعالى ما سددهم ولا وفقهم، ولكن هداهم هداية الدلالة والإرشاد، أي: أوضح لهم الحق، لكنه خذلهم ولم يوفقهم، فلهذا ضلوا فاستحبوا العمى على الهدى.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وحاصل قول المفسرين فيما تقدم أن المنافقين عدلوا عن الهدى إلى الضلال، واعتاضوا عن الهدى بالضلالة، وهو معنى قوله تعالى: أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى [البقرة:16] أي: بذلوا الهدى ثمناً للضلالة، وسواء في ذلك من كان منهم قد حصل له الإيمان ثم رجع عنه إلى الكفر، كما قال تعالى فيهم: ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ [المنافقون:3] أو أنهم استحبوا الضلالة على الهدى كما يكون حال فريق آخر منهم؛ فإنهم أنواع وأقسام، ولهذا قال تعالى: فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ [البقرة:16] ].

    المنافقون أقسام: فمنهم من كان مؤمناً ثم ارتد، ومنهم من كان عنده إيمان ضعيف يأتي مرة ويذهب أخرى، ومنهم من عنده شك وتردد وريب، ومنهم من هو كافر ثابت على الكفر، نسأل الله السلامة والعافية.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ولهذا قال تعالى: فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ [البقرة:16] أي: ما ربحت صفقتهم في هذه البيعة وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ [البقرة:16] أي: راشدين في صنيعهم ذلك.

    وقال ابن جرير : حدثنا بشير حدثنا يزيد حدثنا سعيد عن قتادة : فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ [البقرة:16] قد -والله- رأيتموهم خرجوا من الهدى إلى الضلالة، ومن الجماعة إلى الفرقة، ومن الأمن إلى الخوف، ومن السنة إلى البدعة. وهكذا رواه ابن أبي حاتم من حديث يزيد بن زريع عن سعيد عن قتادة بمثله سواء ].

    1.   

    الأسئلة

    حكم القول بترك ذكر النفاق في هذا العصر بدعوى ترك ما يؤدي إلى الفرقة

    السؤال: هناك من ينفي وجود المنافقين ويقول: إن الحديث عن وجودهم يسبب الفرقة بين الأمة الإسلامية، فما هو قولكم في ذلك؟

    الجواب: المنافقون موجودون، والمنافقون عندما يكونون في المجتمع الإسلامي القوي يبطنون الكفر ويظهرون الإسلام خوفاً على أنفسهم، ولهذا فإنه قبل أن يهاجر النبي صلى الله عليه وسلم من مكة لم يكن هناك منافقون؛ لأن الكفار كانوا أقوياء يظهرون الكفر، وكذلك بعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم، فلما حصلت غزوة بدر وقتل من صناديد قريش سبعون وأسر سبعون قال عبد الله بن أبي : هذا أمر توجه. ثم أظهر الإسلام وأبطن الكفر خوفاً على نفسه، فإذا كان المسلمون أقوياء كثيرين أخفوا نفاقهم وصاروا يتسترون.

    وإذا كانوا موجودين في زمن النبي صلى الله عليه وسلم فهم موجودون الآن وبشدة، وهم العلمانيون الذين ينشرون في الصحف وغيرها الطعن في الإسلام وفي المسلمين، ومنهم الحداثيون الذين يطعنون في الإسلام ويقولون: إنه تراث.

    وكذلك الذين يطعنون في علماء السنة وفي كتب أهل السنة، ولهم نوادٍ ومجالس، وهم موجودون الآن، وهذا الكلام من الواقع.

    والذي يقول: إن هذا فيه تفريق للأمة؛ فقوله معناه الدعوة إلى الكفر، فهو يريد أن يجمع الناس على الكفر، وهذا يدل على عدم التوحيد والإيمان والإسلام، لأنهم يريدون أن تجتمع الأمة على الكفر، وهذه هي العولمة التي تريد أن يكون العالم قرية واحدة، ومن هذا القبيل الدعوة إلى وحدة الأديان، وإلى التآخي بين الأديان، وقد دعا هؤلاء إلى مؤتمر التآخي بين الأديان الثلاثة: الإسلام واليهودية والنصرانية، ولما اجتمعوا قالوا: إنها كلها أديان سماوية، فينبغي أن يكون في كل بلد وفي كل مطار مسجد وكنيسة ومعبد لليهود تحت سقف واحد، وتطبع التوراة والإنجيل والقرآن باسم واحد، وهذه دعوة إلى الكفر، والعياذ بالله.

    وقد كتبت اللجنة الدائمة بياناً في كفر من يدعو إلى هذا.

    فإذا قالوا بأن هذا تفريق للأمة، قلنا: هذه العولمة دعوة إلى الكفر، ونحن نريد أن نفرق بين المسلم والكافر، لأن هذا من الولاء والبراء في ديننا.

    فإن سأل سائل: هل يوصف المُعيَّن بالنفاق؟

    فالجواب: لا يوصف إلا من ظهر منه ما يدل على ذلك، فهذا حاطب بن أبي بلتعة لما كتب إلى المشركين كتاباً يخبرهم بمجيء الرسول صلى الله عليه وسلم، قال عمر : دعني أضرب عنق هذا المنافق، فإنه قد خان الله ورسوله. فلم ينكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه معذور، ومثل ذلك ما جرى في حادثة الإفك من عبد الله بن أبي لما تكلم في تلك الحادثة، فخطب النبي صلى الله عليه وسلم الناس على المنبر فقال: (من يعذرني في رجل بلغني أذاه في أهلي، والله ما علمت على أهلي إلا خيراً. فقام سعد بن معاذ فقال: أنا أعذرك منه يا رسول الله، إن كان من الأوس ضربنا عنقه، وإن كان من إخواننا الخزرج أمرتنا ففعلنا بأمرك. فقام سعد بن عبادة وكان سيد الخزرج فقال: لا تفعل ولا تقدر على ذلك، ولو كان من رهطك لما فعلت. فقال له أسيد بن حضير : إنك منافق تجادل عن المنافقين. وجعل النبي يخفضهم على المنبر، قالت عائشة: وكان قبل ذلك رجلاً صالحاً، ولكن احتملته الحمية) رواه البخاري .

    فقوله: (إنك منافق تجادل عن المنافقين) لأنه ظهر منه هذا الكلام، فصار معذوراً.

    فالمقصود أن العلماء أخذوا من هذا أنه إذا وجد من المرء ما يدل على ذلك فرماه شخص بالنفاق فإنه يكون معذوراً، وأما إذا كان بدون دليل ولا سبب فهذا مثلما جاء في الحديث: (إذا قال الرجل لأخيه: (يا كافر) فقد باء بها أحدهما)، فلا يجوز البغي لكن إذا ظهر منه دلالة فرماه أحد بالنفاق فإنه يعذر، وقد لا يكون منافقاً، لكن الذي رماه يكون معذوراً؛ لأنه تكلم بما ظهر له، وأما أن يأتي شخص ويقول للآخر: يا كافر أو يا فاسق بدون سبب فهذا هو الذي عليه الإثم.

    والوصف بالنفاق بدون دليل يأخذ أحكام التكفير، فهو يشبه قوله صلى الله عليه وسلم: (إذا قال الرجل لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما) كما تقدم.