إسلام ويب

تفسير سورة البقرة [10-12]للشيخ : عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • حقيقة المنافقين هي الكفر بالله تعالى، والكفر يقتضي قتل صاحبه إن لم يتخل عنه وهو بين ظهراني المسلمين، إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم ترك ذلك خشية فرار الناس من الإسلام بحجة قتله أصحابه دون علمهم بحقيقة الحال، ولاشك في أن المنافقين أفسد الناس على الأرض وأكثرهم هزءاً بالإسلام، ولذا لن ينفعهم جريان حكم الإسلام عليهم في الدنيا وترك قتلهم في نجاتهم من عذاب الله تعالى يوم القيامة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضاً...)

    قال الله تعالى: فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ [البقرة:10].

    قال المصنف رحمه الله: [قال السدي : عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود وعن أناس من الصحابة في هذه الآية: (في قلوبهم مرض) قال: شك، (فزادهم الله مرضاً) قال: شكاً.

    وقال ابن إسحاق : عن محمد بن أبي محمد عن عكرمة -أو سعيد بن جبير- عن ابن عباس : (في قلوبهم مرض) قال: شك. وكذلك قال مجاهد وعكرمة والحسن البصري وأبو العالية والربيع بن أنس وقتادة .

    وعن عكرمة وطاوس (في قلوبهم مرض) يعني: الرياء.

    وقال الضحاك عن ابن عباس : (في قلوبهم مرض) قال: نفاق. (فزادهم الله مرضاً) قال: نفاقاً، وهذا كالأول.

    وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : (في قلوبهم مرض) قال: هذا مرض في الدين وليس مرضاً في الأجساد، وهم المنافقون، والمرض: الشك الذي دخلهم في الإسلام، (فزادهم الله مرضاً) قال: زادهم رجساً ].

    أي: أن مرضهم كان في الدين، وهو مرض النفاق والشبهة والشك والحيرة، نعوذ بالله.

    والمرض يأتي في القرآن بمعنيين: مرض الشهوة، ومرض الشبهة، والمراد هنا مرض الشبهة والشك، أما مرض المعصية فكما في قوله تعالى: فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ [الأحزاب:32] يعني: (شهوة المعصية).

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقرأ: فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ [التوبة:124-125]، قال: شراً إلى شرهم، وضلالة إلى ضلالتهم.

    وهذا الذي قاله عبد الرحمن رحمه الله حسن، وهو الجزاء من جنس العمل، وكذلك قاله الأولون، وهو نظير قوله تعالى أيضاً: وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ [محمد:17].

    وقوله: بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ [البقرة:10] وقرئ: (يُكَذِّبِون) وقد كانوا متصفين بهذا وهذا؛ فإنهم كانوا كذبة ويُكَذِّبِون بالغيب يجمعون بين هذا وهذا ].

    أي: فهم كذبة في أنفسهم، وكانوا يكذبون بالغيب؛ لأنهم لم يؤمنوا، فقلوبهم مكذبة، فهم كذبة في دعواهم الإيمان، وهم مكذبون بالغيب، فجمعوا بين الشرين، نعوذ بالله.

    1.   

    بيان سبب ترك النبي صلى الله عليه وسلم قتل المنافقين

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقد سئل القرطبي وغيره من المفسرين عن حكمة كفه عليه الصلاة والسلام عن قتل المنافقين مع علمه بأعيان بعضهم، وذكروا أجوبة عن ذلك، منها: ما ثبت في الصحيحين أنه صلى الله عليه وسلم قال لـعمر رضي الله عنه: (أكره أن يتحدث العرب أن محمداً يقتل أصحابه)، ومعنى هذا خشية أن يقع بسبب ذلك تغير لكثير من الأعراب ].

    أي أن الناس يفرون من الإسلام؛ لأنهم لا يدرون ولا يعلمون بحال المنافقين، فإذا قتل المنافقون وهم يظهرون الإسلام ويعيشون بين المسلمين قال من لا يعلم بحالهم: محمد يقتل أصحابه! فلذلك ترك النبي صلى الله عليه وسلم قتلهم.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ولا يعلمون حكمة قتله لهم، وأن قتله إياهم إنما هو على الكفر، فإنهم إنما يأخذونه بمجرد ما يظهر لهم، فيقولون: إن محمداً يقتل أصحابه.

    قال القرطبي : وهذا قول علمائنا وغيرهم، كما كان يعطي المؤلفة مع علمه بسوء اعتقادهم.

    قال ابن عطية : وهي طريقة أصحاب مالك ، نص عليه محمد بن الجهم والقاضي إسماعيل والأبهري وعن ابن الماجشون ، ومنها ما قال مالك : إنما كف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المنافقين ليبين لأمته أن الحاكم لا يحكم بعلمه ].

    وهذا قول آخر فيما يتعلق بترك قتل المنافقين، إذ القول الأول هو أنه ترك قتلهم لئلا ينفر الناس من الإسلام، والثاني له تعلق بالحكام والقضاة، وهو أن الحاكم لا يحكم بعلمه، فالرسول صلى الله عليه وسلم كان يعلم أنهم منافقون، ولكن لم يحكم فيهم بعلمه.

    ومثال ذلك: إذا كان القاضي في البلد يعلم أنه حصل من فلان كذا وكذا، ثم جاءوا يتخاصمون إليه، وهو يعلم أن هذا الشخص له حق على هذا الشخص وأنكر، ولم يكن عند المدعي بينة، فهل يحكم بعلمه أم لا يحكم بعلمه؟

    والجواب: لا يحكم بعلمه ولو كان يعلم، فيقول للمدعي: ائت بالبينة. فإن لم يكن له بينة توجهت اليمين على المدعى عليه، ولا يحكم بعلمه، والمسألة خلافية، وفيها كلام بين أهل العلم.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ قال القرطبي : وقد اتفق العلماء عن بكرة أبيهم على أن القاضي لا يقتل بعلمه، وإن اختلفوا في سائر الأحكام. قال: ومنها ما قال الشافعي : إنما منع رسول الله صلى الله عليه وسلم من قتل المنافقين ما كانوا يظهرونه من الإسلام مع العلم بنفاقهم؛ لأن ما يظهرونه يجب ما قبله.

    ويؤيد هذا قوله عليه الصلاة والسلام في الحديث المجمع على صحته في الصحيحين وغيرهما: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم، إلا بحقها، وحسابهم على الله عز وجل).

    ومعنى هذا أن من قالها جرت عليه أحكام الإسلام ظاهراً، فإن كان يعتقدها وجد ثواب ذلك في الدار الآخرة، وإن لم يعتقدها لم ينفعه جريان الحكم عليه في الدنيا وكونه كان خليط أهل الإيمان ].

    وهذا أمر مشترك، وهو أن من أظهر الإسلام فإنه تجرى عليه أحكام الإسلام، فيعامل معاملة المسلمين في الزواج، وفي الصلاة عليه إذا مات وتغسيله ما دام أنه يظهر الإسلام، وإن كان يبطن الكفر، لكن لا ينفعه هذا في الآخرة، ولا يعصمه من النار.

    فهنا أقوال ثلاثة في شأن ترك النبي صلى الله عليه وسلم قتل المنافقين:

    الأول: خشية حصول التنفير عن الإسلام.

    الثاني: أن القاضي لا يحكم بعلمه.

    الثالث: أن الأحكام تجرى على الظاهر، وقد أظهروا الإسلام فتجرى عليهم، ولا ينظر إلى معتقدهم، ولهذا جاء في قصة الرجل الذي استاذه النبي صلى الله عليه وسلم في قتل رجل من المنافقين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: (أليس يصلي؟ قال: بلى ولا صلاة له، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أولئك الذين نهاني الله عن قتلهم)، وفي اللفظ الآخر: (إني لم أؤمر أن أنقب قلوب الناس ولا أن أشق بطونهم).

    فالأحكام تجرى على الظاهر، والسرائر موكولة إلى الله.

    وأما الصلاة على المنافق فقد ورد فيها قول الله تعالى: وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا .. [التوبة:84].

    وقد نزلت هذه الآية بعد أن صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على عبد الله بن أبي، ولكن ترك الصلاة عليه هو فيما إذا عرف كفره، لقوله تعالى: وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ [التوبة:84] فمن عرف كفره ونفاقه لا يصلى عليه، ومن لم يعلم حاله فإنه يصلى عليه.

    ومن هذا أخذ العلماء أنه يصلى على الفاسق؛ لأنه لا تنطبق عليه هذا العلة، فيصلى على الفاسق ويصلى خلفه على الصحيح.

    وإنما نهي عن الصلاة على الغال وقاتل نفسه من قبل أعيان الناس تنفيراً للأحياء من فعله، والفاسق إذا لم يوجد غيره، أو كان هو إمام المسلمين، أو كان يترتب على ترك الصلاة خلفه مفسدة فإنه يجوز أن يصلي خلفه.

    فإن وجد غيره فهل يصلى خلفه؟

    اختلف العلماء في الصلاة خلف الفاسق على قولين: فالحنابلة والمالكية يرون أنه لا تصح الصلاة خلفه، والشافعية والحنفية يرون صحة الصلاة خلفه.

    والصواب أن الصلاة خلفه صحيحة، والذين منعوا من الصلاة خلفه قالوا: لأنه يجب إنكار المنكر، ومن إنكار المنكر أن لا يصلى خلفه. ولكن الصواب الذي عليه المحققون أن تلبس المصلي بعدم الإنكار أمر خارج عن الصلاة.

    والقاعدة عند المحققين: أن المنهي عنه إذا كان خارجاً عن الصلاة فإنه لا يؤثر في الصلاة، كما لو صلى في ثوب مغصوب أو صلى في ثوب فيه صورة، أو صلى في أرض مغصوبة، أو توضأ بماء مغصوب، فتصح الصلاة على الصحيح من أقوال العلماء.

    وذهب الشافعي وجماعة إلى أن من صلى في ثوب مغصوب، أو صلى في ثوب فيه صورة، أو صلى في أرض مغصوبة لا تصح صلاته، والصواب أنها تصح، فله ثواب الصلاة وعليه إثم الغصب؛ لأن الجهة منفكة، بخلاف ما نهي عنه في الصلاة بخصوصها، فلو صلى في ثوب نجس لا تصح صلاته بالاتفاق؛ لأن الثوب النجس لو لبسه في غير الصلاة صح، بخلاف ثوب الحرير، فلا يجوز لبسه في الصلاة ولا فيها، والمغصوب لا يجوز في الصلاة ولا خارجها.

    أما الثوب النجس فإنه منهي عنه بالخصوص، فلا تصح الصلاة به؛ لأن المصلي يجب عليه أن يكون ثوبه طاهراً وبدنه طاهراً والبقعة التي يصلي عليها طاهرة.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ومعنى هذا أن من قالها جرت عليه أحكام الإسلام ظاهراً، فإن كان يعتقدها وجد ثواب ذلك في الدار الآخرة، وإن لم يعتقدها لم ينفعه جريان الحكم عليه في الدنيا وكونه كان خليط أهل الإيمان يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ [الحديد:14] الآية، فهم يخالطونهم في بعض المحشر فإذا حقت المحقوقية تميزوا منهم وتخلفوا بعدهم: وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ [سبأ:54] ولم يمكنهم أن يسجدوا معهم كما نطقت بذلك الأحاديث.

    ومنها ما قاله بعضهم أنه إنما لم يقتلهم لأنه كان لا يخاف من شرهم مع وجوده صلى الله عليه وسلم بين أظهرهم يتلو عليهم آيات الله مبينات، فأما بعده فيقتلون إذا أظهروا النفاق وعلمه المسلمون].

    قال العلماء: من سب النبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاته يقتل، ولا يعفى عنه، أما في حياته فإنه قد يعفو عن بعض المنافقين وعن بعض من يؤذونه.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ قال مالك : المنافق في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الزنديق اليوم. قلت: وقد اختلف العلماء في قتل الزنديق إذا أظهر الكفر هل يستتاب أم لا ؟ أو يفرق بين أن يكون داعية أم لا؟ أو يتكرر منه ارتداده أم لا؟ أو يكون إسلامه ورجوعه من تلقاء نفسه أو بعد أن ظهر عليه؟ على أقوال متعددة موضع بسطها وتقريرها وعزوها كتاب الأحكام ].

    من العلماء من قال: إن الزنديق لا تقبل توبته في الدنيا، أما في الآخرة فالأمر بينه وبين الله، فالله تعالى يقبل توبة الصادقين، لكن في الدنيا لا بد من أن يقتل.

    وقالوا: الزنديق والمنافق والساحر والساخر الذي يسخر من الدين وأهله، ومن تكررت ردته هؤلاء يقتلون في أحكام الدنيا ولا يستتابون، زجراً للناس عن هذا الكفر الغليظ، بخلاف المرتد بغير هذه الأمور.

    وقال آخرون من أهل العلم: إنه يستتاب أيضاً ولو كان كفره بالنفاق أو بتكرار الردة. وهذا محل نظر في التأمل عند الحاكم الشرعي.

    وحجة من قال: لا تقبل توبته أن علم الساحر لا ينزع من نفسه ولو ادعى التوبة، فلا بد من أن يقتل، لكن قال آخرون: بل ينظر، فإذا أظهر التوبة علينا أن نتركه حتى يظهر نفاقه مرة أخرى.

    وقوله: [ على أقوال متعددة موضع بسطها وتقريرها وعزوها كتاب الأحكام ]، هو كتاب الحافظ ابن كثير في الأحكام.

    1.   

    ذكر الخلاف في علم النبي صلى الله عليه وسلم بأعيان بعض المنافقين

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ تنبيه: قول من قال: كان عليه الصلاة والسلام يعلم أعيان بعض المنافقين إنما مستنده حديث حذيفة بن اليمان في تسمية أولئك الأربعة عشر منافقاً في غزوة تبوك، الذين هموا أن يفتكوا برسول الله صلى الله عليه وسلم في ظلماء الليل عند عقبة هناك، عزموا على أن ينفروا به الناقة ليسقط عنها، فأوحى الله إليه أمرهم، فأطلع على ذلك حذيفة ، ولعل الكف عن قتلهم كان لمدرك من هذه المدارك أو لغيرها، والله أعلم ].

    أي: اتفقوا ودبروا خطة في ظلام الليل على أن يجلبوا على الناقة ليسقط النبي صلى الله عليه وسلم.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ فأما غير هؤلاء فقد قال الله تعالى: وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ.. [التوبة:101] الآية.

    وقال تعالى: لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا * مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا [الأحزاب:60-61]، ففيها دليل على أنه لم يغر بهم ولم يدرك على أعيانهم، وإنما كان تذكر له صفاتهم فيتوسمها في بعضهم، ولم يدرك على أعيانهم، كما قال تعالى: وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ [محمد:30].

    وقد كان من أشهرهم بالنفاق عبد الله بن أبي بن سلول ].

    عبد الله بن أبي بن سلول هو رئيس المنافقين، وهو الذي تولى كبره في حادثة الإفك، كما قال تعالى: وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ [النور:11] نسأل الله السلامة والعافية.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقد شهد عليه زيد بن أرقم بذلك الكلام الذي سبق في صفات المنافقين، ومع هذا لما مات صلى عليه صلى الله عليه وسلم، وشهد دفنه كما يفعل ببقية المسلمين، وقد عاتبه عمر بن الخطاب رضي الله عنه فيه فقال: (إني أكره أن تتحدث العرب أن محمداً يقتل أصحابه)، وفي رواية في الصحيح: (إني خيرت فاخترت)، وفي رواية: (لو أعلم أني لو زدت على السبعين يغفر له لزدت) ].

    ما ذكره في شأن صلاة النبي صلى الله عليه وسلم ثابت في صحيح البخاري ، وذلك أن عبد الله بن أبي لما مات ودلي في حفرته جاء النبي صلى الله عليه وسلم فاستخرجه من حفرته ونفث فيه من ريقه وألبسه قميصه وصلى عليه.

    وحين أراد أن يصلي عليه جاء عمر وأخذ بثوبه فقال: أتصلي عليه وقد نهاك الله أن تصلي عليه؟! وكان رئيس المنافقين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إنما خيرني الله فقال: اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً [التوبة:80]وسأزيدها على سبعين)، وكان هذا قبل أن تنزل الآية: وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا [التوبة:84].

    وإنما فعل النبي صلى الله عليه وسلم هذا تأليفاً للأوس، ومراعاة لابنه عبد الله بن عبد الله بن أبي، وكان من خيار المؤمنين.

    وإنما ألبسه قميصه مكافأة له على إعطائه العباس قميصه؛ لأن العباس عم النبي صلى الله عليه وسلم كان طويلاً، فلما أسر يوم بدر لم يجد له صلى الله عليه وسلم قميصاً يناسبه إلا قميص عبد الله بن أبي فأعطاه قميصه، فكافأه النبي صلى الله عليه وسلم بإلباسه قميصه، ونفث فيه من ريقه لعل الله أن ينفعه بذلك، وصلى عليه وهو لم ينه عليه الصلاة والسلام بعد، ثم نزلت الآية بعد ذلك: وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ [التوبة:84] فلم يصل على منافق بعد ذلك عليه الصلاة والسلام.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض...)

    قال الله تعالى: وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ [البقرة:11-12].

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال السدي في تفسيره عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة الطيب الهمداني عن ابن مسعود وعن أناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ [البقرة:11] قال: هم المنافقون، أما (لا تفسدوا في الأرض) قال: الفساد هو الكفر والعمل بالمعصية ].

    هذه الآية في أوصاف المنافقين، وقد سبق الكلام على أن الله سبحانه وتعالى افتتح هذه السورة الكريمة ببيان صفات الطوائف الثلاث، وأن الله تعالى ابتدأها ببيان الطائفة الأولى وهم المؤمنون باطناً وظاهراً، وذكرهم في أربع آيات:الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاة وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالآخرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [البقرة:3-5].

    فبين سبحانه وتعالى أنهم أهل هداية وأهل فلاح بقوله تعالى: أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [البقرة:5] فهؤلاء حصلت لهم الهداية والفلاح.

    ثم ذكر الطائفة الثانية في آيتين، وهم الكفار باطناً وظاهراً، فقال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ [البقرة:6].

    ثم ذكر الطائفة الثالثة، وهم الكفار باطناً المظهرون للإسلام ظاهراً في ثلاث عشرة آية لشدة خطرهم، ولشدة التباسهم، وجلى الله تعالى صفاتهم في مواطن أخرى كثيرة من القرآن الكريم، ومنها في أثناء السورة في قوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ [البقرة:204]، وذكرهم -أيضاً- في سورة النساء، وفي سورة التوبة التي تسمى الفاضحة، فقد أكثر تعالى فيها من قوله: (ومنهم) حتى خشوا أن يسموا بأعيانهم، وكذلك في سورة النور، وفي سورة كاملة تسمى سورة المنافقون، وفي سورة محمد، وفي كثير من السور.

    فهنا بين الله سبحانه وتعالى أن المنافقين يظهرون الإسلام بألسنتهم، ويخفون الكفر بقلوبهم، وأن في قلوبهم مرض النفاق، ومن أوصافهم -كما في هذه الآية- أنهم يسمون الفساد صلاحاً، فيفسدون في الأرض بالمعاصي والكفر وإشاعة الفساد بين المؤمنين، ويسمون هذا صلاحاً.

    وهم موجودون في كثير من الأوقات، وهم في هذا الزمن -أيضاً- موجودون، وقد كانوا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم يسمون بالمنافقين، ثم بعد ذلك كانوا يسمون بالزنادقة، وفي هذا الزمن يسمون العالمانيين، فالعالماني هو المنافق الذي يظهر الإسلام ويبطن الكفر.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقال ابن جرير عن الربيع بن أنس عن أبي العالية في قوله تعالى: وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا [البقرة:11] قال: يعني: لا تعصوا في الأرض. وكان فسادهم ذلك معصية الله؛ لأنه من عصى الله في الأرض أو أمر بمعصية الله فقد أفسد في الأرض؛ لأن صلاح الأرض والسماء بالطاعة.

    وهكذا قال الربيع بن أنس وقتادة ، وقال ابن جريج عن مجاهد : وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ [البقرة:11] قال: إذا ركبوا معصية الله فقيل لهم: لا تفعلوا كذا وكذا قالوا: إنما نحن على الهدى مصلحون.

    وقد قال وكيع وعيسى بن يونس وعثمان بن علي عن الأعمش عن المنهال بن عمرو عن عباد بن عبد الله الأسدي عن سلمان الفارسي : وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ [البقرة:11] قال سلمان : لم يجيء أهل هذه الآية بعد.

    وقال ابن جرير : حدثني أحمد بن عثمان بن حكيم حدثنا عبد الرحمن بن شريك حدثني أبي عن الأعمش عن زيد بن وهب وغيره عن سلمان في هذه الآية قال: ما جاء هؤلاء بعد ].

    هذا فيه نكارة؛ لأن أهل هذه الآية كانوا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا السند فيه عنعنة الأعمش ، وفيه -أيضاً- عباد بن عبد الله الأسدي الكوفي وهو ضعيف من الثانية.

    فهذه الرواية ضعيفة وفيها نكارة، ولا شك في أن المنافقين في زمن النبي من أهل هذه الآية، والآية تشملهم وتشمل من جاء بعدهم إلى يوم القيامة، فكل من اتصف بهذا الوصف هو من أهل هذه الآية، وكل من أفسد في الأرض بالمعاصي ونشر الفساد بين الناس وسماه صلاحاً هو من أهل هذه الآية.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ قال ابن جرير : يحتمل أن سلمان أراد بهذا أن الذين يأتون بهذه الصفة أعظم فساداً من الذين كانوا في زمان النبي صلى الله عليه وسلم، لا أنه عنى أنه لم يمض ممن تلك صفته أحد ].

    هذا تأويل ابن جرير ، فلو صح هذا الأثر فإن تأويله هو أن الذين يأتون من بعدهم يكونون أشد ممن سبقهم.

    صور من إفساد المنافقين في الأرض

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ قال ابن جرير : فأهل النفاق مفسدون في الأرض بمعصيتهم فيها ربهم، وركوبهم فيها ما نهاهم عن ركوبه، وتضييعهم فرائضه، وشكهم في دينه الذي لا يقبل من أحد عمل إلا بالتصديق به والإيقان بحقيقته، وكذبهم المؤمنين بدعواهم غير ما هم عليه مقيمون من الشك والريب، ومظاهرتهم أهل التكذيب بالله وكتبه ورسله على أولياء الله إذا وجدوا إلى ذلك سبيلاً، فذلك إفساد المنافقين في الأرض، وهم يحسبون أنهم بفعلهم ذلك مصلحون فيها ].

    كل ما ذكر هو من صفات المنافقين وهو إقامتهم على الشرك، وشكهم في دين الله، ومظاهرتهم ومعاونتهم أهل التكذيب من مشركي أهل مكة واليهود في المدينة، فإن المنافقين كانوا يظاهرونهم ويعاونونهم على المسلمين، نسأل الله السلامة والعافية.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وهذا الذي قاله حسن؛ فإن من الفساد في الأرض اتخاذ المؤمنين الكافرين أولياء، كما قال تعالى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ [الأنفال:73] ].

    كان المنافقون يتخذون اليهود أولياء، وكانوا يفضلون أهل مكة من المشركين على المؤمنين، ويظاهرونهم ويعاونونهم، وهذا من إفسادهم في الأرض.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ فقطع الله الموالاة بين المؤمنين والكافرين، كما قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا [النساء:144] ثم قال: إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا [النساء:145].

    فالمنافق لما كان ظاهره الإيمان اشتبه أمره على المؤمنين، فكأن الفساد من جهة المنافق حاصل؛ لأنه هو الذي غر المؤمنين بقوله الذي لا حقيقة له ووالى الكافرين على المؤمنين، ولو أنه استمر على حاله الأول لكان شره أخف، ولو أخلص العمل لله وتطابق قوله وعمله لأفلح ونجح، ولهذا قال تعالى: وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ [البقرة:11] أي: نريد أن نداري الفريقين من المؤمنين والكافرين ونصطلح مع هؤلاء وهؤلاء، كما قال محمد بن إسحاق عن محمد بن أبي محمد عن عكرمة -أو سعيد بن جبير- عن ابن عباس : وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ [البقرة:11] أي: نريد الإصلاح بين الفريقين من المؤمنين وأهل الكتاب. يقول الله: أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ [البقرة:12] يقول: ألا إن هذا الذي يعتمدونه ويزعمون أنه إصلاح هو عين الفساد، ولكن من جهلهم لا يشعرون بكونه فساداً ].

    ولهذا صاروا في الدرك الأسفل من النار -نعوذ بالله-؛ لأنهم شاركوا اليهود والوثنين في الكفر، فهم كفار مثلهم، وزادوا في خداع المؤمنين حين أظهروا الإسلام، فصار التباسهم أشد، وصار ضررهم أعظم، فلهذا عاقبهم الله فكانت عقوبتهم أشد، فصاروا في الدرك الأسفل من النار.

    وهم يعيشون بين المسلمين، وتجرى عليهم أحكام الإسلام في الظاهر، إلا من أظهر نفاقه، ومن لم يظهر نفاقه فإنه تجري عليه أحكام الشرع، ولن ينفعهم في الآخرة إجراء الأحكام عليهم.