إسلام ويب

تفسير سورة الأنبياء [98-104]للشيخ : عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • رحمة الله واسعة، لكن عذابه أليم شديد، يملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته، وكذلك أملى لمن ظلموا أنفسهم وعبدوا غيره حتى أدخلهم النار مع من كانوا يعبدونهم من الأوثان والطواغيت. وفي المقابل فقد أدخل من لم يشرك به شيئاً جنة عرضها السماوات والأرض وأمنه من الفزع الأكبر.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم ...)

    قال الله تعالى: إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ * لَوْ كَانَ هَؤُلاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ * لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لا يَسْمَعُونَ * إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ * لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَالِدُونَ * لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ [الأنبياء:98-103].

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ يقول تعالى مخاطباً لأهل مكة من مشركي قريش، ومن دان بدينهم من عبدة الأوثان: : إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ [الأنبياء:98]، قال ابن عباس : أي: وقودها، يعني: كقوله: وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَة [التحريم:6].

    وقال ابن عباس أيضاً: حَصَبُ جَهَنَّمَ [الأنبياء:98] يعني: شجر جهنم. وفي رواية قال: حَصَبُ جَهَنَّمَ [الأنبياء:98] يعني: حطب جهنم بالزنجية، وقال مجاهد وعكرمة وقتادة : حطبها. وهي كذلك في قراءة علي وعائشة رضي الله عنهما ].

    يريد أن في قراءة علي وعائشة (إنكم وما تعبدون من دون الله حطب جهنم)، وإذا لم تكن سبعية كانت شاذة يستفاد منها في التفسير، ومثل ذلك ما وجد في بعض مصحف عائشة : (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى صلاة العصر) يحمل على أنه تفسير، فقوله تعالى: حَصَبُ جَهَنَّمَ [الأنبياء:98] معناه: حطب جهنم. والمعنى: أن الكفار يدخلون النار مع من عبدوهم زيادة في التنكيل بهم، فالأصنام والأوثان التي تعبد تكون مع أهلها في النار، والشمس والقمر يكوران يوم القيامة ويجعلان في النار مع من عبدهم إلا المؤمنين والأنبياء والملائكة الذين لم يرضوا بالعبادة فهم مستثنون كما سيأتي في الآية التي بعدها، وهي قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ [الأنبياء:101] فعيسى عليه السلام عُبد، ولكنه لم يرض وكذلك الملائكة لم يرضوا بعبادتهم فهؤلاء مستثنون في قوله: إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ [الأنبياء:101].

    أما الكفار الذين يرضون بعبادة المعبودين فهم معهم؛ لأنهم كفرة مثلهم، وكذلك الجمادات تكون مع من عبدوها في النار.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ وقال الضحاك : حَصَبُ جَهَنَّمَ [الأنبياء:98] أي: ما يرمى به فيها، وكذا قال غيره. والجميع قريب.

    وقوله: أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ [الأنبياء:98] أي: داخلون.

    لَوْ كَانَ هَؤُلاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا [الأنبياء:99] يعني: لو كانت هذه الأصنام والأنداد التي اتخذتموها من دون الله آلهةً صحيحة لما وردوا النار وما دخلوها، وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ [الأنبياء:99] أي: العابدون ومعبوداتهم، كلهم فيها خالدون ].

    لَوْ كَانَ هَؤُلاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا [الأنبياء:99] لو كان هؤلاء المعبودون من دون الله آلهة معبودين بحق لما دخلوا النار، فلما كانوا آلهة في الباطل دخلوا النار مع من عبدوهم من دون الله؛ ولهذا قال سبحانه: لَوْ كَانَ هَؤُلاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ [الأنبياء:99] كل من العابدين والمعبودين مخلدون في النار.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ [هود:106] كما قال تعالى: لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ [هود:106]، والزفير: خروج أنفاسهم، والشهيق: ولوج أنفاسهم وَهُمْ فِيهَا لا يَسْمَعُونَ [الأنبياء:100] ].

    الزفير: خروج النفس، والشهيق: دخول النفس فللنفس دخول وخروج؛ وذلك من شدة الألم.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي حدثنا علي بن محمد الطنافسي حدثنا ابن فضيل حدثنا عبد الرحمن -يعني المسعودي - عن أبيه قال: قال ابن مسعود : إذا بقي من يخلد في النار، جعلوا في توابيت من نار فيها مسامير من نار، فلا يرى أحد منهم أنه يعذب في النار غيره ].

    فمن شدة ما يجد من العذاب يرى أنه لا يعذب أحد مثل عذابه، وفي الحديث: (إن أهون أهل النار عذاباً لرجل في أخمصيه جمرتان من نار يغلي منهما دماغه) .

    وفي لفظ: (إن أهون أهل النار لرجل له شراكان من نار يغلي منهما دماغه، وإنه ليظن أنه أشد أهل النار عذاباً من شدة ما يجد) وإنه لأهونهم وأسهلهم.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ ثم تلا عبد الله : لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لا يَسْمَعُونَ [الأنبياء:100] ورواه ابن جرير من حديث حجاج بن محمد عن المسعودي عن يونس بن حبان عن ابن مسعود فذكره ].

    المسعودي فيه ضعف.

    أما يونس فلعله يونس بن خباب ، لا ابن حبان.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إن الذين سبقت لهم منا الحسنى ...)

    يقول الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى [الأنبياء:101] قال عكرمة : الرحمة. وقال غيره: السعادة، أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ [الأنبياء:101].

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ لما ذكر تعالى أهل النار وعذابهم بسبب شركهم بالله، عطف بذكر السعداء من المؤمنين بالله ورسوله، وهم الذين سبقت لهم من الله السعادة، وأسلفوا الأعمال الصالحة في الدنيا، كما قال تعالى: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ [يونس:26].

    وقال: هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلَّا الإِحْسَانُ [الرحمن:60] فكما أحسنوا العمل في الدنيا أحسن الله مآبهم وثوابهم، ونجاهم من العذاب وحصل لهم جزيل الثواب، فقال: أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ * لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا [الأنبياء:101-102] أي: حريقها في الأجساد.

    قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي قال: حدثنا محمد بن عمار قال: حدثنا عفان قال: حدثنا حماد بن سلمة عن أبيه عن الجريري عن أبي عثمان : لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا [الأنبياء:102] قال: حيات على الصراط تلسعهم، فإذا لسعتهم قال: حس. حس.

    وقوله: وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَالِدُونَ [الأنبياء:102] فسلمهم من المحذور والمرهوب، وحصل لهم المطلوب والمحبوب.

    قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي حدثنا أحمد بن أبي شريح حدثنا محمد بن الحسن بن أبي يزيد الهمداني ].

    ليس ابن أبي شريح بل شريج بالجيم، أما الهمداني فبالدال المهملة؛ لأنه نسبة إلى قبيلة همدان، أما بالذال -همذاني- وبفتح الميم فنسبة إلى بلدة في الشرق، في إيران.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ عن ليث بن أسليم عن ابن عم النعمان بن بشير عن النعمان بن بشير قال: وسمر مع علي ذات ليلة فقرأ: إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ [الأنبياء:101] قال: أنا منهم، وعمر منهم، وعثمان منهم، والزبير منهم، وطلحة منهم، وعبد الرحمن منهم، أو قال: سعد منهم، قال: وأقيمت الصلاة، فقام وأظنه يجر ثوبه وهو يقول: لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا [الأنبياء:102] ].

    والحديث فيه ليث بن أبي سليم وهو ضعيف لكن معناه صحيح، فلا شك أن من الذين سبقت لهم منه الحسنى علياً وكذا الزبير وطلحة فهم من المبشرين بالجنة رضي الله عنهم وأرضاهم.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ وقال شعبة عن أبي بشر عن يوسف المكي عن محمد بن حاطب قال: سمعت علياً يقول في قوله: إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى [الأنبياء:101] قال: عثمان وأصحابه ].

    فـعثمان وأصحابه كلهم داخلين في هذا.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ ورواه ابن أبي حاتم ورواه ابن جرير من حديث يوسف بن سعد وليس بـابن ماهك عن محمد بن حاطب عن علي فذكره ولفظه: عثمان منهم. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ [الأنبياء:101] فأولئك أولياء الله يمرون على الصراط مراً هو أسرع من البرق، ويبقى الكفار فيها جثياً فهذا مطابق لما ذكرناه.

    وقال آخرون: بل نزلت استثناء من المعبودين وخرج منهم عزير والمسيح كما قال حجاج بن محمد الأعور عن ابن جريج وعثمان عن عطاء عن ابن عباس : إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ [الأنبياء:98] ثم استثنى فقال: إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى [الأنبياء:101] فيقال: هم الملائكة، وعيسى ونحو ذلك مما يعبد من دون الله عز وجل، وكذا قال عكرمة والحسن وابن جريج .

    وقال الضحاك عن ابن عباس في قوله: إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى [الأنبياء:101] قال: نزلت في عيسى بن مريم وعزير عليهما السلام ].

    وعلى هذا يكون في قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ [الأنبياء:101] قولان لأهل العلم:

    القول الأول: أن الآية مطلقة وليست مقيدة بالآية السابقة، والمعنى أن الله أخبر أن الذي سبقت لهم من الله السعادة مبعدون عن النار لا يدخلونها ولا يسمعون حسيسها.

    والقول الثاني: أنها مستثناة من المعبودين في قوله عز وجل: إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ [الأنبياء:98] ثم استثنى سبحانه وتعالى فقال: إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى [الأنبياء:101] فلا يدخلون النار فالعابد والمعبود في النار جميعاً إلا من سبقت لهم من الله الحسنى: كالملائكة، والمسيح وعزير، فإن هؤلاء سبقت لهم من الله الحسنى ولم يرضوا بعبادة من عبدهم من دون الله فهم مستثنون.

    أما ما عداهم من المعبودات فهي مع من عبدها، فالشمس والقمر يكوران ويلقيان في النار مع من عبدهما، والأصنام والأوثان كلها مع من عبدها، فلا يستثنى إلا من سبقت لهم من الله الحسنى من الملائكة والأنبياء والصالحين.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي حدثنا الحسين بن عيسى بن ميسرة حدثنا أبو زهير حدثنا سعد بن طريف عن الأصبغ عن علي في قوله: إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى [الأنبياء:101] قال: كل شيء يعبد من دون الله في النار إلا الشمس والقمر وعيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام. إسناده ضعيف ].

    وهذا ضعيف؛ لأن الشمس والقمر كما جاء في الحديث يكوران ويلقيان في النار.

    أما سعد بن طريف فهو سعد بن طريف الإسكافي الحنظلي الكوفي متروك، ورماه ابن حبان بالوضع وكان رافضياً.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد : أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ [الأنبياء:101]، قال: عيسى، وعزير ، والملائكة.

    وقال الضحاك : عيسى، ومريم، والملائكة، والشمس، والقمر. وكذا روي عن سعيد بن جبير وأبي صالح وغير واحد.

    وقد روى ابن أبي حاتم في ذلك حديثًا غريباً جداً فقال: حدثنا الفضل بن يعقوب الرخامي ].

    حدثنا سعيد بن مسلمة بن عبد الملك حدثنا الليث بن أبي سليم عن مغيث عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ [الأنبياء:101] قال: عيسى وعزير والملائكة.

    وذكر بعضهم قصة ابن الزبعري ومناظرة المشركين ].

    والحديث فيه ليث بن أبي سليم وهو ضعيف لكن هؤلاء لا شك أنهم مستثنون: عيسى والملائكة وعزير، أما قصة ابن الزبعري فقد تكلم عنها المصنف رحمه الله فقال: [ قال أبو بكر بن مردويه :

    حدثنا محمد بن علي بن سهل حدثنا محمد بن حسن الأنماطي حدثنا إبراهيم بن محمد بن عرعرة حدثنا يزيد بن أبي حكيم حدثنا الحكم يعني: ابن أبان عن عكرمة عن ابن عباس قال: (جاء عبد الله بن الزبعري إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: تزعم أن الله أنزل عليك هذه الآية: إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ [الأنبياء:98]، فقال ابن الزبعري: قد عبدت الشمس والقمر والملائكة، وعزير وعيسى بن مريم كل هؤلاء في النار مع آلهتنا؟ فنزلت: وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ * وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ [الزخرف:57-58]. ثم نزلت: إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ [الأنبياء:101]) رواه الحافظ أبو عبد الله في كتابه الأحاديث المختارة ].

    أما الأحاديث المختارة فهي جيدة يقول شيخ الإسلام : إنها أجود من أحاديث الحاكم .

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي حدثنا قبيصة بن عقبة حدثنا سفيان يعني: الثوري عن الأعمش عن أصحابه عن ابن عباس قال: لما نزلت: إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ [الأنبياء:98] قال المشركون: فالملائكة وعزير وعيسى يعبدون من دون الله؟ فنزلت: لَوْ كَانَ هَؤُلاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا [الأنبياء:99]، الآلهة التي يعبدون وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ [الأنبياء:99].

    وروي عن أبي كدينة عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما مثل ذلك، وقال فنزلت: إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ [الأنبياء:101] ].

    عطاء بن السائب اختلط في آخره.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ وقال محمد بن إسحاق بن يسار رحمه الله في كتاب السيرة: وجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بلغني يوماً مع الوليد بن المغيرة في المسجد، فجاء النضر بن الحارث حتى جلس معهم، وفي المسجد غير واحد من رجال قريش، فتكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم فعرض له النضر بن الحارث فكلمه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أفحمه، وتلا عليه وعليهم إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ [الأنبياء:98] إلى قوله: وَهُمْ فِيهَا لا يَسْمَعُونَ [الأنبياء:100]، ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقبل عبد الله بن الزبعري السهمي حتى جلس معهم، فقال الوليد بن المغيرة لـعبد الله بن الزبعري : والله ما قام النضر بن الحارث لابن عبد المطلب آنفاً ولا قعد ].

    آنفاً أي: قريباً.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ وقد زعم محمد أنا وما نعبد من آلهتنا هذه حصب جهنم. فقال عبد الله بن الزبعري : أما والله لو وجدته لخصمته، فسلوا محمداً: كل ما يعبد من دون الله في جهنم مع من عبده، فنحن نعبد الملائكة، واليهود تعبد عزيراً ، والنصارى تعبد المسيح عيسى بن مريم فعجب الوليد ومن كان معه في المجلس من قول عبد الله بن الزبعري ، ورأوا أنه قد احتج وخاصم.

    فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: (كل من أحب أن يعبد من دون الله فهو مع من عبده، إنهم إنما يعبدون الشيطان ومن أمرهم بعبادته) وأنزل الله: إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ * لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَالِدُونَ [الأنبياء:101-102] أي: عيسى وعزير، ومن عبدوا من الأحبار والرهبان الذين مضوا على طاعة الله، فاتخذهم من يعبدهم من أهل الضلالة أرباباً من دون الله. ونزل فيما يذكرون أنهم يعبدون الملائكة، وأنهم بنات الله: وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ [الأنبياء:26] إلى قوله: وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ [الأنبياء:29] ونزل فيما ذكر من أمر عيسى وأنه يعبد من دون الله، وعجب الوليد ومن حضره من حجته وخصومته: وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ * وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ * إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ * وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الأَرْضِ يَخْلُفُونَ * وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِهَا [الزخرف:57-61] أي: ما وضعت على يديه من الآيات من إحياء الموتى وإبراء الأسقام فكفى به دليلاً على علم الساعة يقول: فَلا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ [الزخرف:61] وهذا الذي قاله ابن الزبعري خطأ كبير؛ لأن الآية إنما نزلت خطاباً لأهل مكة في عبادتهم الأصنام التي هي جماد لا تعقل؛ ليكون ذلك تقريعاً وتوبيخاً لعابديها، ولهذا قال: إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ [الأنبياء:98]] فكيف يورد على هذا المسيح والعزير ونحوهما ممن له عمل صالح ولم يرض بعبادة من عبده وعول ابن جرير في تفسيره في الجواب على أن (ما) لما لا يعقل عند العرب ].

    ففي قوله تعالى: إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ [الأنبياء:98] (ما) لغير العاقل فلا يدخل فيها المسيح والملائكة، بل تكون للأصنام إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ [الأنبياء:98] وهذا قول ابن جرير .

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ وقد أسلم عبد الله بن الزبعري بعد ذلك وكان من الشعراء المشهورين وقد كان يهاجي المسلمين أولاً ثم قال معتذراً:

    يا رسول المليك إن لساني راتق ما فتقت إذ أنا بور

    إذ أجاري الشيطان في سنن الغي ومن مال ميله مثبور ].

    و(ما) الصحيح أنها تكون لما لا يعقل غالباً لكن قد تأتي لما يعقل ولما لا يعقل مثل قوله: يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ [الجمعة:1] فتأتي للجميع.

    وجاء في تفسير الطبري عند قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى [الأنبياء:101]: لا شك أن الذين سبقت لهم منا الحسنى غنماً هم إما ملائكة وإما أنس أو جان، وكل هؤلاء إذا ذكرتها العرب فإن أكثر ما تذكرها بمن لا بما والله تعالى ذكره إنما ذكر المعبودين الذين أخبر أنهم حصب جهنم بـ(ما) فقال تعالى: إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ [الأنبياء:98] إنما أريد به ما كانوا يعبدونه من الأصنام والآلهة من الأحجار والخشب لا من كان من الملائكة والإنس.

    وهذا قول له وجه معروف.

    كما أن من عبد وهو راض فهو من الطواغيت.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (لا يحزنهم الفزع الأكبر ...)

    قال الله تعالى: لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الأَكْبَرُ [الأنبياء:103].

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ قيل: المراد بذلك: الموت. رواه عبد الرزاق عن يحيى بن ربيعة عن عطاء .

    وقيل: المراد بالفزع الأكبر: النفخة في الصور. قاله العوفي عن ابن عباس وأبو سنان سعيد بن سنان الشيباني ، واختاره ابن جرير في تفسيره.

    وقيل: حين يؤمر بالعبد إلى النار. قاله الحسن البصري .

    وقيل: حين تطبق النار على أهلها. قاله سعيد بن جبير وابن جريج .

    وقيل: حين يذبح الموت بين الجنة والنار. قاله أبو بكر الهذلي فيما رواه ابن أبي حاتم عنه ].

    وكل هذه أقوال لا شك أنها قد تشملها كلها، لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الأَكْبَرُ [الأنبياء:103] فجميع هذه المواقف كلها حق، إما عند الموت كما قال الله: إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ [فصلت:30] وكذلك في المواضع الأخرى فهم مأمنون.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ وقوله: وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ [الأنبياء:103] يعني: تقول لهم الملائكة تبشرهم يوم معادهم إذا خرجوا من قبورهم: هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ [الأنبياء:103] أي: فأملوا ما يسركم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب ...)

    قال تعالى: يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ [الأنبياء:104].

    قال المصنف رحمه الله: [يقول تعالى: هذا كائن يوم القيامة، يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ [الأنبياء:104] كما قال تعالى: وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ [الزمر:67].

    وقد قال البخاري : حدثنا مقدم بن محمد حدثني عمي القاسم بن يحيى عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر عن رسول الله صلى الله وعليه وسلم قال: (إن الله يقبض يوم القيامة الأرضين وتكون السماوات بيمينه) انفرد به من هذا الوجه البخاري رحمه الله ].

    ومثل ذلك قوله تعالى: وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ [الزمر:67].

    وقوله صلى الله عليه وسلم: (إن الله يوم القيامة يجعل السماوات على أصبع، والأرضين على أصبع، والماء والثرى على أصبع، والشجر على أصبع وسائر الخلق على أصبع ثم يهزهن بيده فيقول: أنا الملك أين ملوك الأرض؟)، فهذه خمسة أصابع. وفيه إثبات الأصابع لله عز وجل.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي حدثنا محمد بن أحمد بن الحجاج الرقي حدثنا محمد بن سلمة عن أبي الواصل عن أبي المليح الأزدي عن أبي الجوزاء الأزدي عن ابن عباس قال: (يطوي الله السموات السبع بما فيها من الخليقة والأرضين السبع بما فيها من الخليقة يطوي ذلك كله بيمينه يكون ذلك كله في يده بمنزلة خردلة) ].

    الخردلة: الحبة الصغيرة.

    وفي الحديث الآخر: (ما السموات السبع والأرضين السبع في كف الرحمن إلا كخردلة في يد أحدكم) ومعلوم أن الخردلة: الحبة الصغيرة لا تساوي شيء بالنسبة للإنسان، وهو مستول عليها إن شاء قبضها وإن شاء وضعها فهي لا تساوي شيء، فـ(السموات السبع والأرضون السبع في كف الرحمن كخردلة في يد أحدكم)، فسبحان الله.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ وقوله: كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ [الأنبياء:104]، قيل: المراد بالسجل: الكتاب. وقيل: المراد بالسجل هاهنا ملك من الملائكة.

    قال ابن أبي حاتم : حدثنا علي بن الحسين قال: حدثنا محمد بن العلاء قال: حدثنا يحيى بن يمان قال: حدثنا أبو الوفاء الأشجعي عن أبيه عن ابن عمر في قوله تعالى: يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ [الأنبياء:104] قال السجل: ملك فإذا صعد بالاستغفار قال: اكتبها نوراً، وهكذا، وهكذا رواه ابن جرير عن أبي كريب عن ابن يمان به.

    قال ابن أبي حاتم : وروي عن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين أن السجل ملك.

    وقال السدي في هذه الآية: السجل: ملك موكل بالصحف، فإذا مات الإنسان رفع كتابه إلى السجل فطواه ورفعه إلى يوم القيامة. وقيل المراد به: اسم رجل صحابي كان يكتب للنبي صلى الله عليه وسلم الوحي.

    قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو زرعة حدثنا نصر بن علي الجهضمي حدثنا نوح بن قيس عن عمرو بن مالك عن أبي الجوزاء عن ابن عباس : يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ [الأنبياء:104] قال: السجل: هو الرجل. قال نوح : وأخبرني يزيد بن كعب هو العوذي عن عمرو بن مالك عن أبي الجوزاء عن ابن عباس قال: السجل كاتب للنبي صلى الله عليه وسلم، وهكذا رواه أبو داود والنسائي كلاهما: عن قتيبة بن سعيد عن نوح بن قيس عن يزيد بن كعب عن عمرو بن مالك عن أبي الجوزاء عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: السجل كاتب للنبي صلى الله عليه وسلم.

    ورواه ابن جرير عن نصر بن علي الجهضمي كما تقدم.

    ورواه ابن عدي من رواية يحيى بن عمرو بن مالك النكري عن أبيه عن أبي الجوزاء عن ابن عباس قال: كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم كاتب يسمى السجل وهو قوله: يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ [الأنبياء:104] قال: كما يطوى السجل الكتاب، كذلك تطوي السماء ثم قال: وهو غير محفوظ].

    كما يطوي السجل الكتاب، أي: كما يطوي الملك أو هذا الرجل الكاتب للنبي صلى الله عليه وسلم، الكتاب تطوى السماء.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ وقال الخطيب البغدادي في تاريخه: أنبأنا أبو بكر البرقاني أنبأنا محمد بن محمد بن يعقوب الحجاجي : أنبأنا أحمد بن الحسن الكرخي أن حمدان بن سعيد حدثهم عن عبد الله بن نمير عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر قال: السجل: كاتب للنبي صلى الله عليه وسلم.

    وهذا منكر جدًا من حديث نافع عن ابن عمر ، لا يصح أصلا وكذلك ما تقدم عن ابن عباس ، من رواية أبي داود وغيره، لا يصح أيضًا. وقد صرح جماعة من الحفاظ بوضعه- وإن كان في سنن أبي داود - منهم شيخنا الحافظ الكبير أبو الحجاج المزي فسح الله في عمره ونسأ في أجله.

    وختم له بصالح عمله، وقد أفردت لهذا الحديث جزءًا على حدته ولله الحمد ].

    والحافظ قد أفرد رسالة خاصة في هذا، تبحث هذه الرسالة في تضعيف حديث أبي داود: إن السجل كاتب النبي صلى الله عليه وسلم، وقد صرح بعضهم بأنه موضوع.

    قال ابن القيم رحمه الله: سمعت شيخنا ابن تيمية رحمه الله يقول: هذا الحديث موضوع، ولا يعرف أنه كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم كاتب اسمه السجل قط، ذكره في كتاب الجامع.

    والحديث الذي في سنن أبي داود في إسناده يزيد بن كعب قال الحافظ متروك.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ وقد تصدى الإمام أبو جعفر بن جرير للإنكار على هذا الحديث ورده أتم رد، وقال: لا يعرف في الصحابة أحد اسمه السجل، وكتاب النبي صلى الله عليه وسلم معروفون، وليس فيهم أحد اسمه السجل، وصدق رحمه الله في ذلك، وهو من أقوى الأدلة على نكارة هذا الحديث، وأما من ذكره في أسماء الصحابة فإنما اعتمد على هذا الحديث لا على غيره والله أعلم.

    والصحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما أن السجل هي الصحيفة قاله علي بن أبي طلحة والعوفي عنه، ونص على ذلك مجاهد وقتادة وغير واحد. واختاره ابن جرير ؛ لأنه المعروف في اللغة، فعلى هذا يكون معنى الكلام: (يوم نطوي السماء كطي السجل للكتاب) أي: على الكتاب بمعنى المكتوب، كقوله: فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ [الصافات:103]، أي: على الجبين، ولهن نظائر في اللغة والله أعلم ].

    قوله تعالى: كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ [الأنبياء:104] يعني: كطي الكتاب على المكتوب، فاللام بمعنى: (على) كقوله تعالى: فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ [الصافات:103] أي: على الجبين فيكون معنى: كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ [الأنبياء:104] كطي الصحيفة بالكتاب على المكتوب، وهذا هو المعروف في اللغة.

    قال ابن حجر رحمه الله: وأولى الأقوال بذلك عندنا بالصواب قول من قال: السجل في هذا الموضع الصحيفة لأن ذلك هو المعروف في كلام العرب، ولا يعرف لنبينا صلى الله عليه وسلم كاتب كان اسمه السجل ولا في الملائكة ملك ذلك اسمه.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ وقوله: كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ [الأنبياء:104] يعني: هذا كائن لا محالة يوم يعيد الله الخلائق خلقاً جديداً، كما بدأهم هو القادر على إعادتهم وذلك واجب الوقوع؛ لأنه من جملة وعد الله الذي لا يخلف ولا يبدل وهو القادر على ذلك ولهذا قال: إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ [الأنبياء:104].

    وقال الإمام أحمد : حدثنا وكيع وابن جعفر المعنى قالا: حدثنا شعبة عن المغيرة بن النعمان عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بموعظة فقال: (إنكم محشورون إلى الله عز وجل حفاة عراة غرلاً كما بدأنا أول خلق نعيده وعداً علنيا إن كنا فاعلين)، وذكر تمام الحديث. أخرجاه في الصحيحين من حديث شعبة. ذكره البخاري عند هذه الآية في كتابه.

    وقد روى ليث بن أبي سليم عن مجاهد عن عائشة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم نحو ذلك، وقال العوفي عن ابن عباس في قوله: كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ [الأنبياء:104] قال: يهلك كل شيء كما كان أول مرة].

    و ليث بن أبي سليم ضعيف، لكن الحديث له شاهد في مسند الإمام أحمد كما سرده آنفاً وهو سند لا بأس به.

    وقد ورد ذكر العمي في السند، وفي نسخة عبيدة العمي، ويحتمل أن المعنى واحد وإن اختلف اللفظ.