إسلام ويب

تفسير سورة الأنبياء [83-84]للشيخ : عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • قد يبتلي الله عز وجل عبده المؤمن ليقربه إليه وليرفعه عنده درجات، وعلى قدر البلاء يكون الأجر، وعلى قدر الصبر تكون حسن العاقبة، وقد كان أيوب عليه السلام مثالاً وقدوة للصابرين.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وأيوب إذ نادى ربه أني مسني الضر...)

    قال الله تعالى: وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ [الأنبياء:83-84].

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ يذكر تعالى عن أيوب عليه السلام ما كان أصابه من البلاء في ماله وولده وجسده، وذلك أنه كان له من الدواب والأنعام والحرث شيء كثير، وأولاد كثيرة، ومنازل مرضية، فابتلي في ذلك كله، وذهب عن آخره، ثم ابتلي في جسده، يقال: بالجذام في سائر بدنه، ولم يبق منه سليم سوى قلبه ولسانه؛ يذكر بهما الله عز وجل، حتى عافه الجليس، وأفرد في ناحية من البلد، ولم يبق من الناس أحد يحنو عليه سوى زوجته؛ كانت تقوم بأمره، ويقال: إنها احتاجت فصارت تخدم الناس من أجله، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أشد الناس بلاءً الأنبياء، ثم الصالحون، ثم الأمثل فالأمثل)، وفي الحديث الآخر: (يبتلى الرجل على قدر دينه، فإن كان في دينه صلابة زيد في بلائه) وقد كان نبي الله أيوب عليه السلام غاية في الصبر، وبه يضرب المثل في ذلك ].

    يقال: أيوب الصابر، وصف الصبر لأنه كان ملازماً له عليه الصلاة والسلام.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقال يزيد بن ميسرة : لما ابتلى الله أيوب عليه السلام بذهاب الأهل والمال والولد، ولم يبق له شيء أحسن الذكر، ثم قال: أحمدك رب الأرباب الذي أحسنت إلي، أعطيتني المال والولد، فلم يبق من قلبي شعبة إلا قد دخله ذلك، فأخذت ذلك كله مني، وفرَّغت قلبي، فليس يحول بيني وبينك شيء، ولو يعلم عدوي إبليس بالذي صنعت حسدني. قال: فلقي إبليس من ذلك منكراً ].

    يعني: فلقي إبليس من هذا شيئاً منكراً، لما علم بأن أيوب فرغ الله قلبه للذكر، فإن أيوب عليه السلام ذهب ماله وأهله وولده فبقي قلبه ولسانه، فحسده إبليس كيف يبقى قلبه ولسانه؟ يريد أن يستولي على قلبه ولسانه.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقال أيوب عليه السلام: يا رب! إنك أعطيتني المال والولد، فلم يقم على بابي أحد يشكوني لظلم ظلمته، وأنت تعلم ذلك، وإنه كان يوطأ لي الفراش فأتركها وأقول لنفسي: يا نفس! إنك لم تخلقي لوطء الفراش، ما تركت ذلك إلا ابتغاء وجهك. رواه ابن أبي حاتم .

    وقد روي عن وهب بن منبه في خبره قصة طويلة ساقها ابن جرير وابن أبي حاتم بالسند عنه، وذكرها غير واحد من متأخري المفسرين، وفيها غرابة تركناها لحال الطول ].

    يعني: في قصة ذهاب ولده وماله، وفيها أن إبليس قال: يا رب! سلطني على ماله، فسلط على ماله وأحرق الزرع وكذا، ثم قال: رب! سلطني على ولده، فجاءهم وأسقط عليهم الدار، ثم قال: رب! سلطني على جسده، فنفخ فيه فأصابه الجذام، قال: ولم يبق إلا قلبه ولسانه، إلخ القصة، وهي طويلة تقارب سبع صفحات، والأقرب أنها مأخوذة عن بني إسرائيل، والقصة هذه يذكرها أهل القصص، كالإخباريين فإنهم يذكرون قصص أيوب أنه كذا وأنه سلط عليه إبليس، وأنه سلط أولاً على ماله، وسلط على الزرع، وسلط على الدواب، وسلط على كذا، ثم سلط على الأهل، ثم سلط على الأولاد، ثم سلط على جسده، فالله أعلم، ولاشك أن الله ابتلى أيوب عليه السلام وأنه صبر، لكن هذه الأخبار التي فيها هذه التفاصيل هي مأخوذة عن بني إسرائيل.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقد روي أنه مكث في البلاء مدة طويلة، ثم اختلفوا في السبب المهيج له على هذا الدعاء، فقال الحسن وقتادة : ابتلي أيوب عليه السلام سبع سنين وأشهراً ملقى على كناسة بني إسرائيل، تختلف الدواب في جسده، ففرج الله عنه وأعظم له الأجر وأحسن عليه الثناء.

    وقال وهب بن منبه : مكث في البلاء ثلاث سنين، لا يزيد ولا ينقص.

    وقال السدي : تساقط لحم أيوب حتى لم يبق إلا العصب والعظام، فكانت امرأته تقوم عليه وتأتيه بالرماد يكون فيه ].

    يعني: يكون عليه؛ فإن حروف الجر قد ينوب بعضها عن بعض.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ فقالت له امرأته لما طال وجعه: يا أيوب ! لو دعوت ربك يفرج عنك؟ فقال: قد عشت سبعين سنة صحيحاً، فهو قليل لله أن أصبر له سبعين سنة، فجزعت من ذلك، فخرجت، فكانت تعمل للناس بأجر وتأتيه بما تصيب فتطعمه ].

    يعني: أنه عليه السلام قلاه كل أحد، القريب والبعيد، ولم يبق إلا هذه الزوجة، فكانت تشتغل عند الناس وتعمل، فإذا كسبت الأجرة اشترت بها طعاماً ونفقة وأتت بذلك إلى أيوب عليه السلام.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وإن إبليس انطلق إلى رجلين من فلسطين كانا صديقين له وأخوين، فأتاهما فقال: أخوكما أيوب أصابه من البلاء كذا وكذا، فأتياه وزوراه واحملا معكما من خمر أرضكما، فإنه إن يشرب منه برئ، فأتياه، فلما نظرا إليه بكيا، فقال: من أنتما؟ فقالا: نحن فلان وفلان! فرحب بهما وقال: مرحباً بمن لا يجفوني عند البلاء. فقالا: يا أيوب! لعلك كنت تسر شيئاً وتظهر غيره، فلذلك ابتلاك الله؟ فرفع رأسه إلى السماء ثم قال: هو يعلم، ما أسررت شيئاً أظهرت غيره، ولكن ربي ابتلاني؛ لينظر أأصبر أم أجزع، فقالا له: يا أيوب! اشرب من خمرنا فإنك إن شربت منه برأت. قال: فغضب، وقال: جاءكما الخبيث فأمركما بهذا؟ كلامكما وطعامكما وشرابكما علي حرام. فقاما من عنده، وخرجت امرأته تعمل للناس، فخبزت لأهل بيت لهم صبي، فجعلت لهم قرصاً، وكان ابنهم نائماً، فكرهوا أن يوقظوه، فوهبوه لها، فأتت به إلى أيوب، فأنكره وقال: ما كنت تأتيني بهذا، فما بالك اليوم؟ فأخبرته الخبر. قال: فلعل الصبي قد استيقظ، فطلب القرص فلم يجده فهو يبكي على أهله، فانطلقي به إليه، فأقبلت حتى بلغت درجة القوم، فنطحتها شاة لهم، فقالت: تعس أيوب الخطاء، فلما صعدت وجدت الصبي قد استيقظ وهو يطلب القرص، ويبكي على أهله، لا يقبل منهم شيئاً غيره، فقالت: رحم الله أيوب، فدفعت القرص إليه ورجعت. ثم إن إبليس أتاها في صورة طبيب، فقال لها: إن زوجك قد طال سقمه، فإن أراد أن يبرأ فليأخذ ذباباً فليذبحه باسم صنم بني فلان فإنه يبرأ، ويتوب بعد ذلك، فقالت ذلك لأيوب، فقال: قد أتاك الخبيث، لله علي إن برأت أن أجلدك مائة جلدة، فخرجت تسعى عليه، فحظر عنها الرزق ].

    يعني: منع، منع منها الرزق، ولم تحصل على شيء؛ لحكمة بالغة أرادها الله.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ فجعلت لا تأتي أهل بيت فيريدونها ].

    يعني: أنها كانت كلما جاءت أهل بيت قالوا: ما عندنا شيء، وما عندنا عمل؛ لحكمة بالغة، ولم تكسب شيئاً ذلك اليوم.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ فلما اشتد عليها ذاك وخافت على أيوب الجوع حلقت من شعرها قرناً فباعته من صبية من بنات الأشراف، فأعطوها طعاماً طيباً كثيراً فأتت به أيوب، فلما رآه أنكره وقال: من أين لك هذا؟ قالت: عملت لأناس فأطعموني. فأكل منه، فلما كان الغد خرجت فطلبت أن تعمل فلم تجد فحلقت أيضاً قرناً فباعته من تلك الجارية، فأعطوها من ذلك الطعام، فأتت به أيوب، فقال: والله! لا أطعمه حتى أعلم من أين هو؟ فوضعت خمارها، فلما رأى رأسها محلوقاً جزع جزعاً شديداً، فعند ذلك دعا ربه عز وجل: أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ [الأنبياء:83].

    والضفيرة من الشعر قد لا يستفيدون منها شيئاً، ولكن هذا كله من أخبار بني إسرائيل، والله أعلم به، وقد جاء في بعض أخبار بني إسرائيل: أن أيوب لما مرض كان لا يستطيع أن يقوم إلا بالضفيرة، وكل هذا من أخبار بني إسرائيل، والله أعلم بها.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد حدثنا أبو عمران الجوني عن نوف البكالي : أن الشيطان الذي عرج في أيوب كان يقال له: مسوط ].

    وفي رواية: (مبسوط).

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ قال: وكانت امرأة أيوب تقول: ادع الله فيشفيك، فجعل لا يدعو حتى مر به نفر من بني إسرائيل، فقال بعضهم لبعض: ما أصابه ما أصابه إلا بذنب عظيم أصابه، فعند ذلك قال: أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ [الأنبياء:83].

    وحدثنا أبي حدثنا أبو سلمة حدثنا جرير بن حازم عن عبد الله بن عبيد بن عمير قال: كان لأيوب عليه السلام أخوان، فجاءا يوماً، فلم يستطيعا أن يدنوا منه من ريحه، فقاما بعيداً، فقال أحدهما للآخر: لو كان الله علم من أيوب خيراً ما ابتلاه بهذا؛ فجزع أيوب من قولهما جزعاً لم يجزع من شيء قط، فقال: اللهم إن كنت تعلم أني لم أبت ليلة قط شبعان وأنا أعلم مكان جائع فصدقني، فصدق من السماء وهما يسمعان. ثم قال: اللهم إن كنت تعلم أني لم يكن لي قميصان قط، وأنا أعلم مكان عارٍ فصدقني، فصدق من السماء وهما يسمعان، ثم خر ساجداً، ثم قال: اللهم بعزتك لا أرفع رأسي أبداً حتى تكشف عني، فما رفع رأسه حتى كشف عنه ].

    لاشك أن الله كشف الضر عن أيوب، لكن هذا الحديث مروي عن عبيد بن عمير عن بني إسرائيل، أما كشف ضره فهو وارد بنص القرآن، كما قال تعالى: وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ [الأنبياء:83-84]، فأيوب ابتلاه الله في أهله وماله وولده ونفسه، ثم عافاه الله وشفاه في جسمه ورد عليه أهله وماله وولده فضلاً منه وإحساناً، والله تعالى له الحكمة البالغة، قد يبتلى الإنسان، وقد يكون ذلك بذنب وقد يكون بغير ذنب، فالأنبياء والأخيار يبتلون لرفع درجاتهم، وأما غيرهم فكثير من الابتلاءات تكون بسبب المعاصي، كما قال تعالى: وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ [الشورى:30].

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقد رواه ابن أبي حاتم من وجه آخر مرفوعاً بنحو هذا فقال: أخبرنا يونس بن عبد الأعلى أخبرنا ابن وهب أخبرني نافع بن يزيد عن عقيل عن الزهري عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن نبي الله أيوب لبث به بلاؤه ثماني عشرة سنة، فرفضه القريب والبعيد إلا رجلين من إخوانه، كانا من أخص إخوانه، كانا يغدوان إليه ويروحان، فقال أحدهما لصاحبه: تعلم والله لقد أذنب أيوب ذنباً ما أذنبه أحد من العالمين. فقال له صاحبه: وما ذاك؟ قال: منذ ثماني عشرة سنة لم يرحمه الله فيكشف ما به. فلما راحا إليه لم يصبر الرجل حتى ذكر ذلك له، فقال أيوب عليه السلام: لا أدري ما تقول، غير أن الله عز وجل يعلم أني كنت أمر على الرجلين يتنازعان فيذكران الله، فأرجع إلى بيتي فأكفر عنهما كراهة أن يذكرا الله إلا في حق، قال: وكان يخرج في حاجته، فإذا قضاها أمسكت امرأته بيده حتى يبلغ، فلما كان ذات يوم أبطأت عليه، فأوحي إلى أيوب في مكانه: أن ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ [ص:42]) ورفع هذا الحديث غريب جداً ].

    وهذا الحديث رواه ابن حبان في صحيحه من طريق حرملة بن يحيى عن ابن وهب بنحوه، ورفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فيه غرابة.

    ولو صح ففيه بيان المدة، وأنها ثمانية عشر عاماً، لكن المؤلف يقول: إن رفعه غريب.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد أخبرنا علي بن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن عباس قال: وألبسه الله حلة من الجنة، فتنحى أيوب فجلس في ناحية، وجاءت امرأته، فلم تعرفه، فقالت: يا عبد الله! أين ذهب المبتلى الذي كان هاهنا؟ لعل الكلاب ذهبت به أو الذئاب، فجعلت تكلمه ساعة، فقال: ويحك! أنا أيوب! قالت: أتسخر مني يا عبد الله؟! فقال: ويحك! أنا أيوب، قد رد الله علي جسدي.

    وبه قال ابن عباس : ورد عليه ماله وولده عياناً، ومثلهم معهم ].

    وهذا الحديث فيه علي بن زيد بن جدعان وهو ضعيف، ولاشك أنه سبحانه عافاه في جسده ورد عليه أهله وماله وولده.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقال وهب بن منبه : أوحى الله إلى أيوب: قد رددت عليك أهلك ومالك ومثلهم معهم، فاغتسل بهذا الماء، فإن فيه شفاءك، وقرب عن صاحبتك قرباناً واستغفر لهم، فإنهم قد عصوني فيك. رواه ابن أبي حاتم ].

    ووهب بن منبه يأخذ عن بني إسرائيل كثيراً.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقال أيضاً: حدثنا أبو زرعة حدثنا عمرو بن مرزوق حدثنا همام عن قتادة عن النضر بن أنس عن بشير بن نهيك عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لما عافى الله أيوب عليه السلام أمطر عليه جراداً من ذهب، فجعل يأخذ بيده ويجعله في ثوبه. قال: فقيل له: يا أيوب! أما تشبع؟ قال: يا رب، ومن يشبع من رحمتك) . أصله في الصحيحين، وسيأتي في موضع آخر ].

    هذا الحديث أصله في الصحيحين، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (كان أيوب يغتسل عرياناً فخر عليه جراد من ذهب، فجعل يحثو في ثوبه، فأوحى الله إليه: ألم أغنك عن هذا؟ قال: بلى يا رب! ولكن لا غنى لي عن رحمتك)، يعني: أن هذا من الرحمة، وهذا من قدرة الله العظيمة، حيث أمطر عليه جراداً من ذهب، قال عز وجل: إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ [يس:82].

    وهذا الحديث فيه دليل على جواز اغتسال الإنسان عرياناً؛ وذلك إذا لم يكن عنده أحد، أو كان في الحمام وحده، والنووي وجماعة يقولون: إن اغتسال الإنسان عرياناً مكروه، ولا ينبغي أن يغتسل عرياناً، بل يغتسل وعليه ثياب، وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يغتسل هو وعائشة ، وموسى عليه السلام اغتسل ووضع ثوبه على حجر ففر الحجر بثوبه، وهذا دليل على أنه لا بأس أن يغتسل الإنسان عرياناً إذا لم يكن عنده أحد، وإنما الممنوع أن يكون أمام الناس، أما إذا كان في مكان خالٍ أو أغلق على نفسه الحمام فلا بأس أن يخلع ثيابه ويغتسل، ولا يبلل ثيابه بالماء، وليس فيها كراهة.

    ويكره أن يبقى الإنسان بدون حائل ويكشف عورته، وأما عند الخلاء أو عند الاغتسال فهذا مستثنى، وقد جاء في الحديث: (الله أحق أن يستحيا منه) يعني: إذا لم يكن عنده أحد فليس له أن يكشف عورته؛ لأن الله أحق أن يستحيا منه، إلا للحاجة، أو لضرورة، كالاغتسال وقضاء الحاجة وما أشبه ذلك.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وآتيناه أهله ومثلهم معهم ...)

    قال الله تعالى: [ وقوله: وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ [الأنبياء:84] قد تقدم عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: ردوا عليه بأعيانهم، وكذا رواه العوفي عن ابن عباس أيضاً ].

    يعني: أن الله أحيا أهله أنفسهم ورد ماله بعينه، والله على كل شيء قدير، والله تعالى يقول: وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ .

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وروي مثله عن ابن مسعود ومجاهد وبه قال الحسن وقتادة .

    وقد زعم بعضهم أن اسم زوجته رحمة ، فإن كان أخذ ذلك من سياق الآية فقد أبعد النجعة ].

    يعني: إن كان ذلك أخذاً من الآية: وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا فهذا بعيد، والله أعلم باسمها.

    والنجعة بالضم، والشائع عند الناس النَجعة بالفتح، وفي القاموس النُجعة بالضم.

    وقوله تعالى: وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ معنى الآية: أنه أوتي أهله وأهلاً آخرين، يعني زوجات أخر.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقد زعم بعضهم أن اسم زوجته رحمة ، فإن كان أخذ ذلك من سياق الآية فقد أبعد النجعة، وإن كان أخذه من نقل أهل الكتاب وصح ذلك عنهم، فهو مما لا يصدق ولا يكذب. وقد سماها ابن عساكر في تاريخه -رحمه الله تعالى-قال: ويقال: اسمها ليا بنت منشا بن يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم الصلاة والسلام، قال: ويقال: ليا بنت يعقوب عليه السلام زوجة أيوب عليه السلام، كانت معه بأرض البثنية ].

    والبثنية قرية بين دمشق وأذرعات.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقال مجاهد : قيل له: يا أيوب إن أهلك لك في الجنة فإن شئت أتيناك بهم، وإن شئت تركناهم لك في الجنة وعوضناك مثلهم. قال: لا، بل اتركهم لي في الجنة. فتركوا له في الجنة وعوض مثلهم في الدنيا.

    وقال حماد بن زيد عن أبي عمران الجوني عن نوف البكالي قال: أوتي أجرهم في الآخرة وأعطي مثلهم في الدنيا. قال فحدثت به مطرفاً فقال: ما عرفت وجهها قبل اليوم ].

    يعني: ما عرفت تأويلها إلا الآن لما سمعت هذا الكلام.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وهكذا روي عن قتادة والسدي وغير واحد من السلف، والله أعلم ].

    معنى قوله تعالى: َآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ على هذا التفسير: أنه رد الله عليه أهله، وأعطاه مثلهم في الأجر، لكن هذا خلاف ظاهر الآية، فظاهر الآية: أنه أوتي أهله وأوتي معهم في الدنيا، لكن نوفاً البكالي يقول: إنه أوتي أهله في الدنيا وأعطي مثل أجورهم في الآخرة.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقوله: رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا أي: فعلنا به ذلك رحمة من الله به. وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ أي: وجعلناه في ذلك قدوة؛ لئلا يظن أهل البلاء إنما فعلنا بهم ذلك لهوانهم علينا، وليتأسوا به بالصبر على مقدورات الله وابتلائه لعباده بما يشاء، وله الحكمة البالغة في ذلك ].

    الله سبحانه وتعالى بين أن الحكمة من ابتلاء أيوب عليه السلام فقال: رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ أي: ليتأسى به أهل البلاء وليكون قدوة لهم في الصبر على البلاء، ولئلا يظنوا أنهم ابتلوا لهوانهم على الله، وليعلموا أن الله إنما ابتلاهم لحكمة بالغة، فهذا أيوب نبي كريم ابتلاه الله، وهو عليه الصلاة والسلام قدوة لكل مبتلى.