إسلام ويب

تفسير سورة الأنبياء [34-47]للشيخ : عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لم يجعل الله تعالى الخلد لأحد من مخلوقاته، بل كتب الفناء على كل شيء ويبقى وجهه سبحانه. أما أهل الباطل من المشركين الذين كانوا يستهزئون بالرسول صلى الله عليه وسلم ويحتقرونه، فقد سلى الله نبيه بأنه قد استهزئ بالأنبياء قبله فصبروا، والعاقبة للصابرين.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد ...)

    ترجيح موت الخضر

    قال الله تعالى: [ وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِينْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ * كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ [الأنبياء:34-35] يقول تعالى : وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ أي: يا محمد، الْخُلْدَ ، أي: في الدنيا بل كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ [الرحمن:26-27] ].

    وقد استدل بهذه الآية الكريمة من ذهب من العلماء إلى أن الخضر عليه السلام قد مات وليس بحي إلى الآن؛ لأنه بشر سواء كان ولياً أو نبياً أو رسولاً.

    وقد قال الله تعالى: وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ [الأنبياء:34]، وقوله: أَفَإِينْ مِتَّ [الأنبياء:34] أي: يا محمد، فَهُمُ الْخَالِدُونَ [الأنبياء:34] أي: يؤملون أن يعيشوا بعدك، فلا يكون هذا بل كل إلى فناء، ولهذا قال: كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ [آل عمران:185] ].

    الصواب أن الخضر قد مات، ومن العلماء من قال أن الخضر موجود، وقالوا: إنه من المعمرين، وهذا ليس بصحيح؛ لأنه لو كان باقياً لجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وآمن به، وهو إما عبد صالح أو نبي، ولو كان موجوداً لأتى إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ثم لو قدر أنه موجود لشمله الحديث الذي قاله النبي صلى الله عليه وسلم في آخر حياته، وهو: (أرأيتم ليلتكم هذه، فإنه بعد مائة سنة لا يبقى على ظهر الأرض أحد).

    هذا هو الصواب خلافاً لمن قال: إنه من المعمرين، وأنه باقٍ.

    [ وقد روي عن الشافعي رحمه الله أنه أنشد واستشهد بهذين البيتين:

    تمنى رجـال أن أمـوت وإن أمت فتلك سبيل لست فيها بأوحـد

    فقل للذي يبغي خلاف الذي مضى تهيأ لأخرى مثلها فكـأن قـد ].

    أي: لستُ الوحيد، فقد سبقني غيري.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً [الأنبياء:35] أي: نختبركم بالمصائب تارة وبالنعم أخرى؛ لننظر من يشكر ومن يكفر، ومن يصبر ومن يقنط، كما قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما: وَنَبْلُوكُمْ [الأنبياء:35] يقول: نبتليكم (بالشر والخير فتنة) بالشدة والرخاء، والصحة والسقم، والغنى والفقر، والحلال والحرام، والطاعة والمعصية، والهدى والضلال وقوله: وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ [الأنبياء:35] أي: فنجازيكم بأعمالكم.

    وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ * خُلِقَ الإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ [الأنبياء:36-37] ].

    وقوله: أن السماء قبة للأرض لا يعني أن الأرض مسطحة، بل يعني: أن السماء مستديرة والأرض كذلك.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وإذا رآك الذين كفروا إن يتخذونك إلا هزواً ...)

    قال الله تعالى: [ قال الله تعالى: وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ * خُلِقَ الإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ [الأنبياء:36-37].

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ يقول تعالى لنبيه صلوات الله وسلامه عليه: وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا [الأنبياء:36]، يعني: كفار قريش كـأبي جهل وأشباهه إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا [الأنبياء:36] أي: يستهزئون بك وينتقصونك ويقولون: أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ [الأنبياء:36] يعنون: أهذا الذي يسب آلهتكم، ويسفه أحلامكم؟!

    قال تعالى: وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ [الأنبياء:36] أي: وهم كافرون بالله، ومع هذا يستهزئون برسوله صلى الله عليه وسلم، كما قال في الآية الأخرى: وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا * إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا [الفرقان:41-42] ].

    بيان أن الإنسان طبع على العجلة، والحكمة من ذكرها هنا

    قوله: خُلِقَ الإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ [الأنبياء:37] كما قال في الآية الأخرى: وَكَانَ الإِنسَانُ عَجُولًا [الإسراء:11] أي: في الأمور، قال مجاهد : خلق الله آدم بعد كل شيء من آخر النهار يوم خلق الخلائق، فلما أحيا الروح عينه ولسانه ورأسه لم يبلغ أسفله قال: يا رب! استعجل بخلقي قبل غروب الشمس ].

    من عجلته لم يصبر، قال تعالى: خُلِقَ الإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ [الأنبياء:37]، فلما وصلت الروح إلى رأسه وعينيه قال: رب عجِّل بالخلق قبل غروب الشمس.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أحمد بن سنان حدثنا يزيد بن هارون أنبأنا محمد بن علقمة بن وقاص الليثي عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه أدخل الجنة، وفيه أهبط منها، وفيه تقوم الساعة، وفيه ساعة لا يوافقها مؤمن يصلي، وقبض أصابعه يقللها فسأل الله خيراً إلا أعطاه إياه) ].

    قوله: يقللها أي: ساعة قليلة.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ قال أبو سلمة : فقال عبد الله بن سلام : قد عرفت تلك الساعة، وهي آخر ساعات النهار من يوم الجمعة، وهي التي خلق الله فيها آدم، قال الله تعالى: خُلِقَ الإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ [الأنبياء:37] والحكمة في ذكر عجلة الإنسان هاهنا أنه لما ذكر المستهزئين بالرسول صلوات الله وسلامه عليه وقع في النفوس سرعة الانتقام منهم واستعجلت ذلك، فقال الله تعالى: خُلِقَ الإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ [الأنبياء:37]، لأنه تعالى يملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته، يؤجل ثم يعجل، وينظر ثم لا يؤخر ].

    قوله: يؤجل ثم يعجل، أي: يؤخر ثم يعاجل بالعقوبة، ويملي للظالم ثم يعاجله ويأخذه، كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (إن الله يملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته، ثم قرأ: وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ [هود:102]).

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ ولهذا قال: سَأُرِيكُمْ آيَاتِي [الأنبياء:37] أي: نقمي وحكمي واقتداري على من عصاني فَلا تَسْتَعْجِلُونِ [الأنبياء:37] ].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين ...)

    قال الله تعالى: وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ * لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ * بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلا هُمْ يُنظَرُونَ [الأنبياء:38-40].

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ يخبر تعالى عن المشركين أنهم يستعجلون أيضاً بوقوع العذاب بهم؛ تكذيباً وجحوداً وكفراً وعناداً واستبعاداً، فقال: وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [يونس:48].

    قال الله تعالى: لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلا عَنْ ظُهُورِهِمْ [الأنبياء:39] أي: لو تيقنوا أنها واقعة بهم لا محالة لما استعجلوا به، ولو يعلمون حين يغشاهم العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ [الزمر:16]، لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ [الأعراف:41].

    وقال في هذه الآية: حِينَ لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلا عَنْ ظُهُورِهِمْ [الأنبياء:39]، وقال: سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ [إبراهيم:50]، فالعذاب محيط بهم من جميع جهاتهم وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ [الأنبياء:39] أي: لا ناصر لهم كما قال: وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ [الرعد:34].

    وقوله: بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً [الأنبياء:40] أي: تأتيهم النار بغتة، أي: فجأة فَتَبْهَتُهُمْ [الأنبياء:40] أي: تذعرهم، فيستسلمون لها حائرين لا يدرون ما يصنعون ].

    وفي نسخة أخرى: تفزعهم، وتذعرهم وتفزعهم متقاربة، فهذا من الذعر وهذا من الفزع، وفي نسخة أخرى فتدعوهم، أي: تدعوهم إليها، نسأل الله العافية.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا [الأنبياء:40] أي: ليس لهم حيلة في ذلك.

    وَلا هُمْ يُنظَرُونَ [الأنبياء:40]، أي: ولا يؤخر عنهم ذلك ساعة واحدة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولقد استهزئ برسل من قبلك...)

    قال الله تعالى: وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون * قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ * أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنفُسِهِمْ وَلا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ [الأنبياء:41-43].

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ يقول تعالى مسلياً لرسوله صلوات الله وسلامه عليه عما آذاه به المشركون من الاستهزاء والتكذيب وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون [الأنبياء:41]يعني: من العذاب الذي كانوا يستبعدون وقوعه، كما قال تعالى: وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ [الأنعام:34].

    ثم ذكر تعالى نعمته على عبيده في حفظه لهم بالليل والنهار، وكلاءته وحراسته لهم بعينه التي لا تنام فقال: قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ [الأنبياء:42] أي: بدل الرحمن بمعنى غيره.

    كما قال الشاعر:

    جارية لم تلبس المرققـا ولم تذق من البقول الفستقا

    أي: لم تذق بدل البقول الفستق ].

    قوله: لم تلبس المرققا: أي الثياب الرقيقة، بمعني: أنها ليست جارية منعمة، وقوله: ولم تذق من البقول الفستقا أي: بدل، و(من) هنا بمعنى: بدل، والمؤلف يريد أن يستشهد بهذا البيت على أن قوله: قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ [الأنبياء:42] أن معناها: بدل الرحمن، أي: لا يكلؤكم غيره سبحانه وتعالى.

    وفي هذه الآيات بيان أن المشركين كانوا يستهزئون بالنبي صلى الله عليه وسلم، فإذا رأوه اتخذوه هزواً، وقالوا كما قال تعالى: أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا [الفرقان:41]، وكما قال: أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ [الأنبياء:36]، فيسخرون منه عليه الصلاة والسلام، أي: أهذا الذي يعيب آلهتكم ويشتمها! قال الله تعالى: بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ [الأنبياء:42]، أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنفُسِهِمْ وَلا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ [الأنبياء:43].

    وقوله تعالى: وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ * خُلِقَ الإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ [الأنبياء:36-37]، يبين فيه سبحانه وتعالى أنه خلق الإنسان من عجل، وأنه خلق في آخر ساعة من يوم الجمعة بعد نهاية الخلائق.

    سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ [الأنبياء:37] أي: فلا ينبغي للإنسان أن يستعجل بإهلاك هؤلاء الكفار؛ لأن الإنسان مخلوق من عجل، والله تعالى يمهل ولا يهمل، ويملي للظالم، ويفتح باب الرجاء للعبد، ويعطيه المهلة ويمهله لعله يتوب ويرجع إلى الله، والله حليم لا يعجل سبحانه وتعالى، بخلاف الإنسان فإنه مخلوق من عجل.

    ثم سلى نبيه عليه الصلاة والسلام وقال: وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ [الأنعام:10]، فالأنبياء الذين سبقوك استهزأ بهم، كنوح وهود وصالح وشعيب، فصبروا وأوذوا، قال تعالى: فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ [الأحقاف:35]، فيها تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم.

    وقوله تعالى: وَحَاقَ بِهِمْ [الأحقاف:26] أي: وقع بهم مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون [الأحقاف:26]، فهذه تسلية لنبينا عليه الصلاة والسلام؛ ليقتدي بمن سبقه، وهو عليه الصلاة والسلام أقواهم وأشدهم تحملاً وصبراً، عليه الصلاة والسلام.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ وقوله تعالى: بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ [الأنبياء:42] أي: لا يعترفون بنعمه عليهم وإحسانه إليهم، بل يعرضون عن آياته وآلائه. ثم قال: أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا [الأنبياء:43] استفهام إنكار وتقريع وتوبيخ، أي: ألهم آلهة تمنعهم وتكلؤهم غيرنا؟ ليس الأمر كما توهموا، ولا كما زعموا، ولهذا قال: لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنفُسِهِمْ [الأنبياء:43] أي: هذه الآلهة التي استندوا إليها غير الله لا يستطيعون نصر أنفسهم، وقوله: وَلا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ [الأنبياء:43] قال العوفي عن ابن عباس : وَلا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ [الأنبياء:43] أي: يجارون، وقال قتادة : لا يصحبون من الله بخير، وقال غيره: وَلا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ [الأنبياء:43]: يمنعون ].

    ينكر الله تعالى عليهم ويقول: هل لهم آلهة تمنعهم من دوننا؟! قال تعالى: لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنفُسِهِمْ وَلا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ [الأنبياء:43] أي: يجارون ويمنعون، فهم لا يستطيعون نصر أنفسهم، ولا يمنعون من قبل الله؛ لأنهم تحت قبضته وفي تصرفه، فالله تعالى هو الذي يكلأ عباده ويحفظهم سبحانه وتعالى، قال تعالى: قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ * أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ [الأنبياء:42-43] أي: معبودات من دون الله، قوله تعالى: تَمْنَعُهُمْ [الأنبياء:43]، أي: من الله، وهؤلاء الآلهة لا ينصرون أنفسهم وقوله تعالى: وَلا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ [الأنبياء:43] أي: يجارون ويمنعون، فلا أحد يمنعهم، ولا أحد يدفع عنهم من الله شيئاً إذا أراد بهم شيئاً، فليس لهم هناك آلهة تمنعهم، وليس هناك إلا الله فليعترفوا بفضل الله ونعمته، فهو الذي يكلأ عباده، وهذه الآلهة لو قدرت فلا تستطيع نصر أنفسها، ولا تستطيع أن تمنع نفسها من الله إذا أراد بها شيئاً.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (بل متعنا هؤلاء وآباءهم ...)

    بيان أن الكفار مغلوبون، ومعنى نقص الأرض

    قال الله تعالى: [ بَلْ مَتَّعْنَا هَؤُلاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ أَفَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ * قُلْ إِنَّمَا أُنذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ وَلا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ إِذَا مَا يُنذَرُونَ * وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذَابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ * وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ [الأنبياء:44-47].

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ يقول تعالى مخبراً عن المشركين: إنما غرهم وحملهم على ما هم فيه من الضلال أنهم مُتّعوا في الحياة الدنيا، ونعموا وطال عليهم العمر فيما هم فيه، فاعتقدوا أنهم على شيء، ثم قال واعظاً لهم: أَفَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا [الأنبياء:44]، اختلف المفسرون في معناه، وقد أسلفناه في سورة الرعد، وأحسن ما فسر بقوله تعالى: وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا الآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [الأحقاف:27].

    وقال الحسن البصري : يعني بذلك: ظهور الإسلام على الكفر، والمعنى: أفلا يعتبرون بنصر الله لأوليائه على أعدائه، وإهلاكه الأمم المكذبة، والقرى الظالمة، وإنجائه لعباده المؤمنين؛ ولهذا قال: أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ [الأنبياء:44] يعني: بل هم المغلوبون الأسفلون الأخسرون الأرذلون ].

    أي: أن هؤلاء المشركين لما متعهم الله، وطال عليهم العمر ظنوا أنهم على شيء، قال الله تعالى مبيناً: أَفَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا [الأنبياء:44] بإهلاك الكفرة المخالفين للرسل، كما قال سبحانه وتعالى: وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى [الأحقاف:27]، فهذا هو نقص الأرض بإهلاك هؤلاء الكفرة، وغلبة الرسل عليهم، وإنجاء الله للرسل وأتباعهم، فكيف تغترون أيها الكفار بما متعتم به من الأعمار فتظنون أنكم على شيء؟! ألا ترون أن المكذبين أهلكهم الله؟ فلا تستمروا على كفركم فإن عاقبتكم كعاقبتهم.

    وقوله تعالى: بَلْ مَتَّعْنَا هَؤُلاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ أَفَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ [الأنبياء:44] أي: بل هم المغلوبون الأسفلون، فالمكذبون وأعداء الرسل هم المغلوبون، وهم المهلكون، والعاقبة للرسل وأتباعهم.

    وقوله: (ننقصها) هذا نقص في الأرض، وجاء قول آخر أن معنى ذلك موت العلماء.

    فإن قيل: هل تستجاب دعوة الكافر؟ قلنا: نعم، قد تجاب دعوته؛ لأن هذا يتعلق بالربوبية، كما أن الله يخلق الكافر ويرزقه فقد يجيب دعوته إذا كان مضطراً، ولا يدل ذلك على قربه من الله؛ ولأنه قد يكون مظلوماً أيضاً فتجاب دعوته ولو كان كافراً، والمؤمن قد يمنع ولا تجاب دعوته إذا كان آكلاً للحرام متلبساً بالمعاصي حتى يتوب إلى الله.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ قُلْ إِنَّمَا أُنذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ [الأنبياء:45] أي: إنما أنا مبلغ عن الله ما أنذركم به من العذاب والنكال، وليس ذلك إلا عما أوحاه الله إلي، ولكن لا يجدي هذا عمن أعمى الله بصيرته، وختم على سمعه وقلبه، ولهذا قال: وَلا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ إِذَا مَا يُنذَرُونَ [الأنبياء:45].

    وقوله: وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذَابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ [الأنبياء:46] أي: ولئن مس هؤلاء المكذبين أدنى شيء من عذاب الله ليعترفن بذنوبهم، وأنهم كانوا ظالمين لأنفسهم في الدنيا.

    وقوله: وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا [الأنبياء:47] أي: ونضع الموازين العدل ليوم القيامة، والأكثر على أنه إنما هو ميزان واحد، وإنما جمع باعتبار تعدد الأعمال الموزونة فيه ].

    بيان أن الميزان يوم القيامة حقيقي حسي

    أكثر العلماء على أنه ميزان واحد، وهو ميزان عظيم له كفتان، وكل كفة أعظم من طباق السموات والأرض، وله لسان، فيوزن فيه جميع أعمال العباد، وجمع الموازين هنا لتعدد الأعمال.

    وقال آخرون من أهل العلم: إن هناك موازين متعددة، وكل شخص له ميزان يوزن به عمله، ولكن الأقرب أنه ميزان واحد، وإنما جمع نظراً لتعدد الأعمال التي توزن فيه، قال تعالى: وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ [الأنبياء:47] وهو ميزان واحد.

    وهو ميزان حسي له كفتان كل كفة كأطباق السموات والأرض، فتوزن فيه الأعمال، ويوزن الأشخاص أيضاً، وفي الحديث: (يؤتى بالرجل العظيم السمين لا يزن عند الله جناح بعوضة، ثم قرأ قول الله تعالى: فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا [الكهف:105]).

    وأنكر المعتزلة الميزان الحسي، وقالوا: ليس هناك ميزان حسي، وإنما هو ميزان معنوي وهو العدل، وقالوا: إن الرب لا يحتاج إلى ميزان، والذي يحتاج إلى الميزان هو البقال والفوال، وأما الرب فلا يحتاج إلى ميزان، وإنما المقصود بالميزان العدل، فالله يعدل بين العباد، وليس هناك ميزان حسي توزن فيه الأعمال؛ لأن الرب لا يحتاج إلى هذا، فعارضوا النصوص بعقولهم الفاسدة وآرائهم الكاسدة، والصواب: أنه ميزان حسي، له كفتان -كما دل عليه القرآن الكريم- عظيمتان، وله لسان، وتوزن فيه أعمال العباد، ويوزن فيه الأشخاص كما دلت عليه الأحاديث الصحيحة، فقد جاء أن الريح كشفت عن ساقي ابن مسعود رضي الله عنه فضحك الصحابة، فسألهم: مما ضحكتم؟ قالوا: من دقة ساقيه، فقال عليه الصلاة والسلام: والذي نفسي بيده لهما في الميزان يوم القيامة أثقل من جبل أحد)؛ بسبب عمله الصالح رضي الله عنه وأرضاه.

    وهو ميزان حسي خلافاً للمعتزلة القائلين بأن المراد به العدل، وهو أعظم من طباق السموات والأرض.

    ثقل العمل في الميزان يوم القيامة

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ وقوله: فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ [الأنبياء:47]، كما قال تعالى: وََلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا [الكهف:49]، وقال: إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا [النساء:40].

    وقال لقمان : يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَوَاتِ أَوْ فِي الأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ [لقمان:16].

    وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم) ].

    والشاهد قوله صلى الله عليه وسلم: (ثقيلتان في الميزان)، وهذا الحديث آخر حديث في صحيح البخاري، فهي لا تكلف شيئاً، وهي خفيفة على اللسان، والرحمن يحبها، وهي ثقيلة في الميزان، وفيه إثبات المحبة للرب عز وجل: (حبيبتان إلى الرحمن).

    والحديث فيه الرد على من أنكر المحبة من الأشاعرة والمعتزلة والجهمية.

    ويوم القيامة يوزن العمل، ويوزن بعض الأشخاص كما جاء هذا في الأحاديث، كما في حديث ابن مسعود : (أنه يؤتى بالرجل العظيم السمين لا يزن عند الله جناح بعوضة).

    حديث البطاقة

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ وقال الإمام أحمد : حدثنا إبراهيم بن إسحاق الطالقاني قال: حدثنا ابن المبارك عن ليث بن سعد قال: حدثني عامر بن يحيى عن أبي عبد الرحمن الحبلي قال: سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله عز وجل يستخلص رجلاً من أمتي على رءوس الخلائق يوم القيامة فينشر عليه تسعة وتسعين سجلاً كل سجل مد البصر، ثم يقول: أتنكر من هذا شيئاً؟ أظلمتك كتبتي الحافظون؟ قال: لا يا رب، قال: أفلك عذر أو حسنة؟ قال: فبهت الرجل فيقول: لا يا رب، فيقول: بلى إن لك عندنا حسنة واحدة، لا ظلم اليوم عليك، فيخرج له بطاقة فيها: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، فيقول: أحضروه، فيقول: يا رب، ما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ فيقول: إنك لا تظلم، قال: فتوضع السجلات في كفة والبطاقة في كفة، قال: فطاشت السجلات وثقلت البطاقة، قال: ولا يثقل شيء بسم الله الرحمن الرحيم) ].

    الحبلى: بضم الحاء والباء.

    هذا الحديث معروف عند أهل العلم بحديث البطاقة، وهو أرجى حديث لأهل السنة، وأرجى حديث للمؤمنين، وفيه قصة الرجل الذي يخرج له تسعة وتسعون سجلاً كل سجل مد البصر، وكله سيئات، فيعرض عليه، فيقول الله: أليست هذه أعمالك؟ فيقول: بلى يا رب! فيقول: أظلمتك كتبتي الحفظة؟ هل يوجد شيء لم تعمله؟ فيقول: لا يا رب! فيقول: هل لك حسنة ؟ أتذكر شيئاً عملته؟ فيقول: لا يا رب! فيقول الله: بلى إن لك عندنا حسنة، فيخرج له بطاقة فيها الشهادتان: أشهد أن لا إله الله وأشهد أن محمد رسول الله، فتوضع البطاقة في كفة والسجلات في كفة، فطاشت السجلات وثقلت البطاقة فغفر له.

    فهذا أرجى حديث للمؤمنين الموحدين، ومعلوم أن كل واحد من المسلمين له مثل هذه البطاقة، وكل واحد يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله، وكثير من المسلمين عصاة يعذبون في النار، ويعذبون في قبورهم، وهذا الرجل نجا فما السبب مع أن له بطاقة فيها الشهادتان، وكل المسلمين لهم مثل هذه البطاقة؟ والجواب: أن هذه الشهادة قالها عن علم وصدق وإخلاص وتوبة صادقة، فمحت هذه الذنوب وقضت عليها، فقد تاب عند الموت ولم يتمكن من العمل، فالتوبة محت هذا الذنوب وقضت عليها.

    وليس هذا الحديث حجة لمن يترك الصلاة؛ لأن هذا قالها عن توبة وإخلاص وصدق لكنه لم يتمكن من العمل، ومن شروط صحة الشهادة الصلاة، فمن لم يصل لم تصح شهادته، والذي لا يصلي تلغى هذه الشهادة، وقد يكون قد قالها عند الموت عن توبة وإخلاص ولم يتمكن من العمل؛ لأنه لا تصح الشهادة ولا تكون شهادة نافعة إلا إذا وجد شرطها، وشرطها الصلاة، فالصلاة شرط صحة الإيمان وصحة الشهادة، ومن لم يصل فتكون شهادته باطلة منتقضة.

    كما أن من صلى بغير وضوء فصلاته باطلة، فكذلك من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله بغير صلاة لم تصح شهادته.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ورواه الترمذي وابن ماجة من حديث الليث بن سعد به، وقال الترمذي : حسن غريب ].

    قوله: (ولا يثقل مع اسم الله شيء)، وهذه الزيادة فيها نظر، والحديث رواه الترمذي ، ولا بأس به، واعتمده العلماء، وهو مشهور بحديث البطاقة.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ وقال الإمام أحمد : حدثنا قتيبة حدثنا ابن لهيعة عن عمرو بن يحيى عن أبي عبد الرحمن الحبلي عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (توضع الموازين يوم القيامة، فيؤتى بالرجل فيوضع في كفة، ويوضع ما أحصي عليه فيمايل به الميزان، قال: فيبعث به إلى النار، قال: فإذا أدبر به إذا صائح من عند الرحمن عز وجل يقول: لا تعجلوا فإنه قد بقي له، فيؤتى ببطاقة فيها لا إله إلا الله، فتوضع مع الرجل في كفة حتى يميل به الميزان) ].

    يميل به: أي يرجح به، ومال الميزان: رجح، وهذا كله فيه دليل على أن الميزان ميزان حقيقي حسي، وله كفتان حسيتان، وفيه الرد على المعتزلة القائلين بأنه ميزان معنوي وليس ميزاناً حسياً، وهذه النصوص دليل أنه ميزان حسي، وله كفتان، يوضع فيهما الأشخاص والأعمال، وتوزن حقيقة.

    كيفية القصاص يوم القيامة

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ وقال الإمام أحمد أيضاً: حدثنا أبو نوح قراد قال: أنبأنا ليث بن سعد عن مالك بن أنس عن الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها: (أن رجلاً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم جلس بين يديه فقال: يا رسول الله! إن لي مملوكين يكذبونني ويخونونني ويعصونني وأضربهم وأشتمهم فكيف أنا منهم؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: يحسب ما خانوك وعصوك وكذبوك وعقابك إياهم، فإن كان عقابك إياهم بقدر ذنوبهم كان كفافاً لا لك ولا عليك، وإن كان عقابك إياهم دون ذنوبهم كان فضلاً لك، وإن كان عقابك إياهم فوق ذنوبهم اقتص لهم منك الفضل الذي بقي قبلك، فجعل الرجل يبكي بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ويهتف، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ماله لا يقرأ كتاب الله: وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ [الأنبياء:47]، فقال الرجل: يا رسول الله! ما أجد شيئاً خيراً من فراق هؤلاء - يعني عبيده - إني أشهدك أنهم أحرار كلهم) ].

    أبو نوح هو عبد الرحمن بن غزوان، وكنيته أبو نوح ولقبه قراداً.

    وليث بن سعد إمام، والزهري كذلك إمام، وعروة إمام من أئمة التابعين.

    هذا الرجل يقول: إن له عبيداً لا يطيعونه ويكذبونه ويخونونه، وهو يضربهم ويشتمهم، ويقول للرسول صلى الله عليه وسلم ما حالي وحالهم يوم القيامة؟ فقال: ينظر إن كان عقابك إياهم أقل من كذبهم وخيانتهم لك بقي لك فضل يوم القيامة، وإن كان بمقدار كذبهم وخيانتهم فهو كفاف لا لك ولا عليك، وإن كان عقابك أكثر فيقتصون منك الزائد، فاختار أن يفارقهم وأعتقهم.

    والسيد إذا ضرب عبيده ضرب تأديب فلا بأس بذلك، فضرب التأديب مطلوب، لكن إذا زاد فذلك ممنوع، والمراد أن يكون الضرب ضرب تأديب لا ضرب تعذيب، وكذلك ضرب الخادم، وضرب التلميذ، وضرب الأب لابنه، فالأب ينبغي عليه أن يضرب ضرب تأديب، فإذا زاد فإنه يقتص منه، فلا يضرب ضرب تعذيب وإيذاء.

    وكذلك ضرب الرجل زوجته عند خوف نشوزها قال الله تعالى: فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ [النساء:34]، فبعد الوعظ والهجر يأتي الضرب، ويكون ضرب تأديب، قال العلماء: لا يضرب الوجه، ولا يكسر عظماً، ولا يجرح.