إسلام ويب

شرح كتاب الجامع لأحكام العمرة والحج والزيارة - حجة الوداعللشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من أجمع الأحاديث في صفة حج النبي صلى الله عليه وسلم هو حديث جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنه؛ حيث وصف أعمال النبي صلى الله عليه وسلم في الحج منذ خروجه من المدينة حتى رجوعه إليها.

    1.   

    بيان كون حديث جابر أشمل الأحاديث في صفة حج النبي صلى الله عليه وسلم

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين.

    أما بعد:

    فإننا سنذكر في هذا الدرس حجة الوداع كما في سياق حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه في قصة حجة النبي صلى الله عليه وسلم، وهي الحجة الوحيدة التي حجها صلى الله عليه وسلم بعد هجرته.

    والسياق الذي ذكره جابر بن عبد الله هو من أكمل السياقات لحجة النبي صلى الله عليه وسلم، وكأنه كان له اعتناء خاص بهذه القصة، ولذلك ذكرها بطولها.

    يقول الإمام النووي رحمه الله في شرح مسلم :

    حديث جابر رضي الله عنه وهو حديث عظيم مشتمل على جمل من الفوائد ونفائس من مهمات القواعد، وهو من أفراد مسلم ؛ لم يروه البخاري في صحيحه، ورواية أبي داود كرواية مسلم .

    قال القاضي عياض : وقد تكلم الناس على ما فيه من الفقه وأكثروا، وصنف فيه أبو بكر بن المنذر جزء كبيراً، وخرج فيه من الفقه مائة ونيفاً وخمسين نوعاً، ولو تقصي لزيد على هذا القدر قريب منه.

    فهذا الحديث فيه فوائد فقهية كثيرة جداً، وبعضها ذكرها الإمام النووي في شرحه الحديث، وأيضاً ذكرها الحافظ ابن حجر في سياق أحاديث حج النبي صلى الله عليه وسلم، وكذا ذكرها صاحب عون المعبود في شرح هذا الحديث.

    وسياق الحديث بكماله رواه الإمام مسلم في صحيحه كما ذكرنا، وأيضاً رواه الإمام أبو داود بطوله، ورواه الإمام أحمد أيضاً، ورواه ابن ماجة بطوله.

    وهذا الحديث استقصى طرقه ورواياته العلامة الشيخ الألباني رحمه الله في كتابه (حجة النبي صلى الله عليه وسلم)، فذكر سياق حديث جابر ، واستوفى كل ما وصل إليه من ألفاظ في الحديث، ونذكر رواية مسلم ، والزيادات التي على هذه الرواية مما نحتاج إليه في الفقه، فهناك زيادات كثيرة موجودة وهي معان مترادفة، فلا نحتاج إلى معان مترادفة، ولكن نذكر ما نحتاج إليه كفقه في الحديث نفسه، فنذكر الزيادات التي يحتاج إليها في ذلك، ومن شاء الألفاظ التي استوعبها الشيخ الألباني فليرجع إلى روايات حديث جابر التي ذكرها العلامة الألباني رحمة الله عليه.

    1.   

    شرح حديث جابر في صفة حج النبي صلى الله عليه وسلم

    هذا الحديث رواه مسلم عن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن أبيه محمد بن علي بن الحسين قال: (دخلنا على جابر بن عبد الله فسأل عن القوم حتى انتهى إليه، فقلت: أنا محمد بن علي بن الحسين ، فأهوى بيده إلى رأسي فنزع الردء الأعلى ثم نزع الردء الأسفل، ثم وضع كفه بين ثدييه، وأنا يومئذ غلام شاب، فقال: مرحباً بك يا ابن أخي! سل عما شئت، قال: فسألته وهو أعمى، وحضر وقت الصلاة فقام في نساجة ملتحفاً بها كلما وضعها على منكبه رجع طرفاها إليه من صغرها، ورداؤه إلى جنبه على المشجب فصلى بنا).

    فهنا الذي يروي لنا هذا الحديث هو جعفر بن محمد بن علي بن الحسين رضي الله عنه، يرويه عن أبيه محمد بن علي بن الحسين أنه دخل على جابر بن عبد الله رضي الله عنه.

    وواضح من هذه الرواية أن جابراً كان قد عمي، فكان رضي الله تبارك وتعالى عنه يسأل عن القوم الذين اللي دخلوا عليه، فقالوا: فلان وفلان إلى أن وصلوا إلى محمد بن علي بن الحسين .

    و محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب من آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، فيكون له مزيد من الإكرام ومزيد من الضيافة، وكان شاباً صغيراً، يعني: في سن خمس عشرة أو ست عشرة سنة.

    فـجابر بن عبد الله وضع يده على صدره بين ثدييه، هذا يليق بمن كان في مثل سنه، وهذا نوع من الملاطفة، فهذا الضيف جاء إليه وهو من آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم فلاطفه بذلك، وكان هذا لا يحصل مع الرجل الكبير، وكل ضيف يتعامل الإنسان معه على قدر سنه وعلى قدر منزلته.

    ولذلك الإمام النووي يذكر في هذه القطعة عدة من الفوائد فيقول:

    يستحب لمن ورد عليه زائرون أو ضيفان ونحوهم أن يسأل عنهم لينزلهم منازلهم.

    وفيه: إكرام أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم كما فعل جابر بـمحمد بن علي بن الحسين .

    ومنها: استحباب قوله للزائر والضيف ونحوهما يرحب بهما: مرحباً.

    ومنها: ملاطفة الزائر بما يليق به وتأنيسه، أي: ملاطفة الزائر بالشيء الذي يليق به حسب سن هذا الزائر، وما يليق بمثله من الملاطفة، وتأنيسه؛ حتى لا يستشعر بوحشة، وأنه جالس بين كبار السن وهو صغير بينهم، فكأن جابراً كان يقبل عليه ويربت على صدره كنوع من الملاطفة والتأنيس له.

    قال الإمام النووي : وهذا سبب حل جابر زري محمد بن علي ووضع يده بين ثدييه، يعني: كأن القميص كان له زر أعلى وزر ثان أسفل، ففك الزرين ووضع يده على صدره كنوع من الملاطفة والتأنيس له والمعرفة لمنزلته ومكانه رضي الله عنه.

    يقول: (فسألته وهو أعمى، وحضر وقت الصلاة فقام في نساجة ملتحفاً بها) كأنه قام فصلى بهم إماماً، رضي الله تبارك وتعالى عنه وعليه نساجة يلتحف بها، والنساجة: عبارة عن ثوب ملفق، وخروق لفق بعضها ببعض وجعلها ثوباً، وكأن هذا الثوب كان صغيراً، فكلما وضعه على منكبه رجع طرفاها إليه من صغرها، يعني: يلتحف على المنكبين، لكنها من صغرها كانت تسقط من شماله وتسقط من يمينه، فيرجع طرفاها إليه من صغرها.

    تهيؤ النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه لحجة الوداع

    قال محمد بن علي بن الحسين: (فصلى بنا، فقلت: أخبرني عن حجة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال بيده، فعقد تسعاً -يعني: عقد بيده العدد تسعة- قال: فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم مكث تسع سنين لم يحج، ثم أذن في الناس في العاشرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حاج، فقدم المدينة بشر كثير كلهم يلتمس أن يأتم برسول الله صلى الله عليه وسلم).

    أي: أن هذه هي السنة الوحيدة التي حجها، وهي الحجة التي سميت بحجة الوداع؛ لكون النبي صلى الله عليه وسلم كان يأمرهم ويحثهم أن يأخذوا المناسك منه صلى الله عليه وسلم، كما جاء في صحيح مسلم وغيره عن جابر قال: (رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يرمي على راحلته يوم النحر ويقول: لتأخذوا عني مناسككم؛ فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه).

    فقوله: (لعلي لا أحج بعد حجتي هذه) فيه إشارة إلى توديعه صلى الله عليه وسلم، وإعلامهم بقرب وفاته صلوات الله وسلامه عليه، فكان يحثهم على أن يأخذوا المناسك منه عليه الصلاة والسلام، وينتهزوا الفرصة أنه معهم فيعلمهم صلوات الله وسلامه عليه.

    فمكث النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة تسع سنين لم يحج، قال: (ثم أذن في الناس -أي: أعلم الناس- وجعل منادياً ينادي على الناس بذلك: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حاج -يعني: في العام العاشر- فقدم المدينة بشر كثير، كلهم يلتمس أن يأتم برسول الله صلى الله عليه وسلم).

    يعني: أنهم لم ينتظروا حتى يخرج ويقابلوه في الطريق، وإنما قدموا من أجل أنه من أول ما يخرج يأتسون ويقتدون به صلوات الله وسلامه عليه.

    قال: (كلهم يلتمس أن يأتم برسول الله صلى الله عليه وسلم ويعمل مثل عمله، فخرجنا معه حتى أتينا ذا الحليفة فولدت أسماء بنت عميس محمد بن أبي بكر ، فأرسلت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: كيف أصنع؟ فقال: اغتسلي واستثفري بثوب وأحرمي).

    يعني: أنه خرج حتى وصل ذا الحليفة، فولدت أسماء بنت عميس ، وكانت في ذلك الحين زوجة لـأبي بكر الصديق رضي الله تبارك وتعالى عنه.

    في رواية لـابن عباس لهذا الحديث قال: (انطلق النبي صلى الله عليه وسلم من المدينة بعدما ترجل وادهن ولبس إزاره ورداءه هو وأصحابه فلم ينه عن شيء من الأردية والأزر تلبس إلا المزعفرة التي تردع على الجلد).

    يعني: أنه لم ينه عن أي نوع من أنواع الثياب يلبسها الإنسان من قطن أو من صوف أو من غيرها؛ فيلبس الإنسان ما شاء إلا ما كان حراماً من حرير؛ فقد نهى عنه صلى الله عليه وسلم، وإلا ما كان مزعفراً فإذا وضع وعرق الإنسان فإنه يلطخ ثيابه باللون الأصفر، وأيضاً هو من الطيب.

    بيان كيفية إهلال النبي صلى الله عليه وسلم وتلبيته

    قال جابر رضي الله عنه: (فأصبح صلى الله عليه وسلم بذي الحليفة فركب راحلته حتى استوى على البيداء أهل هو وأصحابه، وقلد بدنته، وذلك لخمس بقين من ذي القعدة) وفي بعض الروايات: (وقلد البدن).

    يعني: أن خروج النبي صلى الله عليه وسلم كان في شهر ذي القعدة قبل أن ينتهي بخمسة أيام أو خمس ليال.

    وساق النبي صلى الله عليه وسلم معه بدناً من المدينة، ووصى علياً أن يشتري له من اليمن بدناً، فكان مجموع ما ساقه وما قدم به علي رضي الله عنه مائة، كلها أهداها النبي صلى الله عليه وسلم إلى البيت.

    وقوله: (قلد بدنته) التقليد هو: وضع قلادة من ليف في عنقها، فالحبل الذي يوضع في عنق الدابة يقال له: قلادة، وأصل القلادة: ما تضعه المرأة من شيء في رقبتها.

    وجاء في رواية: (أنه علق فيها نعليه)، يعني: أن ناقة النبي صلى الله عليه وسلم التي قلدها وضع في عنقها حبلاً من ليف، وفي هذا الحبل علق نعليه، وكأنه إشارة إلى الحث على التوجه إلى بيت الله سبحانه وتعالى والمشي والطاعة في ذلك.

    قال: (وذلك لخمس بقين من ذي القعدة، فقدم مكة لأربع ليال خلون من ذي الحجة)، يعني: أنه بقي في الرحلة تسعة أيام؛ فخرج من المدينة وبقي خمسة أيام انتهى شهر ذي القعدة، ووصل مكة صلى الله عليه وسلم في الرابع من ذي الحجة، فأخذ منه المسير تسعة أيام.

    هنا يقول جابر : (إن أسماء بنت عميس ولدت محمد بن أبي بكر فأرسلت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: كيف أصنع؟).

    يعني: ماذا أعمل وأنا نفساء؟

    فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (اغتسلي واستثفري بثوب وأحرمي).

    يعني: أن السنة في المرأة النفساء التي تلد، ومثلها الحائض كذلك أنها تغتسل، فإذا كانت هذه في غسلها لن يفيدها إلا التنظف فقط، فإن من يفيده الغسل العبادة من باب أولى، كالذي عليه جنابة، فإن الغسل يرفع هذه الجنابة، وهذا أولى، وكذلك المرأة التي انتهى حيضها فيلزمها التطهر، فهذه أولى أن تغتسل لذلك، فالغسل هنا غسل تنظف، تتنظف المرأة ويتنظف الرجل ويستعد لأعمال المناسك.

    وقوله: (استثفري) بمعنى: تلجمي، يعني: ضعي على مكان نزول الدم شيئاً من الثياب واربطيه جيداً؛ حتى لا ينزل منك الدم.

    قال: (وأحرمي، فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد، ثم ركب القصواء) وهي ناقة النبي صلى الله عليه وسلم، ولها أسماء، وهذا من أسمائها.

    في رواية النسائي لهذا الحديث: (فلما أتى ذا الحليفة صلى وهو صائم حتى أتى البيداء). يعني: ما زال لم يلب عليه الصلاة والسلام؛ لأنه جاء وقت الصلاة فصلى صلى الله عليه وسلم الصلاة ولم يكن قد أهل إلى أن أتى البيداء فبدأ بالتلبية بعدما ركب ناقته.

    وهنا ذكر القصواء، وفي رواية ذكر: (الجدعاء)، في رواية ذكر: (العضباء)، وفي رواية: (على ناقة خرماء)، والظاهر أنها هي هي، فهي ناقة واحدة، وكأن هذه أوصاف أو أسماء لهذه الناقة التي ركبها النبي صلى الله عليه وسلم.

    قال: (ثم ركب القصواء حتى إذا استوت به ناقته على البيداء نظرت إلى مد بصري بين يديه من راكب وماش).

    يعني: استوت ناقة النبي صلى الله عليه وسلم به وكانت الطريق والصحراء أمامه مليئة بالناس من بين اليدين ومن اليمين والشمال.

    قال: (نظرت إلى مد بصري من بين يديه من راكب وماش، وعن يمينه مثل ذلك، وعن يساره مثل ذلك، ومن خلفه مثل ذلك، ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرنا، وعليه ينزل القرآن، وهو يعرف تأويله، وما عمل به من شيء عملنا به).

    يعني: أن الجميع كانوا ينظرون إلى فعله صلى الله عليه وسلم، وكان القرآن ينزل عليه وهو يعمل صلوات الله وسلامه عليه وهم يقتدون.

    قال: (فأهل بالتوحيد: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك)، هذا إهلاله صلى الله عليه وسلم، وأهل بمعنى: رفع الصوت، فرفع صوته صلى الله عليه وسلم بهذه التلبية، وأهل الناس بهذه التلبية، فالنبي صلى الله عليه وسلم أهل بذلك، والناس اقتدوا به صلى الله عليه وسلم، وزادوا عليه أشياء لم ينكرها عليه الصلاة والسلام؛ فجاء في رواية: (أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يهل بإهلال رسول الله صلى الله عليه وسلم بهؤلاء الكلمات ويقول: لبيك اللهم لبيك، لبيك وسعديك، والخير في يديك، لبيك والرغباء إليك والعمل)، فزاد هذه الكلمة: (والرغباء) يعني: السؤال، والطلب، أي: نطلب منك ونسألك ونرغب فيما عندك، وقوله: (والعمل) يعني: نخلص العمل ونوجهه إليك.

    وجاء أيضاً فيه رواية أخرى عن عبد الله بن عمر : (أن تلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك، وكان عبد الله بن عمر يزيد في تلبيته: لبيك لبيك، لبيك وسعديك، والخير في يديك، والرغباء إليك والعمل)، ففيها زيادة كانوا يقولونها، ومنهم عمر ومنهم عبد الله بن عمر ، وأما النبي صلى الله عليه وسلم فالتزم تلبيته.

    وفي رواية لـجابر عند أبي داود قال: (وذكر التلبية والناس يزيدون: ذا المعارج، ونحوه من الكلام، والنبي صلى الله عليه وسلم يسمع فلا يقول لهم شيئاً)، (والمعارج) جمع معراج وهو: الذي تعرج فيه الملائكة إلى السماء، فقوله: (ذا المعارج) يعني: يا صاحب السماوات! يا صاحب المعارج التي تعرج الملائكة فيها إلى السماء!

    فالله سبحانه يملك كل شيء، فكانوا يقولون ذلك والنبي صلى الله عليه وسلم لا ينكر عليهم هذا الذي يقولونه.

    وجاء عن عمر أيضاً أنه كان يزيد: (لبيك ذا النعماء والفضل الحسن، لبيك مرهوباً منك ومرغوباً إليك).

    وعن ابن عمر رضي الله عنهما: (لبيك وسعديك، والخير بيديك والرغباء إليك والعمل).

    وعن أنس رضي الله عنه: (لبيك حقاً؛ تعبداً ورقاً، لبيك حقاً؛ تعبداً ورقاً).

    فهذه بعض الزيادات التي كانوا يقولونها، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يزد على تلبيته التي قال.

    قال جابر : (فلم يرد رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم شيئاً منه، ولزم رسول الله صلى الله عليه وسلم تلبيته).

    قال جابر رضي الله عنه: (لسنا ننوي إلا الحج، لسنا نعرف العمرة).

    فـجابراً ذكر أن كل الذي نلبي به هو الحج، ولكن ذكرنا قبل ذلك عن عائشة أنها ذكرت: أن الصحابة منهم من لبى بالحج ومنهم من لبى بالعمرة ومنهم من جمع بين الاثنين، فهنا الذي علم حجة على من لم يعلم، والعدد كان ضخماً جداً مع النبي صلى الله عليه وسلم، فـجابر سمع من حوله وهم لا يعرفون إلا الحج فقط، وعائشة سمعت غيره ممن لبوا بعمرة، وممن لبوا بحج وعمرة، وممن لبوا بحج فقط.

    إذاً: هنا كونه يقول: (لسنا نعرف العمرة) يعني: في هذه الحجة، هذا في ظن جابر رضي الله عنه.

    كيفية الطواف بالبيت

    قال جابر: (حتى إذا أتينا البيت معه -أي: مع النبي صلى الله عليه وسلم- استلم الركن فرمل ثلاثاً ومشى أربعاً، ثم نفذ إلى مقام إبراهيم عليه السلام فقرأ: وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى [البقرة:125]).

    يعني: أن النبي صلى الله عليه وسلم وصل إلى البيت، وهنالك عند البيت أول ما بدأ استلم الركن والحجر الأسود.

    وقوله: (فرمل ثلاثاً ومشى أربعاً)، ما فعله قبل ذلك في عمرة القضاء هو أنه رمل لعلة معينة، والآن هذه العلة غير موجودة، ومع ذلك فعل ذلك، فصارت سنة، وسنة الرمل هي في أول ثلاثة أشواط ثم بعد ذلك المشي في الأربعة بعد ذلك.

    وقوله: (ثم نفذ إلى مقام إبراهيم) أي: توجه إلى مقام إبراهيم عليه السلام، قال: (فقرأ: وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى [البقرة:125])، يعني: أنه يسن بعدما تنتهي من الطواف بالبيت أن تتوجه إلى مقام إبراهيم؛ لتصلي خلفه ركعتين، تقول وأنت متوجه إليه: وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى [البقرة:125]، ثم تصلي ركعتين.

    قال: (فجعل المقام بينه وبين البيت)، قال راوي الحديث -الذي هو جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه- فكان أبي -يعني: محمد بن علي بن الحسين يقول -ولا أعلمه ذكره إلا عن النبي صلى الله عليه وسلم- : كان يقرأ في الركعتين: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، وقُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ، يعني: قرأها في الركعتين، وهنا عطف بالواو التي تفيد مطلق الاشتراك بين الاثنين؛ فيجوز أن تبدأ بـ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، ويجوز أن تبدأ بـ قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ ، إحداهما في ركعة وفي الركعة الثانية السورة الأخرى.

    وجاءت أحاديث أخرى عنه صلوات الله وسلامه عليه، فكأن الرواة لم يضبطوا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى خلف المقام ركعتين فقط، فروى بعضهم أنه قرأ في الأولى: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ وفي الثانية: قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ، وبعضهم ذكر عكس ذلك؛ فذكر هذه في الأولى وتلك في الثانية، فكل جائز.

    وروى الترمذي عن جابر : (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ في ركعتي الطواف بسورتي الإخلاص: قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ وقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) يعني: بعد قراءة الفاتحة.

    قال: (ثم رجع إلى الركن فاستلمه) صلوات الله وسلامه عليه، وهذا فيه سنة أخرى: أنك بعدما تنتهي من صلاة الركعتين خلف مقام إبراهيم ترجع وتستلم الركن مرة ثانية، وهذا طبعاً إن استطعت ذلك؛ لأن الآن مع الزحام أصبح هذا صعباً جداً، ولكن من استطاع أن يفعل فليفعل كل بحسب ما يقدر.

    كيفية السعي بين الصفا والمروة

    قال جابر: (ثم خرج من الباب إلى الصفا)، يعني: أنه لم ينزل على نصف المسعى مباشرة، وإنما ذهب من الباب إلى الصفا، فهذه سنة النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا انتهيت من الصلاة خلف مقام إبراهيم، فتوجه مباشرة مستقيماً إلى الصفا، ولا تمش من ساحة الحرم إلى أن تصل إلى الصفا، فتخرج من باب الصفا إلى الصفا مباشرة، بحيث تمشي جزء من الشوط داخل المسعى، بل امش إلى الصفا وابدأ من الصفا؛ مراعاة لقول الله سبحانه في الصفا والمروة: إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ [البقرة:158]، فبدأ بالصفا.

    وكذا قرأها النبي صلى الله عليه وسلم وفسرها بفعله عليه الصلاة والسلام، مع أننا نقول: إن الواو في اللغة لا تقتضي ترتيباً، إنما تقتضي مطلق الاشتراك فقط، ولكن ربنا سبحانه قدم الصفا على المروة، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: (نبدأ بما بدأ الله به)، فيكون هذا مقصوداً، حتى وإن كانت الواو لمطلق الاشتراك، لكن سنة النبي صلى الله عليه وسلم بينت أن الابتداء يكون بالصفا.

    فهنا قرأ النبي صلى الله عليه وسلم: إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ [البقرة:158]، وقال: (أبدأ بما بدأ الله به) يعني: أن الله عز وجل إذا ذكر شيئاً وعطفه بالواو فنبدأ بالذي بدأ به الله سبحانه تبارك وتعالى، سواء قلنا: إن الواو تقتضي مطلق الاشتراك أو تقتضي الترتيب، والصواب أنها لمطلق الاشتراك، لكن لم يقدمها الله عز وجل إلا لسبب من الأسباب، فنبدأ بما بدأ الله سبحانه تبارك وتعالى به.

    قال: (فقرأ: إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ [البقرة:158]، فبدأ بالصفا فرقي عليه، حتى رأى البيت، فاستقبل القبلة، فوحد الله وكبره، وقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، ثم دعا بين ذلك، قال مثل هذا ثلاث مرات).

    وجاء في حديث آخر عن جابر أيضاً من رواية النسائي قال: (قرأ: وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى [البقرة:125]، ورفع صوته يسمع الناس) يعني: أنه بعدما أكمل الطواف وتوجه إلى مقام إبراهيم قرأ هذه الآية ورفع صوته؛ ليسمع الناس أن هنا مقام إبراهيم وهنا نصلي خلفه ركعتين.

    قال: (ثم انصرف فاستلم)، يعني: استلم الحجر الأسود مرة أخرى قبل أن يتوجه إلى الصفا.

    قال: (ثم ذهب فقال: نبدأ بما بدأ الله به، فبدأ بالصفا فرقي عليه حتى بدا له البيت فقال ثلاث مرات: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت).

    وقوله: (يحيي ويميت) زيادة موجودة في سنن النسائي وليست في صحيح مسلم .

    قال: (يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير، فكبر الله وحمده ثم دعا بما قدر له، ثم نزل ماشياً حتى تصوبت قدماه في بطن المسيل، فسعى حتى صعدت قدماه، ثم مشى حتى أتى المروة فصعد فيها، ثم بدا له البيت فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، قال ذلك ثلاث مرات، ثم ذكر الله وسبحه وحمده، ثم دعا عليها بما شاء الله، فعل هذا حتى فرغ من الطواف).

    وفي رواية جابر بعدما ذكر أنه قال ذلك على الصفا قال: (ثم نزل إلى المروة، حتى إذا انصبت قدماه في بطن الوادي سعى)، فهنا السنة المشي من الصفا إلى بطن الوادي الذي عند الميل الأول الأخضر، فإذا وصلت إلى هذا المكان فابدأ فيه السعي الشديد أو شيئاً من الجري بين الميل الأول والميل الثاني.

    قال: (حتى إذا انصبت قدماه في بطن الوادي سعى، حتى إذا صعدنا مشى حتى أتى المروة، ففعل على المروة كما فعل على الصفا، حتى إذا كان آخر طوافه على المروة، فقال: لو أني استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي وجعلتها عمرة).

    يعني: أنه في المرة السابعة انتهى إلى المروة، فقال: إنه لو استقبل من أمره ما استدبر لم يسق الهدي ولجعلها عمرة، يعني: ولكان تحلل كما تحلل أصحابه، ولكنه لبى بحج وعمرة، فكان قارناً وساق معه الهدي، فليس له أن يتحلل الآن عليه الصلاة والسلام.

    جواز التحلل بعد العمرة لمن لم يسق الهدي

    قال جابر رضي الله عنه: قال صلى الله عليه وسلم: (فمن كان منكم ليس معه هدي فليحل، وليجعلها عمرة) يعني: يتحلل، وقال لهم هذا الشيء بعد ما صار على الصفا، وكأنه كررها صلى الله عليه وسلم لهم حتى يبلغ بعضهم بعضاً، وحتى يبلغ الأمر للجميع أن يفعلوا ذلك.

    في رواية في الصحيحين عن جابر قال: (إنه حج مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم ساق البدن معه وقد أهلوا بالحج مفردين، فقال لهم: أحلوا من إحرامكم بطواف البيت وبين الصفا والمروة، وقصروا ثم أقيموا حلالاً، حتى إذا كان يوم التروية فأهلوا بالحج، واجعلوا التي قدمتم بها متعة، فقالوا: كيف نجعلها متعة وقد سمينا الحج؟ فقال: افعلوا ما أمرتكم، فلولا أني سقت الهدي لفعلت مثل الذي أمرتكم، ولكن لا يحل مني حرام حتى يبلغ الهدي محله، فافعلوا).

    يعني: أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بأن يجعلوا هذه التي قدموا بها عمرة، مع أنهم نووا الحج، وبين لهم أن يفعلوا هذا الشيء، وقال لهم: أنا كنت أود أن أفعل ذلك، ولكني سقت الهدي.

    قال صلى الله عليه وسلم: (من كان منكم ليس معه هدي فليحل، وليجعلها عمرة)، يعني من كان معه الهدي وقد لبى بالحج فليس له أن يتحلل، فقد لبى بالحج والعمرة فليس له أن يتحلل، وإنما الذي له أن يتحلل هو من لم يسق الهدي، فإذا كان لبى بالحج فله أن يتحلل ويجعلها عمرة.

    وإذا لبى قارناً ولم يكن معه هدي فله أيضاً أن يتحلل ويجعلها عمرة، وإذا لبى متمتعاً يعني: لبى بالعمرة وساق الهدي فله أيضاً أن يتحلل، فالهدي ليس هو الذي يلزم المتمتع أن يظل على إحرامه، إنما الذي يلزمه ذلك هو ما نواه في البداية، فإذا نوى الإفراد أو نوى القران وقد ساق الهدي معه فيظل على إحرامه، وقد فصلنا ذلك المرة السابقة.

    قال: (فقام سراقة بن مالك بن جعشم فقال: يا رسول الله! ألعامنا هذا أم للأبد؟ فشبك رسول الله صلى الله عليه وسلم أصابعه واحدة في الأخرى وقال: دخلت العمرة في الحج -مرتين- لا بل لأبد الأبد).

    المعنى: إن العمرة دخلت في الحج للأبد، فلك أن تحج قارناً ليس هذا العام ولكن لأبد الأبد، قال الإمام النووي : اختلف العلماء في معنى هذا الحديث، أي: ما هو معنى قوله: (دخلت العمرة في الحج لأبد الأبد)؟ قال: اختلفوا على أربعة أقوال، أصح هذه الأقوال: ما قال به جمهور العلماء: معناه: أن العمرة يجوز فعلها في أشهر الحج إلى يوم القيامة.

    والمقصود به: بيان إبطال ما كانت الجاهلية تزعمه من امتناع العمرة في أشهر الحج.

    قلنا: إن أهل الجاهلية كانوا يقولون: إن العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور، فهدم الإسلام هذا الذي كانوا يقولونه، وأمرهم بأن يؤدوا العمرة في أشهر الحج، وقد اعتمر النبي صلى الله عليه وسلم عمره كلها في أشهر الحج في ذي القعدة ثلاث عمر وعمرته مع حجته صلوات الله وسلامه عليه بذي الحجة.

    إذاً: قوله: (دخلت العمرة في الحج لأبد الأبد)، يعني: أنه يجوز لك في أشهر الحج أن تعتمر ثم تتحلل ثم تحج أو تقرن بين الاثنين، وهذا المعنى الثاني -وهو جواز القران- فعله صلى الله عليه وسلم؛ فإنه عمل أعمالاً للحج هي لحجه ولعمرته صلوات الله وسلامه عليه، فدخلت العمرة في الحج لأبد الأبد.

    هذان معنيان صحيحان لهذا القول منه صلى الله عليه وسلم.

    المعنى الثالث: تأويل بعض من فسره بأن العمرة ليست واجبة، قالوا: إن قوله: (دخلت العمرة في الحج)، يعني: الحج يغني عن العمرة، والعمرة ليست واجبة، فقالوا: معناه: سقوط وجوب العمرة، ودخولها في الحج.

    قال الإمام النووي : وهذا ضعيف أو باطل.

    فالعمرة الراجح فيها من أقوال أهل العلم أنها واجبة، كما جاء ذلك في أحاديث للنبي صلى الله عليه وسلم، وقد قدمناها قبل ذلك، ومن ذلك ما جاء عن عمر من قوله: هديت لسنة النبي صلى الله عليه وسلم، ومن ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم يأمر الرجل: (حج عن أبيك واعتمر)، وفي هذا دلالة على أن العمرة واجبة.

    وهناك تأويل رابع تأوله بعض أهل الظاهر وهو جواز فسخ الحج إلى العمرة، فقوله: (دخلت العمرة في الحج)، معناه: جواز فسخ الحج إلى العمرة.

    وهنا حديث النبي صلى الله عليه وسلم يحتمل هذا كله، فيحتمل جواز فسخ الحج إلى عمرة، فقد أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بالفسخ، وأمره لهم أمر لغيرهم أيضاً، فمن أهل بالحج مفرداً فإذا طاف بالبيت يجوز له أن يفسخ ذلك ويجعله عمرة ويصير متمتعاً، ثم بعد ذلك يهل بالحج في أيام الحج لما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم.

    فـسراقة بن مالك بن جعشم يسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الحال الآن، فهم كانوا أهلوا بالحج، فلما أمرهم صلى الله عليه وسلم بأن يجعلوها عمرة، فسأله: هذه العمرة هل هي لنا الآن، أو أنها على طول؟ كأنه يسأل: هذا الفسخ لنا أو لنا ولغيرنا؟

    فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا، بل لأبد الأبد) يعني: ليس أنتم فقط، بل أنتم ومن بعدكم، فكأن الحديث احتمل معاني منها: أن العمرة في أشهر الحج جائزة، أي: أن القران جائز، والعمرة في الحج، يعني: أنك إذا نويت الحج وطفت بالبيت جاز أن تجعلها عمرة، فدخلت العمرة في الحج، ثم تهل بالحج بعد ذلك. فهذه ثلاث معان صحيحة لحديث النبي صلى الله عليه وسلم.

    الإهلال المعلق

    يقول جابر : (وقدم علي من اليمن ببدن النبي صلى الله عليه وسلم، فوجد فاطمة رضي الله عنها ممن حل ولبست ثياباً صبيغة، واكتحلت، فأنكر ذلك عليها).

    علي جاء من اليمن مهلاً، وكان يعمل للنبي صلى الله عليه وسلم، وكأنه ولاه في اليمن، ولاية من الولايات كان فيها، واشترى للنبي صلى الله عليه وسلم من اليمن الهدي، أو ما يكمل به مائة ناقة للنبي صلى الله عليه وسلم.

    قال: (فوجد فاطمة رضي الله عنها ممن حل، ولبست ثياباً صبيغة، واكتحلت، فأنكر ذلك عليها، فقالت: إن أبي أمرني بهذا)، يعني: أن علي بن أبي طالب أنكر على فاطمة : أنت في الحج وأنت محرمة فكيف تعملي هذا الشيء؟ قالت: (إن أبي أمرني بهذا، قال: فكان علي يقول بالعراق: فذهبت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم محرشاً على فاطمة للذي صنعت، مستفتياً لرسول الله صلى الله عليه وسلم فيما ذكرت عنه، فأخبرته أني أنكرت ذلك عليها فقال: صدقت صدقت)، أي: صدقت فاطمة رضي الله تبارك وتعالى عنها.

    ثم قال: يسأل علياً : (ماذا قلت حين فرضت الحج؟ فقال علي قلت: اللهم إني أهل بما أهل به رسولك صلى الله عليه وسلم).

    وكون الإنسان يهل بإهلال فلان، هذا النوع يسمى إهلالاً معلقاً، وقد ذكرنا أن أنواع الإحرام خمسة.

    وكل نوع من هذه الأنواع يجوز أن تحرم به، فيجوز أن تحرم مفرداً للحج، أو قارناً بين الحج والعمرة، أو متمتعاً بين العمرة إلى الحج، فالإنسان يحرم بعمرة، أو يحرم إحراماً مطلقاً وبعد ذلك يغير إلى شيء قبل الطواف، أو إحراماً معلقاً على إحرام فلان، كما فعل علي رضي الله تبارك وتعالى عنه.

    فـعلي أهل إهلالاً معلقاً، وكذلك أبو موسى الأشعري رضي الله عنه تبارك وتعالى عنه، وفرق النبي صلى الله عليه وسلم في الحكم بينهما، فـعلي بن أبي طالب ساق هدياً فأمره أن يبقى على إحرامه وأبو موسى لم يسق هدياً وأهل أيضاً كإهلال النبي صلى الله عليه وسلم، فأمره أن يتحلل رضي الله تبارك وتعالى عنه.

    يقول هنا: (قال: قلت - أي: علي بن أبي طالب -: اللهم إني أهل بما أهل به رسولك صلى الله عليه وسلم، قال: فإن معي الهدي فلا تحل، قال: فكان جماعة الهدي الذي قدم به علي من اليمن والذي أتى به النبي صلى الله عليه وسلم مائة) يعني: جملة هديه صلى الله عليه وسلم الذي ساقه لينحره هناك عند البيت مائة ناقة، بعضها جاء به من المدينة والبعض جاءه به علي من اليمن.

    وفي الصحيحين من حديث أبي موسى الأشعري قال: (قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو منيخ بالبطحاء، فقال لي: حججت -يعني: لبيت بالحج-؟ فقلت: نعم. قال: بما أهللت؟ قال: قلت: لبيك بإهلال كإهلال النبي صلى الله عليه وسلم، قال: قد أحسنت، طف بالبيت وبالصفا والمروة، ثم حل).

    فهنا أمر أبا موسى الأشعري بأن يحل؛ لكونه لم يكن معه هدي، فيكون مثله مثل غيره ممن لم يسق الهدي، وعلي بن أبي طالب ساق الهدي وأهل بإهلال كإهلال النبي صلى الله عليه وسلم، فأمره أن يستمر على إحرامه.

    أعمال يوم التروية

    قال جابر : (فحل الناس كلهم وقصروا إلا النبي صلى الله عليه وسلم ومن كان معه هدي، فلما كان يوم التروية توجهوا إلى منى فأهلوا بالحج).

    يعني: أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الذين كانوا معه تحللوا بعدما أكملوا أعمال العمرة، ومكثوا حلالاً أربعة أيام، أي: في اليوم الرابع أكملوا العمرة، وانتظروا يوم الثامن وهم حلال، ثم أحرموا من جديد في اليوم الثامن.

    قال: (فلما كان يوم التروية) وهذا هو اليوم الأول في أيام المناسك، ويسمى بيوم التروية؛ لكون الناس كانوا يتروون فيه من الماء، أي: يحملون الماء معهم من مكة إلى عرفات؛ ليستعملوه في الشرب وغيره، وكان الحج في الماضي صعب جداً، وكان الإنسان الذاهب إلى منى والذاهب إلى عرفة محتاجاً للماء أن يكون معه، فكان يحمل معه الماء، فانظر الرحمة التي نحن فيها الآن؛ فإنك تذهب إلى أي مكان فتجد الماء هناك، وتلاقي نافورات المواصير طالعة في السماء تنزل عليك رذاذ ماء وأنت في عرفة، وأنت في منى، وتجد أشياء عظيمة جداً بفضل الله سبحانه وتعالى؛ فإنه سبحانه يسر لعباده، فالحج في الماضي كان غاية في المشقة، فقد كان الحجاج في يوم التروية كل واحد يأخذ مزادت الماء من أجل أن تكفيه في هذه الأيام أيام المناسك.

    فاليوم الثامن كان اسمه يوم التروية، واليوم التاسع اسمه يوم عرفة، والعاشر يوم النحر، والحادي عشر يوم القر، والثاني عشر يوم النفر الأول، والثالث عشر يوم النفر الثاني، فهذه ستة أيام للمناسك؛ كل يوم له اسم من الأسماء.

    قال: (لما كان يوم التروية توجهوا إلى منى فأهلوا بالحج)، فلم يخرجوا إلى الميقات، وإنما أهلوا من مكانهم، وذكروا أنهم أهلوا من البطحاء، بطحاء مكة.

    قال هنا: (توجهوا إلى منى فأهلوا بالحج)، وفي رواية الإمام أحمد لهذا الحديث قال جابر : (فأمرنا بعدما طفنا أن نحل، قال: وإذا أردتم أن تنطلقوا إلى منى فأهلوا، قال: فأهللنا من البطحاء).

    والبطحاء: موضع بين مكة وبين منى، يسمى بالبطحاء، وكأنه المكان المتسع من الوادي، فما انبطح من الوادي فهذا البطحاء، فالمكان المتسع يسمى بالبطحاء، ويسمى أيضاً بالمحصب، ويسمى أيضاً بالمعرس والأبطح، هذا المكان لما رجع النبي صلى الله عليه وسلم من منى بعدما أنهى رمي الجمار نزل في هذا المحصب؛ من أجل أن يكون أسمح له في النفر والخروج من مكة للرجوع إلى المدينة.

    والمحصب أصبح الآن بداخل مكة، اتصل به البنيان من مكة فصار بداخلها، وهو قريب من المقبرة التي تسمى مقبرة الحجون.

    يقول جابر: (وركب رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى بها الظهر) يعني: بمنى، أي: أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج من مكة متوجهاً إلى منى، وأهل من كان مع النبي صلى الله عليه وسلم من البطحاء أو المحصب أو المعرس أو الأبطح.

    قال: (فصلى النبي صلى الله عليه وسلم بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر) يعني: أن السنة الخروج من مكة والتوجه إلى منى بحيث يصل إلى منى عند وقت الظهر، فيصلي هنالك الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ويبيت هناك ويصلي الفجر، فيصلي في منى خمس صلوات.

    فالذهاب إلى منى في يوم التروية هذا سنة من سنن الحج، ومع شدة الزحام الآن الكثيرون يتوجهون إلى عرفة مباشرة، والذهاب إلى منى سنة من سنن النبي صلى الله عليه وسلم وليس واجباً وليس فرضاً من الفرائض، لكن الأفضل للمسلم أن يلتزم ذلك طالما أنه يستطيع أن يذهب إلى هناك.

    قال: (صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنى الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر، ثم مكث قليلاً حتى طلعت الشمس).

    وكان صلى الله عليه وسلم هنالك يقصر من الصلاة، ولكن لم يجمع، فالصلاة هناك لم تكن جمعاً، ما جمع في منى بين الظهر والعصر، والجمع يكون للحاجة، وهنا أنت في عبادة لله سبحانه تبارك وتعالى لا تحتاج إلى الجمع في هذا المكان، فإذا كنت في منى فصل هنالك قصراً، ولكن لا تجمع بين الصلاة.

    أعمال يوم عرفة

    قال جابر: (ثم مكث صلى الله عليه وسلم قليلاً حتى طلعت الشمس وأمر بقبة من شعر تضرب له بنمرة).

    ونمرة: مكان بجوار عرفة، وليس من عرفة، فالنبي صلى الله عليه وسلم أمر بقبة من شعر تضرب له، أي: خيمة تضرب له في نمرة.

    قال: (فسار رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تشك قريش إلا أنه واقف عند المشعر الحرام).

    لاحظ أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج من منى متوجهاً إلى عرفة، وانتظر إلى أن طلعت الشمس، يعني: لم يمش من منى بالليل، ولا مشى من منى قبل الفجر أو بعد الفجر وقبل طلوع الشمس، وإنما توجه إلى عرفة بعد طلوع الشمس، بخلاف رجوعه من المزدلفة؛ فإنه خرج من المزدلفة ليرمي الجمرة بمنى، وهو راجع إلى منى خرج من المزدلفة قبل طلوع الشمس، وكأنه بفعله هذا يخالف المشركين، حيث كان المشركون يعكسون، فخالفهم النبي صلى الله عليه وسلم، فهو في المزدلفة خرج بعدما صلى الفجر، ومكث فترة يدعو الله عز وجل على جبل قزح المشعر الحرام، وقبل أن تطلع الشمس خالف المشركين، وتوجه صلى الله عليه وسلم إلى منى.

    إذاً: في ذهابه إلى عرفات توجه بعدما طلعت الشمس، وفي عودته من مزدلفة إلى منى عاد قبل طلوع الشمس.

    قال: (سار رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تشك قريش إلا أنه واقف عند المشعر الحرام) أي: عند مزدلفة، ونقول الحرم: مكة حرم.. منى حرم.. المزدلفة حرم.. عرفات من الحل وليست من الحرم، فالقرشيون كانوا يظنون أن النبي صلى الله عليه وسلم لن يترك الحرم، وقالوا: هذا رجل من الحمس، أحمسي، والحمس هم متشددون في دينهم، الذين هم القرشيون، قالوا: كيف سيترك مكة ويترك الحرم ويذهب إلى الحل؟! فإن الشيطان زين لهؤلاء أنهم هم أهل الحرم، وأنهم لو خرجوا خارج الحرم فكأنهم صنيعوا هيبة الحرم.

    لذلك كانت قريش ومن دان بدينها الذين يلقبون بالحمس كانوا لا يتركون الحرم، وكل الحجاج كانوا يذهبون إلى عرفات والقرشيون لا يذهبون، وكان أقصى شيء يصلون إليه المزدلفة، ولا يذهبون أبعد من ذلك.

    روى ابن خزيمة وإسحاق بن راهويه من حديث نافع بن جبير عن أبيه قال: (كانت قريش إنما تدفع من المزدلفة، ويقولون: نحن الحمس فلا نخرج من الحرم).

    يعني: ليس عندهم عرفة، كل الناس يذهبون عرفة وأما قريش فلا يذهبون خارج المزدلفة، فتركوا الموقف بعرفة.

    قال جبير : (فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجاهلية يقف مع الناس بعرفة على جمل له).

    ونحن ذكرنا أن النبي صلى الله عليه وسلم حج قبل هجرته مرتين، فـجبير يقول: رأيته أيام الجاهلية، يعني: قبل ما يوحى إليه صلى الله عليه وسلم وكان يخرج مع الناس إلى عرفة، وهذا من توفيق الله عز وجل للنبي صلى الله عليه وسلم.

    قال: (فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقف مع الناس بعرفة على جمل له، ثم يصبح مع قومه بالمزدلفة، فيقف معهم ويدفع إذا دفعوا).

    وفي رواية لـابن إسحاق : (توفيقاً من الله له).

    قال جبير في رواية أخرى: (أضللت حماراً لي في الجاهلية فوجدته بعرفة، فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم واقفاً بعرفات مع الناس، فلما أسلمت علمت أن الله وفقه لذلك).

    قال: (فقلت: هذا والله! من الحمس -الذين لا يصلون إلى هذا المكان- فما شأنه هاهنا؟!) أي: ما هو الذي جعله يخرج؟! ولما أسلم جبير بعد ذلك قال: علمت أنه من توفيق الله، أي: أن الله تعالى وفق النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يوحى إليه عليه الصلاة والسلام، وهو ما زال قبل بعثته، فكان يقف مع الناس بعرفات، ونزلت الآية: ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ [البقرة:199]، فكان صلوات الله وسلامه عليه موفقاً قبل أن يوحى إليه.

    يقول جابر رضي الله عنه: (ولا تشك قريش إلا أنه واقف عند المشعر الحرام)، فالخارج يخرج من مكة ويتوجه إلى منى، ثم يتوجه إلى عرفات، ثم يرجع من عرفات إلى المزدلفة، ومن مزدلفة يرجع إلى منى، فهم تخيلوا أن النبي صلى الله عليه وسلم يخرج من مكة، ويذهب إلى منى، ثم إلى مزدلفة، ويرجع صلى الله عليه وسلم إلى منى، ولا يذهب إلى الحل في عرفات.

    قال: (فأجاز رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى عرفة، فوجد القبة قد ضربت له بنمرة فنزل بها) أي: أنهم عملوا له عليه الصلاة والسلام خيمة في نمرة، ونمرة: مكان بجوار عرفة.

    والسنة دخول عرفة عند وقت الزوال، لكن هذا لا يتيسر الآن لكل الناس، فإنه صعب جداً مع الازدحام الشديد، فكون كل الناس يقعدون في نمرة ثم يدخلون عرفة، هذا صعب، فبحسب ما يتيسر للناس، لكنه صلى الله عليه وسلم نزل في نمرة إلى وقت الزوال، وخطب الناس، ثم دخل صلى الله عليه وسلم.

    قال: (حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء فرحلت له)، يعني: حط عليها ما يوضع على الجمل من شيء يجلس عليه الراكب.

    قال: (فأتى بطن الوادي) يعني: وادي عرنة، وعرنة أيضاً ليس من عرفات.

    فهو صلى الله عليه وسلم نزل وادي عرنة وخطب الناس هناك.

    قال: (فخطب الناس)، وخطبة النبي صلى الله عليه وسلم هذه واحدة من عدة خطب، واختلف العلماء في: كم خطبة خطبها النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع؟

    فالبعض ذكر أربع خطب، والبعض ذكر ثلاث خطب له صلى الله عليه وسلم.

    وهذه الخطب إرشاد وتعليم للناس بالمناسك، والآن ليس موجوداً من هذه الخطب إلا خطبة عرفة فقط، وفي أيامه صلى الله عليه وسلم كان الناس يحضرون ويسمعون منه صلى الله عليه وسلم هذه الخطب، وأما الآن فكأنهم استغنوا عن ذلك بالدروس التي في الحرم، والتي في منى لتوعية الناس؛ لأنه يصعب حضور الناس كلهم، وحتى في خطبة عرفة لا يحضرها كل الناس، فحضور الناس كل الخطب يصعب، فهنا أربع أو ثلاث خطب خطبها النبي صلى الله عليه وسلم.

    الخطبة الأولى: كانت في اليوم السابع من ذي الحجة الذي هو قبل يوم التروية، خطب الناس خطبة تعليمية، علم الناس المناسك التي يفعلونها.

    والخطبة الثانية: كانت في يوم عرفة خطبها بنمرة قبل أن يصلي الظهر والعصر جمع تقديم، فخطب بهم النبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك الإمام يفعل ما فعل النبي صلى الله عليه وسلم.

    والخطبة الثالثة وهي سنة عند الشافعية والحنابلة: أن يخطب الإمام يوم النحر بمنى، وهذه ليست خطبة العيد، فخطبة العيد شيء آخر لمن يصلي العيد، لكن هذه الخطبة أيضاً تعليمية؛ يعلم الناس المناسك التي في يوم الحج الأكبر، وهي خطبة واحدة يعلم الناس فيها مناسكهم من النحر والإفاضة والرمي؛ لما روى ابن عباس : (أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب الناس يوم النحر)، يعني: بمنى.

    وذهبت الحنفية والمالكية إلى أن هذه الخطبة تكون يوم الحادي عشر من ذي الحجة لا يوم النحر، يعني: أنه في يوم النحر يكون الناس مشغولين بالعبادة وليسوا متفرغين للخطبة.

    ولكن جاء عن ابن عباس : (أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب في هذا اليوم). فتكون هذه الخطبة سنة.

    الخطبة الرابعة: أن يخطب الإمام في الناس بمنى ثاني أيام التشريق، الذي هو يوم النفر الأول، من أجل أن يبين لهم كيف ينفرون، فينفر هذا اليوم من أراد النفر، ولا يمكث إلى أن تغرب عليه الشمس، فإذا غربت عليه الشمس لزمه المبيت هناك.

    وخطبته صلى الله عليه وسلم في عرفات قال فيها: (إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوعة، ودماء الجاهلية موضوع، وإن أول دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث ؛ كان مسترضعاً في بني سعد فقتلته هذيل، وربا الجاهلية موضوع، وأول رباً أضع ربانا؛ ربا عباس بن عبد المطلب ؛ فإنه موضوع كله.

    فاتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمان الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن ألا يوطئن فرشكم أحداً تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربونهن ضرباً غير مبرح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف.

    وقد تركت فيكم ما لم تضلوا بعده إن اعتصمتم به كتاب الله، وأنتم تسألون عني فما أنتم قائلون؟

    قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت، فقال بأصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس: اللهم اشهد، اللهم اشهد، ثلاث مرات، ثم أذن، ثم أقام فصلى صلاة الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ولم يصل بينهما شيئاً).

    والذي أذن هو مؤذن النبي صلى الله عليه وسلم، فالمعنى: ثم أمر بالأذان.

    فهذه الخطبة فيها: (إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا)، فالأصل أن دم المسلم محرم على أي إنسان، فيحرم عليه أن يسفك دمه، إلا بما جاء فيه نص من الكتاب أو من سنة النبي صلى الله عليه وسلم، ومما جاء في ذلك: (الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة).

    كذلك يحرم مال المسلم؛ كما قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الآخر: (لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة من نفسه). وقوله: (إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا)، فهذا البلد حرام، وهذه الأشهر حرم، واليوم يوم الحج يوم عرفة من أعظم الأيام، فكما يحرم عليكم أن تعتدوا في هذا المكان في هذا الوقت، وفي هذه الشعيرة، فكذلك حرمة دم المسلم وماله وعرضه.

    وقوله: (ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع)، في هذا إلغاء كل ما كان في الجاهلية من باطل الجاهلية.

    قال: (ودماء الجاهلية موضوعة)، أي: ما كان من أشياء بين الناس من سفك دماء في الجاهلية كله موضوع، وأمر الجاهلية كله التغى ويستأنفون العمل من الآن.

    قال: (وإن أول دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث ، كان مسترضعاً في بني سعد فقتلته هذيل)، وابن ربيعة بن الحارث اسمه: إياس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب ، وهذا الصبي الصغير أبوه ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب ، والحارث عم النبي صلى الله عليه وسلم فيكون ربيعة ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم وإياس ابن ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم.

    فهو كان صبياً صغيراً، وكان يحبو بين البيوت، فأصابه حجر في اقتتال في الجاهلية بين بني سعد وبني ليث بن بكر فقتل، فكأنهم كانوا يريدون الثأر؛ لأنه قتل ظلماً، فيريدون أن يقتصوا، فقال عليه الصلاة والسلام: (أول دم أضعه دم هذا)، ففيه أن علينا أن نأتسي ونقتدي به صلى الله عليه وسلم في وضع ما بيننا من دماء، فهذا قريب النبي صلى الله عليه وسلم، وأول من يضع من الدماء دم قريبه ابن ابن عمه صلوات الله وسلامه عليه.

    وأيضاً يقول: (وربا الجاهلية موضوع كله، وأول رباً أضع ربانا؛ ربا عباس بن عبد المطلب) لأن العباس رضي الله عنه كان يعامل الناس بربا، فحرم الله عز وجل الربا، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: (وأول ربا أضعه ربانا؛ ربا العباس)، ولم يكن صلى الله عليه وسلم يتعامل بربا أبداً، ولكنه قصد ما كان يفعله عباس بن عبد المطلب رضي الله عنه، قال: (فإنه موضوع كله) يعني: له رأس ماله، لكن الزيادة على ذلك يحرم أن يأخذها.

    وقوله: (فاتقوا الله في النساء)، هذه نصيحة أخرى منه صلى الله عليه وسلم: وهي تقوى الله عز وجل في النساء.

    وقوله: (فإنكم أخذتموهن بأمان الله)، وفي رواية أبي داود : (بأمانة الله) أي: بعهد الله من الرفق وحسن العشرة.

    وقوله: (واستحللتم فروجهن بكلمة الله) يعني: ما جاء من أوامر في كتاب الله عز وجل بذلك، كقوله: فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ [البقرة:229]، وقوله سبحانه: فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ [النساء:3]، يعني: أن كلام الله عز وجل هو الذي أباح لكم أن تتزوجوا النساء، وكذلك العقد الشرعي من إيجاب وقبول، وكل ذلك بأمر الله سبحانه، فالمراد بكلمة الله سبحانه: ما جاء من عقد النكاح وما جاء من وصية في كتاب الله عز وجل بذلك.

    قال: (ولكم عليهن ألا يوطئن فرشكم أحداً تكرهونه)، يعني: أن من حق الرجل على امرأته: أنها لا تدخل أحداً في مكانه، سواء كان قريباً أو غريباً.

    ولذلك يقول الفقهاء في حكم هذه المسألة: إنه لا يحل للمرأة أن تأذن لرجل أو امرأة -لا محرم ولا غيره- في دخول منزل الزوج إلا من علمت أو ظنت أن الزوج لا يكرهه؛ لأن الأصل تحريم دخول منزل الإنسان حتى يوجد الإذن في ذلك منه، أو ممن أذن له في الإذن في ذلك، أو ممن عرف رضاه في العرف بذلك ونحوه، ومتى حصل الشك في الرضا فلم يترجح شيء ولا وجدت قرينة لا يحل الدخول.

    فعلى المرأة أن تحافظ على بيت زوجها، وتحافظ على إرضاء الزوج، وقد يكون الرجل متعنتاً في الشيء، فيقول: لا أحب أحداً يدخل بيتي، ولا أحب أحداً يدخل غرفتي، فالمرأة تطيعه في ذلك، ولا تدخل إلا من يرضى الزوج أن يدخل.

    وهذا طبعاً في المحارم، وليس المعنى: أنها ستدخل واحداً غريباً أجنبياً إلى بيتها أو إلى مكان زوجها، فإذا كان هذا في المحارم فيكون الأغراب والأجانب من باب أولى.

    يقول الإمام النووي معناه: لا يأذنّ -يعني: النساء- لأحد تكرهونه في دخول بيوتكم، والجلوس في منازلكم، سواء كان المأذون له رجلاً أجنبياً أو امرأة أو أحداً من محارم الزوجة.

    فقوله: (لكم عليهن ألا يوطئن فرشكم أحد تكرهونه)، وطأ بمعنى: داس، يعني: لا تقعد أحداً على تكرمة الزوج إلا بإذن الزوج.

    وقوله: (فإن فعلن ذلك فاضربونهن ضرباً غير مبرح)، يعني: إذا ضرب الرجل امرأته ليؤدبها فليكن الضرب غير مبرح، يعني: ليس ضرباً شاقاً وشديداً، إنما يكون الضرب للتعبير عن كونه غضبان على هذا الفعل الذي فعلت.

    وقوله: (ولهن عليكم) حق المرأة على زوجها، (رزقهن وكسوتهن بالمعروف)، أي: المتعارف عليه في مثل ذلك من الرزق والكسوة، فيكسو امرأته، ويرزقها طعامها ويعطيها شرابها.

    قال: (وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به كتاب الله)، فكتاب الله سبحانه إذا تمسك به المؤمنون واعتصموا به جميعاً فلن يضلهم الله أبداً.

    قال: (وأنتم تسألون عني فما أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت، فقال بأصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس) يعني: يشير بأصبعه السبابة إلى السماء ويردها على الناس ويقول لهم: (وأنتم تسألون عني فما أنتم قائلون؟ فقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت، فأشار بيده إلى السماء يقول: اللهم اشهد، اللهم اشهد، اللهم اشهد) يعني: اشهد على هؤلاء فيما يقولون.

    قال: (ثم أذن) أي: أمر صلى الله عليه وسلم بالأذان، (ثم أقام فصلى الظهر)، يعني: أذن المؤذن وأقام فصلى صلى الله عليه وسلم الظهر.

    قال: (ثم أقام فصلى العصر) فيه أن من السنة أنه أذان واحد وإقامتان، والسنة جمع التقديم في هذا اليوم بين الظهر والعصر.

    قال: (ولم يصل بينهما شيئاً) يعني: لم يصل سنناً بين الصلاتين، وعلى هذا فالسنة أنه يصلي الظهر ركعتين ويعقبها العصر، والذي يفرق بين الصلاتين الإقامة فقط، فصلى الظهر بأذان وإقامة، ثم أقام المؤذن لصلاة العصر.

    قال: (ثم ركب صلى الله عليه وسلم حتى أتى الموقف)، يعني: أنه توجه إلى عرفة، فالنبي صلى الله عليه وسلم نزل بنمرة، وخطب في وادي عرنة، وبعدما انتهت الخطبة دخل صلوات الله وسلامه عليه عرفة.

    يقول: (ثم ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى الموقف، فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات، وجعل حبل المشاة بين يديه واستقبل القبلة).

    والموقف الذي وقفه النبي صلى الله عليه وسلم كان تحت جبل الرحمة، ولم يطلع فوق جبل الرحمة، وإنما وقف عند الصخرات التي عند جبل الرحمة.

    واستقبل القبلة، يعني: أن الناقة كان جانبها إلى الصحراء، ووجه الناقة كان إلى القبلة، فاستقبل القبلة صلى الله عليه وسلم، وجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات، وجعل حبل المشاة بين يديه، والحبل هو: المرتفع من الرمال المرتفعة، وكأنه جبل أو تل.

    قال: (وجعل حبل المشاة بين يديه، واستقبل القبلة فلم يزل واقفاً حتى غربت الشمس وذهبت الصفرة قليلة، حتى غاب القرص وأردف أسامة خلفه، ودفع رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد شنق للقصواء الزمام، حتى إن رأسها ليصيب مورك رحله) يعني: أنه عليه الصلاة والسلام انتظر إلى أن غربت الشمس واطمأن للغروب، ثم اندفع صلى الله عليه وسلم من عرفة متوجهاً إلى المزدلفة.

    وقوله: (شنق للقصواء الزمام)، كأنه شد الزمام من أجل أن القصواء لا تجري، وكان عادة الأعراب في هذا المكان أنهم إذا غربت الشمس يبتدئون يسرعون ويضربون على صفيح النوق بحيث تجري، فالنبي صلى الله عليه وسلم لما سمع شيئاً من ذلك التفت إليهم وأمرهم بأن يلتزموا الهدوء والسكينة، وقال: (ليس البر بالإيضاع)، أي: البر ليس بالجري، ولكنها مناسك، فأفعلها على تؤدة وعلى طمأنينة وسكينة.

    فهنا جعل يشير بيده اليمنى ويقول: (أيها الناس! السكينة السكينة -أي: الزموا السكينة- وكلما أتى حبلاً من الحبال أرخى لها قليلاً)، والحبل هو مجتمع الرمال، مكان مرتفع، فهو لو شد زمام الناقة فلن تستطيع أن تصعد الجبل، فكان يرخي لها بحيث تطلع الجبل.

    أعمال ليلة النحر ويوم النحر وما بعده

    قال جابر رضي الله عنه: (حتى أتى المزدلفة فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين، ولم يسبح بينهما شيئاً، ثم اضطجع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى طلع الفجر، وصلى الفجر حين تبين له الصبح بأذان وإقامة).

    يعني: أن النبي صلى الله عليه وسلم وصل إلى المزدلفة، وهنالك صلى صلى الله عليه وسلم المغرب والعشاء بأذان وإقامتين، ثم نام صلوات الله وسلامه عليه إلى الفجر، ولما طلع الفجر صلى صلاة الفريضة -صلاة الصبح- بأذان وإقامة، ثم ركب القصواء، وهذه الصلاة في هذا اليوم بكر صلى الله عليه وسلم بها، يعني: كانت العادة أنه يؤذن المؤذن وينتظر النبي صلى الله عليه وسلم حتى يجتمع الناس، وأما هنا فأذن المؤذن وصلى ركعتين وأقام الصلاة مباشرة، فلما طلع الفجر صلى الفجر حين تبين له الصبح بأذان وإقامة.

    قال (ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام، فاستقبل القبلة فدعاه وكبره وهلله ووحده)، يعني: دعا ربه سبحانه، فمن السنة الوقوف على المشعر الحرام، وهو جبل قزح، وأي مكان يقف فيه في المزدلفة فكله جائز، وتسمى المزدلفة، وتسمى أيضاً بجمع، ويسمى المكان الذي يقف فيه المشعر الحرام أو جبل قزح.

    والمزدلفة سميت من التزلف والازدلاف؛ لأن الحجاج يقدمون من عرفة ويقربون عليها، فكأنهم يزدلفون إليها، أي: يمضون إليها ويتقربون منها، وتسمى بجمع لاجتماع الناس هنالك، فالحجيج يجتمعون في المزدلفة، والبيات في المزدلفة هذا من الواجبات في الحج، وكون النبي صلى الله عليه وسلم لم يسبح بين الصلاتين دليلاً على أن السنة إذا صلى المغرب لا يصلي سنة المغرب، وصلى العشاء وبعد ذلك نام صلوات الله وسلامه عليه.

    فإن قيل: الوتر في هذه الليلة هل يصلى أو لا يصلى؟

    هنا لم يذكر في هذا الحديث، وكأن الراوي لم ينتبه هل صلاه النبي صلى الله عليه وسلم أو لم يصله، لكن قال لنا فقط: (لم يسبح بين المغرب والعشاء)، فعلى ذلك لا يضيع الإنسان الوتر؛ لأن عادة النبي صلى الله عليه وسلم أنه ما كان يترك الوتر ولا ركعتي الفجر لا في سفر ولا في حضر، فالأصل العموم في ذلك.

    قال: (حتى أتى المشعر الحرام فاستقبل القبلة فدعاه وكبره وهلله ووحده، فلم يزل واقفاً حتى أسفر جداً) يعني: وقف على جبل قزح في المشعر الحرام فدعا الله سبحانه، وكبره وهلله ووحده، فلم يزل واقفاً حتى أسفر، والإسفار: أن يبدأ كل إنسان يعرف من بجواره، أي: فيه إضاءة، لكن الشمس ما طلعت، ولا زالت تحت الأفق، ففي وقت الفجر يظهر شعاع بسيط يخرج منها ويبقى منكسراً فوق الأفق، وتكون السماء كلها مظلمة، ولا ترى من بجوارك، ووقت الإسفار كأن الشمس قربت تطلع وما زالت تحت الأفق، والإشعاعات التي تطلع تنعكس فوق سطح الأرض، ويتغير لون السماء، فبعد ما كانت سوداء تتحول إلى الزرقة، وإذا بالإنسان يرى من بجواره.

    قال: (حتى أسفر جداً، فدفع قبل أن تطلع الشمس)، وهذا هو الذي قدمناه: أنه خالف أهل الجاهلية، فقد كان أهل الجاهلية يقفون وينتظرون حتى تطلع الشمس، وكانوا يقولون لجبل هناك اسمه ثبير أعظم الجبال الموجودة هناك: أشرق ثبير كيما نغير، يعني: اطلعي يا شمس! فنحن نريد أن نمشي، وأن نتحرك بسرعة من المكان، أو كيما نغير، بمعنى: أن نلحق نأكل الذبائح التي سنذبحها هنالك.

    فالنبي صلى الله عليه وسلم لم ينتظر طلوع الشمس، ولكن خرج في وقت الإسفار قبل أن تطلع الشمس وتوجه عليه الصلاة والسلام إلى منى.

    قال: (وأردف الفضل بن عباس ، وكان رجلاً حسن الشعر أبيض وسيماً، فلما دفع رسول الله صلى الله عليه وسلم مرت به ضعن يجرين، فطفق الفضل ينظر إليهن، فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده على وجه الفضل ، فحول الفضل وجهه إلى الشق الآخر ينظر، فحول رسول الله صلى الله عليه وسلم يده من الشق الآخر على وجه الفضل ؛ يصرف وجهه من الشق الآخر، حتى أتى بطن محسر فحرك قليلاً).

    يعني: أن الفضل كان راكباً خلف النبي صلى الله عليه وسلم، فمرت مجموعة من النساء -ضعن- يجرين، فنظر إليهن، فالنبي صلى الله عليه وسلم وضع يديه على وجهه حتى لا ينظر، وهذا فيه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتغيير لذلك، حتى ولو كان هذا قريباً، وحتى لو كان الإنسان يظن أنه ليس منتبهاً، حتى لو كان الإنسان في المناسك وغلبة الظن أن الذي يفعل هذا ليس منتبهاً ولا يريد أن يعصي الله عز وجل في هذه الأماكن، ولكن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر.

    قال: (حتى أتى بطن محسر)، وبطن محسر: واد قريب من المزدلفة، يواجهك وأنت متوجه من مزدلفة إلى منى؛ سمي بذلك لأن الله عز وجل حسر أصحاب الفيل فيه، قال عز وجل: وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ * فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ [الفيل:3-5]، وحسر الفيل في هذا المكان، يعني: أعيا وتعب وما قدر أن يمشي من هذا المكان.

    ففي هذا المكان عذب هؤلاء الكفار، فالنبي صلى الله عليه وسلم أحب أن يجري في المكان الذي كان فيه عذاب يوماً من الأيام، فالسنة أن الذي يصل إلى هذا المكان -بطن محسر- أن يجري بحيث إنه يتجاوزه سريعاً.

    قال: (فحرك قليلاً، ثم سلك الطريق الوسطى التي تخرج على الجمرة الكبرى، حتى أتى الجمرة التي عند الشجرة فرماها بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة منها، مثل حصى الخذف).

    الحصى الذي رمى به النبي صلى الله عليه وسلم حصى صغير قدر الفولة وأكبر من الحمص أو بقدر الباقلا التي هي حبة الفول، وقوله: (مثل حصى الخذف) لأن الغلمان أو الأطفال الصغار، يخذف أحدهم بها، فيحطها على أصبعه ويضربها بإصبعه الثانية.

    فمن أجل أنه يصنع شيئاً صغيراً جداً يفعل به هكذا، ولذا سميت حصى الخذف، فجمع سبع حصيات صغيرة.

    يقول: (رماها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة)، يعني: أن السنة في هذا اليوم أن ترمي جمرة العقبة التي هي الجمرة الكبرى بسبع حصيات، والسنة التكبير مع كل حصاة.

    قال: (رمى من بطن الوادي، ثم انصرف إلى المنحر فنحر ثلاثاً وستين بيده) عليه الصلاة والسلام ومجموع النوق التي كانت معه مائة، هذه هدي النبي صلى الله عليه وسلم، فنحر ثلاثاً وستين، وكان عمر النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك العام ثلاثاً وستين سنة؛ فكل سنة من عمره بواحدة نحرها صلوات الله وسلامه عليه.

    قال: (ثم أعطى علياً فنحر ما غبر) أي: أعطى علي بن أبي طالب فنحر السبع والثلاثين الباقية، وأشركه في هديه صلى الله عليه وسلم.

    قال: (ثم أمر من كل بدنة ببضعة) يعني: قطعة من اللحم، بحيث إنه يأكل منها؛ ليري الناس أن السنة أن تأكل من هديك.

    قال: (فجعلت في قدر، فطبخت، فأكلا من لحمها، وشربا من مرقها، ثم ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأفاض إلى البيت).

    يعني: أن النبي صلى الله عليه وسلم رمى الجمرة، وبعد ذلك نحر صلوات الله وسلامه عليه، ذكر هنا في هذه الرواية: أنه أفاض بالبيت عليه الصلاة والسلام، ولم يذكر الحلق هنا، مع أنه قد حلق النبي صلوات الله وسلامه عليه.

    قال: (فصلى بمكة الظهر، فأتى بني عبد المطلب يسقون على زمزم فقال: انزعوا بني عبد المطلب! فلولا أن يغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت معكم، فناولوه دلواً فشرب منه).

    وفي رواية أخرى للترمذي عن علي بن أبي طالب ذكر فيها: (أن النبي صلى الله عليه وسلم لما تحرك -أي: من عرفات- نظر إلى الناس وهو يقول: يا أيها الناس! عليكم السكينة، ثم أتى جمعاً -أي: المزدلفة- فصلى بهم الصلاتين جميعاً، فلما أصبح أتى قزحاً فوقف عليه وقال: هذا قزح، وهو الموقف، وجمع كلها موقف)، وهذا للتيسير على الناس، فلو كل الناس ذهبوا يقفون على قزح يصعب عليهم ذلك، ولكن قال: المزدلفة كلها أينما تنتقل فيها فهي موقف.

    قال: (ثم أفاض حتى انتهى إلى وادي محسر فقرع ناقته فخبت -يعني: جرت قليلاً- ثم أتى المنحر فقال: هذا المنحر، ومنى كلها منحر، قال: واستفتته جارية شابة من خثعم، فقالت: إن أبي شيخ كبير قد أدركته فريضة الله في الحج أفيجزئ أن أحج عنه؟ قال: حجي عن أبيك، قال: ولوى عنق الفضل ، فقال العباس : يا رسول الله! لم لويت عنق ابن عمك؟).

    يعني: كأن المرأة كانت تسأل النبي صلى الله عليه وسلم وكأن الفضل كان يريد أن يسمع السؤال والجواب، وخشي عليه النبي صلى الله عليه وسلم الفتنة، فوضع يده على وجهه وصرفه، فـالعباس يسأل: لماذا تفعل هذا مع ابن عمك؟

    فقال: (رأيت شاباً وشابة فلم آمن الشيطان عليهما، قال: وأتاه رجل فقال: يا رسول الله! إني أفضت قبل أن أحلق؟)، يعني: أن السنة أولاً الحلق، وبعد ذلك الذهاب للطواف بالبيت طواف الإفاضة.

    فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (احلق أو قصر ولا حرج، وجاء آخر فقال: يا رسول الله! إني ذبحت قبل أن أرمي؟ فقال: ارم ولا حرج، قال: ثم أتى البيت فطاف به، ثم أتى زمزم فقال: يا بني عبد المطلب! لولا أن يغلبكم الناس عنه لنزعت).

    هذا حديث النبي صلى الله عليه وسلم في صفة حجة الوداع، وبقي تفصيل في صفة الحج، نذكره في حديث آخر إن شاء الله.

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم.

    وصل اللهم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.