إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. أحمد حطيبة
  4. محاضرات الحج
  5. شرح كتاب الجامع لأحكام العمرة و الحج و الزيارة
  6. شرح كتاب الجامع لأحكام العمرة والحج والزيارة - حكم من مات ولم يحج الحجة الواجبة عليه وأحكام المستأجر وما يقع فيه من مخالفات

شرح كتاب الجامع لأحكام العمرة والحج والزيارة - حكم من مات ولم يحج الحجة الواجبة عليه وأحكام المستأجر وما يقع فيه من مخالفاتللشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • اختلف أهل العلم في الحج هل هو على الفور أم على التراخي؟ وثمرة هذه المسألة تظهر في الحكم على من مات ولم يحج وهو قادر، فهل يجب أن يحج عنه أم لا؟ ثم اختلفوا في الاستنابة في الحج عمن تكون، ويشترط في النائب أو الأجير أن يكون قد حج عن نفسه، وهناك مسائل متعلقة بالاستنابة والإجارة في الحج والعمرة، ومنها ما يتعلق بمخالفة الأجير أو النائب لمن استنابه ونحو ذلك.

    1.   

    حكم من وجب عليه الحج فمات ولم يحج

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    وصلنا في الكلام إلى من وجب عليه الحج فلم يحج حتى مات قبل تمكنه من الأداء.

    فإذا وجب على إنسان الحج ولكن في العام الذي كان معه المال توفي قبل أن يبدأ موسم الحج وقبل أن يسافر الناس إلى الحج، فهذا لم يتمكن من الأداء، فشرط الاستطاعة غير موجود، والأفضل في حقه أن الورثة يأخذون من ماله ما يحججون به عنه، ولكن إن لم يفعلوا ذلك فهذا لم يجب عليه لعدم تمكنه من الفعل.

    إذاً: من مات قبل حج الناس من سنة الوجوب، أي: كان معه مال وأراد أن يحج، ولكن قبل أن يحج توفي فلم يفعل، فالأفضل أن يحج عنه ورثته، وقد فعل هو ما عليه.

    أما إن مات بعد التمكن من أداء الحج، كأن مات بعد حج الناس وقد استقر الوجوب عليه، ولم يبذل أي شيء في سبيل أن يحج، فحج الناس وتوفي هو بعد ذلك فقد استقر الوجوب عليه، وعلى ورثته أن يخرجوا من تركته ما يحج به عنه، سواء أوصى أو لا، ففي صحيح مسلم عن بريدة رضي الله عنه قال: (بينا أنا جالس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ أتته امرأة فقالت: إني تصدقت على أمي بجارية وإنها ماتت، فقال صلى الله عليه وسلم: وجب أجرك وردها عليك الميراث)، فالمرأة تصدقت على أمها بجارية على وجه الهدية أو الهبة أو الصدقة، فلما ماتت الأم عادت الأمة للبنت، ولذا قال لها النبي صلى الله عليه وسلم: (وجب أجرك وردها عليك الميراث)، ثم قالت: (يا رسول الله! إنه كان عليها صوم شهر أفأصوم عنها؟ فقال: صومي عنها، قالت: إنها لم تحج قط أفأحج عنها؟ قال: حجي عنها).

    إذاً: الأم لم تحج، ولم تذكر الفتاة أن هذا الحج كان قد وجب على الأم أو لا؟ ولكن قالت: لم تحج قط فهل أحج أنا عنها؟ فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: حجي عنها. ففيه جواز النيابة، وأن الإنسان يحج عن أبيه أو أمه، سواء أوصى بذلك أو لم يوص.

    ويكون قضاء الحج من الميراث، فمن وجب عليه الحج وتوفي فإن الوارث يحج عنه، أو ينفق مالاً يستنيب به من يحج عن هذا المتوفى من المكان الذي كان سيحرم منه الميت، إلا إن ضاقت التركة فله أن يستأجر من مكة من يحج عنه، لكن إن اتسع المال فالواجب أن يحج عنه من المكان الذي استقر عليه أن يحج هو فيه، ويكون من رأس المال؛ لأنه دين واجب.

    ومعنى (من رأس المال): أي: أنه ليس من ثلث التركة مثل الوصية، فالوصية شيء والدين شيء آخر، فالديون تكون من رأس مال المتوفى، فمثلاً: إنسان توفي وترك عشرة آلاف مثلاً وعليه دين خمسة آلاف، فتخرج الخمسة الآلاف من العشرة الآلاف من رأس المال، بخلاف الوصية، فمن توفي وترك عشرة آلاف وأوصى بخمسة آلاف فهنا ينظر هل الورثة راضون أو ليسوا راضين، فإن رضي الورثة فتخرج الخمسة الآلاف، وإن رفض الورثة فيرد هذا النصف إلى الثلث، فيخرج فقط ثلاثة آلاف وثلاثمائة وثلاثة وثلاثون في الوصية، والباقي يأخذه الورثة، لكن الحج دين وفرض وجب عليه، فيخرج من رأس مال المتوفى؛ لأنه دين لله عز وجل على هذا المتوفى.

    حكم من مات ولم يحج وله مال وعليه دين

    فإن كان هناك دين آدمي وضاقت التركة عنها قدم دين الآدمي وسقط عنه الحج، وهذا ليس اتفاقاً، ولكن هذا هو الاختيار في هذه المسألة.

    يقول ابن قدامة : يحتمل أن يسقط عمن عليه دين وجهاً واحداً؛ لأن حق الآدمي المعين أولى بالتقديم لتأكده.

    ويقول الإمام النووي : إن كان هناك دين آدمي وضاقت التركة عنهما ففيه أقوال ثلاثة: أصحها يقدم الحج، والثاني: دين الآدمي، والثالث: يقسم بينهما، وهذا كله إذا كان للميت تركة.

    فإن ترك الميت مالاً وعليه دين لآدمي وعليه أيضاً فريضة الحج، فأي الاثنين يقدم؟ هل يقدم دين الآدمي أو يقدم دين الله سبحانه؟

    الذي يقول: يقدم الحج -وهو الأصح عند الشافعية- قالوا: هذا دين الله، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (أرأيت لو كان على أبيك دين أكنت قاضيه؟ قال: نعم. قال: فدين الله أحق بالقضاء)، إذاً: النبي صلى الله عليه وسلم نص على أن دين الله أحق، لكن في مسألتنا دين لآدمي يشح بماله، والآدمي فيه بخل: وَأُحْضِرَتِ الأَنفُسُ الشُّحَّ [النساء:128]، ودين الله سبحانه وتعالى حق لله سبحانه، والله يعفو ويصفح سبحانه وتعالى، فإذا كان عليه دين لآدمي، وعليه حج والحج يكلفه عشرة آلاف، والمال الذي تركه لا يكفي الاثنين، فقال بعض الفقهاء: يقدم دين الله باعتبار الحديث، لكن لو قدمنا دين الله لصار الآدمي الشحيح محتاجاً يدعو على هذا الميت الذي أخذ ماله وتوفي وهو عنده، فهنا الآدمي أولى والله كريم سبحانه وتعالى، ويعفو سبحانه عن عباده، أما الآدمي فسوف يطالب بدينه، فنكون قد أتلفنا مال الآدمي من أجل عبادة من العبادات قصر الميت فيها، والتقصير فيها يحاسبه الله عز وجل عليه، وقد يعفو عنه سبحانه، لكن دين الآدمي لن يسامح فيه ويظل الميت يعذب بهذا الدين في قبره حتى يقضى عنه الدين؛ ولذلك اختار الحنابلة أنه قد يسقط دين الله وهو الحج لأنه غير مستطيع، والمال لا يكفي ما عليه من دين.

    أما الشافعية فقالوا: الأصح من ثلاثة أقوال: أنه يقدم دين الله وهو الحج، وبعض الفقهاء يقول: يتحاصى بالحصص، ومثله إنسان توفي وعليه ديون لأناس وترك مالاً لا يفي بالدين كله، فيتوزع المال حصصاً، ويسمونها: أسوة الغرماء، فلو ترك عشرة آلاف وعليه ديون عشرون ألفاً هذا يريد خمسة، وهذا يريد أربعة، وهذا يريد كذا وهذا يريد كذا، إذاً يعطى كل واحد منهم نصف الدين الذي له، قالوا: فكذلك هنا تعطى حصة لدين الآدمي، وحصة للحج، وينظر أقل ما يكلفه، وأقل تكلفة للحج ستكون من مكة أي: حجة مكية، فيعطى بقدرها والباقي يأخذه الغرماء، لكن الراجح في ذلك أن الله سبحانه تبارك وتعالى يتجاوز عن عباده ويعفو عنهم، فحق الآدمي مبناه على شح الآدمي وعلى بخله، فيقدم حق الآدمي على العبادة هنا فيعطى للآدمي حقه، ثم بعد ذلك إن فاض شيء فيحج عنه وإلا فليس بالاستطاعة.

    إذاً: هذا الأرجح في المسألة: أنه إذا كانت التركة قليلة ولا تكفي إلا أحد الدينين فيبدأ بدين الآدمي.

    إذاً: لو استقر عليه الحج ومات ولم يحج ولا تركة له مات عاصياً وبقي الحج في ذمته، ولا يلزم الوارث الحج عنه، لكن يستحب، والحج كثير من الناس يقصر فيه ويسوف، ويقول: في وقت قريب سأحج، فلا هو حج ولا ظهر من نيته أنه يريد الحج، فيا ترى! لو مات الإنسان كيف سيموت؟ يقول الفقهاء: لو مات مات عاصياً، هذا الذي معه مال وقدر على الحج وأخر سنة وراء سنة ولا يريد أن يحج فإنه يموت عاصياً، ويحاسب على ذلك عند الله عز وجل؛ لأنه فرط ومرت سنة وراء سنة وأنفق المال بسفه ولم يحج حتى مات وقد استقر الحج في ذمته، وهو الذي أتلف مال نفسه ومات عاصياً لله سبحانه وبقي الحج في ذمته، لكن هل يلزم الورثة أن يحجوا عنه؟ لا يلزم الورثة أن يحجوا عنه؛ لأنه لم يترك مالاً، لكن لو ترك مالاً فيلزم الورثة أن يحجوا عنه، أو أن يحججوا من يحج عنه بماله الذي تركه.

    فإن حج عنه الوارث بنفسه أو استأجر من يحج عنه سقط الفرض عن الميت سواء كان أوصى به أم لا، وهذا الراجح: أن المتوفى إذا وجب عليه الحج سواء أوصى الورثة بذلك أو لم يوص فيجوز أن يحجوا عنه من ماله، فيحج عنه أحدهم أو يحججون آخر من ماله؛ لأن المرأة التي سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن أمها أنها لم تحج قط قال: (حجي عنها)، ولم تقل: كانت مستطيعة أو غير مستطيعة، ,هل أوصت أو لم توص بهذا الشيء، وترك النبي صلى الله عليه وسلم الاستفصال فنزل منزلة العموم من المقال.

    ولو حج عنه أجنبي جاز سواء أذن له الوارث أم لم يأذن، كما يقضي دينه بغير إذن الوارث ويبرأ الميت به، وقد ذكرنا أنه فرق بين المعضوب وبين المتوفى، والمعضوب: هو الذي مرض مرضاً مزمناً يضعفه عن الحج ولا يستطيع الحج، ويكون عليه في ذلك مشقة شديدة جداً، فلو أراد إنسان أن يحج عنه فلا بد من إذنه؛ لأن له أهلية وله إذن بخلاف المتوفى فلا إذن له، فعلى ذلك سواء أوصى المتوفي أو لم يوص فإنه يجوز أن يحج عنه القريب أو الغريب، أما الحي المعضوب فلا يحج عنه إلا بإذنه لا بد من نيته في ذلك.

    1.   

    الاستنابة في الحج

    الاستنابة: هي: أن تقيم غيرك مقامك في ذلك، مثل المريض مرضاً مزمناً شديداً يمنعه من الحج إلا بمشقة شديدة جداً، ولا يقدر على الركوب أو النزول، وهذا المرض مستديم معه، وعلى ذلك فإن المعضوب يستنيب ويقيم غيره نائباً عنه في إقامة هذا النسك.

    وتجوز النيابة في حج الفرض المستقر في الذمة في موضعين:

    أحدهما: عن المعضوب، والثاني: عن الميت؛ لحديث بريدة الذي تقدم، ولحديث ابن عباس : (أن امرأة من خثعم قالت: يا رسول الله! إن فريضة الله بالحج على عباده أدركت أبي شيخاً كبيراً لا يثبت على الراحلة، أفأحج عنه؟ قال: نعم. وذلك في حجة الوداع).

    وفي حج الفريضة وحج التطوع لا يستنيب إنسان عن نفسه آخر ليحج عنه إلا أن يكون معضوباً، أما غير المعضوب فلا يستنيب، إذاً حج التطوع لا تجوز الاستنابة فيه عن حي ليس بمعضوب، فيجوز الاستنابة في حج التطوع عن ميت أوصى به، أو حي معضوب استأجر من يحج عنه مثل حجة الفريضة في ذلك.

    حكم الاستنابة في حج التطوع والنذر والقضاء

    وهل تجوز الاستنابة في حج التطوع أم لا؟

    هذا مختلف فيه، لكن في حجة الفريضة اتفقوا على أنه لا يحج الفريضة إلا عن إنسان ميت أو معضوب، فهم نظروا في الفريضة إلى أنه إما أن يحج بنفسه، وإن كان معضوباً لا يقدر على ذلك فإنه يستنيب غيره لهذه العلة أو لهذا العذر، لكن في حج التطوع جاء عن أبي حنيفة ورواية عن مالك وهو قول أبي ثور: أنه يجوز للإنسان في حج التطوع أن يستنيب غيره، كما لو حج إنسان عن نفسه الفريضة ثم أجر إنساناً بعد ذلك ليحج عنه وهو قد حج عن نفسه الفريضة.

    ولكن الحج عبادة بدنية، والأصل أن العبادة البدنية يقوم بها الإنسان بنفسه ولا يقوم غيره عنه إلا لعذر يجوزه الشرع، وقد جوز الشرع في الحج الاستنابة في حالة الإنسان المعضوب، وكذلك في المتوفى.

    وحجة الفريضة وحجة النافلة هذا حج وهذا حج، وهذه عبادة وهذه عبادة، ولا فرق بينهما إلا أن هذه فريضة غير التطوع، فإذا تلبس بها الحاج صارت عليه فريضة حتى لو كانت تطوعاً، فإذا تلبس بالحج لزمه أن يكمل الحج ويتمه كما أمر الله سبحانه، فعلى ذلك هذا الحج في التطوع حكمه حكم الفريضة، فلا يستناب فيه إلا عن ميت أو معضوب.

    وكذلك الحجة الواجبة بقضاء أو نذر يجوز النيابة فيها عن الميت، فمن كان عليه قضاء الحج، كمن حج حجة وأفسدها ثم توفي فعليه قضاء، فأخرجوا من ماله من يحج عنه جاز ذلك.

    إذاً: الحجة الواجبة بالقضاء أو النذر لمن توفي وكان عليه نذر أو قضاء ومات قبل أن يحج فيستناب عنه من يقوم مقامه كحجة الإسلام. ولو لم يكن للميت مال ولا لزمه حج لعدم الاستطاعة، فالراجح أنه يجوز الإحجاج عنه، وصورة المسألة: أن المتوفى الذي لم يجب عليه الحج، فهل لابنه أن يحج عنه أو يستنيب من يحج عنه؟

    نقول: ما جاز في الإنسان الذي عليه الفرض جاز في غيره؛ لما في حديث المرأة التي قالت: إن أمي لم تحج قط، فلم تقل: وجب عليها أو لم يجب عليها الحج.

    من لم يحج عن نفسه فلا يحج عن غيره

    ولا يجوز لمن عليه حجة الإسلام أو حجة قضاء أو نذر أن يحج عن غيره، ولا لمن عليه عمرة الإسلام -إذا أوجبناها- أو عمرة قضاء أو نذر أن يعتمر عن غيره، طالما عليه الفرض فيلزمه أن يؤدي الفرض الذي عليه من حج أو عمرة، ثم يحج عن غيره بعدما يؤدي الدين الذي عليه، فإن أحرم هذا الذي عليه حجة فريضة سواء كانت حجة الإسلام أو حجة نذر أو حجة قضاء، وكذلك لو كان عليه عمرة الإسلام، أو عمرة نذر، أو عمرة قضاء،، فإذا حج أو اعتمر عن غيره انقلبت إليه؛ لما روى أبو داود عن ابن عباس : (أن رجلاً قال: لبيك عن شبرمة ، فسأله النبي صلى الله عليه وسلم: من شبرمة ؟ قال: أخ لي أو قريب لي، قال: حججت عن نفسك؟ قال: لا، قال: حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة)، أي: أن هذه الحجة التي كان فيها لا يصلح أن تكون عن شبرمة ؛ لأنك لم تؤد الحج عن نفسك.

    وفي رواية أخرى قال النبي صلى الله عليه وسلم: (هل حججت قط؟ قال: لا، قال: فاجعل هذه عن نفسك، ثم حج عن شبرمة)، فإن كان مستأجراً وقد ظنه حج عن نفسه فبان أنه لم يحج لم يستحق أجرة لتغريره، والمال الذي أخذه يرده لصاحبه، والحجة هذه تكون له هو فلا يصلح أن يحج عن غيره من لم يحج عن نفسه.

    وكذلك لو أن إنساناً اجتهد في نفسه، وظن أنه مصيب في ذلك، مع وجود نص النبي صلى الله عليه وسلم في خلاف ما يختاره، فلو ظن وقال: اعتقادي أن من لم يحج عن نفسه يجوز له أن يحج عن غيره، وأعطى ذلك الإنسان مالاً، وقال: حج عني بهذا المال، فهذه الحجة عن الأجير وليست عن المستأجر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (حج عنك ثم حج عن شبرمة).

    أما إذا استأجر للحج من حج ولم يعتمر أو للعمرة من اعتمر ولم يحج، فقرن الأجير وأحرم بالنسكين عن المستأجر أو أحرم بما استؤجر له عن المستأجر وبالآخر عن نفسه، فما استؤجر له يقع عن المستأجر، والآخر عن الأجير.

    وصورة المسألة: إنسان مطلوب منه أن يؤدي نسكاً واحداً، هذا النسك قد أداه قبل ذلك، وجاءه إنسان وقال له: أنت حججت عن نفسك، قال: نعم، لكن ما اعتمرت، فقال: حج عني وأدفع لك أجرة، فحج عن هذا المستأجر، ثم اعتمر عن نفسه، أو بدأ بالعمرة وحج عن هذا المستأجر، فعلى ذلك وقع الحج عن صاحبه؛ لأنه أدى عن نفسه.

    والعكس: لو قال له إنسان: أنا أريد أن تعتمر عني عمرة، فقال: سأذهب أحج عن نفسي وأعتمر عنك، وهو قد اعتمر عن نفسه قبل ذلك، فهذا صحيح أيضاً، فهو قد اعتمر عن نفسه قبل ذلك، فيصلح أن يعتمر عن غيره، فما استؤجر له يقع عن المستأجر والآخر يقع عن نفسه.

    1.   

    حكم من نذر أن يحج ولم يكن قد حج حجة الإسلام

    ومن نذر أن يحج ولم يكن قد حج حجة الإسلام، فلو أن إنساناً قال: لله علي أن أحج إن نجحني في الامتحان هذا العام، فصار نذراً عليه، فهل يلزمه في هذه الحال أن يحج حجة الإسلام ابتداء ثم يوفي بالنذر بعد ذلك؟

    الراجح في هذه المسألة: أن الذي يقول ذلك فإنه غالباً لا يقصد بهذا النذر حجة الإسلام، وهذا نذره كمن يقول: لله علي أن أصلي العشاء اليوم، فلا يصلي العشاء بنية العشاء وعشاء ثانية بنية النذر؛ لأنها عشاء واحدة فقط، وكأنه يوجب على نفسه ما هو واجب عليه أصلاً، فكذلك هنا الراجح أنه إن قال ذلك وجبت عليه حجة الإسلام، وليس له بالنذر إلا زيادة تأكيد لذلك.

    إذاً: حجة واحدة تغني عن ذلك، إلا إن نوى الفرق، كأن يكون إنساناً حج حجة الإسلام عن نفسه، وقال: لله علي أن أحج، فهذه نذر بلا خلاف، كأن يقول: لله علي نذر بعد أن أؤدي حجة الإسلام، فهذا من البداية ينوي حجة الإسلام، ويقصد الآن بنذره حجة ثانية غير حجة الإسلام، ففي هذه الحالة تلزمه حجة الإسلام وهي المقدمة، ويبدأ بحجة الإسلام، ثم بعد ذلك النذر، لكن الغالب فيمن يقول ذلك أنه يقصد الحجة التي عليه، ويؤكدها بنذره ذلك، وإن فعل ذلك فحجة واحدة تجزئ إن كان المقصد على ما ذكرنا.

    1.   

    حكم الاستئجار للحج

    الاستئجار في الحج أن يستنيب إنسان ويقيم غيره نائباً عنه في الحج، ويدفع له أجراً على ما يعمل من مناسك، فالذي لم يحج أو يعتمر عن نفسه وهو معضوب ويريد أن يستأجر من يقوم بذلك، أو عن إنسان قد توفي فنستأجر إنساناً يحج عنه سواء وجب عليه الحج أو لم يجب: الراجح أنه يجوز، وفي أمر الاستئجار خلاف: هل يجوز الاستئجار على الحج وعلى العبادات أو لا يجوز ذلك؟

    فيجوز الاستئجار في الحج والعمرة لدخول النيابة فيهما كالزكاة، ويجوز بالبذل، وهذا أفضل، أي: أن يقول إنسان أنا أحج عن فلان، فالأفضل أن الإنسان ينفع أخاه من غير أن يأخذ منه مالاً على ذلك، ويمكن لمن يخرج ليحج عن آخر ويعطل مصالحه ويحتاج لنفقة في بيته، والذي سيخرجه إن لم يشارطه على دفع أجرة له، فهو هنا يخرج للحج لكي يرفع عن الميت الحرج في كونه لم يحج عن نفسه وعليه إثم في ذلك، وقد كانت عليه فريضة الحج فلم يفعل، ومن ثم فهو يقع في الحرج في أنه لا يجد ما ينفق على عياله، فهنا العلماء اختلفوا في مسألة الأجرة: هل يجوز لإنسان أن يأخذ الأجرة على أن يحج عن آخر أو لا يجوز ذلك؟

    فممن قال بجواز أخذ الأجرة على الحج وعلى العمرة ونحو ذلك الإمام مالك والإمام الشافعي واختاره ابن المنذر ، وممن منع من ذلك الإمام أبو حنيفة والإمام أحمد وإسحاق بن راهويه، والإمام أحمد له وجهان في هذه المسألة، ولذلك يقول ابن قدامة : في الاستئجار على الحج والأذان وتعليم القرآن والفقه ونحوه مما يتعدى نفعه ويختص فاعله أن يكون من أهل القربة روايتان: إحداهما: لا يجوز، والأخرى: يجوز، فالذين قالوا بالجواز احتجوا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إن أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله)، وهذا الحديث رواه البخاري ، فقالوا: لأنه يجوز أخذ النفقة عليه فجاز الاستئجار عليه، كبناء المساجد والقناطر، فعندما نبني مسجداً فهل نشترط على العامل الذي يعمل في المسجد ونقول له: لا تأخذ أجراً ولك الأجر من الله؟ قالوا: لا، ويجوز دفع الأجرة له على عمله ذلك، فهو أخذ أجرته على ذلك، ولا يحرم عليه ما أخذ من أجر على ذلك، قالوا: فكذلك الذي حج عن إنسان آخر وأخذ الأجرة على عمله الذي عمله وانتفع بأجر هذا الذي وجب عليه أو لزمه الحج.

    ابن قدامة يذكر وجه الرواية الأولى وهي الأشهر في مذهب الإمام أحمد وهي المنع من أخذ الأجرة على الحج وعلى العبادات، فهم عمموا وإن كان الدليل خصص من هذا التعميم، قالوا: لو حج أو أذن أو علم القرآن أو الفقه أو غير ذلك مما يتعدى النفع فيه فهذا ممنوع أخذ الأجرة عليه.

    وأدلة المنع سنجدها في مسألة تعليم القرآن، فقد روى أبو داود وابن ماجة وأحمد عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: (علمت أناساً من أهل الصفة الكتابة والقرآن، فأهدى إلي رجل منهم قوساً، فقلت: ليست بمال وأرمي عنها في سبيل الله عز وجل، لآتين رسول الله صلى الله عليه وسلم فلأسألنه، فأتيته فقلت: يا رسول الله! رجل أهدى إلي قوساً ممن كنت أعلمه الكتابة والقرآن وليست بمال وأرمي عنها في سبيل الله، فقال صلى الله عليه وسلم: إن كنت تحب أن تطوق طوقاً من نار فاقبله)، وفي رواية قال: (جمرة بين كتفيك تقلدتها أو تعلقتها)، فهذا حجة من قال: يمنع أخذ الأجرة على تعليم القرآن أو أخذ الهدية.

    وعن عثمان بن أبي العاص رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: لما جعله إماماً على قومه: (واتخذ مؤذناً لا يأخذ على أذانه أجراً)، فهذا دليل على أن المؤذن لا يأخذ على أذانه أجراً.

    إذاً: هذه الأدلة في المنع من أخذ الأجرة على العبادة، ولا شك أن هذا أحوط، فالأحوط والأفضل للإنسان أنه إذا فعل عبادة لا يأخذ عليها أجراً من الناس، وليأخذ أجره من الله سبحانه وتعالى.

    حديث آخر: وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم في قصة أبي سعيد لما رقى الرجل فقال له: (إن أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله)، وكان قد رقى إنساناً وقرأ عليه الفاتحة سبع مرات فشفاه الله عز وجل، وكان قد شارطهم على قطيع من الغنم فكأنهم تحرجوا أن يأخذوا أجراً على القرآن، فلما رجعوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم أقرهم على ما فعلوا وقال: (وما يدريك أنها رقية)، مصوباً للذي فعله أبو سعيد رضي الله تبارك وتعالى عنه.

    ففي هذا الحديث بيان جواز أخذ الأجرة على القرآن، أما حديث عبادة بن الصامت ففيه بيان المنع، فبأي الحديثين يعمل في هذه المسألة، هل بعموم قوله صلى الله عليه وسلم: (إن أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله)؟ فهذا يجوز أن أقرأ القرآن وأعلمه وآخذ عليه أجرة، فهذا الحديث يدل على الإباحة، والحديث الآخر يرجح جانب التحريم، فإذا تعارض التحريم مع الجواز غلب جانب التحريم، لكن بالنظر إلى صحة حديث عبادة وهو في السنن، وحديث أبي سعيد وهو في الصحيحين، نقول: هذا الأخير أصح، فعند الترجيح بين الصحيح والأصح نقول: ما في الصحيحين أصح، وهو الراجح على غيره، أو نجمع بين الأحاديث إذا قدرنا على ذلك، وهذا الأفضل.

    فينظر في السبب الذي من أجله قال النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، فحديث عبادة بن الصامت قال: (علمت ناساً من أهل الصفة الكتابة والقرآن)، وأهل الصفة هم من فقراء المسلمين الذين هاجروا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وهم محبوسون على أمر النبي صلوات الله وسلامه عليه يخرجهم في سرايا أو مغازي معه صلى الله عليه وسلم، وهم موجودون في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، فهؤلاء أضياف الإسلام، وإذا جاء للنبي صلى الله عليه وسلم صدقة أو هدية أرسل إليهم منها عليه الصلاة والسلام، فكون عبادة يعلم واحداً منهم شيئاً من القرآن وبعد ذلك يأخذ منه أجرة فمن أين سيأتي له بأجرة؟ ولو فتح هذا الباب سيعلم فقراء المسلمين ويأخذ على ذلك أجرة، فلن يوجد أحد سيعلم إلا بعد أن يأخذ أجرة، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم ذلك.

    أو أن يكون هذا الذي علمه كان فرضاً عليه أن يعلمه، كما يأتي الإنسان ويقول لك: علمني كيف أصلي؟ فلا يصلح أن تقول له: كم تدفع وأنا أعلمك كيف تصلي؟ يحرم عليك هذا ولا يحل لك أن تأخذ ذلك، فإذا تعين عليك التعليم وجب أن تعلم بلا أجر، إذاً: كأنه تعين عليه أن يعلمهم أو علمهم ما تعين عليهم أن يفعلوه كفاتحة الكتاب ونحو ذلك، فلما علمهم أهدى إليه رجل منهم هذه القوس فمنعه النبي صلى الله عليه وسلم من قبولها.

    أما الحديث الآخر فهو أعم قال فيه: (إن أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله)، أما الأذان فقد نصح النبي صلى الله عليه وسلم بذلك فقال: (واتخذ مؤذناً لا يأخذ على أذانه أجراً)، إذاً: في مسألة الأذان لا يأخذ المؤذن أجراً، وإنما يجوز أن يعمل برزق أو براتب يعان به في ذلك، وما أكثر هؤلاء اليوم! لكن في أمر التعليم لو قلنا لمن يحفظ القرآن لا تأخذ أجراً، سيترتب على ذلك أن لا أحد سيحفظ قرآناً، ولسان حاله: لم أحفظ أذهب أعمل لكي أعيش وأعيش أولادي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم حديثاً عاماً: (أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله).

    فلذلك الراجح أن الحديث في المنع من أخذ الأجر على تعليم القرآن إذا تعين على إنسان أن يعلم القرآن أو غيره لزمه أن يعلم هذا الأمر الذي صار فرض عين عليه بغير أجر، خاصة إذا كان هذا المحتاج إليه محتاجاً إلى أن يقيم فرائضه، مثل: إنسان في الحج، وعند المناسك يقول لك: كيف أحج؟ كيف ألبي؟ كيف أحرم؟ فتأتي وتقول له: ادفع حتى أنا أعلمك! هذا لا يحل لك في هذه الحال، لكن إذا كان إنسان سيعلم آخر الفقه في الدين أو يعمله التوحيد ويعطي له دروساً ويتعب نفسه ويفرغ نفسه من أجله، فمثل هذا الراجح أنه يجوز أن يأخذ أجراً على ذلك، وقد كان الإمام مالك رحمه الله ممن يمنع أخذ الأجرة على ذلك، حتى ذهب إليه معلمو القرآن وشكوا إليه وقالوا: إن الناس يمتنعون أن يعطونا حتى نشارطهم، أي: أن الناس بخلاء، ونذهب نحفظ أولادهم القرآن فلا يعطونا شيئاً حتى نشارطهم على كذا، فغير الإمام مالك رحمه الله فتواه من ذلك بناء على الواقع الذي هو موجود، وعادة الناس أنهم يبخلون إذا وجد من يتبرع لهم.

    ففي مسألة الحج لم يأت نص عن النبي صلى الله عليه وسلم في المنع من أخذ الأجر عليه، إنما الذي جاء في مسألة القرآن وفيه ما ذكرنا، وفي مسألة الأذان، وفي الأذان الكثيرون يؤذنون بلا أجر، والأمر لا يقف على هذا الذي يقول: آخذ أجرة عليه، فعلى ذلك غيره من الأشياء كالحج والعمرة، وتعليم القرآن، وتعليم الفقه، وتعليم الحديث وغيره، الراجح أنه يجوز أن يعلم وأن يأخذ أجراً عليه إن كان يعيش على ذلك.

    إذاً: الراجح في مسألة الحج: طالما أنه يجوز فيه النيابة، فالنائب إما بأجر وإما من غير أجر، وهذا أفضل بلا شك؛ لأنه سيعطل نفسه وسيقف عن أخذ المال لأولاده وعياله، فيجوز له أن يأخذ الأجرة عليه طالما أنه عمل تدخله النيابة فجاز أخذ العوض عليه، وفي حديث النبي صلى الله عليه وسلم لما قال: (حج عن أبيك فدين الله أحق بالقضاء)، لن يقوم أمر الحج عن إنسان إلا بمثل هذا الأمر، ويندر أن تجد متطوعاً، لكن أن تجد من تستأجره هذا كثيراً، والشريعة لا تضيق مثل ذلك.

    أيضاً العلماء اتفقوا على أنه يجوز أخذ الرزق على الحج، فلو قلت لشخص: تعال حج عني وسأعطيك مبلغاً في النهاية، فحج عنه وأعطاه مبلغاً على ذلك، فجوزوا ذلك، قالوا: هذا رزق لا مانع منه إذا كان نائباً فيه فليقل إذا بخلوا: لا أحج إلا أن تعطوني كذا؛ لأن عندي بيتاً وأولاداً، فالراجح أنه يجوز ذلك.

    لكن قال العلماء: هذا ينتقض بالجهاد في سبيل الله، فلو أن إنساناً قال لآخر: اخرج وجاهد في سبيل الله مكاني، فهل يصح هذا؟ حتى ولو صح في البداية، فإذا كان بين الصفين تعين عليه الجهاد، وصار فرض عين عليه، فلا يجوز في فرض العين أن يأخذ أجرة من غيره، وقد جاء أن رجلاً خرج مع آخر في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ليجاهد في سبيل الله وشارطه: أخرج معك للجهاد على أن تعطيني كذا من غنيمتك التي ستأخذها، فذهب يسأل النبي صلى الله عليه وسلم: فلان رفض أن يخرج إلى الجهاد إلا أن أعطي له أجرة دينارين، والآن رجعنا ومعنا مال كثير فمات، فقال: (لا أجد له في دنياه ولا أخراه إلا هذين الدينارين).

    فهذا لما وقف بين الصفين تعين عليه الجهاد، ولكن هو لم يخرج إلا من أجل الدينارين، ولذا لا يستحق إلا الدينارين أجرته على ذلك، وليس له في دنياه ولا أخراه أجرة على هذا الجهاد.

    إذاً: الفرق بين الجهاد وبين الحج أنه إذا حضر في الصف تعين عليه أن يجاهد في سبيل الله، فليس له وهو يجاهد أن يقول: أنا أجاهد عن فلان، أما في الحج فيقول: (لبيك عن فلان)، فافترق الجهاد عن الحج في ذلك.

    والرزق الذي يأخذه في الجهاد في سبيل الله عز وجل هذا إعانة له على ذلك، أما الذي يأخذ الرزق في الحج فقد اتفقوا على جوازه، ومعنى الرزق: مرتب أو وظيفة أو شيء يأخذه جعل على هذا الذي فعله.

    إذاً: الراجح في مسألة الحج عن الغير: أنه يجوز أن أستأجر إنساناً فيحج عن المعضوب أو المتوفى، والأفضل أن يحج تطوعاً أو نيابة ولا يأخذ في ذلك أجراً، ويكتفي بأجره من الله سبحانه تبارك وتعالى، ولما نقول أجرة بغير تكاليف السفر، فهو سيسافر للتأشيرة ويقطع الطريق ويأخذ مصاريف الحج ومصاريف الهدي وغيره، هذا كله على المستنيب، لكن هنا فوق هذا كله هل يأخذ أجرة على ذلك؟ هذه مسألة فيها الخلاف المذكور مع الراجح فيه.

    إذاً: يجوز الاستئجار في حق الميت والمعضوب حيث تجوز النيابة.

    1.   

    مسائل متعلقة بمخالفة المستأجر لمن استأجره في الحج

    إذا انتهى الأجير إلى الميقات المتعين للإحرام فلم يحرم عن المستأجر بل أحرم عن نفسه بعمرة، فلما فرغ منها أحرم عن المستأجر بالحج فما الحكم؟

    هذه صور سنفرعها على جواز الإجارة على الحج، عندما أستأجر إنساناً يحج عن معضوب أو متوفى، هذا الذي خرج ليحج ويأخذ أجرة على ذلك فوق تكاليف الحج التي تبلغ عشرة آلاف، فهو يأخذ أجرة على ذلك ليحج عن إنسان، وعند الإحرام لم يحرم عن صاحبه بالحج، بل أحرم عن نفسه بعمرة، فهو الآن يعمل عمرة عن نفسه في وقت الحج.

    يقول الفقهاء: هذا له حالان: إما أنه في وقت الحج رجع للميقات، ومن الميقات أحرم عن صاحبه، فهذا فعل الذي هو فرض عليه، أو أنه لم يرجع وسيأخذ أجرة كاملة على ذلك، فإذا لم يعد إلى الميقات فإنه يصح الحج عن المستأجر للإذن، ويضع شيئاً من الأجرة المسماة لإخلاله بالإحرام من الميقات.

    إذاً: نقول له: أنت سافرت إلى الميقات ومن عند الميقات صنعت شيئاً لنفسك ليس لي للمستأجر، فمن الميقات إلى أن وصلت مكة تعلن فيها مناسك العمرة لنفسك؛ ولذا يوضع من التكاليف ومن الأجرة التي تأخذها.

    الحالة الثانية: أن يرجع إلى الميقات على حسابه، ثم يحج عن صاحبه، فهذا فعل الفرض الذي عليه، وتجب له الأجرة كلها.

    والواجب على الأجير أن يحرم من الميقات،

    فإن جاوز الميقات المعتبر غير محرم ثم رجع إلى الميقات فأحرم ثم ذهب إلى المناسك فلا شيء عليه؛ لأنه أحرم من الميقات، لكن لو أنه جاوز الميقات وبدأ إحرامه بعدما جاوز الميقات فعليه دم؛ لأنه جاوز الميقات وهو غير محرم.

    إذاً: إذا أحرم من جوف مكة أو بين الميقات ومكة ولم يعد لزمه دم في ماله هو وليس في مال من استأجره؛ لأنه هو الذي قصر بأن جاوز الميقات غير محرم، أما إذا عدل الأجير عن طريق الميقات المعتبر إلى طريق آخر ميقاته مثل المعتبر أو أقرب إلى مكة فلا شيء عليه.

    وإن لزمه دم بترك نسك أو بفعل محظور كاللبس والقلم فلا يضع شيئاً من الأجرة؛ لأنه لم ينقص شيئاً من العمل، ويجب الدم في ماله؛ لأنه هو المسيء وليس من استأجره.

    فلو فرضنا أن هذا الإنسان المحرم بالحج عن رجل معضوب أو عن إنسان ميت حلق شعره في أثناء إحرامه، أو وضع طيباً أو لبس ثياباً غير ثياب الإحرام فتلزمه الفدية في ذلك، والدم عليه، وليس على صاحبه.

    صورة أخرى: إن استأجره للقران بين الحج والعمرة: استأجر هذا المعضوب إنساناً ليحج عنه قارناً، أي: أنه ينوي من هنا الحج والعمرة مع بعض، أي: نسك واحد بنيتين، فإذا امتثل وفعل ذلك وجب دم القران على المستأجر، والقارن يلزمه دم، إذاً الدم من مال المستأجر، كما لو حج هذا بنفسه.

    فإن كان المستأجر معسراً فسينتقل من الدم إلى الصيام، فمن الذي يصوم؟

    هنا اختلف العلماء، فالبعض يرى أن الصيام يكون على الأجير؛ لأن الصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع، فالثلاثة سيصومها الذي في الحج، إذاً: الأجير الذي يلزمه البعض الآخر، لكن الصواب ما دام الدم على صاحبه كذلك الصيام بدلاً من هذا الدم يصوم الأيام العشرة في بلده؛ لأنه معذور، هذا الراجح فيها.

    فإن كان المستأجر معسراً فعليه صوم عشرة أيام؛ لقوله تعالى: فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ [البقرة:196]، وهذا لا يقدر على الصوم في الحج فصام الجميع هنا، وقياسها: أن الإنسان الذي لزمه الصوم هناك وهو معسر كأن حج متمتعاً أو قارناً ولزمه دم ولم يقدر فلزمه الصوم فلم يصم هو هناك، فلزمه أن يصوم الأيام العشرة في بلده.

    إذا استأجر إنساناً ليحج قارناً أو متمتعاً فصنع عكس ما طُلب منه، فهذه من المخالفات التي يصنعها الأجير، فما الحكم فيها؟

    حكم الأجير إن خالف النسك المستأجر عليه

    فمثلاً: استأجر أجيراً للقران فعدل إلى الإفراد فحج ثم اعتمر، فما الحكم؟ معناه: أنك تلبس الإحرام وتلبي من الميقات، وتقول: لبيك حجة وعمرة، فهذا حاج ومعتمر، لكن هذا عدل إلى الإفراد فقال: لبيك حجاً فقط، وبعدما أكمل الحج أتى بعمرة، فإن عاد إلى الميقات للعمرة فلا شيء عليه؛ لأنه زاد خيراً، كأنه مر على الميقات مرتين، مرة للحج ومرة للعمرة فلا شيء عليه ولا على المستأجر، وإن لم يعد فعلى الأجير أن يرد من النفقة بقدر ما ترك من إحرام العمرة من الميقات، ويعاقب هذا الأجير، والأصل الأمانة، وأنك نائب عني تقوم بما أردته أنا، فأنت خالفت في ذلك، وكان المفترض أن تحج وتعتمر قارناً، فأنت لم تفعل هذا، ولذا قالوا: عليه أن يرد من النفقة بقدر ما ترك من إحرام العمرة من الميقات.

    ولو قال الحي للأجير: حج عني، وإن تمتعت أو قرنت فقد أحسنت، فقرن أو تمتع وقع منه المراد؛ لأنه مخير، فسواء اختار القران أو التمتع فكلاهما خير.

    ولو أمره بالإفراد فقرن، فبدلاً من أن يقول: لبيك حجاً، قال: لبيك حجاً وعمرة، فصار قارناً، فهذا أتى بالأمر وزيادة، فعلى ذلك لا يضمن شيئاً، فهو فعل لصاحبه ما هو زيادة، ثم إن كان أمره بالعمرة بعد الحج ففعلها فلا شيء عليه، وإن لم يفعل رد من النفقة بقدرها، إذاً هنا المخالفة في شيء آخر، كأن هذا قال له: بعدما تكمل الحج اعتمر بعد ذلك، فهذا عمل الاثنين مع بعض من أجل أن يوفر، وإذا كان صاحبه لم يطلب منه عمرة وقال له: أفرد فقرن، فهذه زيادة خير، وليس له أجرة زيادة على ذلك، لكن لو طلب منه أن يفرد الحج ثم يعتمر، فهذا استسهل وقرن حتى لا يخرج مرة أخرى ولا يدفع نفقة مرة أخرى، فيرد من الأجرة بقدر ما ترك من ذلك.

    حكم النائب والأجير إذا أمره المستأجر بالإفراد فقرن أو تمتع والعكس

    إذا قال له: حج عني مفرداً فقط. والمفرد ليس عليه دم، فإذا قرن الأجير فإن عليه دماً من ماله لا من مال المستأجر؛ لأنه لم يطلب منه أن يقرن، وإنما طلب منه الإفراد، إذاً: الدم على الأجير.

    أما إن أمره بالتمتع، أي: أمره بعمرة في أشهر الحج، ثم بعد ذلك يتحلل إلى أيام الحج، فإن أمره بالتمتع فقرن، والقران هو أنه يعمل عملاً واحداً بنيتين، فعلى ذلك هذا القارن قريب من المتمتع، لكن المتمتع يعمل عمل العمرة كاملاً والحج كاملاً، فإذا أمره بالتمتع فقرن وقع عنه؛ لأنه أمر بهما وإنما خالف في أنه أمره بالإحرام بالحج من مكة فأحرم به من الميقات، ولا يرد شيئاً من النفقة.

    فلم يلزمه رد شيء من النفقة؛ لأنه لم يخالف في شيء.

    وقد اختلف أيهما أفضل: القران أم التمتع؟

    وفي كل من الحالين دم، وهنا استوى أمر القران وأمر التمتع، ففي القران سيحرم بالعمرة والحج من الميقات، ويظل محرماً إلى أن يتحلل في يوم العيد برمي جمرة العقبة، ويتحلل تحللاً أصغر عندما يطوف بالبيت، ثم يتحلل التحلل الأكبر، ففيه مشقة زيادة ولذا أمره بالتمتع، أما المتمتع فيحرم من الميقات بعمرة ويأتي بها كاملة ثم يتحلل، فهو أقل في المشقة، ثم يبدأ بعد ذلك في مناسك الحج من مكانه ولا يبدأ من الميقات مرة ثانية.

    ولو نظرنا إلى الفرق بين المتمتع والقارن فإن القارن زاد مشقة، وقلت عنه بعض المناسك، وزيادة المشقة في أنه يظل محرماً مثلاً من يوم واحد ذي الحجة إلى يوم العيد، أما المتمتع فسيعتمر ثم يصير حلالاً إلى أن يحرم بالحج.

    والقارن سيطوف طواف القدوم، والمتمتع سيطوف طواف العمرة.

    والمتمتع سيسعى بين الصفا والمروة سعياً عن عمرته وسعياً عن حجه بعد ذلك، والقارن إن سعى بعد طواف القدوم فليس عليه سعي آخر.

    وهذا فيه ترفه بإسقاط واحد من الواجبات أو الأركان التي عليه بأنه نوى هذا السعي بنيتين عن حجه وعن عمرته.

    إذاً: كلا الأمرين قريب من الآخر، فلا يلزمه أن يرد من النفقة شيئاً.

    وإن أمر بالاثنين -الحج والعمرة- فعمل واحداً فقط وأفرد الحج ولم يعمل عمرة عنه فهو مقصر في ذلك ويرد نصف النفقة؛ لأنه أخل بالإحرام بالعمرة من الميقات، وصاحبه أمره أن يحرم بالعمرة من الميقات لأنه أمره بالقران، وهذا أحرم بالحج فقط، وأخل بما طلبه صاحبه فيرد نصف النفقة.

    حكم من استنابه رجل في الحج وآخر في العمرة

    من الصور: أن تقول لرجل: يا فلان! حج عن فلان، وندفع لك أجرتك على الحج، وآخر قال له: اعتمر عني، وهذا يعلم وهذا يعلم، أو هذا يعلم وهذا لا يعلم، أو هما لا يعلمان.

    إذاً: الذي يخرج نائباً أو مستأجراً عن أكثر من واحد بالأجرة، فحج واعتمر قارناً وأذنا له في ذلك فإن الدم على الاثنين.

    وقد يكون هذا يعمل عمرة عن إنسان، وحجاً عن إنسان آخر، وهذا ميت وهذا ميت، وهذا دفع له أجراً، وهذا دفع له أجراً على ذلك، فصار الآن عليهما دم القران، طالما كان الأمر بمعرفة الاثنين فهما من يدفعان هذا المال.

    أما إن قرن بغير إذنهما، فهذا طلب منه حجة، والآخر قال: اعمل لي عمرة، يقصد: اعتمر من الميقات أيضاً، فذهب وقرن بين الحج والعمرة عن الاثنين، فإن قرن من غير إذنهما صح ووقع عنهما ويرد من النفقة لكل واحد منهما النصف، ودم القران عليه، وإن إذن أحدهما دون الآخر رد على غير الآمر نصف نفقته وحده.

    أي: لو قال له: أنا سأخرج أحج عن فلان، فقال: اعمل لي عمرة، ودفع له الأجر عن ذلك، والذي يحج عنه لم يعرف هذا الأمر، فيرد له من النفقة نصفها؛ لأنه أتى بما أمر به، وإنما خالف في صفته لا في أصله، فأشبه من أمر بالتمتع فقرن.

    حكم من استنابه رجل للحج أو العمرة ثم حج أو اعتمر

    إذا أمره بالحج فحج ثم اعتمر لنفسه، أو أمره بعمرة فاعتمر ثم حج عن نفسه صح، ولم يرد شيئاً من النفقة؛ لأنه أتى بما أمر به على وجهه.

    وصورة المسألة: أنه أمره بالحج فحج، وبعدما أكمل مناسك الحج عمل عمرة عن نفسه فلا شيء عليه، ولا يلزمه أن يرد شيئاً من النفقة، أو أمره أن يعتمر فاعتمر وأنهى العمرة وانتظر، وفي أيام الحج حج عن نفسه، فلا شيء عليه؛ لأنه وفى للآخر؛ لأنه طلب عمرة فوفى عنه هذه العمرة، ولا يلزمه أن يرد شيئاً من النفقة.

    مسائل متفرقة في الحج عن الغير

    إن أمره بالإحرام من ميقات فأحرم من غيره، كأن قال له: أحرم عني من الجحفة فأحرم عنه من ذي الحليفة، فهنا هو أحرم من الميقات، فلا شيء عليه في ذلك، ولا يرد شيئاً من النفقة.

    وإن أمره بالإحرام من بلده فأحرم من الميقات، كما لو فرضنا أنه قال له: حج عني من هنا من الإسكندرية تلبس الإحرام وتلبي، فهو لم يفعل، وأحرم من الميقات من ذي الحليفة أو من رابغ، فهذا أتى بما طلبت منه الشريعة، فليس عليه أن يرد شيئاً من أجل أنه فعل ما أمر به شرعاً.

    وإن أمره بالحج في سنة أو بالاعتمار في شهر ففعله في غيره جاز؛ لأنه مأذون فيه في الجملة: فإذا أمره بالحج عنه في السنة المقبلة فحج عنه هذا العام فهذا خير له أنه فعل هذا الشيء الآن، وإن آخر في السنة التي بعدها، فهذا أيضاً صحت الحجة وله الأجر، ولكن يكره له أن يفعل ذلك؛ لأنه مأمور الآن، فالأمر يتوجه عليه أن يفعل هذا الذي أمر به الآن، وخاصة إذا قلنا: إن الحج يجب على الفور.

    وإن استنابه اثنان في نسك فأحرم به عنهما وقع عن نفسه دونهما؛ لأنه لا يمكن وقوعه عنهما.

    بمعنى: إذا استنابه اثنان في نسك واحد فأحرم به عنهما، فهذا قال له: حج عني، والثاني قال له: حج عني، وهذا لا يعرف أنه قد طلب منه غيره، فخرج يلبي: لبيك عن فلان وعن فلان، فمثل هذا لا يقع إلا عنه هو فقط ويغرم المال الذي أخذه لأصحابه، فهو إن أحرم عن نفسه وعن غيره وقع عن نفسه؛ لأنه لا تكون عن فلان وعن فلان نيتان والعمل واحد، فهذا لا يصح في الفريضة، إذاً: الذي يحج إما أن يحج عن واحد، وإما أن يحج عن نفسه.

    والحج عن نفسه هل سيكون تطوعاً أو فريضة؟

    لا ينفع ابتداء أن أطلب ممن لم يحج عن نفسه أن يحج عني؛ فمن خرج يلبي عنه وعن فلان فهي عنه فقط، ويرجع لهما أجرتهما.

    وإن أحرم عن أحدهما غير معين، فلم يعين في نيته فلاناً هذا، بل قال له: حج عني، وأعطاه الأجرة، فقال: لبيك عن أحدهما، في هذه الحالة يعين أحدهما ويرد للآخر ماله، وإن وصل إلى الطواف بالبيت وما زال معلقاً أن الحجة هذه عن فلان وعن فلان وهو يطوف بالبيت فلا ينفع وتنقلب وتصير الحجة له هو، ويرد النفقات لأصحابها.

    وإذا جامع الأجير وهو محرم قبل التحلل الأول فسد حجه:

    فهذا أجير أو نائب ذهب ليحج عن فلان، ثم لما قضى بعض المناسك وقبل أن يتحلل التحلل الأول -والتحلل الأول لا يتم بأن يرمي جمرة العقبة أو يحلق شعره أو يذبح الهدي، فإذا تحلل التحلل الأول فهو ما زال متلبساً بالنسك- فإذا جامع قبل التحلل الأول فسد الحج، بخلاف ما بعد التحلل الأول فعليه دم، ولا يفسد حجه، ولو أفسد بالجماع قبل التحلل الأول فهو يفسده على نفسه، والحج ينقلب إليه هو، فهو الذي أفسد الحجة، ويمضي في الحجة الفاسدة، وعليه القضاء لهذه الحجة الفاسدة، وتلزمه الفدية، ويرد النفقة والأجرة لصاحبها، فإن كانت إجارة عين فيأتي بها واقعة عن الأجير ويرد الأجرة، وإن كانت في الذمة، أي: إذا عينت أن فلاناً هذا بعينه يحج عني هذا العام فلا تنفع حجة هذه السنة، ولا ينفع أن يحجها عنك مرة أخرى، وتنفسخ الإجارة، ويرد المال لصاحبه، ويلزمه القضاء بعد ذلك على ما ذكرنا.

    وإن كانت في الذمة -أي: ليست متعينة هذه السنة- فهي في ذمته، والحجة الفاسدة تنقلب إليه ولا يلزمه أن يرد المال، ولكن نقول له: بعدما تحج هذا العام الحج الفاسد ففي العام الذي يليه تقضي عن نفسك بعد ذلك وتحج عن صاحبك، وما زال الأمر متعلقاً بك.

    ولو أحرم الأجير عن المستأجر ثم صرف الإحرام إلى نفسه ظناً منه أنه ينصرف، وأتم الحج على هذا الظن، فلا ينصرف الحج إلى الأجير بل يبقى للمستأجر؛ لأن الإحرام من العقود اللازمة، فإذا انعقد على وجه لا يجوز صرفه إلى غيره.

    وصورة المسألة: أن إنساناً أحرم وهو أجير عن المستأجر، وقال: لبيك عن فلان، والأجير كان قد حج عن نفسه قبل ذلك، والآن هو نائب عن آخر، ثم بدا له أن يجعل هذه الحجة له ويرد المال لصاحبه، ومضى على هذه النية حتى أنهى المناسك، فقد وقع كل حجه عن صاحبه، وليس له أن يغير النية؛ لأن العقد صار لازماً بتلبيته عن فلان؛ ولذا قال النبي صلى الله عليه وسلم للرجل: (هذه عنك، ثم حج عن شبرمة)، فانقلبت إليه لكونه لم يحج عن نفسه قبل ذلك، فلو كان حج عن نفسه لصارت الحجة لفلان هذا طالما أنه لبى باسم فلان وقال: لبيك حجاً عن فلان ولم تنقلب، حتى لو زعم وظن الأجير أنها تنقلب هذه الحجة إليه، ويستحق الأجير الأجر المسمى لحصول غرض المستأجر.

    وإن خرج الحاج للحج فمات في الطريق، فهل يمكن أن نستنيب آخر يقوم مقامه ويكمل؟

    الراجح أن هذا هو الأفضل، وأن يخرج من المكان الذي توفي فيه من يكمل له مناسك الحج، وتصح النيابة عنه في ذلك، أو فيما بقي من النسك، سواء كان إحرامه لنفسه أو لغيره؛ فإن كان لنفسه فهذا هو الأصل، وإن كان لغيره -النائب أو الأجير- فيكمل من هذا المكان إنسان آخر يحل محله، ويكمل المناسك عن هذا الإنسان؛ لأنها عبادة تدخلها النيابة، فإذا مات بعد فعل بعضها قضى عنه باقيها كالزكاة، والظاهر عدم وجوب ذلك؛ لأن العلماء اختلفوا في ذلك: هل يجب إكمال الحج عن هذا المتوفي أو لا يجب؟ فلو أن الذي يحج عن غيره كان نائباً أو أجيراً فلا بد أن تكمل الحج عن هذا الآخر؛ لأنه أخذ أجرة على ذلك ومات في الطريق، إذاً: ورثة هذا الأجير يكملون عنه هذه الحجة، لكن لو أن إنساناً ذهب يحج عن نفسه ومات في الطريق، فهل يلزم ورثته أن يأتوا بمن يكمل عنه المناسك؟

    الراجح أنه لا يلزم ذلك؛ لحديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: (بينما رجل واقف بعرفة إذ وقع عن راحلته فأوقصته، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبيه ولا تحنطوه ولا تخمروا رأسه، فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً)، ولم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم آخر أن يكمل الحج عنه، فدل على أن الذي يتوفى في الحج يبعث يوم القيامة ملبياً وله الأجر على ذلك، لكن وجوب الإكمال هو في حق الأجير الذي يأخذ أجرة على ذلك؛ لأن الإجارة في ذمته، وإذا توفي تنتقل إلى ورثته، فهم الذين يقيمون غيره ليكمل هذه المناسك عن صاحبهم؛ لأن المستأجر لم يستفد شيئاً، فالأجير هو الذي أحرم وصاحبه لم يتم عنه الحج، فعلى ذلك يلزمهم أن يكملوا هذه الحجة عنه.