إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. أحمد حطيبة
  4. محاضرات الحج
  5. شرح كتاب الجامع لأحكام العمرة و الحج و الزيارة
  6. شرح كتاب الجامع لأحكام العمرة والحج والزيارة - شروط وجوب الحج [1]

شرح كتاب الجامع لأحكام العمرة والحج والزيارة - شروط وجوب الحج [1]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • شروط وجوب الحج خمسة: الإسلام، والبلوغ، والعقل، والحرية، والاستطاعة، فلا يجب الحج على أحد إلا إذا توافرت فيه هذه الشروط، ولو حج الصبي والعبد والمجنون فحجهم صحيح ولكن لا يجزئهم عن حجة الإسلام، فإذا بلغ الصبي وأعتق العبد وأفاق المجنون فعليهم أن يحجوا حجة الإسلام، وهناك مسائل وأحكام كثيرة تتعلق بحجة الصبي والعبد والمجنون ونحوهم.

    1.   

    شروط وجوب الحج

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبيه محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    شروط وجوب الحج خمسة شروط متفق عليها بين العلماء:

    الشرط الأول: الإسلام، فحتى يجب الحج على إنسان لا بد أن يكون مسلماً، فلا يجب الحج على كافر.

    الشرط الثاني: العقل.

    الشرط الثالث: البلوغ.

    الشرط الرابع: الحرية.

    الشرط الخامس: الاستطاعة.

    فهذه خمسة شروط إذا توفرت في إنسان قلنا له: وجب عليك الحج: الإسلام، والعقل، والبلوغ، والحرية، والاستطاعة.

    خلاف العلماء في اشتراط أمان الطريق وإمكان السير

    واختلف العلماء في شرطين وهما: أمان الطريق، وإمكان المسير، فلو افترضنا أن الإنسان الذي يجب عليه الحج توافرت فيه الشروط، أي: هو مسلم، بالغ، حر، مستطيع، عاقل، وقلنا له: يجب عليك الحج، ولكن الطريق غير مأمونة حتى يصل إلى الحج، فهناك عدو في الطريق يمنعه من الوصول إلى هذا المكان، أو أنه يقدر، ولكن ليس هناك وسيلة يصل بها إلى الحج، فلم تتوافر مواصلات توصله، وسيفوته الحج في هذا العام.

    إذاً: الشرطان هما: الأمان في الطريق، وإمكان المسير، فقد يكون هذا الإنسان في يوم ثمانية ذي الحجة معه مال كثير، لكن ليس هناك طائرة تنقله إلى هناك، ولا يقدر أن يصل إلى هناك.

    إذاً: المال موجود، والمال ليس وحده هو الذي يوصله، إذْ لا بد من الوسيلة حتى يصل.

    فأمان الطريق وإمكان المسير هل يقال: إنهما من شروط الاستطاعة، أو من شروط لزوم أداء الحج؟

    اختلف فيهما العلماء: هل هما من شروط وجوب الحج، أي: أنه إذا وجدت هذه الشروط وجب عليه الحج، وإن لم تكن موجودة فلا يجب عليه، أم أنها من شروط لزوم السعي، ولزوم السعي يعني: أنه ليس قادراً على أن يحج هذه السنة، وإنما في السنة اللاحقة؟

    فجمهور العلماء على أن هذه الشروط السبعة كلها شروط وجوب للحج، فحتى يجب عليه الحج لا بد من وجود هذه الشروط السبعة.

    وفي قول للإمام أحمد رحمه الله وهو الراجح في المذهب: أن الشرطين من شروط لزوم السعي، أي: أمان الطريق، وإمكان المسير شرطان من شروط لزوم السعي.

    إذاً: الخلاف هنا: هل هما من شروط الوجوب أم هما شرطان من شروط لزوم السعي؟

    فإذا قلنا: إنهما من شروط وجوب الحج لم يجب عليه الحج؛ لأنه غير مستطيع، وإذا قلنا: إنّهما شرطان للزوم السعي فلا يلزمه أن يسعى هذه السنة، ويسعى في السنة القادمة، وهذا القول أحوط، وإن كان الراجح من حيث الدليل: أن هذا ليس مستطيعاً؛ لأن معه المال، ولكن ليس عنده وسيلة توصله؛ ولذلك سيفوت عليه موسم الحج فهو ليس قادراً، وهذا الراجح من حيث الدليل، وهو قول الجمهور أنه غير مستطيع.

    فعلى ذلك الراجح: أن هذه الشروط السبعة شروط وجوب؛ لأن الله عز وجل إنما فرض الحج على من استطاع إليه سبيلاً، وهذا لم يستطع السبيل إليه.

    لكن إذا توفي وكان معه من المال ما يمكن أهله أن يحجوا عنه فيلزمهم أن يقضوا دين الله سبحانه وتعالى، وأن يحجوا عن هذا الذي وجب عليه الحج ولم يفعل لسبب من الأسباب، أو لعذر من الأعذار.

    1.   

    أقسام شروط الحج

    القسم الأول: شرطان للوجوب والصحة

    شروط الحج الخمسة وهي: الإسلام، والعقل، والبلوغ، والحرية، والاستطاعة، تنقسم إلى ثلاثة أقسام:

    فمنها: ما هو شرط للوجوب وللصحة، وقولنا: (شرط وجوب) أي: إذا وجد وجب عليك أن تحج، وإذا لم يوجد هذا الشرط فلا يجب عليك الحج.

    وقولنا: (شروط صحة) أي: حتى يصح منك هذا الحج لا بد من وجود هذا الشرط.

    فالإسلام والعقل شرطان للوجوب، وشرطان للصحة.

    فعلى ذلك فإن غير المسلم لا يجب عليه الحج؛ لأنه لا يخاطب به، وإن كان يوم القيامة يحاسب على تركه، ولكن في الدنيا لا يطلب منه ذلك؛ لأنه لم يأت بأصل الإيمان بشهادة أن لا إله إلا الله حتى نقول له: يلزمك أن تحج.

    ولو فرضنا أن هذا الكافر تشبه بالمسلمين وحج الشيء، فإنه لا يصح منه هذا العمل؛ لأنه لم يأت بالتوحيد.

    إذاً: الإسلام شرط وجوب وصحة.

    وكذلك العقل شرط وجوب وصحة، فالمجنون لا يصح منه أن يحج بنفسه، والصبي الصغير لا يصح منه أن يحج بنفسه، ويصح أن يحج بالاثنين الولي الذي له النية ويصنع بهما أفعال الحج، ويأخذهما إلى عرفة وإلى مزدلفة.. ويكمل بهما باقي أعمال الحج، فلابد من وجود الولي، أما هما في أنفسهما فلا يصح منهما لعدم وجود العقل.

    إذاً: الإسلام والعقل شرطا وجوب وصحة، فلا تجب العبادة على كافر ولا مجنون، فإن فعلاها فلا تصح منهما؛ لأنهما ليسا من أهل العبادة.

    وهنا ذكرنا أن المجنون لا يصح منه الحج بقيد عدم الولي، لكن مع وجود الولي فحكمه حكم الصبي الصغير، فقد جاء أن امرأة رفعت للنبي صلى الله عليه وسلم صبياً لها وقالت: (ألهذا حج؟ قال: نعم. ولك أجر) .

    القسم الثاني: شرطان للوجوب والإجزاء

    منها شرطان للوجوب والإجزاء، وهناك فرق بين أن نقول: يصح منه، وأن نقول: يجزئ عنه، فقد يصح منه على نافلة وعلى فريضة فيصح منه هذا الحج، فإذا كانت نافلة بالنسبة للصغير أو للعبد وأعتق العبد بعد ذلك وبلغ الصبي وصارا مستطيعين، وجب عليهما حجة الإسلام، فهذا الحج صح منهما، ولكن ليس مجزئاً عن حجة الإسلام، ولذلك فالشرطان اللذان هما للوجوب وللإجزاء هما: البلوغ، والحرية، فالبالغ يجب عليه الحج، وغير البالغ لا يجب عليه، فإذا حج البالغ قبل منه ذلك وصار مجزئاً عنه، ومعنى الإجزاء: سقوط الفريضة عنه ولا يلزمه الإعادة ولا القضاء لهذه الفريضة.

    والعبد الذي يحج حجه صحيح فيصح منه، ولكن لا تجزئ عنه حجة الإسلام إلا إذا مات وهو عبد، لكن إذا أعتق فلا تجزئ عنه، فيلزمه إذا صار مستطيعاً أن يحج حجةً أخرى كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ذلك.

    إذاً: شرطا الوجوب والإجزاء: البلوغ، والحرية، فلو حج الصبي والعبد صح حجهما، ولم يجزئهما عن حجة الإسلام.

    إذاً: هنا يصح الحج ويقبله الله سبحانه وتعالى، وقد عرفنا قبل ذلك الفرق بين الصحة والقبول، فنحن نحكم بالصحة ولا نحكم بالقبول؛ لأن القبول أمره إلى الله سبحانه وتعالى، ولكن الصحة معناها: أنه لا يجب عليك أن تعيد، وقد سقط عنك الفعل الذي فرض عليك.

    إذاً: نقول: لو حج الصبي والعبد صح حجهما، فإذا بلغ وصار مستطيعاً فعليه حجة الإسلام التي كلف الله عز وجل العباد بها، وكذلك العبد إذا أعتق على ما فصلنا.

    القسم الثالث: شروط للوجوب

    ومنها: ما هو شرط للوجوب فقط: وهو الشرط الخامس، وهو: الاستطاعة، ويدخل تحت الاستطاعة إمكان المسير وأمان الطريق، فلو تجشم غير المستطيع المشقة وسار بغير زاد وراحلة فحج كان حجه صحيحاً ومجزئاً، لأن هذا شرط للوجوب، فحتى نقول: وجب عليك الحج وتأثم بعدم الأداء لا بد أن تكون مستطيعاً لهذا الحج، فإذا كان مستطيعاً مع الشروط الماضية فنقول: يلزمك أن تحج لأنك الآن مستطيع.

    إذاً: شروط وجوب الحج خمسة شروط: الإسلام، والبلوغ، والعقل، والحرية، والاستطاعة، فإذا كان هذا الإنسان جمع هذه الشروط، فنقول له: يجب عليك أن تذهب وتحج؛ لأنك مستطيع.

    ولو أن غير المستطيع حج فنقول: حجه صحيح، أي: لو تجشم مع كونه لا مال له، ولا زاد معه، وحج ماشياً أو راكباً، استدان وحج وهو لا يجب عليه، فنقول: صح منه حجه.

    والكافر الأصلي لا يطالب بفعل الحج، وفرق بين الكافر الأصلي والمرتد، فالمرتد كان مسلماً ثم بعد ذلك فعل أو قال أو اعتقد ما يخرجه عن الملة والعياذ بالله! لكن الكافر الأصلي لم يدخل في الإسلام أصلاً، فعلى ذلك هذا الكافر الأصلي لا يطالب بفعله، سواء كان مستطيعاً أو غير ذلك، فغير المستطيع لا يطالب بما على المستطيع، وإن سئل يوم القيامة عنه سواء كان حربياً أو ذمياً أو كتابياً أو ثنياً، وكذلك المرأة والرجل كل هؤلاء لا يخاطبون بفعل ذلك، فإذا أسلم هؤلاء لم يخاطبوا بما فاتهم، فلو أن إنساناً كافراً في حال كفره صار مفلساً وأسلم بعد ذلك، فلن نقول له: أنت كنت غنياً ولذلك وجب عليك الحج، بل لا يجب عليه الحج الآن؛ لأنه ما كان في الماضي في الجاهلية يهدمه الإسلام، فكل ما كان عليه هذا الإنسان من مال ومن غنى وضاع منه هذا المال الآن بعد أن صار مسلماً، فإنه يخاطب على ما هو عليه الآن؛ لما جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الإسلام يهدم ما كان قبله) ، وفي رواية: (يجب ما قبله)، فإذا كان هذا الإنسان مستطيعاً قبل ذلك، وأراد أن يحج، فنقول: لا يقبل منك؛ لأنك كافر، فهذا مع الكفر لا يقبل منه العمل، فلو أنه أسلم وصار مفلساً ولا مال معه فلا يكلم ولا يخاطب بما كان عليه قبل ذلك في أيام جاهليته؛ لأن الإسلام يجبُّ ما كان عليه قبل ذلك من شرك.

    فإن استطاع في حال كفره ثم أسلم وهو معسر لم يلزمه الحج، إلا أن يستطيع بعد ذلك على ما ذكرنا؛ لأن الاستطاعة في الكفر لا أثر لها.

    وأما المرتد فيجب عليه، فإذا استطاع في ردته ثم أسلم وهو معسر فالحج مستقر في ذمته بتلك الاستطاعة، وفرق بين الاثنين: فالكافر الأصلي لا يخاطب بأفعال الإسلام إلا أن يخاطب بالتوحيد ويؤمر به، لكن المرتد مطلوب منه حالاً أن يرجع إلى دين الله سبحانه وتعالى، وإلا فإن حد الله عز وجل يقام عليه فيقتل لردته، فما دام أنه حي ومخاطب بأحكام الإسلام فليس من حقه أن يكفر وأن يرتد عن دين الله سبحانه وتعالى، فالمرتد يجب عليه إن كان غنياً في حال ردته، وهو مطالب بأن يسلم ومطالب بأن يحج بعد ما يرجع إلى دين الله سبحانه وتعالى.

    فإن استطاع في حال ردته ثم أسلم وهو معسر فالحج مستقر عليه، فإن قدر بعد ذلك لزمه أن يأتي به.

    أما الإثم بترك الحج فيأثم المرتد؛ لأنه مكلف به في حال ردته.

    1.   

    أقسام الناس في الحج

    الناس في الحج خمسة أقسام:

    القسم الأول: لا يصح منه الحج بحال، وهذا هو الكافر، فلو أنه حج لا يصح منه ذلك، ولو أنه فعل طاعة من الطاعات، كما لو جاء شهر رمضان وصام مع المسلمين كنوع من التزلف للمسلمين فلا يصح منه ذلك، ولكي يقبل منه العمل لا بد أن يأتي بأصل الأصول بأصل الإسلام وهو شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    القسم الثاني: من يصح منه الحج والعمرة لا بالمباشرة، أي: ليس هو الذي سيباشر، ولا هو الذي سينوي، ولكن وليه هو الذي يقوم بالمباشرة بهذه الأشياء، وهو الذي ينوي له، وهذا القسم هو الصبي غير المميز، وكذلك المجنون، فهذان إذا كان مسلمين يحرم عنهما وليهما، وهو الذي ينوي عنهما ويقوم لهما بالأعمال ويهيئهما لأعمال الحج والعمرة.

    القسم الثالث: من يصح منه بالمباشرة، وهو أن يباشر أعمال المناسك بنفسه، وهو الصبي المسلم المميز، والعبد المسلم المميز، فيصح منهما الحج بالمباشرة سواء كان صبياً أو عبداً.

    القسم الرابع: من يصح منه بالمباشرة، ويجزئه عن حجة الإسلام، وهو المسلم المميز البالغ الحر.

    الخامس: من يجب عليه، وهناك فرق بين من يصح منه، ومن يجب عليه، فقولنا: (يصح منه) أي: لم يجب عليه بعد لأنه غير مستطيع، ولكن فعله فصح منه ذلك، فإذا صار مستطيعاً وجب عليه وأجزأه، وهو المسلم البالغ الحر العاقل المستطيع.

    فشرط الصحة مطلقاً إذا حج إنسان نقول: يشترط حتى يصح منه ذلك أن يكون مسلماً ولا يشترط التكليف بل سيقوم عنه غيره بالنية، مثل الولي ومعه الصبي الصغير، أو المجنون.

    وشرط صحة المباشرة بالنفس: الإسلام والتمييز، فحتى يباشر الأعمال بنفسه فيفعلها لا بد أن يكون مسلماً مميزاً، والمميز: هو الذي يفهم الخطاب ويرد الجواب، وهو من جاوز سبع أو ثمان سنوات، وشرط وقوعها حجة الإسلام: البلوغ، والعقل، والإسلام، والحرية، فإذا كان ليس بالغاً أو ليس عاقلاً، أو كان عبداً ليس حراً، فهذا لا تقع عنه حجة الإسلام، وإذا كان غير مسلم فمن باب أولى ألا يصح منه ذلك.

    ولو تكلف غير المستطيع الحج وقع حجه عن فرض الإسلام، ولو نوى غير حجة الإسلام وقع عن حجة الإسلام، أي: لو تكلف غير المستطيع الحج كأن يكون لا يملك شيئاً وكلف نفسه فاستدان وذهب وحج، فقد وقع ذلك الحج عن حجة الإسلام وعن فرض الإسلام.

    ولو كان ذاهباً للحج وقال: أنا غير مستطيع، وسأحج تطوعاً، ونوى التطوع بذلك، فهنا ينقلب إلى حجة الإسلام، مثل الذي حج عن شبرمة وقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (حج عن نفسك، ثم حج عن شبرمة) .

    وشرط وجوب الحج: البلوغ، والعقل، الإسلام، والحرية، والاستطاعة.

    1.   

    حكم حج المجنون

    المجنون إما أن سيحج وحده فلا يصح منه ذلك؛ لأنه لا عقل له فلا يصح منه الحج، وإما أن إنساناً آخر يقوم معه بالحج فينوي عنه ويأخذه إلى المناسك، ويقف به في عرفة، فهذا أمر آخر، فيصح منه كثواب له، أي: كثواب لهذا الإنسان، لكنها ليست حجة الإسلام؛ لأن المجنون لا تجب عليه حجة الإسلام.

    روى أصحاب السنن عن عائشة رضي الله عنها أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: (رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصغير حتى يكبر، وعن المجنون حتى يعقل أو يفيق).

    وفي رواية: (رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن المبتلى حتى يبرأ، وعن الصغير حتى يكبر)، إذاً: هؤلاء رفع عنهم قلم الإثم، وقلم التكليف، وأجمعت الأمة على أنه لا يجب الحج على المجنون.

    فالمجنون لا يجب عليه الحج، ولكن لو حج به وليه فحكمه حكم الصبي الصغير الذي رفعته المرأة للنبي صلى الله عليه وسلم.

    والمغمى عليه يعتبر غير مفيق، وحكمه حكم المجنون؛ لأنه لا عقل له في هذه الحالة، فلا يصح منه حج الفريضة، ولو أن إنساناً أغمي عليه من أول الإحرام وعند إرادة الإحرام أخذ وهو مغمى عليه، أي: لم يحرم عن نفسه وحملوه وأخذوه إلى عرفة أو إلى مزدلفة وغيرها، وطافوا به وسعوا به فكل هذا لا يصح منه كحجة الإسلام، فالمغمى عليه: لا يجوز أن يحرم عنه غيره؛ لأنه ليس لديه عقل، ويرجى برؤه عن قريب، فهو كالمريض، فلا يطاف ولا يفعل به أفعال الحج إلا إذا كان قد أفاق من إغمائه، فعلى ذلك يحمل طالما أن عقله موجود معه.

    فالإنسان الذي يفيق كالإنسان الذي تأتيه نوبات الصرع وتطول معه، وتمكث معه أياماً وهو مصروع فيذهب عقله ثم يفيق بعد ذلك، ثم يذهب عنه عقله.. وهكذا، فالذي يجن ويفيق إذا كان في خلال مدة الإفاقة يتمكن فيها من الحج ووجدت الشروط الباقية لزمه الحج، وإلا فلا.

    وإذا كان يأتي له الجنون في فترة أو في فصل معين من السنة وفي فصول أخرى لا يأتيه الجنون، وحج به في خلال ذلك وهو مفيق فالحج منه صحيح.

    ولو سافر الولي بالمجنون إلى مكة فلما وصل إلى مكان الإحرام أفاق فأحرم صح حجه وأجزأه عن حجة الإسلام، ولو فرضنا أن هذا الإنسان أخذه وليه ليحج به وهو مجنون، وأخذ يعمل عنه المناسك، فإذا كان على هذه الحالة فلا يصح منه عمل بالمباشرة، وإنما الذي يصح فعل الغير عنه، فحكمه حكم الصبي الصغير، ويكون حجه تطوعاً، وليس حجة الفريضة، لكن لو فرضنا أنه أدرك ورجع إليه عقله ففعل المناسك وأداها، فعلى ذلك تصح عنه حجة الإسلام، حتى لو كان في البداية مجنوناً ثم رجع عقله هنالك.

    ويشترط لصحة مباشرته بنفسه للحج إفاقته عند الإحرام والوقوف والطواف والسعي، أي: عند أداء الأركان لابد أن يكون عقله حاضراً؛ فإذا كان أثناء هذه الأفعال مفيقاً عاقلاً: عند الإحرام والطواف والوقوف بعرفة والسعي، فعلى ذلك حجه صحيح.

    1.   

    حج الصبي

    روى البخاري عن سالم بن يزيد قال: (حج بي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا ابن سبع سنين) .

    وروى مسلم عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أنه لقي ركباً بالروحاء فقال: من القوم؟ قالوا: المسلمون. فقالوا: من أنت؟ قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرفعت إليه امرأة صبياً فقالت: ألهذا حج؟ قال: نعم ولك أجر).

    فلا يجب الحج على الصبي ويصح منه رضيعاً كان أو مراهقاً، والرضيع هو الذي يرضع فقط خلال السنتين.

    والمراهق: هو الذي كاد يبلغ، أي: الذي هو دون البلوغ، كاد يبلغ ولكن لم يبلغ، ثم إن كان مميزاً أحرم بنفسه بإذن وليه، والمميز حده الحنابلة بأنه ما بلغ سن التمييز وهو سبع سنين.

    وعند الشافعية حدوه بسبع أو ثمان، والإمام النووي حد له حداً فقال: الصواب في حقيقة الصبي المميز: أنه الذي يفهم الخطاب ويحسن رد الجواب ومقاصد الكلام ونحو ذلك، ولا يضبط بسن مخصوص؛ بل إنه يختلف باختلاف الأفهام، أي: أنه ليس لازماً أن يكون سن التمييز سبع سنين بالضبط، فقد يكون أكثر أو أقل، المهم أن هذا يفهم الكلام ويعرف يرد الجواب، ويفرق بين الأشياء، فهو المميز، كما أن أصل التمييز هو ذلك، يقول الفيوفي في المصباح المنير: تميز الشيء بمعنى: انفصل عن غيره، والفقهاء يقولون: سن التمييز والمراد: سنٌّ إذا انتهى إليها عرف مضاره ومنافعه، وكأنه مأخوذ من (ميزت الأشياء) إذا فرقتها بعد المعرفة بها.

    وإن كان الصبي أو الصبية مميزين أحرما بأنفسهما بإذن الولي، فإن استقل الصبي وأحرم بنفسه بغير إذن وليه لم يصح، أي: لو أن الصبي أحرم وقال: لبيك عمرة أو لبيك حجاً من غير إذن الولي فلا يصح منه ذلك، ولوليه تحليله إذا رأى في ذلك المصلحة.

    أما الصبي غير المميز فيحرم عنه وليه، وهو ما كان عمره ثلاث أو أربع سنوات، وليس معناه: أنه يلبسه لبس الإحرام، ولكن يحرم بمعنى: ينوي عنه، إذاً: يحرم الولي عن الصبي بأن يعقد له الإحرام كما سيأتي، سواء كان الولي حلالاً أو كان محرماً، وسواء كان حج عن نفسه أو لم يحج، فعلى ذلك الذي يحرم عن الصبي بمعنى: ينوي له ذلك فيجرده ويلبسه لبس الإحرام، ويجعله يطوف أو يسعى أو يوكل به من يفعل به ذلك في المناسك ويصح ذلك.

    الولي الذي يحرم عن الصبي

    والولي الذي يجوز له عقد الإحرام عن الصبي هو الأب، وهذا الأصل في الولي، وكذلك الجد الصحيح عند عدم وجود الأب، والجد الصحيح: هو أبو الأب، والجد ليست له ولاية مع وجود الأب، فإذا وجد الأب فالولاية للأب، وكذلك يجوز للوصي والقيم، فللحاكم أن يعين إنساناً قيِّماً على الصبي الصغير، أو الوصي الذي أوصى إليه أبوه قبل أن يموت فقال: يا فلان، أنت وصيي على هذا الصبي، افعل به كذا وكذا، فالوصي والقيِّم يجوز لهما أن يعقدا الإحرام عن الصبي.

    أما الأم والإخوة والأعمام وسائر العصبات فليس لهم ذلك إذا لم يكن لهم وصية، فالأم إذا أوصى الأب إليها، أو أذن الحاكم لها في ذلك، إذ إنَّ الأم هي المتصرفة في مال الصبي وهي أشفق من يقوم بذلك على هذا الصبي، فإذا أذن لها الحاكم في التصرفات المالية على الصبي فلها ذلك، وليس هذا لكونها أمه، ولكن لكونها وصية.

    إذاً: الأم عندها رحمة وشفقة، لكن الولاية المالية للولي الذي هو الأب أصلاً، والأم يكون لها ذلك إذا كان بإذن الحاكم، فيكون للأم الولاية أو جعلها وصية على مال الصبي أو قيمة.

    والأم والإخوة والأعمام وسائر العصبات ليس لهم ذلك إذا لم يكن لهم وصية أو إذن من الحاكم في ولاية المال، فإن أحرمت أمه عنه، فالراجح: أنه يصح والمفترض على هذه المقدمة أنه لا يصح، ولكن كيف نقول لا يصح والنبي صلى الله عليه وسلم قال: (له حج ولك أجر)؟ فعلى ذلك فإن الأم التي رفعت صبيها للنبي صلى الله عليه وسلم وسألت: (ألهذا حج؟ قال: له حج ولك أجر) دلَّ على أنها مأجورة على ذلك، فإذا كانت هذه حجت للصبي من مالها، فله حج ولها أجر على ذلك، وإن كانت حجَّت للصبي من ماله، وكانت هي القيمة على ماله أو الوصية عليه، فكذلك له أجر على ذلك ولها أجر.

    صفة إحرام الولي عن الصبي

    الإحرام بمعنى: عقد النية، والنية في القلب، ويصير الصبي محرماً بمجرد أن ينوي الولي، كما أنك تحرم عن نفسك بالنية ثم تقول: لبيك حجاً ولبيك عمرة، فالولي يقول: عقدت الإحرام لفلان أو لا يقول ولكن نوى في قلبه أنه الآن صار فلان هذا محرماً، كما إذا عقد له النكاح فيصير متزوجاً بذلك.

    وإذا صار الصبي محرماً بإحرامه أو إحرام وليه عنه فعل بنفسه ما قدر عليه، وفعل عنه وليه ما لا يقدر عليه الصبي، فيغسله الولي عند إرادته الإحرام -وهذا كما يصنع الكبير بنفسه كذلك يصنع مع الصغير- فيغسله عند إرادة الإحرام ويجرده من المخيط ويلبسه الإزار والرداء والنعلين، وإن تأتى منه المشي يطيبه وينظفه، هذا قبل أن يحرم عنه ثم يحرم الصبي أو يحرم عنه الولي.

    ويجب على الولي أن يجنبه ما يجتنبه الرجل الكبير، فَيحرم عليه أن يضع الطيب، أو يقص أظفاره أو يقص شعره، كذلك يمنع الولي الصبي من ذلك.

    صفة حج الصبي أو حج الولي عنه

    فإن قدر الصبي على الطواف بنفسه علمه فطاف، أو أخذه بيده وطاف معه إن لم يكن يقدر، فيحمله ويطوف به أو يُركِبه ويطوف به، فإن كان غير مميز صلى الولي عنه ركعتي الطواف، أي: إذا كان صبياً صغيراً لا يعقل ذلك فبعد ما حمله وطاف به بالبيت فالولي سيصلي ركعتي الطواف عن هذا الصبي، وإن كان مميزاً أمره الولي فصلاهما بنفسه، وإذا كان الصبي عمره ثمان أو تسع سنوات فعلى الولي أن يأمره أن يصلي ركعتين عند المقام.

    ويشترط إحضار الصبي إلى عرفات سواء المميز وغيره، ولا يكفي حضور الولي عنه، فالحج عبادة بدنية ومالية، إذْ لا بد من حضور الأبدان في المواقف، فهنا الولي أحرم عن الصبي للعذر، لكن لا يصح أن يقف عنه بعرفة فلابد أن يحضر الصبي معه في عرفة.

    كذا يحضره إلى مزدلفة والمشعر الحرام ومنى وسائر المواقف؛ لأن كل ذلك يمكن فعله من الصبي، ويجمع الولي في إحضاره عرفات بين الليل والنهار، مثلما أن الكبير يلزمه أن يقف في عرفات حتى تغرب الشمس، كذلك لا بد أن يقف بالصبي الصغير أو يوقفه حتى تغرب الشمس، فإن ترك الجمع بين الليل والنهار أو ترك مبيت المزدلفة، أو مبيت ليالي منى وجب الدم في مال الولي؛ لأن الولي هو الذي قصر في ذلك، وهي شاة عن ترك واجب من الواجبات في مال الولي؛ لأن التقصير منه، فإن قدر الطفل على الرمي أمره به وإلا رمى الوليُّ عنه.

    ويستحب إن استطاع أن يضع الحصاة في يد الطفل فيرمي الطفل الجمرات، وذلك إذا لم يكن هناك زحام ويقدر على ذلك، فيحمل الوليُّ الطفل ويجعله يرمي، فإذا لم يستطع فالولي هو الذي يصنع ذلك عنه.

    نفقة الصبي في سفره وفي الحج

    نفقة الصبي في سفره وفي الحج يحسب منها قدر نفقته في الحضر من مال الصبي، وأما الزائد بسبب السفر فمن مال الولي، هذا لو تخيلنا أن هذا الصبي له مال، وقد يكون الصبي وارثاً من أبيه مالاً كثيراً، لكن هل لكونه وارثاً مالاً يأخذه الولي ويحج به حجاً يكلفه مالاً كثيراً فتكون النفقات باهظة على الصبي؟ يقول الفقهاء: لا يجوز التلاعب بمال الصبي، فأنت ستحججه لكونه له مال، فحج الصبي يكون على قدر النفقات المطلوبة منه، وإذا زدت عن النفقات المطلوبة منه، فتدفع أنت من عندك هذه الزيادة، فالزيادة إذا تعمد الولي أن ينفق مالاً كثيراً فيكون من ماله هو، ولكن على قدر الحج وقدر المناسك وقدر النفقة التي كانت في الحضر ينفق عليه من ماله في هذا المكان، والزائد بسبب السفر من مال الولي.

    ولو أحرم الصبي بغير إذن الولي جاز للولي أن يحلله كما قدمنا، فلو فرضنا أن الصبي يعيش في مكة مع أبيه، وعمره عشر سنوات، وقال: لبيك حجاً في موسم الحج وأراد أن يحج، ورفض أبوه ومنعه من ذلك، فله أن يحلله حتى بعد ما أحرم، طالما أن إحرامه بغير إذن وليه.

    حكم ارتكاب الصبي محظوراً من محظورات الإحرام

    إذا ارتكب الصبي محظوراً من محظورات الإحرام فالمحظور على الكبير محظور على الصغير، ولكنه مرفوع عن الصغير قلم الإثم، وهنا الخطاب مع الصغير، وخطاب التكليف ليس موجوداً مع الصغير حتى نقول له: عليك الإثم في كذا، ولكن خطاب الوضع موجود، بحيث إنه لو أتلف شيئاً فعليه في هذا الإتلاف ما يكون من جزاء، فلو أن الصبي قتل صيداً في إحرامه أو في الحرم فجزاء الصيد موجود، وهنا خطاب الوضع أنه مكلف بذلك: إذا فعل كذا يلزم فيه كذا.

    وإن كان الإثم مرفوعاً عن الكبير -فإن محظورات الإحرام فيها ما يختلف عمده وسهوه كاللباس والطيب- فالصغير من باب أولى، فإذا لبس الكبير القميص أو العمامة أو البرنس وهو ناسٍ فلا شيء عليه، والصبي الصغير كذلك لا شيء عليه في ذلك.

    وإذا تعمد الكبير فعليه دم، وإذا تعمد الصغير فقد قدمنا في الكلام عن العمرة أن العلماء اختلفوا في ذلك، فذهب الإمام الشافعي إلى أنه يلزمه الدم في ذلك، على خلاف بين الشافعية في ذلك.

    وذهب الإمام أحمد والأحناف إلى أنه لا يلزم الصبي شيء، والأحوط في ذلك: أنه إذا كان الصبي مميزاً يعقل ذلك ويفهم وفعل شيئاً من هذه المحظورات فعليه دم، هذا الأحوط وليس الواجب.

    ونقول: الأحوط؛ لأن الصبي لو صلى صلاة الظهر مثلاً بغير وضوء لأمرناه أن يعيد الصلاة، لأن هذه عبادة من العبادات، وهو صلاها بغير شروطها، أو فعل فيها ما يبطلها فأمرناه بالإعادة، والحج عبادة أيضاً، فإذا فعل فيها شيئاً ينقصها فيلزم في ذلك الدم على الأحوط في ذلك.

    إذاً: ما يختلف عمده وسهوه في اللباس والطيب قيل: لا فدية فيه على الصبي؛ لأن عمده خطأ، وقيل: عليه الفدية هو الأحوط.

    وما لا يختلف عمده وسهوه كالصيد وحلق الشعر وتقليم الأظفار فعليه فيه الفدية، وهذا هو ما فيه استهلاك الشيء وإتلافه، لأنه صاد صيداً فأهلك هذا الصيد، أما حلق الشعر فعليه فيه الفدية على الاحتياط في ذلك، لكن جزاء الصيد عليه جزاء اتفاقاً.

    إذا وجبت الفدية على الصبي فهل تكون في مال الصبي أو في مال الولي؟

    اختلف العلماء في الفدية إذا وجبت هل تكون في مال الصبي أو في مال الولي؟ بمعنى: لو أن الصبي عمل شيئاً فنقول للولي: كيف عمل الصبي ذلك وأنت معه؟ ولماذا لم تمنعه؟ فإذا وجدته فتركته يصنعها فمن مالك أنت، فإذا رأيته يقص شعره وأنت تشاهد ذلك فيلزمك أنت الفدية من مالك، وإذا وجدته يأخذ الطيب ويضعه وأنت تسكت عن ذلك فيلزمك الفدية في ذلك من مالك، فالأصح: أنها في مال الولي، وهذا مذهب الإمام مالك ، هذا إذا أحرم بإذن الولي، وهي كالفدية الواجبة على البالغ بفعل نفسه، فإن اقتضت صوماً أو غيره فعله وأجزأه، وإذا كان الصبي مخيراً في الفدية بين أشياء منها الصوم فصام الصبي أجزأه ذلك، فإن أحرم الصبي بغير إذن الولي فالفدية في مال الصبي، فلو أن صبياً عمره اثنتا عشرة سنة وحج من غير إذن الولي كأن يكون من أهل مكة، وفي موسم الحج خرج مع الناس وحج ووقع في هذه الأشياء فتكون الفدية من ماله، إذا قتل صيداً أو نحو ذلك.

    وإن كانت فدية تخيير بين الصوم وغيره واختار الصبي أن يفدي بالصوم صام ويجزئه؛ لأن صوم الصبي صحيح.

    ولو أراد الولي في فدية التخيير أن يفدي عنه بالمال لم يجز؛ لأنه غير متعين فلا يجوز صرف المال فيه، فإذا كان في الفدية التخيير وطلب الصبي أن يصوم فقال الولي: سندفع المال؛ لم يجز ذلك، وليترك الصبي يصوم إذا كان المال غير متعين.

    ولو طَيَّب الولي الصبي أو ألبسه أو حلق رأسه أو قلمه فهذه الأفعال من محظورات الإحرام، فالفدية في مال الولي؛ لأنه انتهك حرمة الإحرام، وكذا لو طيبه أجنبي أو حلق له شعره وهو محرم فالفدية في مال الأجنبي الذي فعل ذلك؛ لأن الإحرام مناسك وعبادة، ولا يجوز لأحد أن يتلاعب بالمناسك والعبادة، وإن فعل الولي ذلك لحاجة الصبي ومصلحته فالفدية في مال الصبي.

    إذاً: الفدية في مال الولي وليست في مال الصبي إذا ألجأه الولي إلى التطيب، أو فوته الولي الحج، بمعنى: أنه بعد ما أحرم الصبي بإذن الولي وقبل أن يأخذه إلى عرفات أمره أن يخلع لباس الإحرام، ولم يتركه يكمل حجه، ومعلوم أن الحج عرفة، فلا بد من إكمال الحج، والذي انتهك هذا الإحرام لهذا الصبي هو الولي فالفدية في مال الولي.

    إذاً: إذا ألجأه إلى التطيب أو فوت عليه الحج بأن حبسه بعد ما أحرم ومنعه من الوقوف في عرفة، أو منعه من فعل المناسك، والحج عرفة؛ فات منه الحج، وبسبب هذا الفوات يلزمه الدم في مال من فوت عليه الحج وهو الولي.

    وإذا تمتع الصبي أو قرن فدم التمتع أو دم القران في مال الصبي، فإذا حج قارناً أو متمتعاً وله مال فيأخذ من ماله.

    حكم الصبي إذا أفسد حجه بالجماع

    ولو جامع الصبي في إحرامه كأن يكون عمر الصبي اثنتي عشرة سنة وليس بالغاً وفعل ذلك فسد الحج ويلزمه القضاء بعد ذلك، ولو جامع الصبي في إحرامه ناسياً فلا يفسد الحج؛ لأن الكبير لو نسي ولم يكن كاذباً لم يفسد حجه بالجماع، فإذا كان صبياً وناسياً لم يفسد، لكن لو حج وجامع عامداً يفسد الحج.

    ونقول: يلزم القضاء على الكبير، فهل الصبي يلزمه القضاء في ذلك؟ الراجح: أنه لا يلزمه القضاء وإنما الذي عليه حجة الإسلام بعد ذلك، ويلزمه هنا الهدي في ذلك، وهل الهديُ على الوجوب أمْ أن عليه الكفارة في ذلك؟ اختلف العلماء في ذلك، والفرق بين الصبي الذي جامع وبين من تطيب أو لبس فلزمته الفدية: أن المجامع قد فسد حجه، والآخر لم يفسد حجه فيجبر بالفدية.

    إذاً: الصبي الذي وقع في الجماع في أثناء المناسك هناك قول عند الشافعية: أنه يلزمه القضاء، وأصل هذا أنه واجب وعليه الكفارة في ذلك.

    والقول الآخر: أنه لا يلزمه ذلك، وهذا هو الذي نميل إليه، مع وجود القول الآخر بأنه أفسد الحج مثلما أفسده الكبير، وألزمناه بالفدية أيضاً فنلزمه بالفدية، لكن دليل الترجيح: أن هذا صبي صغير ولا يجب عليه الحج ابتداءً، فلو قلنا: إنه أفسد هذا الحج ويلزمه القضاء لأوجبنا عليه قضاءً وهو صبي صغير بحكم تكليفي وليس بحكم وضعي.

    وذهب بعض العلماء إلى أنه إذا أفسد الحج بالجماع فعليه أن يمضي في هذا الفاسد، وعليه أنه يقضي كالكبير، وعليه أيضاً الفدية، وقد قلنا: إن الأرجح: أن الصبي الصغير غير مكلف الآن، والأفضل أن يمضي في هذا الحج الفاسد الذي أفسده بالجماع، وبالنسبة للكفارة فرق العلماء بين من تطيب فعليه الفدية، وبين من جامع، وقالوا: ليس عليه فدية؛ لأنه فسد الحج، ولم نلزمه بقضاء لكونه صغيراً والصغير لا يجب عليه ذلك.

    وهل عليه هدي في ذلك أو فدية؟ قالوا: لا نلزمه بهدي ولا فدية، فإذا قلنا: لماذا ألزمتموه بالفدية إذا وضع الطيب أو لبس الثياب ولم تلزموه هنا؟

    قالوا: الذي لبس الثياب أو وضع الطيب حجه صحيح فأردنا جبر حجه ليكتمل أجره فيه.

    أما هذا فحجه فاسد ولا إثم عليه فبأي ذنب نلزمه بالفدية؟ فيكفيه ما تكلفه، وليس له أجر في هذا الذي فعل، فليس له شيء فيه، والذي نميل إليه هنا أن حجه فسد بذلك، ولا يلزمه المضي فيه ولا الكفارة على قول من أقوال أهل العلم، وفرق بينه وبين من ألزمناه بالهدي أو بالفدية لكون هذا يجبر الخلل في حجه، فيصح منه الحج، ويكون كاملاً بهذا الذي جبره، أما هذا فقد فسد منه فلا نلزمه بقضاء؛ لأن الصبي لا وجوب عليه أصلاً فلا يلزم بالقضاء ولا بالكفارة، إذ كيف نقول له: أكمل وهو قد أفسده، لكن الذي يلزمه ذلك هو الكبير في هذه المسألة مع وجود الخلاف بين العلماء في ذلك، وقد فصلنا خلاف العلماء في ذلك.

    إذا نوى الولي أن يعقد الإحرام للصبي فمر به على الميقات ولم يعقد ثم عقده بعد ذلك وجبت الفدية في مال الولي خاصة، فإذا أراد أن يحرم عن الصبي فأخذه من أجل أن يحج به، ولما جاء به إلى الميقات قال: لن أحرم عنه الآن ومر به على الميقات وتجاوزه وهو غير محرم، وهو ناوٍ أن يحج بهذا الصبي، فمجاوزة الميقات وهو غير محرم الإثم فيها على الولي، إذاً: الفدية في مال الولي.

    حكم المجنون كحكم الصبي في الحج عنه

    وحكم المجنون حكم الصبي الذي لا يميز في جميع ما سبق، ولو خرج الولي بمن قد جن بعد استقرار فرض الحج عليه، وأنفق على المجنون من ماله، فإن لم يفق حتى فات الوقوف غرم الولي زيادة نفقة السفر.

    ومن استقر عليه الحج وكان عاقلاً وبدأ فيه شيءٌ من الجنون، فخرج الولي به وقد استقر عليه حج -أي: عاد إليه عقله- وجب عليه الحج.

    والإنفاق على المجنون في خلال هذه الفترة يكون من مال الولي، فإن لم يفق حتى فات الوقوف يغرم الولي نفقة السفر أيضاً، كما يغرم النفقة كلها.

    وإذا أفاق وأحرم وحج فلا غرم، فإذا كان هذا عاقلاً وجب عليه الحج ثم جن وأخذه الولي ليحج به وأنفق الولي في خلال ذلك، فإذا أفاق أخذ الوليُّ ماله من هذا الذي صار عاقلاً الآن، وإذا لم يفق فالولي هو الذي سيغرم المال؛ لأنه وقت خروجه به كان مجنوناً.

    ويشترط لاحتسابه عن حجة الإسلام إفاقته عند الأركان: الإحرام، والوقوف، والطواف، والسعي، والمغمى عليه لا يصح إحرام وليه عنه ولا رفيقه عنه؛ لأنه غير زائل العقل ويرجى برؤه عن قرب، فإذا أغمي عليه فلينتظر ولا يتجاوز به الميقات حتى يفيق، والعادة في المغمى عليه أنه يغمى عليه ساعة أو ساعتين أو يوماً ثم بعد ذلك يفيق، فعلى ذلك لا يحرم عنه أحد، وينتظرونه حتى يفيق.

    1.   

    حكم حج العبد

    أجمعت الأمة على أن العبد لا يلزمه الحج؛ لأن منافعه مستحقة لسيده، فليس هو مستطيعاً بإجماع، فلا يلزمه الحج ولا يجب عليه، لكن إن أذن له سيده صح منه، وليست حجة الإسلام، ولكنْ تغني عن حجه في وقته.

    وإن أحرم العبد بإذن السيد لم يكن للسيد تحليله، سواء بقي نسكه صحيحاً أو أفسده.

    أحوال الصبي والعبد إذا حجا وبلغ الصبي وأعتق العبد

    فإن أحرم الصبي بالحج ثم بلغ أو العبد ثم أعتق فلهما أربعة أحوال:

    الحالة الأولى: أن يكون البلوغ والعتق بعد فراغ الحج، كصبي صغير عمره ثلاث عشرة سنة، فلما حج وانتهى من المناسك بلغ، فهذه الحجة لا تجزئ عن حجة الإسلام.

    كذلك إذا حج العبد وبعد ما انتهى من الحج أعتقه سيده فلا يجزئ عن حجة الإسلام وإنما هو تطوع، ويلزمه إن استطاع بعد ذلك حجة الإسلام؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (أيما صبي حج ثم بلغ فعليه حجة أخرى، وأيما عبد حج ثم أعتق فعليه حجة أخرى) .

    الحالة الثانية: أن يكون البلوغ والعتق قبل الفراغ من الحج، لكنه بعد خروج وقت الوقوف بعرفات، أي: خرج وقت الوقوف بعرفات بمضي ليلة العيد حتى طلع الفجر في يوم العيد، فليس هناك وقوف بعرفة، فلو أن هذا الإنسان كان عبداً ووقف بعرفات حتى غربت الشمس وذهب إلى المزدلفة قبل الفجر فقال له سيده: أنت حر فصار حراً، فعليه أن يلحق ويذهب إلى عرفات فيقف بعرفات حتى تكون له هذه حجة الإسلام.

    وكذلك إن كان الصبي خرج من عرفات ووصل إلى المزدلفة ثم نام فاحتلم بالليل وصار بالغاً، فإنه يرجع إلى عرفة ليقف فإن وقف يجزئ ذلك عن حجة الإسلام، لكن إذا لم يقف بعرفة حين بلغ أو أعتق فلا تجزئ هذه الحجة عن حجة الإسلام؛ لأنهما لم يدركا وقت العبادة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (الحج عرفة).

    الحالة الثالثة: أن يكون بلوغ الصبي أو عتق العبد قبل الوقوف بعرفات أو حال الوقوف، فتصح وتجزئ عن حجة الإسلام.

    الحالة الرابعة: أن يكون بعد الوقوف بعرفات وقبل خروج وقت الوقوف، فإذا رجع إلى عرفة صحت منه الحجة، ولو فرضنا أنه بلغ وهو في مزدلفة قبل الفجر فرجع إلى عرفة ووقف ولو لحظة من الليل قبل طلوع الفجر صحت منه الحجة، وكذلك العبد الذي أعتق لو رجع إلى عرفة قبل طلوع الفجر صح منه الحج.

    ولو لم يعد هذا ولا ذاك إلى عرفة حتى طلع الفجر لم يجزئ عن حجة الإسلام وكان تطوعاً، فإذا أجزأه عن حجة الإسلام فالذي سنقوله عن الصبي الذي بلغ سنقوله عن العبد الذي أعتق.

    ولو فرضنا أن هذا العبد الذي قد أعتق كان حجه مفرداً، وهو في حال رقه قدم فطاف طواف القدوم بالبيت، وسعى بعدها سعي الحج، ثمَّ وقف بعرفة وهو عبد، ثمَّ توجه إلى مزدلفة بالليل فأعتق ورجع إلى عرفات ووقف بها، فالسعي الذي سعاه قبل ذلك كان عن حجة التطوع، ويلزمه الآن سعي الركن الذي هو عن حجة الإسلام.

    إذاً: لا بد أن يسعى الآن، يطوف طواف الركن ويسعى بعده مرةً أخرى؛ لأن السعي الماضي لا يجزئ عن حجة الإسلام.

    إذاً: لا بد من السعي؛ لأنه ركن قد وقع في حال النقص فوجب إعادته، بخلاف الإحرام فإنه مستدام، فلا نقول له: رجع وأحرم من الميقات مرةً ثانية؛ لأن وقت الميقات قد مضى، لكن السعي ما زال الوقت باقياً، والإحرام مستدام، أي: في كل وقت هو محرم، ولا يلزمه في ذلك دم لا إساءة ولا تقصير.

    والطواف في العمرة مثل الوقوف في الحج؛ إذ إن الطواف في العمرة ركن من الأركان كالوقوف في الحج، والطواف متفق على أنه ركن في العمرة، لكن السعي مختلف فيه هل هو ركن من أركان العمرة، أم هو واجب من واجباتها، أم هو سنة فيها؟

    فلو أنه طاف بالبيت فأعتق قبل الطواف أو بلغ الصبي قبل الطواف صارت العمرة الواجبة عليه.

    وإذا أعتق بعد ما طاف بالبيت، فهذا ركن من أركان العمرة، فالطواف في العمرة كالوقوف في الحج، فإذا بلغ أو أعتق قبله أجزأته عن عمرة الإسلام، وكذا لو بلغ أو أعتق في أثناء طوافه بالبيت، وإذا كان بعده فلا.

    1.   

    حكم حج السفيه

    من حجر عليه لسفه وقد وجب عليه الحج فليس للولي أن يدفع المال إليه؛ بل يصحبه وينفق عليه بالمعروف.

    والسفيه هو الذي لا يتصرف في المال إلا بسفه فيضيع المال، فهذا هو المحجور عليه، يحجر عليه لحظ نفسه؛ لأنه سفيه يخشى عليه أن يضيع ماله، فإذا وجب عليه الحج فلابد أن يكون الولي معه، ولا يعطيه المال، وإنما الولي هو الذي ينفق عليه؛ لأنه محجور عليه لسفهه لحظ نفسه.

    إذاً: يصحبه الولي وينفق عليه، أو ينصب قيماً ينفق عليه من ماله.

    فلو شرع في حج تطوع بعد الحجر فللولي تحليله إن كان يحتاج إلى مؤنة تزيد على نفقته المعهودة، أي: سفيه حجر عليه الحاكم لكونه سفيهاً يبذر في المال ويضيعه ولا يعرف كيف يصرفه، فإذا حج حجة الفريضة، ثم بعد ذلك بسبب سفهه أراد أن يحج حج التطوع فللولي أن يمنعه من ذلك، أي: للذي قام أو أقيم عليه أن يمنعه من ذلك، فلو لم تزد هذه عن نفقته المعهودة، ولم يكن لهذا الإنسان كسب يفي، أو كان له كسب يفي مع قدر النفقة المعهودة والمؤنة في السفر وجب إتمامه ولم يكن له تحليله.

    إذاً: هناك فرق بين أن يحج السفيه حج الفريضه ومعه مال ومعه الولي أو القيِّم، وبين أن يحج حج نافلة ومن الممكن أن ماله يسع ذلك ويزيد، ولكن الولي له أن يمنعه من ذلك إذا وجده سفيهاً سيضيع المال والمال لا يكفي، وإذا كان المال سيكفي فيقيم معه من يكون رقيباً على هذا المال وينفق عليه.

    إذاً: لو شرع السفيه في حجة تطوع بعد الحجر فللولي تحليله إن كان يحتاج إلى مؤنة تزيد على نفقته المعهودة، ولم يكن له كسب، فإن لم تكن هذه المؤنة تزيد على نفقته المعهودة أو كان له كسب يكسب ماله فعلى ذلك لا يحلله الولي أو القيم عليه، ولكن يجعل معه من يقوم بالإنفاق عليه ويحرص حتى لا يضيع منه المال.

    1.   

    حكم حج الأغلف

    يصح حج الأغلف وهو الذي لم يختن، كأن كان نصرانياً أو وثنياً وأسلم ولم يكن قد ختن، وأراد أن يحج فنقول: يصح منه الحج حتى لو كان على هذه الحالة.

    1.   

    حكم من حج بمال حرام أو ركب للحج دابة مغصوبة

    من حج بمال حرام أو راكباً دابة مغصوبة أثم وصح حجه وأجزأه، فلو أن إنساناً معه مال وأراد الحج، ولما ذهب للحج فعل شيئاً من المحرمات كأن ركب الباخرة وأخذ تأشيرة مزورة وسافر بها للحج أو نحو ذلك، فهناك فرق بين من ارتكب الإثم وبين من يصح منه العمل، فالحج صحيح ومعناه صحيح وسقط عنه وجوب الإعادة أو القضاء.

    إذاً: العمل أجزأ، أما أنه مقبول فالعلم عند الله سبحانه.

    إذاً: من حج بمال حرام أو راكباً دابةً مغصوبة أثمَ وصح الحج وأجزأ، فلا نقول له: حُجَّ ثانية، وقبوله هذا أمره إلى الله سبحانه وتعالى.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصلِّ اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.