إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. أحمد حطيبة
  4. محاضرات الحج
  5. شرح كتاب الجامع لأحكام العمرة و الحج و الزيارة
  6. شرح كتاب الجامع لأحكام العمرة والحج والزيارة - معنى الحج وحكمه

شرح كتاب الجامع لأحكام العمرة والحج والزيارة - معنى الحج وحكمهللشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الحج ركن من أركان الإسلام، وهو من العبادات التي فصلها الله في كتابه وفي سنة نبيه صلى الله عليه وسلم، فهو واجب بالكتاب والسنة، وكذا أجمعت الأمة على وجوب الحج على المستطيع مرة واحدة، وشروط وجوب الحج خمسة: الإسلام، والعقل، والبلوغ، والحرية، والاستطاعة.

    1.   

    تعريف الحج والعمرة لغة واصطلاحاً

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    تعريف الحج: الحج: بفتح الحاء وكسرها: الحَج والحِج، لغتان قرئ بهما في قول الله تعالى: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا [آل عمران:97] فقراءة حفص عن عاصم وحمزة والكسائي وخلف ، أبي جعفر : وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وباقي القراء يقرءونها: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حَجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا.

    ويقال: شهر ذي الحِجة، وشهر: ذي الحَجة أيضاً.

    والحج معناه: القصد وكثرة الاختلاف إلى المكان، أي: قصد المكان والذهاب والتوجه إليه ذاهباً جائياً، فهذا يسمى حجاً، ومعنى كثرة الاختلاف: الذهاب والمجيء، ثم اختص باستعماله في القصد إلى مكة للنسك.

    والعمرة: كذلك أصلها: الزيارة، وأصلها: القصد أيضاً، وكأنها من إعمار المكان بكثرة الذهاب إليه.

    واختص الاعتمار بقصد الكعبة؛ لأن الذاهب يذهب إلى مكان عامر وليس مكاناً خرباً، فالكعبة مكان عامر يعمره الحجيج ويعمره المعتمرون، فسمي الاعتمار؛ لأنك تقصد مكاناً معموراً.

    فالحج: أن تقصد إلى بيت الله الحرام لعمل مناسك الحج.

    قال الإمام الطبري في قوله تعالى: فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا [البقرة:158] قال: فمن أتاه عائداً بعد بدء حج البيت، أي: أكثر القصد والاختلاف إلى المكان، فهو ذاهب جاءٍ إلى هذا المكان.

    قال الطبري : وكذلك كل من أكثر الاختلاف إلى شيء فهو حاج إليه.

    وإنما قيل للحاج حاجاً؛ لأنه يأتي البيت قبل التعريف، أي: يأتي البيت قبل يوم عرفة، فذهب إليه فيطوف ويعمل عمرةً مثلاً ثم يعود إليه لطواف يوم النحر، وفي يوم النحر يرجع إلى البيت لطواف الإفاضة بعد التعريف، ثم ينصرف عنه إلى منى، ثم يعود إليه في طواف الصدر في طواف الوداع، فلتكراره والعودة إليه مرة بعد أخرى قيل له: حاج حج البيت بمعنى: قصد البيت وذهب إليه فطاف به، وخرج من هناك متوجهاً إلى منى ثم إلى عرفة، ثمَّ رجع ثانياً إلى البيت يطوف طواف الإفاضة، أي: طواف الركن، ثم خرج منه ورجع إلى منى، ثمَّ رجع مرةً ثانية إلى البيت ليطوف طواف الوداع، فكثرة الاختلاف بالذهاب والمجيء يسمى حجاً، أي: قصد المكان وأكثر الاختلاف إليه.

    يقول: وأما المعتمر فإنما قيل له معتمراً لأنه إذا طاف به انصرف عنه بعد زيارته إياه، كأنه زار ثم انصرف، هذا من معاني اعتمر، ومن معانيها ما ذكرنا: أنه قصد إلى موضع عامر أو إلى مكان عامر.

    1.   

    الأدلة على فضل الحج من الكتاب والسنة

    جاءت أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم كثيرة في فضائل الحج، وفي القرآن قال الله تبارك وتعالى: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا [آل عمران:97] .

    وفي الصحيحين: عن أبي هريرة رضي الله عنه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل: أي العمل أفضل؟ فقال: إيمان بالله ورسوله. قيل: ثم ماذا؟ قال: الجهاد في سبيل الله، قيل: ثم ماذا؟ قال: حج مبرور) ، فأفضل العمل الإيمان، ويلي ذلك الجهاد في سبيل الله عز وجل، ويليه الحج المبرور.

    وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (من حج لله فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه)، فالذي يحج ولم يفسق ولم يرفث -والرفث معناه: الجماع أو مقدمات الجماع والكلام عن النساء والشهوات ونحو ذلك، والفسق: هو معصية الله سبحانه وتعالى- فالذي يحج ولم يقع منه رفث ولا فسوق رجع كيوم ولدته أمه.

    ورواه الترمذي بلفظ: (من حج فلم يرفث ولم يفسق غفر له ما تقدم من ذنبه).

    وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة)، والحج المبرور هو الذي جمع خصال البر، وهو الذي لم يعص الله سبحانه وتعالى فيه.

    إذاً: حج حجاً مبروراً أي: بر في حجه ولم يعص الله سبحانه، وأيضاً: حج وأكمل حجه وأحكامه فوقع موافقاً لما طلب من المكلف على الوجه الأكمل.

    وروى البخاري عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها أنها قالت: (يا رسول الله! نرى الجهاد أفضل العمل أفلا نجاهد؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا، لكن أفضل الجهاد حج مبرور)، ورواه النسائي بلفظ: (قلت: يا رسول الله! ألا نخرج فنجاهد معك؛ فإني لا أرى عملاً في القرآن أفضل من الجهاد؟ قال صلى الله عليه وسلم: لا، ولكن أحسن الجهاد وأفضله حج البيت حج مبرور) قوله: (لكن) بصيغة الخطاب للنساء، أي: لكن أيها النساء، أو لكن بلفظ الاستدراك، أي: يستدرك ذلك، ورواية البخاري فيها روايتان: (لكِنَّ) و(ولَكُنَّ)، وبعض أهل العلم رجحوا واحدة والبعض رجح الثانية.

    والحديث رواه ابن ماجة وأحمد بلفظ: (قلت: يا رسول الله، على النساء جهاد؟ قال: نعم، عليهن جهاد) ولاحظ لفظ (عليهن) فإنه يفيد الوجوب، قال: (عليهن جهاد لا قتال فيه الحج والعمرة) فإذا كان على النساء العمرة إذاً، فالرجل من باب أولى أن يكون عليه عمرة.

    وروى مسلم عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبداً من النار من يوم عرفة، وإنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة فيقول: ما أراد هؤلاء؟)، فالله سبحانه وتعالى يباهي بعباده الملائكة، والملائكة قد قالوا قبل ذلك: قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ [البقرة:30]، فيعجب الملائكة من أنهم أساءوا الظن فيهم، فيريهم الله ويباهي الملائكة بهؤلاء الذين زعمتم أنهم يفسدون فقد جاءوا شعثاً غبراً يطلبون مغفرة الله ورضوانه سبحانه.

    وروى الترمذي والنسائي عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (تابعوا بين الحج والعمرة، فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة) ، والمعنى: يزيلان الفقر والذنوب عن الحاج وعن المعتمر، فالله عز وجل وعده بأن يغنيه سبحانه وتعالى فيعطيه إما غنىً في قلبه فلا يحتاج إلى أحد، ويرى نفسه غنياً حتى ولو لم يكن معه مال، أو أنه يعطيه مالاً ليأخذه ويغنيه عز وجل بذلك، وهذا مشاهد معروف.

    فقوله: (ينفيان) أي: يزيلان الفقر الظاهر بحصول غنى في اليد، وكذلك الفقر الباطن بحصول غنى في القلب.

    (كما ينفي الكير خبث الحديد)، وهي آلة الحداد التي ينفخ فيها النار ليعدل الحديد ويصنع منه أشياء، ويزيل الخبث من الحديد ومن الفضة ومن الذهب، أي: الوسخ الذي فيها، قال: (وليس للحج المبرور ثواب إلا الجنة) ، فالحج المبرور ليس له إلا هذا الثواب.

    والمعنى: هذه الحجة ثوابها الجنة عند الله عز وجل، فلها أعظم وأفضل الجزاء الذي تتوق إليه نفس كل إنسان مؤمن.

    1.   

    حكم الحج

    الحج فريضة وركن من أركان الإسلام، قال الله عز وجل: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ [آل عمران:97]، فالحج ركن من أركان الإسلام وفرض عين على كل مسلم مستطيع.

    فالمسلم الذي يستطيع أن يحج صار فرض عين عليه أن يحج بهذه الآية، وبالأحاديث التي جاءت عن النبي صلى الله عليه وسلم، ومنها: حديث ابن عمر رضي الله عنهما وهو في الصحيحين: (بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج، وصوم رمضان) .

    أيضاً: إجماع الأمة على وجوب الحج -كما سيأتي- وأنه واجب في العمر مرة.

    فلا يجب في العمر أكثر من حجة وعمرة في الشرع، ولكن قد يجب على الإنسان بالنذر، وإذا أفسد حجة الفريضة فعليه حجة أخرى مكانها، وإذا أفسد حجة التطوع فعليه حجة أخرى مكانها.

    إذاً: في الشرع لا يجب الحج والعمرة إلا مرةً واحدة، ولكن قد يجب بشيء آخر غير ما فرض الله عز وجل عليه حجة العمر، وعمرة العمر، ويكون ذلك بإفساد حج الفريضة أو حج التطوع، أو إذا نذر على نفسه أن يحج أو يعتمر.

    والدليل: ما رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (أيها الناس! قد فرض الله عليكم الحج فحجوا، فقال رجل: أكل عام يا رسول الله؟ فسكت صلى الله عليه وسلم حتى قالها الرجل ثلاثاً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو قلت: نعم لوجبت ولما استطعتم، ثم قال: ذروني ما تركتكم، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم،فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه).

    فالحديث دل على أشياء منها:

    أنه لا يجب على الإنسان المؤمن في العمر إلا حجة واحدة.

    ومنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا أمر بأمر فالأصل أن ينفذ المؤمن هذا الأمر مرةً واحدة، وأن الأمر لا يفيد التكرار حتى تأتي صيغة تفيد أنه يلزمه أن يكرر ذلك.

    ومنها: أن الأمر على الوجوب، فإذا أمر بشيء فلا بد أن يفعل، ولكن هذا الوجوب مقيد بالاستطاعة، فإذا كان مستطيعاً فعله، وإلا فعل ما استطاع إليه سبيلاً.

    ومنها: أن النهي للتحريم، وأنه لا يجوز لإنسان أن يرتكب ما نهى عنه النبي صلوات الله وسلامه عليه إلا أن تكون ضرورة. ولهذا قال: (إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم) فقيد الأمر بالاستطاعة؛ لأن الأمر فيه مشقة، أما الترك فقال: (وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه)، فالنهي أخف من الأمر ولذلك لم يقيد النهي بالاستطاعة.

    روى البخاري ومسلم عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما في صفة حجة النبي صلى الله عليه وسلم وفيه: (حتى إذا كان آخر طوافه على المروة قال: لو أني لم أسق الهدي لجعلتها عمرة، فمن كان منكم ليس معه هدي فليحل وليجعلها عمرة، فقام سراقة بن مالك بن جعشم فقال: يا رسول الله! ألعامنا هذا أم للأبد؟) سراقة بن مالك بن جعشم يسأل النبي صلى الله عليه وسلم: هل هذه الحجة الذي نحجها معك هذا العام فرض علينا في هذا العام، أم أنها فريضة فعلناها فانتفى عنا الوجوب بعد ذلك، وكانت للأبد؟

    (فشبك رسول الله صلى الله عليه وسلم أصابعه واحدة في الأخرى وقال: دخلت العمرة في الحج مرتين)، يعني: كرر هذا: مرتين دخلت العمرة في الحج، دخلت العمرة في الحج، قال: (لا، بل لأبد الأبد) .

    إذاً: هذا ليس لكم فقط، بل لكم ولمن بعدكم أنه من حج قارناً فيكفيه ذلك، ومن حج متمتعاً فأتى بعمرة ثم حل منها ثم حج بعد ذلك فقد أتى بالفرض الذي عليه، وليس عليه أن يسافر مرةً أخرى لعمرة أو لحجةٍ ثانية.

    وروى أبو داود وغيره عن ابن عباس رضي الله عنهما أن الأقرع بن حابس سأل النبي صلى الله عليه وسلم وقال: (يا رسول الله! الحج في كل سنة أو مرةً واحدة؟ فقال صلى الله عليه وسلم: بل مرة واحدة، فمن زاد فهو تطوع).

    وروى مسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (هذه عمرة استمتعنا بها، فمن لم يكن عنده الهدي فليحل الحل كله فإن العمرة قد دخلت في الحج إلى يوم القيامة)، قوله: (العمرة دخلت في الحج إلى يوم القيامة) كأنه من اعتمر في أشهر الحج فقد أدى العمرة التي عليه وليس عليه أن يعيد عمرة أخرى مكان هذه العمرة.

    وكان أهل الجاهلية يرون أن العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور، ولذلك فعل النبي صلى الله عليه وسلم العمرة في أشهر الحج ثلاث مرات: عمرة الحديبية في شهر ذي القعدة، وعمرة القضاء في شهر ذي القعدة، وفي عمرته من الجعرانة كذلك، ثم عمرته في شهر ذي الحجة التي كانت مع حجته عليه الصلاة والسلام، فكان عُمرُ النبي صلى الله عليه وسلم كلها في أشهر الحج؛ حتى يزيل ما في قلوب الناس مما كانوا يرونه أن العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور.

    إذاً: معنى حديث النبي صلى الله عليه وسلم: دخلت أفعال العمرة في أفعال الحج إذا جمع بينهما، هذا معنى.

    والمعنى الآخر: أنه يجوز أن يعتمر في أشهر الحج ولا بأس بالعمرة في أشهر الحج.

    يقول ابن عباس رضي الله عنهما: (والله ما أعمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عائشة في ذي الحجة إلا ليقطع أمر أهل الشرك، فإن هذا الحي من قريش ومن دان دينهم كانوا يقولون: إذا عفا الوبر وبرأ الدبر ودخل صفر فقد حلت العمرة لمن اعتمر، وكان أهل الجاهلية يحرمون العمرة حتى ينسلخ ذو الحجة والمحرم)، أي: حتى يخرج شهر ذي الحجة، ويخرج شهر المحرم، وبعد ذلك من أراد أن يعتمر فله أن يعتمر، فكانوا يرون أن العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور، وأشهر الحج معروفة وهي: شوال، وذو القعدة، وعشر من ذي الحجة، فكانوا يمنعون أن يعتمر أحد في هذه الأشهر، ويرونه من أفجر الفجور، وعلى من يريد العمرة أن ينتظر حتى يرجع الحجيج من الحج وينتهي شهر المحرم ثمَّ يعتمر بعد ذلك، فيقولون: (إذا عفا الوبر، وبرأ الدبر، ودخل صفر) يقصدون أنه إذا انتهى شهر المحرم وانتهى الحج ورجع الحجيج وجاء شهر صفر فقد حلت العمرة لمن اعتمر، أو يقصدون أنهم كانوا يسمون شهر المحرم بصفر حتى يحلوا الأشهر الحرم.

    فالغرض: أنه إذا انتهى ذو الحجة عندهم يقولون: اعتمر في شهر صفر، أو اعتمر في أي شهر غير أشهر الحج، فالنبي صلى الله عليه وسلم تعمد أن يعتمر في أشهر الحج، وأن يعمر عائشة في أشهر الحج أيضاً بعد ما انتهت من حجتها ليري الناس أن هذا جائز.

    إذاً: فقد أجمعت الأمة -كما ذكرنا- على وجوب الحج على المستطيع في العمر مرة.

    حج النبي صلى الله عليه وسلم وعمرته

    ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم حج قبل هجرته، وقبل أن يفرض عليه الحج مرتين قبل أن يهاجر إلى المدينة، وهاتان الحجتان لم تكونا فرضاً على النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما حج وهو في مكة عليه الصلاة والسلام، وكان يأتي الموسم ويدعو الناس إلى دين الله تبارك وتعالى.

    ثم فرض عليه الحج بعد ذلك في العام التاسع؛ لقوله سبحانه: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا [آل عمران:97]، فحج مرةً واحدة صلوات الله وسلامه عليه بعدما فرض الحج.

    روى الترمذي وابن ماجة عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: (أن النبي صلى الله عليه وسلم حج ثلاث حجج: حجتين قبل أن يهاجر، وحجةً بعد ما هاجر، ومعها عمرة) .

    إذاً: بعد أن هاجر حج حجةً واحدة عليه الصلاة والسلام ومعها عمرة، وقد اعتمر قبل ذلك صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات: مرتين دخل واعتمر، ومرة لم يدخل، أي: في الحديبية حين حصر.

    وقد ساق ثلاثاً وستين بدنة وجاء علي من اليمن ببقيتها، فمجموع هدي النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع كان مائة بدنة -أي: مائة ناقة- ساق معه من المدينة ثلاثاً وستين، وأتى علي بن أبي طالب من اليمن للنبي صلى الله عليه وسلم بسبع وثلاثين.

    ومن ضمن هذه البدن التي أهداها النبي صلى الله عليه وسلم جمل لـأبي جهل في أنفه برة من فضة، أي: حلقة من فضة، فنحرها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر من كل بدنة ببضعة فطبخت وشرب من مرقها، أي: أن المائة الناقة نحرها النبي صلى الله عليه وسلم فنحر بيده الكريمة ثلاثاً وستين ناقة، وأكمل علي الباقي، وأمره أن يأخذ من كل ناقة ومن كل بدنة ببضعة أي: قطعة من اللحم، ويجعلها في وعاء أو في قدر، وطبخت وأكل النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك وشرب من مرقها.

    ما يفعل من حج ثم ارتد؟

    الإنسان الذي حج إلى بيت الله سبحانه، وكذلك الذي صام شهر رمضان، وكذلك الذي صلى صلاة فريضة ثم بعد ذلك وقع منه -والعياذ بالله- أنه ارتد وكفر، فهل هذا العمل قد حبط ويلزمه أن يعيد ما صامه من رمضان مرةً ثانية، أو أن يعيد الحجة التي أداها قبل ذلك، أو أن يعيد الصلوات التي صلاها قبل ذلك؟

    الراجح من كلام أهل العلم: أنه إذا ارتد ثم تاب إلى الله عز وجل بعد ذلك وأسلم فلا يجب عليه أن يعيد ما حجه في إسلامه قبل ذلك، فتجزئه حجته السابقة، وهذا اختيار الشافعي ، وبه قال ابن حزم ، وهو رواية عن الإمام أحمد رحمه الله، بل هو الصحيح في مذهب الإمام أحمد .

    والمسألة مختلف فيها: فعند المالكية والأحناف وهو قول في مذهب أحمد : أن الذي حج ثم ارتد يجب عليه إعادة الحج مرةً ثانية.

    وعند الشافعي وابن حزم وهو قول في مذهب أحمد وهو الراجح والصحيح: أنه لا يلزمه إعادة الحج.

    وهذا الخلاف مبني على آيتين في كتاب الله سبحانه وتعالى:

    فقد قال الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم: لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [الزمر:65] وقال الله سبحانه وتعالى: وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ [البقرة:217] فذكر الله سبحانه لنبيه صلى الله عليه وسلم -وحاشا له أن يقع في ذلك- وللمؤمنين المسلمين بالتبع أنه من وقع في الردة حبط عمله، وذكر في الآية الأخرى القيد: فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ ، فدل على أنه يعمل بهذا القيد فيها، فالذي يحبط عمله ويكون من الخاسرين هو الذي ارتد عن دين الله سبحانه، فحبط عمله بردته مع وفاته على الردة.

    إذاً: الآية فيها قيد أنه إذا كفر الإنسان والعياذ بالله ومات على ذلك الكفر فهذا هو الذي حبط عمله.

    لكن الذي قد وقع في ذلك ثم تاب وحسن إسلامه فلا يقال: إنه من الخاسرين، فالذي من الخاسرين هو الذي مات على الكفر، كما ذكر في هذه الآية.

    إذاً: الآية: وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [البقرة:217] يقصد بها: الذي يرتد عن الدين ويموت وهو كافر.

    وقوله: وَمَنْ يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ [المائدة:5] الراجح: أن هذا مطلق ويقيد بالآية التي فيها ذكر الوفاة.

    وجاء في حديث عروة بن الزبير أن حكيم بن حزام أخبره أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: (أي رسول الله! أرأيت أموراً كنت أتحنث بها في الجاهلية من صدقة، أو عتاقة، أو صلة رحم أفيها أجر؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أسلمت على ما أسلفت من خير) .

    فهذا حكيم بن حزام رضي الله عنه يذكر أنه كان في الجاهلية مع شركه ومع كفره يعمل أعمالاً من الخير منها: أنه تصدق، وأعتق رقاباً، وأنه وصل رحمه فهل له أجر بعدما أسلم على هذا الذي عمله؟ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (أسلمت على ما أسلفت من خير).

    إذاً: هذا العمل السالف الذي كان من الخير لك أجره عند الله سبحانه وتعالى.

    فإذا كان هذا كافراً أصلياً ونفعه ذلك بعد ما أسلم؛ فإن ذلك ينفع من كان مسلماً ثم وقع بعد ذلك في الردة والعياذ بالله ثم تاب ورجع إلى الإسلام.

    وهذا الذي ننقله فيمن حج حجةً صحيحة وهو مسلم، أما من حج ثم ارتد في حجه فحجه باطل بذلك، وقد ذكرنا أن الذي يبطل الحج ويلغيه هي الردة، فإذا تاب بعد ذلك وعاد إلى الإسلام لزمته الحجة التي ارتد فيها وأبطلها بردته.

    إذاً: هناك فرق، فإذا ارتد وكفر ورجع عن الإسلام في أثنا حجه، ثم بعد ذلك تاب بعد ما انتهت هذه الأعمال وانتهت المناسك فلا ينفعه الحج، ولا يقال له: امض في هذه الحجة، بخلاف من أفسدها، فالذي أفسدها بالجماع وهو مسلم فإنَّه يصح منه أن يأتي بالعمل الذي فيه طاعة لله سبحانه وتعالى؛ لأنه عنده أصل الإيمان.

    إذاً: فرق بين من أفسد الحجة بجماع، فهذا نقول له: أكمل حجتك؛ لأن هذا مسلم يكمل الحجة التي أفسدها، وبين من ارتد في أثناء حجته فأبطلها وانتهى حجه بذلك، فعلى هذا يحج إذا أسلم بعد ذلك، لكن من حج حجةً صحيحة وبعد ما حج وانتهى حجه رجع إلى بلده ووقع في شيء يجعله مرتداً والعياذ بالله، ثم تاب ورجع إلى الإسلام، فالراجح: أنه لا يلزمه أن يحج مرةً ثانية، فقد وقعت حجته صحيحة على ما ذكر.