إسلام ويب

شرح كتاب الجامع لأحكام العمرة والحج والزيارة - آداب السفر [1]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • للسفر آداب ينبغي للمسلم أن يتحلى بها، سواء كان هذا السفر للحج والعمرة والغزو أو غير ذلك من الأسفار المباحة، والسفر مدرسة لتلقي الصبر والحلم والرفق بالغير؛ لأن السفر فيه مشقة، فجدير بالمسلم أن يتعلم الآداب من مدرسة السفر، حتى ينال الأجور العظيمة.

    1.   

    آداب السفر للحج والعمرة وغيرهما

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    الأدب في الحج والعمرة والسفر هام جداً، فكل إنسان يحب أن يخرج مسافراً في حج أو عمرة أو زيارة ينبغي له أن يتعلم آداب السفر التي جاءت في سنة النبي صلوات الله وسلامه عليه، وكما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم: (الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة).

    فالمؤمن الذي يحج أو يعتمر يحاول قدر المستطاع أن يتقن في عمله، وأن يخلص، وألا يسيء إلى أحد في سفره، فلا يسيء إلى نفسه ولا إلى غيره.

    قال الله عز وجل: الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ [البقرة:197]، فهذه آداب قرآنية يذكرها الله عز وجل لنا فيقول: الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ [البقرة:197]، أشهر الحج: شوال، وذو القعدة، وعشر من ذي الحجة.

    قوله: فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ [البقرة:197] أي: من ألزم نفسه بالحج بأن يعقد النية في قلبه، وبالتلبية على لسانه، وبلبس الإحرام في أشهر الحج، قال تعالى: فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ ، فهنا ربنا سبحانه يذكر صيغة النفي هنا: (لا رفث)، ومعناها النهي، أي: لا ترفثوا ولا تفسقوا ولا تجادلوا في الحج.

    والرفث: هو الجماع أو التعرض للنساء، أو ذكر الجماع بحضرة الزوجة وغيرها من النساء، والفسوق: هي المعاصي كلها، والجدال المقصود: أن الإنسان لا يماري ولا يجادل رفيقه في السفر، فيزعجه ويؤذيه بذلك.

    فقوله سبحانه: وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ قال أهل العلم: المراد بالآية النهي عن جدال صاحبه ومماراته حتى يغضبه، وظاهر الآية النفي ومعناها النهي، أي: لا ترفثوا، ولا تفسقوا، ولا تجادلوا في الحج، إلا أنه يجوز للإنسان أن يجادل دفاعاً عن كتاب الله، وعن سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وعن دين الله عز وجل، فهذا أمر آخر، لكن كونه يجادل ليغضب صاحبه، أو يجادل لأنه يظن أنه متمكن ويعرف يتكلم وغيره لا يعرف، فهذا لا يجوز له في أثناء الحج، فقد نهى الله سبحانه وتعالى عن ذلك.

    والمؤمن يوطن نفسه على عدم الجدل لا في حج ولا في غيره، ولذلك جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء ولو كان محقاً) أي: لمن ترك الجدل حتى لو كان محقاً، فالمؤمن قدر المستطاع لا يكثر من الكلام ومن اللغو، ولا يجادل إلا إذا احتاج إلى ذلك لنصر دين الله عز وجل.

    الاستشارة

    للسفر له آداب نذكر منها ما جاء في كلام الإمام النووي ملخصاً في آداب السفر، فقد ذكر آداباً وفيها أدلة من الكتاب ومن السنة، فنذكر هذه الآداب لعظيم فائدتها ومنفعتها.

    وعلى الإنسان المؤمن أن يربي نفسه بتعلم هذه الآداب، ولا قيمة لإنسان يتعلم علوماً شرعياً ولا يعمل بها، أو يعرف أحاديث ويعرف آيات ولا ينفذ ما أمر به فيها، فالإنسان المؤمن يربي نفسه على طاعة الله، وعلى طاعة النبي صلوات الله وسلامه عليه، وعلى العمل بشرع الله سبحانه.

    فمن آداب السفر: إذا أراد المسلم السفر لحج أو عمرة أو أي سفر من الأسفار استحب له أن يشاور من يثق بدينه وعلمه في سفره ذلك، فيستحب له أنه يستشير في الأمور التي يجهل مسالكها ويجهل أحوالها، فقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث أنه قال: (المستشار مؤتمن)، فإذا استشارك إنسان في شيء فتنصح له كما تنصح لنفسك، وتحب لأخيك ما تحبه لنفسك، فالمستشار مؤتمن، والله عز وجل أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يشاور أصحابه، وهم مأمورون بإعطاء المشورة الصادقة والنصيحة الصحيحة فقال: وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ [آل عمران:159]، وقال سبحانه: وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ [الشورى:38]، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يشاور أصحابه ويشاورونه.

    الاستخارة

    إذا عزم المرء على السفر استخار الله سبحانه وتعالى، فيصلي ركعتين من غير الفريضة، ويدعو بدعاء الاستخارة الذي نحفظه عن النبي صلى الله عليه وسلم وفيه: (اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم؛ فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر -وتذكر الأمر الذي ستخرج له أو الذي تريده- خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري، أو قال: عاجل أمري وآجله، فاقدره لي ويسره لي، ثم بارك لي فيه، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري، أو قال: عاجل أمري وآجله، فاصرفه عني واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان ثم رضني به، قال: ويسمي حاجته) ، فيستخير الله سبحانه، فإذا ترجح في نفسه أمر من هذه الأمور، بأن ترجح له أنه يسافر في طائرة، أو يسافر في باخرة، أو يسافر في سيارة، فليسافر كما يشاء الله سبحانه وتعالى.

    ولا يشترط في صلاة الاستخارة أن يرى رؤيا، كما يظن الكثيرون أنه لابد أن يرى رؤيا، فلم يأت عن النبي صلى الله عليه وسلم لا رؤيا ولا غيرها، ولكن قد يرى المرء رؤيا تشجعه على هذا الأمر أو تحسن له هذا الأمر، فيستريح نفسياً، ويمضي في الشيء فيجده ميسراً ومسهلاً، فعلى ذلك ينفذ الاستخارة ونفسه مطمئنة لأمر من الأمور.

    التوبة إلى الله تعالى ورد المظالم وقضاء الديون

    إذا استقر عزم المرء على السفر لحج أو لعمرة أو لغيرها فينبغي أن يبدأ بالتوبة إلى سبحانه وتعالى؛ لأن المسافر قد يرجع وقد لا يرجع، والدنيا سفر إلى الآخرة، فيتذكر بسفره هذا سفره في هذه الدنيا إلى الله عز وجل إلى الآخرة، فيتوب إلى الله سبحانه وتعالى، ويرد المظالم إلى أصحابها إذا كان قد ظلم إنساناً، ويخرج عن هذه المظالم ويعيدها إلى أهلها، ويقضي ما عليه من ديون، فإذا لم يقض ولم يقدر على القضاء ولم يتمكن من ذلك يكتب ذلك ويشهد على ذلك: علي ديون لفلان وفلان، ويكتب وصيته بهذا الشيء، ويوكل من يقضي عنه الدين إذا لم يتمكن من الرجوع، أو حدث له حادث في سفره ذلك.

    استئذان الوالدين عند إرادة السفر

    ينبغي للمرء أن يسترضي والديه عند إرادة السفر، فإذا تعين عليه الحج أو العمرة أو غيرهما من الأسفار وصار هذا السفر فرض عين عليه فيستحب أن يستأذن الوالدين، لكن إذا لم يكن فرض عين عليه فيجب عليه أن يستأذن الوالدين، ولهما أن يمنعاه مما ليس واجباً عليه.

    فإذا كان قد حج قبل ذلك وأراد أن يحج مرة ثانية حج تطوع وليس فريضة، فلابد من إذن الوالدين في ذلك، أما إذا كان حجه وعمرته فرض عين عليه فعلى ذلك يستأذن والديه استحباباً حتى يرضيهما.

    النفقة الحلال

    ينبغي للمرء أن يحرص أن تكون نفقته حلالاً إذا خرج لحج أو لعمرة أو لسفر في غزوة وغيرها، فلا ينفق من حرام، والإنسان الذي ينفق من حرام جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم أنه عندما يرفع يديه إلى الله بالدعاء لا يستجاب له، فيقول: (يا رب! يا رب! ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب له؟) أي: كيف يستجاب له على ذلك؟

    فالذاهب للحج أو للعمرة ذاهب ليغفر الله عز وجل له ذنوبه، ذاهب ليقول: لبيك اللهم لبيك، فهو ينتظر المغفرة، فإذا كان طعامه، وشرابه، وماله ويقول: يا رب! يا رب! فكيف يستجاب له؟!

    إذاً: ينبغي له أن ينقي ماله من الحرام وأن يخرجه من ماله فيتصدق به إذا لم يعرف صاحبه، أما إذا كان له صاحب فيعيد المال إلى صاحبه، ويحج بنفقة حلال.

    كذلك لو أنه حج أو اعتمر أو غزى بمال حرام، من مهنة محرمة، أو بمال كان مغصوباً عنده، فيجب عليه أن يعيد هذا المال إلى صاحبه، لكن هل حجه يكون صحيح أو ليس صحيحاً إذا حج بمال حرام؟ هناك فرق بين أن يكون العمل صحيحاً، وبين أن يكون مقبولاً، فهو صحيح بمعنى أنه سقط عنه الفرض، ولا يلزم بإعادته مرة ثانية، هذا هو الصحيح، لكن المقبول بمعنى أنه يعذب وقد لا يقبل الله سبحانه وتعالى العمل؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (فأنى يستجاب له؟) إذاً: فهذا الإنسان ليس عليه أن يحج مرة ثانية، لكن لا نقول: إن حجه مقبول عند الله عز وجل؛ لأنه لم يذكر لنا النبي صلى الله عليه وسلم أن مثل هذا الإنسان يقبل عمله، بل قال: (فأنى يستجاب له؟).

    أما الحديث الذي جاء عنه صلى الله عليه وسلم وفيه: (من حج بمال حرام فقال: لبيك اللهم لبيك، قال الله عز وجل: لا لبيك ولا سعديك، وحجك مردود عليك) فهذا حديث ضعيف، لكن قد يحبس دعاؤه للحديث الآخر الذي قال النبي صلى الله عليه وسلم فيه: (فأنى يستجاب له؟)، والحج كله دعاء، فهو يقول: ليبك ويدعو ربه سبحانه، ويقف عند الصفا وعند المروة ويدعو الله، ويطوف بالبيت ويدعو الله، ويقف في عرفات ويدعو الله، والمناسك كلها توحيد وذكر لله سبحانه ودعاء.

    حمل الزاد والإكثار منه

    يستحب للمسافر في حج أو غيره أن يحمل معه الزاد وأن يستكثر منه، فهذا من أدب السفر؛ لأنه في أثناء الطريق يحتاج إلى الطعام والشراب، فيستحب أن يستكثر من ذلك؛ لأنه قد يجد مسكيناً محتاجاً، وقد يجد رفيقاً فيهدي إليه، فتؤجر على ذلك.

    وليكن زاده طيباً، لقول الله سبحانه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ [البقرة:267]، فلابد أن يطيب طعامه وشرابه وزاده ويخرج في الطريق ومعه شيء زائد ليعطي من في الطريق ممن يحتاجون إلى ذلك.

    ترك المساومة في البيع في أمور العبادة

    يستحب للمسافر ترك المساومة فيما يشتريه لأسباب سفره في حجه وعمرته، والإنسان من طبيعته المساومة، حتى لو كانت السلعة تسوى الثمن الذي تباع به، وهذا المال الذي ينفقه في حجه وفي عمرته هو مأجور عليه.

    وليس المعنى أن الإنسان يكون ساذجاً مغفلاً في بيعه وشرائه فيخدع، ولكن لا يعود نفسه كثرة المساومة، وقد يكون عارفاً ثمن السلعة، لكن يعجبه المساومة، وقد يعرف أن البائع لا ينقص من الثمن فيظل يساوم، فإذا كان لأمر من أمور الحج أو العمرة أو لأمر العبادة فلا يستحب المساومة في ذلك؛ لأنه كلما زادت النفقة كلما زاد الأجر من الله عز وجل، وقد جاء في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لـعائشة رضي الله عنها: (إنما حجك على قدر نفقتك وتعبك).

    عدم مشاركة الغير في الزاد والنفقة

    يستحب للمسافر ألا يشارك غيره في الزاد والراحلة والنفقة؛ لأن المشاركة مع الغير تدفع الإنسان إلى الشح، لكن عندما يكون مالك معك وجاء فقير فمن السهل أن تعطيه، لكن عندما يكون مالك مع مال المجموعة التي معك فستقول له: حتى يرضوا، فلا تدفع لا من مالك ولا من مال غيرك، فلذلك يستحب للإنسان ألا يشارك في مجموع المال، ولكن يجوز أن يأكل ويشرب مع غيره، بأن يجمعوا الأكل ويجلسوا للطعام معاً، فهذا جائز، لكن كونه يشارك غيره في الراحلة والزاد والنفقة بمعنى أنهم يجمعون النقود ويجعلونها مع واحد منهم، فإذا جاء إنسان فقير يسأل فيكون المسئول عن الرحلة هو الذي يعطيه، ولعل المسئول عن الرحلة يبخل، ولعلك تريد أن تعطي، لكن لما كان مالك مع غيرك بخلت وبخل هذا الغير.

    أما اجتماع الرفقة على طعام يجمعونه في كل يوم، فهذا حسن ولا شيء فيه، وهو غير المسألة التي نتكلم عنها، فقد جاء عن وحشي بن حرب عن أبيه عن جده: (أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: يا رسول الله! إنا نأكل ولا نشبع، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: فلعلكم تفترقون، فقالوا: نعم، قال: فاجتمعوا على طعامكم، واذكروا اسم الله عليه يبارك لكم فيه) ، فكأن من السنة في وقت الطعام أن تجتمع المجموعة ليأكلوا جميعاً، خاصة إذا كان الطعام قليلاً، فالله عز وجل يبارك في الطعام القليل بسبب الاجتماع عليه.

    تعلم المناسك

    إذا أراد المرء سفر حج أو عمرة لزمه تعلم كيفيتهما، يتعلم كيف يحج وكيف يعتمر، إما أن يحضر دروس العلم في ذلك، والأفضل أن يكون معه كتاب في الحج أو في العمرة ليعرف المناسك، بحيث إنه إذا احتاج إلى شيء راجع مرة ثانية وقرأ فيه ما يحتاج إليه.

    يقول الإمام النووي رحمه الله: يستحب لمريد الحج أن يستصحب معه كتاباً واضحاً في المناسك، جامعاً لمقاصدها، ويديم مطالعته.

    إذاً: المذاكرة مطلوبة في هذا الأمر؛ لأن كثيراً من الناس الذين يذهبون إلى الحج أو العمرة توزع عليهم الكتب ومع ذلك لا يفكر أن يقرأ فيها، ويقول: سنسأل عندما تحصل قضية، ولعله يفعل الشيء الذي يلزمه عليه فدية؛ لأنه لم يقرأ ولم يتعلم، فتعلم أخي المسلم مناسك الحج والعمرة قبل أن تؤدي المناسك، والمناسك إذا كانت فرضاً عليك فتعلمها فرض عليك أيضاً.

    اختيار الرفيق الصالح العالم

    يستحب للمرء أن يطلب رفيقاً موافقاً، راغباً في الخير كارهاً للشر، وأن يكون هذا الرفيق على علم شرعي، وعلى تقوى لله سبحانه وتعالى؛ لأن مثل هذا يعينه على طاعة الله سبحانه، ويأمره بالمعروف وينهاه عن المنكر، وإذا كان يجتمع فيه أنه من أهل العلم وأنه قريب له، فهذا أفضل؛ لأنه مع القريب لا يوجد الحرج، فيسأل فيما يريد، وينصح بعضهم بعضاً في طاعة الله سبحانه.

    عدم الاشتغال بالتجارة

    يستحب لمن سافر سفر حج أو غزو أن تكون يده فارغة من مال التجارة؛ لأن التجارة تطغى على صاحبها، وتجعله ينسى مناسك الحج والعمرة، ويكون همه كله أنه سيرجع بكذا من المال، ويوجد البعض من هؤلاء يكون عليه الهدي، بأن حج متمتعاً، فيقول: سأصوم ثلاثة أيام، فنقول له: كيف تصوم ثلاثة أيام ومعك نقود؟ فيقول: هذه النقود أريد أن أشتري بها حاجات! فهو يجمع النقود من أجل أن يشتري بها هدايا، أي يشتري بها تجارة، ولا يخرج ما وجب عليه من الهدي، ولذلك فالأفضل أن يتخلى عن التجارة.

    استحباب السفر في يومي الإثنين والخميس

    يستحب للمرء أن يكون سفره يوم الخميس بحسب ما يتيسر له؛ لأن الخروج يوم الخمس حسن، أو في يوم الإثنين؛ لثبوت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث كعب بن مالك : (أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج يوم الخميس في غزوة تبوك، وكان يحب أن يخرج يوم الخميس)، فإذا تيسر له ذلك كان حسناً، وكذلك يوم الإثنين، فقد ثبت أن هجرة النبي صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة كانت في يوم الإثنين، أيضاً في يومي الإثنين والخميس ترفع الأعمال إلى الله سبحانه، والمسافر يدعو ربه سبحانه، فإذا دعا فإنه يرفع دعاؤه ويستجاب له في ذلك.

    الخروج المبكر وصلاة ركعتين قبل الخروج

    كذلك يستحب الخروج للسفر في وقت مبكر بعد الفجر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم دعا لهؤلاء المبكرين بالبركة، فقال صلى الله عليه وسلم: (اللهم بارك لأمتي في بكورها)، وكان إذا بعث جيشاً أو سرية بعثهم في أول النهار عليه الصلاة والسلام.

    كذلك إذا أردت الخروج وعزمت على السفر فصل ركعتين في البيت قبل الخروج للسفر، فهذه سنة، فقد جاء في حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا خرجت من منزلك فصل ركعتين يمنعانك من مخرج السوء، وإذا دخلت إلى منزلك فصل ركعتين يمنعانك من مدخل السوء)، وهذا على العموم، لكن في السفر من باب أولى، فعلى الإنسان أن يعود نفسه عند خروجه من بيته للسفر أن يصلي ركعتين، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم يذكر فضل الركعتين هؤلاء: (يمنعانك من مخرج السوء)، المخرج مصدر بمعنى: خروج، أي: خروج الإنسان إما لشيء طيب أو لشيء رديء، فإذا أراد الخروج وصلى ركعتين قبل خروجه، فالله عز وجل يحفظه بهاتين الركعتين عن الدخول في الأمر الخبيث والسيئ، ويحفظه مما يسوءه، كذلك إذا دخل الإنسان إلى بيته ورجع من سفر فصلى ركعتين، فيقول النبي صلى الله عليه وسلم: (يمنعانك من مدخل السوء)، والمدخل من الدخول، وقد يدخل الإنسان إلى بيته ويرى ما يغضبه فيتأذى ويؤذي، فإذا صلى ركعتين فإن الله عز وجل يذهب عنه ذلك.

    توديع المسافر والدعاء له

    يستحب التوديع في السفر، وذلك بأن يسلم المرء على أهله وعلى أصدقائه وأحبابه عند خروجه للسفر، ويدعو بما كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلمه أصحابه ويدعو به، فهذا عبد الله بن عمر كان إذا أراد أحدهم سفراً يقول له: ادن مني أودعك كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يودعنا، فيقول: (أستودع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك).

    فهنا المسافر مفارق للمقيم والمقيم مفارق للمسافر فيستحب لكل من الاثنين أن يقول للآخر: (أستودع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك)، والمعنى أنك تدعو لصاحبك أن الله عز وجل يحفظه، كأنك تقول: أجعل هذه الأشياء وديعة عند الله سبحانه، والله عز وجل إذا استودع شيئاً حفظه سبحانه وتعالى، فكأنك تدعو له ربه سبحانه وتعالى أن يحفظ له دينه وأمانته وعمله الصالح، ويديم عليه ذلك، وهو يدعو لك بمثل ذلك أيضاً.

    وجاء عن أنس رضي الله عنه: (أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! إني أريد سفراً فزودني، فدعا له النبي صلى الله عليه وسلم وقال: زودك الله التقوى)، كأنه يطلب من النبي صلى الله عليه وسلم النصيحة، فدعا له أن يجعل الله زادك تقواه سبحانه وتعالى، قال: (زدني قال: وغفر ذنبك، قال: زدني بأبي أنت وأمي، -أي: أفديك بأبي وأمي- قال: ويسر لك الخير حيثما كنت).

    فهذا دعاء عظيم جميل من النبي صلى الله عليه وسلم، فيعود المؤمن نفسه على أن يدعو لإخوانه، وأنت حين تدعو لأخيك يرد عليك الملك فيقول: آمين، ولك بمثله.

    فهنا يقول النبي صلى الله عليه وسلم لهذا الرجل: (زودك الله التقوى) أي: دعا له بالتقوى، والله عز وجل يحب المتقين، والله مع المتقين ومع المحسنين سبحانه، فإذا كنت من أهل التقوى كان الله معك.

    فقال الرجل: (زدني، فقال: وغفر ذنبك) أي: دعا له بالمغفرة لذنبه، قال: (زدني بأبي أنت وأمي! قال: ويسر لك الخير حيثما كنت) أي: دعا له بخير الدنيا والآخرة.

    أيضاً جاء عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله إذا استودع شيئاً حفظه) أي: إذا جعل شيء عنده سبحانه وديعة فإنه يحفظ هذه الوديعة ولا يضيعها، وكذلك هنا إذا استودعت صاحبك عند الله سبحانه فإنه لا يضيعها، فهو سبحانه يحفظ صاحبك من كل سوء.

    الالتزام بدعاء السفر في الذهاب والعودة

    من السنة أن يدعو الإنسان في خروجه بما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، تقول أم سلمة رضي الله عنها : (ما خرج النبي صلى الله عليه وسلم من بيته قط إلا رفع طرفه إلى السماء فقال: اللهم إني أعوذ بك أن أضل أو أضل، أو أزل أو أزل، أو أظلم أو أظلم، أو أجهل أو يجهل علي).

    هذا الدعاء العظيم كان يقوله النبي صلى الله عليه وسلم عند خروجه من بيته، في أي خروج كان، سواء كان خروج سفر أو إلى المسجد أو غير ذلك، كان صلى الله عليه وسلم إذا خرج من بيته يرفع بصره إلى السماء ويدعو بذلك: (اللهم إني أعوذ) أي: أعتصم وأستجير، فأطلب من الله عز وجل أن يكون هو مددي وملجئي ومجيري، ويعصمني ويحفظني من أن أضل أو أضل، وقوله: (أضل) فعل لازم معناه: أقع في الضلال وأصير إلى الضلال، وقوله: (أو أُضل) أي: أن يضلني أحد.

    فالإنسان الخارج لعل الشيطان يسول له أن يقع في الضلالة، أو يقابله رفيق سوء فيدعوه إلى الوقوع في الحرام، فأنت تقول: أعوذ بك يا رب أن أضل أنا بنفسي، أو أن يضلني غيري.

    قوله: (أو أزل) أي: أعوذ بك أن أقع في الزلل والمعصية.

    (أو أُزل) أي: أن يأتي إنسان إلي فيوقعني في الزلل وفي الخطيئة وفي المعصية.

    (أو أَظلم أو أُظلم) أي: أن أقع في الظلم، بأن أظلم أحداً من الناس، أو أن يظلمني أحد من الناس.

    (أو أجهل أو يجهل علي) أي: أن أقع في سوء الخلق فأجهل على إنسان آخر، أو إنسان يجهل علي بسوء خلقه.

    هذا الحديث جمع دعاء عظيماً: (اللهم إني أعوذ بك أن أَضل أو أُضل، أو أًزل أو أُزل، أو أَظلم أو أُظلم، أو أَجهل أو يُجهل علي).

    كذلك كان صلى الله عليه وسلم يقول: (إذا خرج الرجل من بيته فقال: باسم الله توكلت على الله، لا حول ولا قوة إلا بالله، قال: يقال له حينئذ: هديت وكفيت ووقيت، وتنحى عنه الشيطان، فيقول الشيطان لشيطان آخر: كيف لك برجل قد هدي وكفي ووقي؟!).

    فالشيطان عندما يسمع ذلك يقول لصاحبه: لا نقدر على هذا الإنسان.

    فقوله: (إذا خرج من بيته فقال: باسم الله) أي: خروجي هذا على اسم الله سبحانه وتعالى.

    قوله: (توكلت على الله) أي: فوضت أمري إلى الله سبحانه، ومعنى التوكل على الله سبحانه: أن الإنسان يستشعر العجز والضعف، وأنه لا يقدر على الشيء وحده، ويقول: الله الذي يقدرني على ذلك، فلا حول ولا قوة لي إلا بالله.

    والإنسان هو الضعيف العاجز فيحتاج إلى من يقويه، وإلى من يعطيه، فتقول: (توكلت على الله ولا حول ولا قوة إلا بالله) أي: جعلت الله عز وجل وكيلي ومدبر أمري ومعيني وناصري، ولا حول ولا قوة لي إلا به.

    فإذا قال العبد ذلك فالله يعينه ويصرف عنه الشياطين، فيقال لهذا الإنسان: (هديت وكفيت ووقيت)، أي: الله قد هداك، ووقاك من كل شر، والله يكفيك من كل سوء سبحانه وتعالى، فإذا بالشيطان يقول لصاحبه: (كيف لك برجل قد هدي وكفي ووقي؟) يعني: إذا كان ربه معه فلن نقدر عليه.

    كذلك إذا أراد المسافر أن يركب الدابة، أو كان يريد أن يركب طائرة أو سيارة، أو باخرة، فأول ما يضع رجله يقول: باسم الله، فإذا استوى يقول: الحمد لله، ثم يأتي بالتسبيح والذكر والدعاء الذي ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، يقول ابن عمر : (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا استوى على بعيره خارجاً إلى سفر كبر ثلاثاً، يقول: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، ثم قال: سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ [الزخرف:13])، السفر كله عظات، وفيه تأملات ووقفات مع النفس، فيتأمل المسافر كيف أن الله عز وجل سخر لنا هذا الشيء، فأنت حين تركب طائرة تجد حجم الطائرة ضخماً، وإذا بهذه الطائرة تطير وتقلع من الأرض إلى السماء، فسبحان الذي سخر لنا هذا، فمن الذي حمل الإنسان عليها؟ إنه الله سبحانه وتعالى، فهو إن شاء هوى بها وأهلك أهلها، وإن شاء نجاهم وأوصلهم سبحانه، فيتمعن الإنسان ويتفكر ويعلم أنه محتاج إلى الله عز وجل في كل وقت، فما أعظمه سبحانه وتعالى، فهو الذي رفع هذه الطائرة سبحانه وتعالى، وهو الذي علم الإنسان ما لم يعلم، فصنع هذه الطائرة وهذه الباخرة وهذه السيارة وغيرها.

    قال تعالى: وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ [الزخرف:13] أي: مطيقين، وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ [الزخرف:14] أي: تذكر أنك مسافر من مكان إلى مكان تريد أن تنقلب وترجع إلى أهلك، فتذكر أن الرجوع الحقيقي هو إلى الله سبحانه وتعالى.

    ثم يدعو المسافر بالدعاء المأثور ويقول: (اللهم إنا نسألك في سفرنا هذا البر والتقوى، ومن العمل ما ترضى) أي: أعمال البر وأعمال الطاعة، العمل الذي يرضي الله سبحانه، والتقوى أن يجعل في قلوبنا ما يمنعنا من معصية الله سبحانه، وما يقينا شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، فالتقوى: هي الوقاية التي تقي الإنسان من غضب الله سبحانه وتعالى ومن المعاصي.

    ثم قال: (اللهم هون علينا سفرنا هذا)، هذا دعاء عظيم، وقد جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (أن السفر قطعة من العذاب)، فتسأل ربك سبحانه أن يهون عليك هذا السفر.

    ثم قال: (واطو عنا بعده) أي: لا تجعله بعيداً طويلاً، ولكن سهله وقلله.

    ثم قال: (اللهم أنت الصاحب في السفر) أي: المصاحب لنا بفضلك وحراستك وقوتك يا الله! (والخليفة في الأهل) أي: استخلفناك أن تدافع وتدفع وتحفظ وتحرس أهلنا.

    ثم قال: (اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر) أي: شدة ومشقة السفر، (وكآبة المنظر)، أي: المنظر الذي يجعلني أكتئب وأحزن، فأعوذ بالله عز وجل أن يريني ما يحزنني في سفري أو في رجوعي، (وسوء المنقلب في المال والأهل)، أي: سوء الرجوع، فهو يستعيذ بالله أن يرجع فيجد ما يسوءه في أهله أو في ماله، وإذا رجع من السفر قالهن وزاد فيهن، (آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون).

    قوله: (آيبون) من الأوبة وهو الرجوع، (تائبون) أي: إلى الله، والأوبة مع التوبة مناسب، فالإنسان يئوب ويرجع إلى مكانه، فكأنه يتذكر ويقول: أنا أبت إلى أهلي فلماذا لا أءوب إلى الله عز وجل، وأتوب إلى الله سبحانه، وأرجع إليه؟!

    وجاء عن عبد الله بن سرجس رضي الله عنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سافر يتعوذ من وعثاء السفر، وكآبة المنقلب) أي: يتعوذ من الوعثاء، والوعثاء: هي الشدة والمشقة والتعب والنصب والإعياء في السفر، ويتعوذ مما يجعله مكتئباً حزيناً إذا رجع إلى أهله، (والحور بعد الكون، أو بعد الكور)، الكور: من كور العمامة التي تكون على الرأس، والكون هو: الاجتماع، والحور هو التفكك، فكأنك تدعو ربك: ألا يفك اجتماعي، وأن يجعل عملي كله مجموعاً صحيحاً، ولا يبعدني عن هذا العمل فأكون قد رجعت عن هذا العمل الصالح الذي عملته، فهو يتعوذ بالله من النقصان بعد الزيادة، وبعدما زاد إيمانه وزاد عمله يدعو ألا ينقص وينحل ويتفكك ويحدث هذا الخلل.

    ثم قال: (ودعوة المظلوم وسوء المنظر)، فدعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب، ولو كان فاجراً ولو كان كافراً، فينبغي ألا تظلم أحداً لا مسلماً ولا كافراً، فقد كان صلى الله عليه وسلم يتعوذ بالله من دعوة المظلوم وسوء المنظر في الأهل والمال.

    وجاء عن علي بن ربيعة قال: (شهدت علي بن أبي طالب رضي الله عنه أتي بدابته ليركبها، فلما وضع رجله في الركاب قال: باسم الله، فلما استوى على ظهرها قال: الحمد لله الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون، ثم قال: الحمد لله ثلاث مرات، ثم قال: الله أكبر ثلاث مرات، ثم قال: سبحانك اللهم إني ظلمت نفسي فاغفر لي، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، ثم ضحك، فقيل: يا أمير المؤمنين! من أي شيء ضحكت؟ قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم فعل كما فعلت، ثم ضحك، فقلت: يا رسول الله! من أي شيء ضحكت؟ قال: إن ربك سبحانه يعجب من عبده إذا قال: اغفر لي ذنوبي، يعلم أنه لا يغفر الذنوب غيري).

    فالعبد حين يقول: (اغفر لي ذنوبي) فربنا يعجب ويقول: من سيغفر له إلا أنا! فيعجب لعبده، فإذا عجب الله عز وجل لعبد فإنه يرحمه ويغفر له ويثيبه ويعطيه بفضله وكرمه سبحانه، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم لسعة رحمة رب العالمين تبارك وتعالى.

    مرافقة الجماعة والاجتماع في السفر

    يستحب للمرء أن يرافق في سفره جماعة؛ لأنهم عندما يكونون مجموعة في السفر يعين بعضهم بعضاً على التقوى، وأقلهم ثلاثة، وقد جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (لو يعلم الناس ما في الوحدة ما أعلم ما سار راكب بليل وحده)، فهذه أمور غيبية لا نعلمها، لكن علمها النبي صلى الله عليه وسلم، فالله عز وجل أطلعه على ما شاء من غيب لا نراه ولا نعرفه.

    فالنبي صلى الله عليه وسلم ينصح بألا تسافر لوحدك في طريق، وخاصة بالليل، فلعله مع خلو الطريق في سفره يزين له الشيطان أمراً من الأمور المحرمة، فيقع فيه ولا يجد من ينصحه، ولعل الشيطان إذا وجده في صحراء أو غيرها لوحده فيتمثل له في صور خيالية فيخيفه، فينصح النبي صلى الله عليه وسلم المرء ألا يسافر لوحده، ولكن يسافر مع مجموعة، وأقل ذلك ثلاثة، فقد جاء في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الراكب شيطان، والراكبان شيطانان، والثلاثة ركب).

    أي: أن المسافر وحده يمكن أن يقع في شيء من الخطأ، وكذلك إذا كان معه آخر فلعل أحدهما يغلب الآخر، بأن يكون أكثر جدلاً من الآخر فيقول له: ما رأيك أن نعمل كذا؟ فيقنعه بهذا الشيء فيقع الاثنان في هذا الخطأ، فسماهما: شيطانين، لكن الثلاثة تجد كل واحد يراجع نفسه.

    إذاً: يستحب أن يسير الإنسان في سفره مع الناس ولا ينفرد في الطريق، وإذا اجتمع مع الناس وخاصة حين ينزلون في أماكن في أثناء الطريق، فبعض الناس يبدو له أن يشتري حاجة من مكان بعيد، ويجيء وقت الانطلاق فإذا به لم يأت بعد فيعطل الجميع، ولو أن كل إنسان عمل ذلك لتعطلت الرحلة كلها، لكن ينبغي على كل إنسان أن يلتزم وألا يبعد عن المجموعة التي هو معها.

    اتخاذ الأمير فيه للمجموعة

    يستحب للمسافرين رفقة أن يؤمروا أفضلهم وأعلمهم وأصوبهم رأياً؛ لأن عدم التأمير يحدث الفوضى في السفر، ويؤدي إلى نوع من التناحر والتعادي، لكن عندما يكون المسئول عن الجمع شخصاً واحداً تنضبط الأمور، وكل إنسان يعرف الذي ينبغي عليه، وقد جاء في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم) أي: بأن يؤمروا أفضلهم وأجودهم رأياً وأعلمهم بالسفر، وأن يكون عالماً بالمناسك، بحيث يبقى رأيه فاصلاً بين هؤلاء الذين معه، وفي حديث آخر للنبي صلى الله عليه وسلم رواه ابن عباس قال: (خير الصحابة أربعة)، أي: الأصحاب، وقد ذكرنا في الحديث السابق: (الراكب شيطان، والراكبان شيطانان، والثلاثة ركب)، لكن الأربعة خير من الثلاثة؛ لأنه كلما زاد العدد زاد التناصح فيما بينهم، قال: (خير الصحابة أربعة، وخير السرايا أربعمائة، وخير الجيوش أربعة آلاف، ولن يغلب اثنا عشر ألفاً من قلة)، الشاهد من الحديث قوله: (خير الصحابة أربعة) فالمسافر كلما كان مع مجموعة كان أفضل، وخاصة إذا كانوا متوافقين في الرأي.

    السفر في الليل للمجموعة

    يستحب السرى في آخر الليل، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (عليكم بالدلجة، فإن الأرض تطوى بالليل)، لكن الواحد لا يسافر وحده في الليل، أما إذا سافرت مع مجموعة فسافروا بالليل؛ لأن الأرض تطوى بالليل، والسفر في الليل ليس فيه منغصات، وليس فيه ارتفاع للحرارة، فعلى ذلك يمكن أن يقطعوا طريقاً طويلاً في أثناء الليل.

    خدمة الرفقة ومساعدتهم وإعانتهم

    يسن مساعدة الرفيق وإعانته في أثناء الطريق، وأن تخدم من معك، وكم رأينا من أناس يحبون أن يقوموا بخدمة المجموعة في السفر، فقد سافرنا مع مجموعة من الإخوة جزاهم الله خيراً، كان أحدهم من أفضلهم خادماً للجميع، فمثل هذا يحبه الجميع ويتمنون لو سافروا معه مرة ومرتين وثلاثاً، فأنت حين تخدم إخوانك في السفر فإن الله عز وجل يجعل في قلبك الحب للغير، ويعطيك الأجر والثواب، ويجعل المحبة في قلوب الناس لك، فلذلك على المؤمن أن ينتهز الفرصة في الحج والعمرة بأن يكون في خدمة غيره، عبادة لله سبحانه، وقد جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (خير الناس أنفعهم) فإذا كنت نافعاً لنفسك ولغيرك فأنت من خير الناس.

    وفي الحديث: (والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه)، وقال صلى الله عليه وسلم: (كل معروف صدقة)، وفي حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: (بينما نحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاء رجل على راحلة له، فجعل يصرف بصره يميناً وشمالاً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من كان معه فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له، ومن كان معه فضل زاد فليعد به على من لا زاد له، فذكر من أصناف المال ما ذكره، حتى رأينا أنه لا حق لأحد منا في فضل).

    هذا رجل جاء على راحلة له فجعل ينظر يميناً وشمالاً، ففهم النبي صلى الله عليه وسلم أنه محتاج لمعونة، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يحرج الرجل ولم يقل له: ماذا تريد؟ ولا قال لبعض الصحابة: يا فلان أعطه كذا، فقد يرون ذلك فرضاً عليهم وليس معهم، ولكنه قال قولاً عاماً: (من كان معه فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له، ومن كان معه فضل زاد فليعد به على من لا زاد له).

    وفي حديث آخر لـجابر بن عبد الله : (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أراد أن يغزو فقال: يا معشر المهاجرين والأنصار! إن من إخوانكم قوماً ليس لهم مال ولا عشيرة، فليضم أحدكم إليه الرجلين والثلاثة، قال: فما لأحدنا من ظهر يحمله إلا عُقبة أحدهم، قال: فضممت إلي اثنين أو ثلاثة وما لي إلا عقبة كعقبة أحدهم من جملي) انظر إلى الصحابة كيف كانوا يتكافلون فيما بينهم!

    فهذا الراوي جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما وهو في السفر يسمع ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم ومعه جمل واحد يركبه، فيضم إليه ثلاثة ليركبوا معه على الجمل يتعاقبون عليه، هذا يركب مرة وهذا مرة وهذا مرة وهو مثلهم، ولم يقل: الجمل حقي فأنا أركب أكثر، بل قال: (فما لي إلا عقبة كعقبة أحدهم)، انظر إلى هذا التفاني في حب الله سبحانه وتعالى، وفي خدمة الغير، وفي البذل والتضحية!

    تفقد أمير المجموعة لمجموعته وتعليمهم ما ينفعهم

    يستحب لأمير المجموعة أن يكون في آخر الركب؛ من أجل أن يتفقد الضعيف، ويتفقد النساء، حتى لا يتيه أحد منهم في أثناء سفرهم، فيتعهد آخر الركب فيحمل المنقطع أو يعينه، ولئلا يطمع في هؤلاء في المسافرين، ويتعرض لهم اللصوص، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته).

    وكذلك في أثناء الطريق ينبغي على الأمير الذي مع القوم أن ينبههم ويعلمهم وخاصة في الحج والعمرة؛ لأنه قد يوجد في المجموعة من يحج أو يعتمر لأول مرة ولا يعرف كيف يفعل، فمثلاً: عندما ينزل الحجاج في المطار يطلب منهم المسئولون هناك إظهار جوازات السفر، فهذا الإنسان تكون عنده أوراق معينة بداخل الجواز مثل تذكرة السفر أو غيرها، فيدفع لهم جواز السفر مع التذكرة التي بداخله فتضيع منه تذكرة السفر؛ لأنه لا يعرف كيف يتصرف، فالذي ينبغي على أمير المجموعة أن ينبه مثل هذا الشخص ألا يدفع لهم إلا جواز السفر فقط، وأن يحتفظ ببقية الأوراق الخاصة به، وكذلك إذا كنت في منى أو في عرفات أو في المزدلفة فنبه الناس: من السنة كذا، وعند رمي الجمار يفعل كذا .. وهكذا.

    الرفق وحسن الخلق مع الغير

    ينبغي للمرء المسافر أن يستعمل الرفق وحسن الخلق مع الغلام، مع الحمال، مع السائل، ويجتنب المخاصمة، والإنسان يعود نفسه على الكلام المهذب، حتى لو كان عادة هذا الإنسان أنه شديد في معاملته، وفيه خشونة، فينتهز الفرصة في أثناء الحج أو العمرة بأن يعود نفسه على حسن الخلق، لعله إذا رجع تصير له سجية، لعل الله سبحانه وتعالى ينعم عليه فيرزقه بعد ذلك حسن الخلق.

    فيتعود الإنسان على أن يلين مع إخوانه، ويبتعد عن الأخلاق السيئة التي كان عليها، فإن بعض الناس في طبعه خشونة، فتجده أثناء المخاصمة يرفع صوته، وقد رأينا أمثال هؤلاء، فقد يزعج من معه فيدعو عليه في أثناء سفره.

    وكذلك تنتهز فرصة العبادة بأن تسأل ربك سبحانه أن يحسّن خلقك، وأن يغير حالك من الأسوأ إلى الأحسن، يقول الله عز وجل: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ [الأعراف:199]، ففرصة في السفر أن يعرض الإنسان عن الجاهلين ويأخذ بالعرف، كما قال الله سبحانه، وأن يعفو عمن يسيء إليه، قال سبحانه: وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ [الشورى:43].

    عدم الدعاء على الغير باللعن وغيره

    كذلك ينبغي للمرء ألا يعود نفسه على الدعاء على الغير وخاصة باللعن؛ لأنه جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا يكون اللعانون شفعاء ولا شهداء يوم القيامة)، فالإنسان الذي عود لسانه دائماً: لعنة الله على فلان، لعنة الله على كذا.. هذا لا يصلح أن يكون شفيعاً يوم القيامة، حتى وإن دخل الجنة لا يصلح أن يشفع لأحد من أهل النار بأن يخرج ويدخله الله الجنة، وفي الحديث الآخر: (لا ينبغي لصديق أن يكون لعاناً).

    وقال صلى الله عليه وسلم: (ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش ولا البذيء)، وفي حديث أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن العبد إذا لعن شيئاً صعدت اللعنة إلى السماء، فتغلق أبواب السماء دونها، ثم تهبط إلى الأرض فتغلق أبوابها دونها، ثم تأخذ يميناً وشمالاً)، انظر إلى اللعنة التي خرجت من الإنسان، يلعن شيئاً فتصعد إلى السماء فلا تلقى لها مكاناً، وتنزل إلى الأرض فلا تلقى لها مكاناً، فإن لم تجد لها مساراً رجعت إلى الملعون المشتوم المدعو عليه باللعنة إن كان أهلاً لذلك، وإلا رجعت إلا قائلها، فقد ضاقت عليها السماوات والأرض، وكم من إن إنسان يلعن غيره وترجع لعنته على نفسه، واللعن: هو الطرد من رحمة الله سبحانه وتعالى.

    أيضاً ورد في حديث لـعمران بن حصين رضي الله عنه قال: (بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره وامرأة من الأنصار على ناقة فضجرت فلعنتها، فسمع ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: خذوا ما عليها ودعوها؛ فإنها ملعونة، قال عمران : فكأني أراها الآن تمشي في الناس وما يعرض لها أحد).

    كأن لعنة المرأة وقعت على هذه الناقة فإذا بالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: لا يصحبنا شيء فيه لعنة، فكان ذلك عقوبة للمرأة حتى لا تلعن شيئاً آخر، فقد خسرت المرأة الناقة ولم يستفد أحد منها.

    فيتعود الإنسان ألا يلعن شيئاً، وهذا من الآداب الذي ينبغي أن يكون في سفر الحج والعمرة.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصـل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.