إسلام ويب

شرح كتاب فتح المجيد - مسائل في التوحيدللشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
    1.   

    شرح قوله تعالى: ( وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه... )

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم، وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    قال سبحانه وتعالى: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا [الإسراء:23] يعني: من الآيات الكثيرات الدالة على أمر الله عز وجل عباده بالتوحيد وقضى بمعنى: حكم، وكتب، وفرض، وألزم سبحانه وتعالى ألا تعبدوا إلا الله سبحانه وتعالى، وقالوا: بمعنى: وصاكم الله عز وجل ألا تعبدوا إلا إياه وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا أي: أحسنوا إلى الوالدين إحساناً، وعبر بالمصدر عن جملة تتضمن فعلاً وفاعلاً ومفعولاً مطلقاً.

    إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا [الإسراء:23-24] وهنا: بدأ بذكره سبحانه وبتوحيده وبأمره ( قضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه ) فأول شيء هو عبادة الله سبحانه، أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ [لقمان:14] فتبدأ بالله سبحانه وتعالى فتشكره وتحمده سبحانه، ثم يثني بمن لهما الجميل عليك في وجودك في هذه الدنيا بعد الله سبحانه وتعالى وهما الوالدان، فقال سبحانه: وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا [البقرة:83] أي: أحسنوا إلى الوالدين إحساناً عظيماً، إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أي: الوالدان.. وهذه فيها قراءتان، قراءة حمزة والكسائي وخلف: (إما يبلغان عندك الكبر) يعني يبلغ الوالد وتبلغ الوالدة، والكبر هو كبر السن وتقدم العمر، أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا أي: أحد الوالدين لأنه قد يكون الآخر قد توفي (أو كلاهما) أي أن يكونا حيين جميعاً (فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ) وفيها قراءات: قراءة نافع وأبي جعفر وحفص عن عاصم : (فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا) وقرأ ابن كثير وابن عامر ويعقوب: (فلا تقل لهما أفَّ ولا تنهرهما) وبقية القراء: ( فلا تقل لهما أفِّ ولا تنهرهما) ففيها أفٍّ وأفَّ وأفِّ، إذاً كلمة أف يحرم على الإنسان أن يقولها لأبيه وأمه، وبالقياس على ذلك فمن باب أولى لا تضربهما، لا تنهرهما أي: لا تؤذهما بقول فيه نهر: فلا تشتم ولا تسب، وكونه نهى عن أقل الأشياء التي تؤذي، فيه بيان أن ما هو أكثر من ذلك أشد تحذيراً وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا [الإسراء:23] أي: قولاً ليناً طيباً مهذباً فيه توقير للوالدين، وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ [الإسراء:24] الجناح: الجانب، وقد يراد بالجناح، جناح الطائر، والإنسان جانبه جناحه وكأنه يقول: اخفض لهما جناح الذل، أي: جناحك الذليل، كأن الإنسان له جانبان، جانب عزيز وجانب ذليل، يقول: اخفض جناحك وتواضع لهما أو استعار ما للطائر من جناح فإن الطائر يأتي على أولاده فينصب جناحه ليحتضن أفراخه ويضمهم إليه، فكأنه يقول: كن مع والديك مثل الطائر في رحمته وحنانه على أولاده، فهنا: واخفض لهما جناح الذل يعني: كن ذليلاً معهما ليناً معهما، قال: من الرحمة يعني: من شدة الرحمة: وَقُلْ رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا [الإسراء:24]، يعني: ادع لهما أن يرحمهما الله عز وجل كما ربياني صغيراً، كما تحننا عليك في الصغر وربياك فادع لهما في الكبر.

    وقد احتاج الولد هنا تذكيراً من الله عز وجل ليدعو لوالديه، ولم يحتج الوالدان لمثل هذا التذكير فالرحمة والحنان موجودة في قلوبهما، إلا في أمر القتل الذي كان عليه أهل الجاهلية من قتل البنات فقد نزل التنصيص عليه في القرآن، وهنا استغنى بما وضع في قلوب الآباء على الأبناء من الرحمة والتحنن عن أن يوصيهم بذلك، والولد وهو صغير يتحنن عليه الأب والأم ويعطفان عليه ويحبانه، وعندما يكبر الابن يبدأ الأب ينزل للمنحنى العمري الذي يصير فيه كالطفل، والإنسان يبدأ صغيراً فيكبر ثم يبلغ أشده ثم يرجع صغيراً مرة أخرى، لكن فرق بين الصغر في أوله والصغر في آخره، فالصغير في الأول كان لا يعرف شيئاً وهو محبوب لأنه لا يعرف شيئاً، أما عندما يرد المرء إلى أرذل العمر فيكون هذا الشيء منه مبغوضاً، فاحتاج الإنسان أن يذكر: لا تنس عندما كنت صغيراً فالآن ارحم والديك وادع ربك سبحانه وتعالى أن يرحمهما كما ربياك صغيراً فيذكرك بالتربية وفضل الإنفاق عليك وفضل ما سهرا وتعبا عليك في الصغر.

    وجاء في الحديث الذي رواه أحمد والترمذي وقال: حديث حسن غريب: (إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما صعد إلى المنبر قال: آمين آمين آمين)، وهذه الرواية عن أنس رضي الله تعالى عنه، ورواية الترمذي عن أبي هريرة وصححه الشيخ الألباني يصعد درجة على المنبر ويقول آمين، والدرجة الثانية ويقول: آمين، والثالثة ويقول: آمين فسألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن قوله: (آمين) وقالوا: يا رسول الله علام أمنت؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (أتاني جبريل فقال: يا محمد رغم أنف امرئ ذكرت عنده فلم يصل عليك)، و(رغم) أصلها من الرغام، والرغام التراب، والمعنى نزل أنفه في التراب من الذل، يعني أذل وأكره وقهر حتى صار أنفه في التراب، وهذا دعاء من جبريل على الإنسان الذي يذكر عنده النبي صلى الله عليه وسلم فلا يصلي عليه، والمعنى ألصقه الله عز وجل بالتراب على ذل منه، (رغم أنف امرئ ذكرت عنده فلم يصل عليك قل: آمين، فقال: آمين) صلى الله عليه وسلم، فالداعي هو جبريل والمؤمن هو النبي صلوات الله وسلامه عليه (ثم قال: رغم أنف امرئ دخل عليه شهر رمضان، ثم خرج ولم يغفر له) شهر رمضان جائزة من رب العالمين سبحانه لعباده، ليتوب فيه العبد إلى الله عز وجل ويعمل عملاً صالحاً، حتى ينتهي شهر رمضان وقد غفر له، فإذا ذهب شهر رمضان وهو على ما هو عليه من الذنوب والمعاصي فهذا لا يستحق إلا أن يدعا عليه بالذل والرغام (ثم قال: رغم أنف امرئ أدرك أبويه أو أحدهما فلم يدخلاه الجنة قل: آمين، قال: فقلت: آمين) فدعا على الإنسان الذي عنده أبوه شيخ كبير أو أمه عجوز كبيرة ومع ذلك لم يدخلاه الجنة بطاعتهما في المعروف وببرهما.

    وروى الإمام أحمد والترمذي أيضاً عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (رغم أنف ثم رغم أنف ثم رغم أنف رجل أدرك والديه قال: أحدهما أو كلاهما ولم يدخل الجنة) وفيه معنى الحديث السابق.

    وعن أبي بكرة رضي الله عنه -وهذا في الصحيحين- قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قلنا: بلى يا رسول الله، قال: الإشراك بالله وعقوق الوالدين) أكبر الكبائر، يعني: الكبائر منها ما هو كبير ومنها ما هو أكبر من الكبير، ومن الكبار المهلكات الموبقات لصاحبها: الإشراك بالله وعقوق الوالدين، وأصل العقوق من عق، وعق بمعنى قطع وقطيعة الوالدين تكون بالشتم وبالسب وبالهجر لهما وعدم طاعتهما بالمعروف قال: (وكان متكئاً فجلس فقال: ألا وقول الزور، ألا وشهادة الزور ألا وقول الزور ألا وشهادة الزور فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت) يعني: في قول الزور وشهادة الزور.

    وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (رضا الرب في رضا الوالدين وسخطه في سخط الوالدين)، وهذا حديث صحيح رواه الترمذي ورواه الحاكم عن ابن عمرو ورواه البزار عن ابن عمر، وفيه أنك إذا أرضيت والديك سيرضى عنك الله سبحانه وتعالى، وإرضاء الوالدين يكون في المعروف وليس في المنكر أبداً، فإذا أمرا بالمنكر وبالمعصية وبالشرك قال: فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا [لقمان:15] أي: لا تؤذهما ولكن لا تطعهما في معصية الله فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق سبحانه.

    وعن أبي أسيد الساعدي قال: (بينا نحن جلوس عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ جاءه رجل من بني سلمة -بكسر اللام وهم بطن من الخزرج- قال: يا رسول الله! هل بقي من بر أبوي شيء أبرهما من بعدهما -أو بعد موتهما-؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: نعم، الصلاة عليهما -بمعنى الدعاء- والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما من بعدهما، وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما وإكرام صديقهما) لكن الحديث ضعيف، والحديث رواه أبو داود وابن ماجة وفي إسناده أسيد بن علي وأبوه ولم يوثقهما سوى ابن حبان فالإسناد ضعيف.

    لكن العمل على ذلك وأن من بر الوالدين بعد الوفاة أن تبر من كانا يصلانه، وجاء في ذلك حديث عن ابن عمر رضي الله تبارك وتعالى عنه يرويه عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    إذاً: من بر الوالدين في الحياة: الطاعة لهما، والإنفاق عليهما، والإحسان إليهما، وعدم قول أف، وعدم النهر.

    وبعد الوفاة: أن تتصدق عنهما، وتستغفر لهما، وتدعو لهما وتنفذ عهدهما من بعدهما إذا كان لهما عهد لفلان من الناس أو وعدوا موعدة فافعل ما وعدا به.

    (وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما) يعني: هذا من أقرباء الأب وهذا من أقرباء الأم، فأنت تصل هذا وهذا الذي طريقك إليهما عن طريق الأب أو الأم.

    (وإكرام صديقهما) وإكرام صديق الأب والأم بعد الوفاة فلا ترى صاحب أبيك ثم توليه ظهرك، بل من برك لأبيك أن تبر الرجل الذي كان صديقاً له؛ ولذلك ابن عمر رضي الله عنه مر في سفر ومعه حمار وقابل أعرابياً في الطريق فنزل إليه وسلم عليه وأكرمه رضي الله تبارك وتعالى عنه وأعطاه عمامته وحماره فتعجب من معه لما يفعل ابن عمر ، وقالوا له: إن الأعرابي يرضى بأقل من ذلك بكثير، فلو أعطي شيئاً قليلاً لرضي به، قال: هذا كان من أهل ود عمر رضي الله عنه وحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم أن من البر أن تبر أهل ود أبيك.

    يقول هنا: وقوله سبحانه: وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا [النساء:36] يقول ابن كثير : يأمر الله سبحانه عباده بعبادته وحده لا شريك له فإنه الخالق الرزاق المتفضل على خلقه في جميع الحالات وهو المستحق منهم أن يوحدوه ولا يشركوا به شيئاً سبحانه.

    1.   

    شرح قوله تعالى: ( قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئاً...)

    قال تعالى: قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ [الأنعام:151] وهذه الآية كانوا يسمونها الوصايا العشر، يعني: عشر وصايا ذكرها الله سبحانه وتعالى في هذه الآية يقول: قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم أي: ما وصاكم بتركه من الإشراك بالله سبحانه وتعالى، ثم ذكر أنه أمركم بالإحسان إلى الوالدين قال: وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ [الأنعام:151] وكان هذا شائعاً في الجاهلية وخاصة قتل البنات، فقال الله عز وجل: ولا تقتلوا أولادكم والولد يطلق على الذكور والإناث، ولذلك نجد في آية الكلالة: إِنْ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ [النساء:176] أي: ليس له أبناء ذكور ولا إناث، فولد يدخل فيها الذكور ويدخل فيها الإناث، وكان الشائع عندهم قتل البنات وكانوا يزعمون أن البنت إذا كبرت وتزوجها الرجل فلعلها ولعلها تقع في الزنى ولعلها تفعل كذا فكانوا يقتلون البنات، ولكن الله عز وجل فضحهم فيما يقولونه وأن ما يبطنونه هو الخوف من الفقر، أما الذكر فإنه حين يكبر سيذهب يقاتل معه ويسرق له ويغتصب معه، وسيفعل معه الذي يريده فيتركه من أجل ذلك، أما البنت لن تعطيه شيئاً، فكان يدعي أنها سبب فقره ونسي أن الله هو الرزاق سبحانه فكانوا يئدون البنات وكانوا غاية في القسوة، ومن ذلك ما جاء في قصة الرجل الذي أخذ ابنته وذهب ليدفنها في التراب وكان عمرها سنتين، أثناء ما كان يحفر لها قبرها كانت تمسح التراب عن لحيته ووجهه ورغم ذلك يأخذها ويضعها في القبر ويدفنها، ثم يرجع وكأنه عمل شيئاً كبيراً حيث قتل ابنته، فأي قسوة هذه القسوة؟! وكانوا على ذلك حتى جاء الإسلام وهذب قلوب هؤلاء الناس وعقولهم، لقد كان من ينظر في أفعالهم يراهم مجانين لا يفهمون، فالبعض منهم كان يعبد تمثالاً يصنعه بيده، ثم يعبده من دون الله سبحانه وتعالى، فأين عقل هذا الإنسان الذي جعله يصنع التمثال ثم بعد ذلك يعبده من دون الله؟! والآخر يصنع تمثالاً من العجوة فإذا جاع أكله وصنع غيره ، فأين عقل هذا الإنسان؟ والثالث: يريد أن يعبد شيئاً وهو في السفر فيصعب عليه حمل تمثاله الذي صنعه في البيت، فإذا بلغ الصحراء مع غنمه فبدل أن يصنع التمثال من ماء وتراب يصنعه من لبن ويعبده من دون الله وهو مسافر إلى أن يرجع للصنم الذي له في البيت فيعبده من دون الله، هؤلاء هم أهل الجاهلية وهذه عبادتهم.

    قال تعالى: نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ [الإسراء:31] أي: سنرزق هؤلاء ونرزقكم، فلا تقتل الطفل خشية أن يطعم معك.

    وقد جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيحين عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قلت (يا رسول الله! أي الذنب أعظم عند الله؟ قال: أن تجعل لله نداً وهو خلقك) أعظم الذنوب أن تعبد غير الله، قال: (قلت: ثم أي؟ قال: أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك).

    فهو هنا أيضاً صلى الله عليه وسلم يظهر ما في قلب هذا الذي يقتل ابنه وهو خشية أن يطعم معه فيقل الأكل الذي في البيت وينسى أن الله هو الرزاق الكريم سبحانه قال: (قلت: ثم أي؟ قال: أن تزاني بحليلة جارك) والزنى كله حرام، لكن من أفحش الزنى أن يزني بحليلة جاره الذي استأمنه على بيته فيقع في هذه الجريمة- والعياذ بالله- قال: (وتلى رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية: وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا [الفرقان:68-70]) والمقصد من الحديث الأمر بأن لا تشرك بالله، ولا تقتل ولدك خشية أن يطعم معك.

    وجاء في حديث آخر في الصحيحين عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله تعالى حرم عليكم عقوق الأمهات ووأد البنات ومنعاً وهات، وكره لكم قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال) فحرم أن تعق أمك أو تقتل ابنتك، (ومنعاً وهات) يعني: كثرة الكلام (وكره لكم قيل وقال وكثرة السؤال) أي: كره أن تظل تسأل دائماً، فتكون حياتك على هذا المنوال، بل تعلم العلم ولا تكثر من السؤال فإن هذا كرهه الله سبحانه وتعالى لكم، (وكره لكم قيل وقال) أي: الكلام الكثير.

    وجاء في حديث ابن مسعود في الصحيحين أيضاً قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا أحد أغير من الله فلذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولا أحد أحب إليه المدحة من الله فلذلك مدح نفسه) سبحانه وتعالى.

    قال: ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [الأنعام:151] يعني: هذه الأشياء التي حرمها عليكم بإمكانكم فهمها والاستجابة لها وقد بدأ الله في هذه الآيات بذكر المناهي، ثم قال: وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ [الأنعام:152]، أي: لا تقرب مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ ثم أعطه ماله وبعد أن تعطيه ماله فلك تتعامل معه بعد ذلك.

    وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [الأنعام:152] فأمر أن توفوا الكيل فإذا كلتم فوفوا، وإذا وزنتم فوفوا: لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [الأنعام:152] لا يكلفكم ما لا تطيقون، فأمر الله سبحانه وتعالى بإيفاء الكيل والميزان، وأخبر أنه لا يكلف نفساً إلا وسعها، فالإنسان مطلوب منه قدر المستطاع وما لا يقدر عليه لا يكلفه الله عز وجل إياه قال: وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا [الأنعام:152]، أي: قل العدل ولو على نفسك ولو على الوالدين والأقربين، وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [الأنعام:152] أي: تتذكرون عهد الله وميثاقه فتفعلون ما أمر وتجتنبون ما نهى وزجر.

    قال سبحانه: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا [الأنعام:153]، فبين لكم الصراط الذي هو شرعه بهذه الآيات وبغيرها، ووضح الدين وبين معالم الشريعة، وقال: هذا صراط أي: طريق مستقيم أوله ما أنت عليه الآن في الدنيا وآخره إلى جنة الله سبحانه وتعالى، قال: فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ [الأنعام:153] روى الإمام أحمد عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: (خط رسول الله صلى الله عليه وسلم خطاً بيده ثم قال: هذا سبيل الله مستقيم، ثم خط خطوطاً عن يمين ذلك الخط وعن شماله، ثم قال: وهذه سبل ليس منها سبيل إلا وعليه شيطان يدعو إليه ثم قرأ: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ [الأنعام:153])، فدل الحديث على أنه كان يعلم الناس حتى بالإشارة وبالرسم، فرسم لهم خطاً أمامهم وقال: (هذا صراط الله مستقيم) ورسم عن يمينه خطوطاً وعن شماله خطوطاً وأخبر أن هذه خطوط الشياطين كل سبيل منها عليه شيطان يدعو الناس إليه ثم قرأ الآية: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ [الأنعام:153]، فإذاً لا تنحرف عن صراط الله عز وجل، وسر على طريقه المستقيم، قال: ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [الأنعام:151].

    يقول ابن القيم رحمه الله: ولنذكر في الصراط المستقيم قولاً وجيزاً، فإن الناس قد تنوعت عباراتهم فقال: وحقيقته شيء واحد وهو طريق الله الذي نصبه لعباده موصلاً لهم إليه، ولا طريق إليه سواه بل الطرق كلها مسدودة على الخلق إلا طريقه الذي نصبه على ألسن رسله وجعله موصلاً لعبادة الله وهو إفراده بالعبادة وإفراد رسله بالطاعة، فهنا طريق الله سبحانه هو تجريد التوحيد لله رب العالمين سبحانه، تعبد الله وتطيع رسول الله صلوات الله وسلامه عليه.

    قال: ونكتة ذلك أن تحبه بقلبك -أي: أن تحب الله بقلبك- وترضيه بجهدك كله فلا يكون بقلبك موضع إلا معموراً بحبه، ولا يكون لك إرادة إلا متعلقة بمرضاته، فالأول يحصل بتحقيق شهادة أن لا إله إلا الله، والثاني: بتحقيق شهادة أن محمداً رسول الله صلوات الله وسلامه عليه.

    يقصد أنك تصل إلى طريق الله سبحانه بهذه الكلمة: لا إله إلا الله محمد رسول الله وتحب الله سبحانه، وتحب طريق الله، وتعرف هذه الطريق عن طريق الرسول صلوات الله وسلامه عليه فهو المبين، فمبناها على العبادة التي ركناها الإخلاص والمتابعة، الإخلاص لله بأن تقول: لا إله إلا الله وتعبده وحده لا شريك له، والمتابعة للنبي صلى الله عليه وسلم أن تتعلم منه كيف تعبد الله.

    قال ابن مسعود رضي الله عنه: من أراد أن ينظر إلى وصية محمد صلى الله عليه وسلم التي عليها خاتمه فليقرأ قوله تعالى: قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا [الأنعام:151] إلى آخر هذه الآية، يعني: هذه وصية النبي صلى الله عليه وسلم التي عليها خاتم النبي صلى الله عليه وسلم، وإن كان هذا إسناده ضعيفاً عن ابن مسعود رضي الله عنه فقد رواه الترمذي وقال: حسن غريب لكن في إسناده رجل ضعيف.

    1.   

    شرح حديث معاذ: ( كنت رديف النبي على حمار... )

    وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: (كنت رديف النبي صلى الله عليه وسلم على حمار، فقال لي: يا معاذ ! أتدري ما حق الله على العباد وما حق العباد على الله؟) وحديث معاذ هذا حديث عظيم وفيه حق الله على العباد وحق العباد على الله رب العالمين، مع العلم أنه ليس للعباد على الله حق يوجبونه هم عليه سبحانه ولكن هو الذي يلزم نفسه تفضلاً وتكرماً منه سبحانه وتعالى مثلما يقول: (إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً) والله عز وجل لا يظلم أحداً وهو الحكم العدل سبحانه وتعالى، والله خلق العباد ويملك العباد والظلم هو وضع الشيء في غير محله، وأن تأخذ ما ليس لك، وهذا لا يكون لله عز وجل، فكل شيء يملكه الله عز وجل، وكل شيء يجعله في مكانه بحكمته سبحانه فكيف يظلم سبحانه؟ ومع ذلك يقول: (إني حرمت الظلم على نفسي)، فالله وهو الخالق سبحانه يحرم الظلم على نفسه فلا يظلم المخلوق غيره من باب أولى يقول: (وجعلته بينكم محرماً فلا تظَّالموا -أو فلا تظَالموا-).

    بيان حق الله على العبيد وحق العبيد على الله

    يقول معاذ : (كنت رديف النبي صلى الله عليه وسلم على حمار فقال لي: يا معاذ أتدري ما حق الله على العباد وما حق العباد على الله؟ فقلت: الله ورسوله أعلم، قال: حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، وحق العباد على الله ألا يعذب من لا يشرك به شيئاً، قال: قلت: يا رسول الله، أفلا أبشر الناس؟ قال: لا تبشرهم فيتكلون) والحديث أخرجاه في الصحيحين وفيه حق الله سبحانه على العباد وهو أن تعبدوه وحده لا تشركون به شيئاً، وتعبدونه بشرعه الذي أنزله في كتابه والذي أرسل به النبي صلوات الله وسلامه عليه، هذا حق الله على العباد، وإذا فعلوا ذلك كان حقاً على الله سبحانه ألا يعذبهم سبحانه وتعالى فإذا فعل العباد الطاعات وانتهوا عن المعاصي هذا يقتضي أنهم يعبدون الله.

    وعبادة الله: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه. فالعبد حين يكون عبداً لله موحداً له مطيعاً له عابداً له، يفعل ما أمر به، وينتهي عن ما نهي عنه، يستحق أن يكون من أهل الجنة، فإذا عصى الله سبحانه فهو في مشيئة الله سبحانه إن شاء عذبه وإن شاء غفر له، وإذا أشرك بالله وكفر فقد كتب الله عليه أن يكون في النار: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:48].

    فالإنسان الذي يشرك بالله لا يغفر الله عز وجل له بل هو من أهل النار.

    وجاء في حديث عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أيكم يبايعني على هؤلاء الآيات الثلاث ثم تلا قوله: قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ [الأنعام:151]، حتى فرغ من الثلاث الآيات ثم قال: من وفى بهن فأجره على الله، ومن انتقص منهن شيئاً فأدركه الله بها في الدنيا كانت عقوبته، ومن أخره إلى الآخرة كان أمره إلى الله إن شاء أخذه وإن شاء عفا عنه) وهذا الحديث ضعيف لكن معناه صحيح.

    فالإنسان الذي يوفي بما عاهد الله عز وجل عليه في الدنيا فأجره أن يكون في الجنة، والإنسان الذي ينتقص من الحقوق التي أمر بها فإما أن يعاقبه الله عز وجل في الدنيا بالمصائب فالله يجعلها كفارة، أو أنه يتركه إلى يوم القيامة، فإن شاء عفا وإن شاء عذبه سبحانه وتعالى.

    يقول الشارح: معاذ بن جبل هو ابن عمرو بن أوس الأنصاري الخزرجي أبو عبد الرحمن ، صحابي مشهور من أعيان الصحابة.

    ومعاذ بن جبل كان سنه صغيراً حين أسلم رضي الله عنه فقد كان عمره حوالي ثمانية عشر سنة أو أقل من ذلك، مات رضي الله عنه وكان عمره ثمانية وثلاثين سنة رضي الله تبارك وتعالى عنه، وهو الذي يقدم العلماء يوم القيامة ويسبقهم، وهذا فضل الله يؤتيه من يشاء، يعني: في سن ثمانية وثلاثين سنة ويصل لهذا العلم العظيم الذي يشهد له النبي صلى الله عليه وسلم فقد روى الترمذي وهو حديث صحيح وفيه يقول أنس بن مالك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أرحم أمتي بأمتي أبو بكر وأشدهم في أمر الله عمر ، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل وأفرضهم زيد بن ثابت وأقرؤهم أبي ولكل أمة أمين وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح) رضي الله عنهم فكل واحد من هؤلاء له فضيلة، وكلهم علماء ولكن أعلمهم بالحلال والحرام كان معاذ رضي الله تبارك وتعالى عنه، وهذه شهادة من النبي صلى الله عليه وسلم وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.

    ويذكر معاذ بن جبل في هذا الحديث أنه كان رديف النبي صلى الله عليه وسلم، يعني: النبي صلى الله عليه وسلم كان راكباً حماراً ومعاذ خلف النبي صلوات الله وسلامه عليه، وفيه تواضع النبي صلى الله عليه وسلم وهو سيد الخلق ومع ذلك كان يركب حماراً عليه الصلاة والسلام، ويردف أيضاً خلفه وهو راكب عليه الصلاة والسلام فقال لـمعاذ : (يا معاذ أتدري ما حق الله على العباد وما حق العباد على الله؟).

    يذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أن كون المطيع يستحق الجزاء هو استحقاق إنعام وفضل.

    إذاً: حق العباد على الله سبحانه وتعالى هو فضل من الله بأن يجعل هذا العبد يستحق من الله سبحانه، وليس أن العبد سيحاسب ربه ويقول له: لماذا لم تعطني، ولكن تفضل من الله على العبد أن يعطيه ذلك فقال: هو استحقاق إنعام وفضل وليس هو استحقاق مقابلة.

    لما أقول: أنا ذهبت اشتري من البائع السلعة الفلانية، فهنا أنا أستحق أن آخذها وهو يستحق علي المبلغ -المال- فإذاً: استحقاق المقابلة هو المعاوضة، فهو سيعطيني سلعة وأعطيه مقابلها الثمن، والعباد لا يستحقون على الله هذا الاستحقاق فالعباد لم يعملوا شيئاً لله سبحانه وتعالى فهو الذي خلقهم وهو الذي رزقهم، وهو الذي أنعم النعم العظيمة على عباده، إذاً العبد لا يستحق شيئاً على وجه المقابلة، ولكن العبد فرض عليه أن يعبد الله سبحانه؛ لأنه خلقه، فلو أحصى نعم الله عز وجل عليه وأحصى عبادته فسيجد أن عبادته لا تبلغ أن تكون ثمناً لإدخاله الجنة يوم القيامة.

    وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله) وقال الله سبحانه وتعالى: جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [السجدة:17].

    فتنظر المعنى في الآية وفي الحديث فقوله في الآية: جزاء بما كنتم تعملون يعني: أنعم الله عز وجل عليكم بسبب أعمالكم التي عملتموها في الدنيا، إذاً: عملك سبب للجنة، والباء هنا سببيه، وفي الحديث: (لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله) والباء هنا تسمى باء الثمنية، يعني: عملك ليس ثمناً للجنة فعمل الإنسان ضعيف جداً ومهما عمل من عمل لن يكون ثمناً للجنة، ولكن يكون سبباً لدخول الجنة، فسبب دخولك الجنة العمل، أما ثمن الجنة فهو فضل الله عز وجل عليك أن أرشدك للعبادة وأن أدخلك الجنة فيقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله) كثمن لهذه الجنة (قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته)، فالعمل سبب للجنة وليس ثمناً لها.

    ثم يقول بعد ذلك: لكن أهل السنة يقولون: هو الذي كتب على نفسه الرحمة -الله كتب على نفسه الرحمة- وأوجب على نفسه حقاً لم يوجبه عليه المخلوق. ومن يوجب على الله شيئاً؟ ولكن الله سبحانه هو الذي كتب على نفسه الرحمة، والمعتزلة يدعون أنه واجب عليه، حاشا لله سبحانه، وقد قاسوا الخالق سبحانه وتعالى على المخلوق، فيقولون كما أن المخلوق يجب عليه أشياء فالخالق كذلك.

    فقالوا: العباد هم الذين أطاعوه بدون أن يجعلهم مطيعين له، وتناسوا قدرة الله سبحانه وإقداره لعباده على العمل، وقالوا: العبد هو الذي يفعل لنفسه.

    فيقول ابن تيمية رحمه الله: قالوا: وإن العباد هم الذين أطاعوه بدون أن يجعلهم مطيعين له، وأنهم يستحقون الجزاء بدون أن يكون هو الموجب لهذا الجزاء. قال: وهذا الباب غلطت فيه الجبرية والقدرية أتباع جهم والقدرية النافية. فهذه قدرية وهذه قدرية، ولكن القدرية الأولى قدرية جبرية وكلهم يتكلمون في قضاء الله عز وجل وفي أمر القضاء والقدر بكلامهم السخيف وبأفكارهم المنحرفة، فيقول القدرية أتباع جهم وهم جبرية أصلاً: إن العاصي حين يفعل المعصية هو مجبر عليها، حتى قال أحدهم:

    ألقاه في اليم مكتوفاً وقال له إياك إياك أن تبتل بالماء

    فهو الذي قدر عليه ذلك، فإذاً هو مطيع في حالة الطاعة وفي حالة المعصية وهذا كلام لا يقوله إنسان يفهم كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم.

    والنوع الثاني: القدرية النافية، وهم النفاة للقدر، يقولون: إن الله لا يقدر شيئاً بل العبد هو الذي يقدر لنفسه أشياءه، فالله لا يقدر للعبد الشر، بل العبد هو الذي يعمل هذا الشر والعبد خالق لفعله، فهؤلاء القدرية النفاة، يعني: النفاة لتقدير الله عز وجل، ونحن حين نتكلم في أمر القضاء والقدر نفصل في هذا الشيء.

    يقول ابن القيم في العبادة:

    وعبادة الرحمن غاية حبه مع ذل عابده هما قطبان

    ومداره بالأمر أمر رسوله لا بالهوى والنفس والشيطان

    عبادة الله سبحانه وتعالى أن تحب الله أكمل وأعظم الحب، وأن تخاف من الله سبحانه وتذل نفسك له أعظم الذل فلا يجتمع ذلك إلا لله عز وجل؛ فتحب الله ومع ذلك تكون ذليلاً بين يديه سبحانه وتعالى.

    قال هنا: حق الله على العباد: أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، ولم يقل أحداً، ولكن قال شيئاً فيدخل تحته كل شيء من دون الله عز وجل، فمن عبد شيئاً وكل إليه يوم القيامة قال: (ولا يشركوا به شيئاً).

    أما حق العباد على الله الذي تفضل ومنحهم إياه قال: (ألا يعذب من لا يشرك به شيئاً) فمن مات على حقيقة التوحيد فالله عز وجل لا يعذبه، فإتيانه بالتوحيد يدفعه لعبادة الله سبحانه حتى وإن وقع في بعض المعاصي فالله يغفر له بإيمانه وبتوحيده وهو في مشيئة رب العالمين يوم القيامة ولكن في النهاية المؤمن الموحد لرب العالمين يدخله الله عز وجل الجنة وإن أصابه قبل ذلك من النار ما أصابه.

    ولما سمع معاذ بن جبل ذلك -وهو يحب الخير للناس رضي الله عنه- قال: (قلت: يا رسول الله! أفلا أبشر الناس) أفلا أقول للناس: إنه من مات على التوحيد دخل الجنة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تبشرهم فيتكلوا) لا تقل للناس هذا الشيء، فلعل منهم من يفهم ومنهم من لا يفهم فلعلهم يتكلون ويقولون مثلما يقول كثير من الناس الآن: أنا أقول لا إله إلا الله ومن قال لا إله إلا الله دخل الجنة، فليس مهماً عنده معرفة شروط لا إله إلا الله، وليس مهماً أن يفهم معنى لا إله إلا الله، فإذا سألته ما معنى لا إله إلا الله؟ يقول لك: الله الذي خلقني، والذي رزقني، والذي يعطيني.

    ولا إله إلا الله معناها: لا معبود بحق إلا الله، فلا أعبد إلا الله ولا أصلي إلا لله، ولا أصوم إلا لله، ولا أفعل الطاعة إلا مبتغياً وجه الله سبحانه وتعالى، فعبادتك لله مقتضى قولك: لا إله إلا الله، ولا إله إلا الله شهادة لله بأنه وحده الذي يستحق أن يعبد وشهادة على نفسك أنك لا تعبد إلا هذا الإله العظيم الواحد لا شريك له.

    فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: لا تخبر بها الناس حتى لا يتكلوا، يعني: على هذه الكلمة ويتركون العمل فيدخلون النار يوم القيامة، قال: فأخبر بها معاذ عند موته تأثماً أي تحرجاً من الإثم أن يكون كتم حديثاً عن النبي صلى الله عليه وسلم ولم يقله لـمعاذ وحده فقط، ولكن أخبر به أبا هريرة وذلك حين كان النبي مع الصحابة ثم فقدوه صلى الله عليه وسلم، فمكث أبو هريرة يبحث عن النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن وجده داخل بستان، فبحث عن باب البستان فلم يجده، لكن النبي صلى الله عليه وسلم دخل من باب البستان، فرأى أبو هريرة مكاناً منخفضاً فدخل منه فوجد النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره أن الصحابة يبحثون عنه فقال له: (خذ نعلي هذين -أي: علامة- واذهب فمن لقيته وراء هذا الحائط فأخبره أنه من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة) من شهد أن لا إله إلا الله دخل الجنة، فأخذ النعلين وذهب إلى الصحابة فرحاً وهو يقول: من قال لا إله إلا الله دخل الجنة، فلقيه عمر رضي الله عنه فقال: أين كنت يا أبا هريرة؟ قال: كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم، قال: وما هذان النعلان معك؟ قال: نعلا النبي صلى الله عليه وسلم أعطانيها، وقال: (اذهب ومن رأيته وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله فبشره بالجنة) قال: فوكزني عمر فوقعت -أي: وقع على الأرض- من وكزة عمر قال: ارجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم وعمر هنا لم يأمر بخلاف النبي صلى الله عليه وسلم ولكن خشي شيئاً فرجع أبو هريرة يبكي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: ما بك؟ قال: حدث كذا وكذا، وجاء عمر فقال له: ما لك يا عمر؟ قال: (يا رسول الله لا تخبرهم فيتكلوا) يخشى على الناس ألا يفهموا معنى هذه الكلمة، ويظن أحدهم أنه لا حاجة للصلاة والصيام والعمل ويكتفي بقول: لا إله إلا الله، ويظن أن هذا هو الدين الذي يريده الله سبحانه وتعالى، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (فلا تخبرهم)، فوافق عمر رضي الله تعالى عنه، ولكن (لا تخبرهم) معناه: أنه إذا مات النبي صلى الله عليه وسلم وعمر ومعاذ فلن يعرف هذا أحد، والدين لم ينزل لهؤلاء فقط ولكن للخلق جميعاً فكأن المعنى: لا تخبر من لا يفهم ذلك، فإذا أخبرت فبين أن كلمة لا إله إلا الله لها شروط يجب الإتيان بها.

    وشروط لا إله إلا الله: العلم، واليقين، والقبول، والانقياد، والصدق، والإخلاص، والمحبة، والموالاة، والمعادة وليس شرطاً على الإنسان أن يحفظ هذه الأشياء، ولكن يعلم هذه المقتضيات فيعرف الله سبحانه وتعالى ويؤمن به، ويستيقن في قلبه، وينقاد لشرع الله ويحب دين الله سبحانه، ويكون صادقاً مع الله سبحانه، مخلصاً في دينه، متابعاً للنبي صلى الله عليه وسلم، فيكون قد أتى بمقتضيات لا إله إلا الله فاستحق أن يكون من أهل الجنة.

    مسائل مستفادة من حديث معاذ في بيان حق الله على العبيد وحق العبيد على الله

    يقول الشيخ بعد أن ذكر هذا الحديث: فيه مسائل يعني فوائد يذكرها في الباب:

    المسالة الأولى: الحكمة في خلق الجن والإنس. أي: لماذا خلق الله الجن والإنس؟ قال: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56] فإذاً: أنت مخلوق في الدنيا لعبادة الله بالمعنى الأعم، وليس المعنى أنك مخلوق من أجل أن تصلي فقط، فتظل الليل والنهار تصل أو لأجل أن تصوم فقط لا، ولكن تعبد الله سبحانه وتعالى بكل أنواع العبادة، سواء كانت معاملات، أو أحوالاً شخصية، فتعبد الله سبحانه في كل شيء بتنفيذ ما أمر وبالبعد عما نهى الله سبحانه وتعالى عنه.

    المسألة الثانية: أن العبادة هي التوحيد؛ لأن الخصومة بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين المشركين وقعت فيه، فكان يقول لهم: (قولوا لا إله إلا الله) يا بني عبد مناف يا بني فلان، يا بني فلان، فلما اجتمعوا عليه قال: قولوا كلمة واحدة أضمن لكم بها الجنة، قالوا: نقول عشر كلمات، تريد ماذا؟ قال: قولوا: لا إله إلا الله، فقالوا: إلا هذه، ففهم المشركون منها ما لم يفهمه الكثير من الناس، فقد فهموا أن لا إله إلا الله معناها التزام بشيء بعد ذلك، وطالما أن هناك التزاماً فلن نقول هذه الكلمة، يقول الحافظ ابن حجر : اقتصر على نفي الإشراك بالله لأنه يستدعي التوحيد، لا تشرك بالله يعني اعبده وحده لا شريك له سبحانه، ويستدعي إثبات الرسالة باللزوم، فلن نعرف التوحيد الخالص، ولن نعرف ما يريده الله لنعبده به إلا بأن نصدق النبي صلى الله عليه وسلم فنتبع ما يقوله صلوات الله وسلامه عليه.

    إذاً: كلمة التوحيد أصل الأصول، وعند وفاة أبي طالب كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول له: (يا عم قلها كلمة واحدة، أشهد لك بها عند الله، فقال: والله لوددت يا ابن أخي أن أقر بها عينك، لولا أن يقولوا: خاف الموت)، إن لم تخف من الموت فستخاف من ماذا؟ كل الخلق يخافون من الموت، فهو خاف أن يقولوا: خاف من الموت، وشاء الله عز وجل أن يختم له بالكفر، فمات على ذلك فصار من أهل النار كما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم.

    المسألة الثالثة: أن من لم يأت به لم يعبد الله. من لم يأت بكلمة التوحيد لا إله إلا الله ومقتضى ذلك: توجيه كل العبادة إلى الله سبحانه وتعالى وفيه معنى قوله: قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ [الكافرون:1-3] أي: أنا أعبد الله سبحانه، وأنتم تعبدون مع الله غيره فأنا لا أعبد ما تعبدون ولستم أنتم على التوحيد الذي أنا عليه ولا أنا عابد في المستقبل ما أنتم عليه ولا أنتم ستعبدون ما أعبد وأنتم على هذا الحال لكم دينكم ولي دين.

    المسألة الرابعة: الحكمة في إرسال الرسل عبادة الله، وتعريف العباد بحق الله سبحانه وبما يحبه الله سبحانه وتعالى وما يبغضه، وتعريف العباد بمنهج الله وشرائعه.

    المسألة الخامسة: أن الرسالة عمت كل أمة، والنبي صلى الله عليه وسلم أرسل إلى الخلق جميعهم صلوات الله وسلامه عليه، وكل نبي كان يبعث إلى قومه خاصة، فالله عز وجل لم يترك أمة من الأمم إلا وأرسل إليها من يعلمها رسولاً كان أو نبياً وجاء النبي صلى الله عليه وسلم فكان للخلق جميعهم.

    المسألة السابعة: أن عبادة الله لا تحصل إلا بالكفر بالطاغوت وهو قوله سبحانه: فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى [البقرة:256] وشهادة أن لا إله إلا الله تقتضي الكفر بالطاغوت والتخلي عن جميع ما يعبد من دون الله سبحانه وتعالى، فلا ينفع الإنسان أن يقول أنه يعبد الله ويعبد غير الله معه فقد كان المشركون يقولون: نعبد الذي ينفعنا ويضرنا في السماء ومعه غيره فلم تنفعهم هذه العبادة.

    المسألة الثامنة: أن الطاغوت عام في كل ما عبد من دون الله سبحانه فذكرنا من أصنافه الشياطين، والذي يبدل شرع الله سبحانه، ومن يستحل الحكم بغير دين الله سبحانه، والكاهن والساحر والعراف كلهم من الطواغيت.

    المسألة التاسعة: عظم شأن الآيات المحكمات الثلاث في سورة الأنعام التي بدأها الله عز وجل بالنهي عن الشرك.

    المسألة العاشرة: الآيات المحكمات في سورة الإسراء وفيها ثماني عشرة مسألة بدأها بقوله: لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا [الإسراء:22]، إلى آخره.

    المسألة الحادية عشرة: آية سورة النساء التي تسمى آية الحقوق بدأها الله عز وجل بقوله: وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا [النساء:36].

    المسألة الثانية عشرة: التنبيه على وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم عند موته بعبادة الله، وأن من عبد الله سبحانه تبارك وتعالى استحق أن يكون في الجنة.

    المسألة الثالثة عشرة: معرفة حق الله علينا.

    المسألة الرابعة عشرة: معرفة حق العباد على الله عز وجل إذا أدوا حقه بالتوحيد فإن الله عز وجل يدخلهم الجنة.

    المسألة الخامسة عشرة: أن هذه المسألة لا يعرفها أكثر الصحابة. يعني: النبي صلى الله عليه وسلم أخبر بها معاذاً ، وأخبر بها أبا هريرة وعرفها عمر رضي الله عنه، وعرفها البعض ولكن الكثيرون لم يعرفوها، حتى لا يتكلوا على هذه الكلمة وهذه كلمة عظيمة وسبب لدخول الجنة ولكن مع معرفة مقتضى هذه الكلمة.

    المسألة السادسة عشرة: جواز كتمان العلم للمصلحة، فيكتم العلم لعدم فهم الناس له مثلاً وغيرها من المصالح، فكان أحياناً يكتم الشيء للمصلحة ولكن لا يكتمه عن الجميع، إنما يكتم عن البعض كهذه الكلمة التي أخبر بها النبي بعضاً من أصحابه ولم يخبر الجميع خوفاً من أن يتكلوا وإن جاءت أحاديث كثيرة عنه صلى الله عليه وسلم في قول من قال لا إله إلا الله دخل الجنة، مثل قوله: (من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة أصابه قبل ذلك ما أصابه) لكن ينبغي أن توضح أنه ليس بمجرد كلمة لا تفهم معناها بل عليك أن تعرف معناها ومقتضياتها حتى تستحق ذلك.

    السابعة عشرة: استحباب بشارة المسلم بما يسره كما بشر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه أو معاذاً بذلك.

    المسألة الثامنة عشرة: الخوف من الاتكال على سعة رحمة رب العالمين، والله رحمته واسعة، فلو أن إنساناً قال: أنا لن أصلي ولن أزكي ولن أعمل شيئاً لأن الله رحيم فنقول له: الله هو الذي أخبر: نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمُ [الحجر:49-50] فلا تأخذ جزءاً من الآية وتنسى الباقي، فالله غفور رحيم وهو شديد العقاب قال: إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ * إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ * وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ [البروج:12-14] فبطشه شديد وهو الغفور الودود، فتأخذ بالقرآن كله وليس ببعضه.

    المسألة التاسعة عشرة: قول المسئول عما لا يعلم: الله ورسوله أعلم، أو يقول: لا أعلم، أو يقول: لا أدري.

    العشرون: جواز تخصيص بعض الناس بالعلم دون بعض، إذ ليس كل علم يعرفه كل الناس، ولكن قد يعلم البعض ما يفهمون ويعلم الآخرون الذي يفهمونه أيضاً.

    المسألة الحادية والعشرون: تواضعه صلى الله عليه وسلم لركوبه الحمار، وأحياناً كان يركب البغل صلوات الله وسلامه عليه وأحياناً يركب الجمل.

    المسألة الثانية والعشرون: جواز الإرداف على الدابة وهذا إذا كانت الدابة مطيقة، وإذا كانت لا تطيق فلا يجوز.

    فضائل معاذ بن جبل

    المسألة الثالثة والعشرون: فضيلة معاذ بن جبل وذكرنا أن معاذاً رضي الله تبارك وتعالى عنه يقدم العلماء وفي الحديث الذي رواه أبو نعيم في الحلية ورواه الطبراني أيضاً: (معاذ يحشر يوم القيامة أمام العلماء برتوة) هذا حديث صحيح والرتوة بمعنى خطوة أو بمعنى رمية بحجر، فهو سابق للعلماء يوم القيامة رضي الله تبارك وتعالى عنه وكانت له حكم عظيمة.

    فروى الإمام أبو داود بإسناد صحيح أن معاذاً رضي الله تبارك وتعالى عنه كان لا يجلس مجلساً للذكر حين يجلسه إلا قال: الله حكم قسط، هلك المرتابون المتشككون وقد روى هذا عن معاذاً يزيد بن عميرة وكان من أصحاب معاذ رضي الله عنه، قال يزيد فقال معاذ بن جبل يوماً: إن من ورائكم فتناً يكثر فيها المال. ومعاذ لم يطلع الغيب، فيكون أنه أخبره النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، قال: (ويفتح فيها القرآن)، أي: أن الله سيفتح عليهم فيحفظون القرآن، قال: حتى يأخذه المؤمن والمنافق أي: حتى يحفظ القرآن المؤمن والمنافق والرجل والمرأة والصغير والكبير والعبد والحر فيوشك قائل أن يقول: ما للناس لا يتبعوني وقد قرأت القرآن ما هم بمتبعي حتى أبتدع لهم غيره أي: سأصنع لهم بدعة من البدع لكي أجمعهم حولي، وهذا أصل البدع وذلك أن الإنسان يحب أن يجمع الناس من حوله حتى يكون له أتباع قال معاذ رضي الله عنه: فإياكم وما ابتدع فإنما ابتدع ضلالة، وجاء عن النبي صلى الله عليه وسلم: (كل بدعة ضلالة)، قال معاذ : وأحذركم زيغة الحكيم يعني: يمكن للإنسان أن يكون عالماً وحليماً لكنه قد يزيغ أحياناً ويقع في الغلط، فأحذركم زيغة الحكيم، فإن الشيطان قد يقول كلمة الضلالة على لسان الحكيم. قال يزيد : قلت لـمعاذ : وما يدريني -رحمك الله- أن الحكيم قد يقول كلمة الضلالة وأن المنافق قد يقول كلمة الحق؟ قال معاذ رضي الله عنه: بلى اجتنب من كلام الحكيم المشتهرات التي يقال لها: ما هذه؟ ولا يثنينك ذلك عنه، هذا كلام العلماء والحكماء ومعاذ عالم وحكيم رضي الله عنه، فلو كل إنسان أخطأ تركناه وابتعدنا عنه لأوشك الإنسان ألا يجد أحداً يتبعه، والعالم قد يهفو وقد يصبو وقد يقع في الخطأ، وكونه وقع في الخطأ مرة فليس معناه أنك تتركه.

    فالعالم غير معصوم قد يقع في شيء من الخطأ ولكن لا تتركه فتخسر علماً كثيراً، قال: فإنه لعله أن يراجع نفسه ويقول: أنا أخطأت في هذا الشيء، وتلقى الحق إن سمعته فإن على الحق نوراً.

    يعني: حين تسمع الحق من أي إنسان صغيراً أو كبيراً اقبل منه هذا الحق فإن على الحق نوراً.

    ومعاذ بن جبل كان أعلم الصحابة بالحلال والحرام وكان من حكمائهم أيضاً رضي الله تبارك وتعالى عنه، وكان جميلاً طويلاً بساماً، وكان جميل المنظر من رآه أحبه ومن ذهب إلى مسجده ورآه أحبه وإن كان لا يعرف من هو، ذهب إليه رجل من التابعين فوجده في المسجد وحوله الناس إذا تكلم استمعوا له ويتبسم للناس، فسأل: من هذا؟ أو ذهب إليه وقال: إني والله أحبك في الله.

    وقد أسلم قديماً رضي الله تبارك وتعالى عنه وكان صغيراً حين أسلم، ولما رجع الأنصار بعد بيعة النبي صلى الله عليه وسلم في العقبة الثانية أظهروا الإسلام في المدينة وكان هناك بقايا من شيوخ أهل المدينة منهم عمرو بن الجموح رضي الله تبارك وتعالى عنه وكان له ابن اسمه معاذ بن عمرو بن الجموح من بني سلمة وكان معاذ بن جبل يومئذ فتى فأسلم معاذ بن جبل ومعاذ بن عمرو وأسلم فتيان معهم بإسلامهم، وكان عمرو بن الجموح سيداً في قومه وكان يعبد صنماً يسميه مناف أو مناة، من دون الله سبحانه وتعالى وكان عادة أهل الجاهلية في جاهليتهم أن الأشراف الكبار لا يعبدون الأصنام التي يعبدها الناس بل يكون للشريف صنم لوحده في البيت يعبده من دون الله سبحانه وتعالى، فاتخذ هذا الصنم من خشب في بيته فسماه مناة أو مناف فلما أسلم فتيان بني سلمة ومنهم معاذ بن جبل رضي الله عنه، وكان معاذ بن جبل ومعاذ بن عمرو يدلجون بالليل على الصنم الذي لـعمرو بن الجموح فيحملونه ويطرحونه في بعض الحفر يريدون الرجل أن يسلم، فيأخذون الصنم الذي له ويذهبون به إلى البئر الذي فيه نجاسة ويرمونه بداخله، ويصبح عمرو بن الجموح يبحث عن إلهه الذي كان يعبده، ويجده في بئر النجاسة، فيأخذه ويطيبه ويرده إلى مكانه مرة أخرى.

    وأسلم الناس وكان الذي يعلمهم الإسلام في المدينة مصعب بن عمير رضي الله تبارك وتعالى عنه، وذهب مصعب ليقابل عمرو بن الجموح فقال له: ما هذا الذي جئتمونا به؟ فقال مصعب رضي الله عنه: إن شئت جئناك فأسمعناك الذي جئنا به، فقال له: نعم، وكان رجلاً عاقلاً، لكن في عبادة غير الله سبحانه وتعالى لم يكن عاقلاً، فقرأ عليه مصعب بن عمير صدراً من سورة يوسف فـعمرو سمع القرآن وأعجبه، ولكن أيضاً ما زال يعبد الصنم، فقال: إن لنا مؤامرة مع قومنا يعني -مشاورة مع قومنا- فاتركنا نتشاور مع قومنا فخرج مصعب ودخل هو على التمثال الذي له، وكانت عقول أهل الجاهلية في أمر الشرك بالله سبحانه وتعالى في قمة السخافة لأجل هذا لا تعجب أن تجد عالماً في الفلك وعالماً في الفضاء ثم يعبد صنماً من دون الله سبحانه وتعالى، فالله يعطيه عقلاً في بعض الأمور ويسلب منه هذا العقل في أمور أخرى، فإذا به يعبد غير الله وهذا الرجل كان سيداً في قومه وشريفاً من شرفائهم ويرجعون إليه في المشورة ومع ذلك يعبد هذا الصنم، فذهب عمرو بن الجموح إلى التمثال يكلمه فقال: يا مناف أو يا مناة تعلم والله ما يريد القوم غيرك، فهل عندك من نكير؟ أي: هل تستطيع أن ترد عليهم أو تستطيع أن تصنع فيهم شيئاً؟ ثم علق عليه سيفه وقال: دافع به عن نفسك أمام هؤلاء القوم، وفي اليوم الثاني إذا بـمعاذ بن جبل ومعاذ بن عمرو يأخذون هذا التمثال ويرمونه في الحفرة، وفي يوم من الأيام خرج عمرو بن الجموح وقال لأهل بيته: أنا ذاهب للمال الذي لي أوصيكم خيراً بالإله ، أوصيكم خيراً بمناة، وخرج وترك مع هذا التمثال سيفه، ورجع إليهم فوجدهم قد كسروا التمثال وألقوه في النجاسة وأخذوا السيف منه فنظر إلى التمثال ثم قال: أف لك:

    والله لو كنت إلهاً لم تكن

    أنت وكلب وسط بئر في قرن

    أف لملقاك إلهاً مستدن الآن فتشناك عن سوء الغبن

    الحمد لله العلي ذي المنن

    الواهب الرزاق ديان الدين

    هو الذي أنقذني من قبل أن أكون في ظلمة قبر مرتهن

    وجمع بني سلمة وقال لهم: أي إنسان أنا فيكم؟ قالوا: أنت سيدنا، قال: ألستم على ما أنا عليه؟ قالوا: نعم، قال: فإني أشهدكم أني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فأسلم القوم بإسلامه رضي الله تبارك وتعالى عنه، هذا عمرو بن الجموح الذي جاء في يوم أحد وكان أعرج رضي الله تبارك وتعالى عنه وسمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين) فقام يريد القتال وأولاده يقولون له: أنت أعرج وقد عذرك الله فقال: والله لأطأن عليها في الجنة فقاتل حتى قتل رضي الله تبارك وتعالى عنه لقد أنقذه الله عز وجل من الشرك، وبعد فترة يسيرة من إسلامه قتل شهيداً رضي الله تبارك وتعالى عنه فكان الفضل لله عز وجل ثم لـمعاذ بن جبل ولـمعاذ بن عمرو بن الجموح ولـمصعب بن عمير رضي الله تبارك وتعالى عنهم أن دلوه على دين الله سبحانه وتعالى.