إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. أحمد حطيبة
  4. شرح الترغيب و الترهيب للمنذرى
  5. شرح الترغيب والترهيب - الترغيب في قراءة القرآن في الصلاة وغيرها وفضل تعلمه وتعليمه والترغيب في سجود التلاوة [2]

شرح الترغيب والترهيب - الترغيب في قراءة القرآن في الصلاة وغيرها وفضل تعلمه وتعليمه والترغيب في سجود التلاوة [2]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد أنزل الله عز وجل كتابه الكريم وحث على تدبره وتعقله والعمل به، وجعل لحفظته والعاملين به الأجر العظيم عنده سبحانه، وخصهم من بين سائر الناس أن جعلهم أهله وخاصته، وليس ذلك إلا لقارئ القرآن والعامل به، بل ما رخص النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يحسد أحد إلا اثنان أحدهما: قارئ القرآن والعامل به، والتالي له آناء الليل وأطراف النهار. فأنعم بها من نعمة، وأجزل به من أجر وشرف.

    1.   

    أنواع الحسد الجائز

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    روى الإمام البخاري عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا حسد إلا في اثنتين: رجل علمه الله القرآن فهو يتلوه آناء الليل وآناء النهار، فسمعه جار له فقال: ليتني أوتيت مثلما أوتي فلان فعملت مثلما يعمل، ورجل آتاه الله مالاً فهو يهلكه في الحق، فقال رجل: ليتني أوتيت مثلما أوتي فلان فعملت مثلما يعمل)

    وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (الصيام والقرآن يشفعان للعبد، يقول الصيام: رب إني منعته الطعام والشراب بالنهار فشفعني فيه، ويقول القرآن: منعته النوم بالليل فشفعني فيه، قال: فيشفعان).

    وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه (أن أسيد بن حضير بينما هو في ليلة يقرأ في مربده إذ جالت فرسه، فقرأ، ثم جالت أخرى، فقرأ ثم جالت أيضاً، فقال أسيد : فخشيت أن تطأ يحيى -يعني: ابنه- فقمت إليها فإذا مثل الظلة فوق رأسي فيها أمثال السرج عرجت في الجو حتى لا أراها، قال: فغدوت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: يا رسول الله! بينما أنا البارحة في جوف الليل أقرأ في مربدي إذ جالت فرسي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اقرأ ابن حضير قال: فقرأت ثم جالت أيضاً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اقرأ ابن حضير ، قال: فقرأت، ثم جالت أيضاً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اقرأ ابن حضير قال: فانصرفت وكان يحيى قريباً منها خشيت أن تطأه، فرأيت مثل الظلة فيها أمثال السرج عرجت في الجو حتى ما أراها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تلك الملائكة كانت تستمع لك، ولو قرأت لأصبحت يراها الناس ما تستر منهم) متفق عليه.

    وهذه أحاديث أخرى يذكرها الإمام المنذري رحمه الله في الترغيب في قراءة القرآن في الصلاة وغيرها.

    فمن الأحاديث حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا حسد إلا على اثنتين)

    وجاء في حديث أبي هريرة وفيه: (لا حسد إلا في اثنتين).

    والحسد هنا بمعنى: الغبطة حيث يغتبط الإنسان ويغبط غيره، ويغبطه أي: يتمنى أن يكون لنفسه مثلما لهذا الإنسان.

    فهذا هو المقصود من الحسد في هذا الحديث، وإلا فالحسد مذموم شرعاً، وهو حرام، وربنا سبحانه وتعالى أمرنا أن نتعوذ من شر حاسد إذا حسد.

    أما الحسد فأصله تمني زوال نعمة الغير، كأن يرى في يد غيره نعمة فيتمنى أن تزول هذه النعمة من الغير، خاصة إذا كان هو محروم منها، فهو لا يحب لغيره أن يؤتى بشيء ليس عنده، أو يتمنى أن تزول من يد هذا الإنسان وتصير إلى يده هو، فهذا هو الحسد الذي نهينا عنه شرعاً.

    أما أن تغبط ما مع الإنسان وتتمنى أن يكون معك مثل الذي معه فلا مانع من ذلك، وخاصة في أمر الخير.

    فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول لنا: لا حسد أي: لا غبطة إلا في أمرين اثنين، قال: (إلا في اثنتين: رجل علمه الله القرآن فهو يتلوه آناء الليل وآناء النهار، فسمعه جار له فقال: ليتني أوتيت مثلما أوتي فلان).

    فهنا يجوز للإنسان أن يتمنى أن يكون حافظاً للقرآن مثل فلان الذي يحفظه، ويتمنى من الخير لنفسه مثل هذا الخير الذي عند فلان فهذا الأمر الأول.

    الأمر الثاني: أن يكون إنسان له مال ينفقه في الحق، وفي سبيل الله سبحانه، ينفقه على الفقراء، والمساكين، وذوي القربى، واليتامى، وينفق في كل وجه من وجوه الخير، فهو لا يكتنز المال وإنما ينفقه.

    إذاً: معنى كلمة (فهو يهلكه في الحق) وفي الحديث الآخر: (فسلطه على هلكته) يعني: سلطه الله على هذا المال بالإنفاق ولا يمكن لإنسان أن ينفق لله عز وجل ويحرمه الله سبحانه، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ما نقص مال من صدقة) فالإنسان ينفق والله عز وجل يزيد من خيره وبركاته وفضله سبحانه. فيرى إنسان هذا الذي ينفق في سبيل الله فيتمنى أن يكون لديه مال مثل هذا الإنسان فينفق كنفقته. فهذا حسد جائز، أو هذه رخصة جائزة، لكن أن يغبط الإنسان على شيء من أمر الدنيا ويحسده عليها، فيتمنى له مثلما معه من أمر الدنيا، أو أن تزول نعمة هذا الإنسان، فهذا لا ينبغي. فلا ينبغي أن يتمنى زوال نعمة الغير، أو يتمنى أن يكون له حظ من الدنيا كحظوظ أهل الدنيا من اللهو واللعب واللغو؛ إذ لا ينبغي أبداً أن تتمنى ضياع وقتك وأن تلغو مثل فلان، ولذلك جاء في حديث آخر (اثنان هما في الأجر سواء، واثنان هما في الوزر سواء).

    فالذين في الأجر سواء رجلان: أحدهما عالم علمه الله عز وجل من القرآن وعلمه من السنة، فهو يعمل بعلمه، وأعطاه مالاً سبحانه وتعالى، فهو بعلمه ينفق ماله في كل وجوه الخير، ورجل آخر فقير ليس عنده مال ولا علم، فهو ينظر إلى هذا العالم الذي يتصدق وينفق فيقول: يا ليت لي مثل ما مع فلان، ولو كان لي مثل ما مع فلان لفعلت أكثر منه، فهذا فقير محروم ليس معه مال، لكن نيته صالحة.

    فهو النية الجميلة يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (هما في الأجر سواء، واثنان في الوزر سواء، رجل ليس عنده علم وعنده مال كثير، وينفق هذا المال في سبل الشر جميعها، ورجل ليس عنده علم وليس عنده مال فيقول: لو أن لي مثل ما عند فلان لفعلت أكثر منه -يعني من المعاصي والشرور والمصائب- فهما في الوزر سواء).

    فالإنسان إذا تمنى الشر أثم عند الله عز وجل إذا علم الله من نيته أنه لو مكن من هذا لفعل، أما من تمنى الشيء ثم تركه خوفاً من الله فهذا يؤجر، وتكتب له حسنة عند الله عز وجل.

    ولذلك فاحذر من تمني الشر، واحذر من حسد الناس وتمني زوال النعمة عنهم.

    وقالوا: ما رأينا ظالماً أشبه بمظلوم من الحسود. فالإنسان الحسود كلما رأى خيراً وصل لأحد حزن واغتاظ وكأنه مظلوم في هذا الأمر. فمثل هذا الرجل هو ظالم لنفسه وظالم لغيره ومتشبه بالمظلومين خسر الدنيا والآخرة، حيث حرم في الدنيا فلم يعط، وهو في الآخرة يحاسب على حسده للخلق. وربنا يقول لنا: أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ [النساء:54] أي: هذا فضل الله عز وجل يؤتيه من يشاء.

    1.   

    فضل قراءة القرآن

    من الأحاديث الجميلة في هذا المعنى حديث أسيد بن حضير ، ويروي هذا الحديث أبو سعيد الخدري .

    وفيه: أن أسيد بن حضير بينما هو ليلة يقرأ في مربده -والمربد: هو المكان الذي يجمع فيه التمر حتى ييبس فيه- فكان يصلي أسيد بن حضير بالليل في مربده، قال: إذ جالت فرسه أي: كانت فرسه مربوطة بجواره فإذا بالفرس تنفر وتضطرب وهي واقفة في مكانها، وكان ابنه بجوارها فخاف فسكت عن القراءة فسكتت الفرس، ثم قرأ القرآن مرة أخرى فإذا بالفرس تنفر مرة ثانية وأسيد بن حضير لا يعرف لماذا، فسكت مرة ثانية فسكتت الفرس، وفي المرة الثالثة سكت حيث خاف أن ترفس الفرس ابنه، فلما أصبح بالنهار ذهب للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: (يا رسول الله! بينما أنا البارحة في جوف الليل أقرأ في مربدي إذ جالت فرسي، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: اقرأ ابن حضير) أي: أكمل قراءتك، وكأنه يستحضر حاله بالأمس ويقول له: كنت ستكمل قراءتك فلماذا سكت؟ فقال له: أكملت القراءة ولكن الفرس زادت نفوراً، فقال له: (اقرأ ابن حضير) يعني: استحضر حال الأمس، بمعنى: لو كنت أكملت القراءة، فقال له: خشيت على يحيى فانصرفت، فلما أكمل القراءة أو الصلاة التي كان فيها انصرف ونظر في السماء وجد مثل الظلة أي: سحابة في السماء مليئة بالمصابيح وكانت هذه السحابة فوق رأسه وتدنو منه أثناء قراءته للقرآن، قال: رأيت مثل الظلة فيها أمثال السرج عرجت في الجو حتى ما أراها، وكان يقرأ القرآن حتى كانت السحابة من النور تنزل من السماء والفرس تراها وتنفر من مكانها، فهو يسأل ما هذه السحابة التي فيها النور كأمثال المصابيح؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (تلك الملائكة كانت تستمع لك، ولو قرأت لأصبحت يراها الناس ما تستتر منهم).

    فهنا قدر الله عز وجل أن تستتر حتى لا يرى الناس الملائكة، ولو أنه أتم قراءته ونزلت الملائكة تدنو منه لأصبح يراهم الناس لعرفوا أن الملائكة تستمع لكتاب الله سبحانه وتعالى وخاصة من حسن الصوت به.

    وفي رواية أخرى: (قال: فالتفت فإذا أمثال المصابيح مدلاة بين السماء والأرض. فقال: يا رسول الله! ما استطعت أن أمضي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: تلك الملائكة نزلت لقراءة القرآن، أما إنك لو مضيت لرأيت العجائب)، أي: لو مضيت في قراءتك لرأيت العجائب يعني: من نزول الملائكة من السماء إلى الأرض.

    والملائكة تنزل، ولكن قد تراها وقد لا تراها، بل أنت إذا قمت من جوف الليل فقرأت القرآن فإن الملك الذي معك يدنو منك يسمع القرآن الذي تقرأه، فإذا كنت في صلاة تقرأ وقد تسوكت ورائحة فمك طيبة فإنه يدنو منك حتى يجعل فمه على فمك، فلا تخرج منك آية إلا في فم الملك من حبه للقرآن.

    فلذلك على الإنسان المسلم أن يستعد لقراءة القرآن بأن يكون على وضوء، وأن يطيب فمه، وأن يحفظ كتاب الله سبحانه حتى يكون من أهل القرآن، بل من أهل الله سبحانه وتعالى.

    1.   

    بيان فضل أهل القرآن

    روى النسائي وابن ماجة والحاكم عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن لله أهلين من الناس قالوا: من هم يا رسول الله؟ قال: أهل القرآن هم أهل الله وخاصته) .

    فالإنسان المؤمن يحب أن يكون مع هؤلاء الذين يظلهم القرآن يوم القيامة عند ربه سبحانه يوم لا ظل إلا ظل ربك سبحانه.

    والمؤمن يحفظ كتاب الله قدر المستطاع، يحفظ منه ولا يراءي بعمله، ولا يطلب به الناس، فقد جاء في الحديث عن عمران بن حصين أنه مر على قارئ يقرأ، وبعد أن أكمل القراءة مد يده يسأل الناس، فقال عمران بن حصين : إنا لله وإنا إليه راجعون، ثم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من قرأ القرآن فليسأل الله به، فإنه سيجيء أقوام يقرءون القرآن يسألون به الناس) أي: سيأتي أقوام يقرأ الواحد منهم القرآن ليس لله عز وجل وإنما لأخذ أموال الناس، فحذر النبي صلى الله عليه وسلم من هؤلاء.

    1.   

    عموم ثواب حفظ القرآن لمن حفظه ولوالديه

    وجاء في حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم وإسناده فيه ضعف، ولكن له شواهد يرتقي بها إلى الحسن لغيره.

    عن بريدة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من قرأ القرآن وتعلمه وعمل به ألبس والداه يوم القيامة تاجاً من نور ضوءه مثل ضوء الشمس، ويكسى والداه حلتان لا تقوم لهما الدنيا، فيقولان: بم اكتسينا هذا؟ فيقال: بأخذ ولدكما القرآن)

    فحث أولادك على حفظ القرآن، سيما إذا لم تستطع أنت، واحرص على أن يكون حالهم مع القرآن هو كما ورد في الحديث: (من قرأ القرآن وتعلمه وعمل به) فهذا هو قارئ القرآن، أي: الذي يتعلم ويعمل.

    قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (ألبس والداه يوم القيامة تاجاً من نور ضوءه مثل ضوء الشمس) فهذا جزاء الوالدين، فكيف بالقارئ نفسه؟ وماذا سيكون له؟

    ولذلك يقول الإمام الشاطبي في قصيدته:

    فيا أيها القاري به متمسكاً مجلاً له في كل حال مبجلا

    هنيئاً مريئاً والداك عليهما ملابس أنوار من التاج والحلا

    فما ظنكم بالنجل عند جزاءه أولئك أهل الله والصفوة الملا

    أولو الفضل والإحسان والبر والتقى حلاهم به جاء القرآن مفصلا

    فقارئ القرآن من هؤلاء إذا كان أبوه وأمه يكسيان يوم القيامة كيف به هو وكيف بجزائه عند الله عز وجل؟

    لذلك احرص على حفظ كتاب الله عز وجل ما استطعت إلى ذلك سبيلا، وليكن حفظك لله ليس للرياء، ولا لأن يقال قارئ للقرآن، ليس لأن يقال صوته حسن، ولكن لله سبحانه وتعالى.

    نسأل الله عز وجل أن يجعلنا من أهل الله وخاصته.

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم.

    وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.