إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. أحمد حطيبة
  4. شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان 1426ه
  5. شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان - أحكام المساجد وآدابها [2]

شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان - أحكام المساجد وآدابها [2]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن المساجد لها أهميتها ومكانتها في هذا الدين، فهي شعار هذه الأمة، ورمز عبوديتها لله رب العالمين، ويكفي دليلاً على مكانتها أن كان أول عمل للنبي صلى الله عليه وسلم هو بناء المسجد ففيها تبنى الرجال، ويتعلم دين الله تعالى، ولذلك رغب الإسلام في بنائها، سواء أكان البناء حسياً أم معنوياً. ولباني المسجد المعنوي آداب يلتزم بها، وأخلاق يتخلق بها في هذه الأماكن، فهي بيوت الله وتستحق كل العناية والاحترام والتقدير.

    1.   

    آداب المساجد

    المنع من الخصومة في المساجد

    الحمد لله رب العالمين, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله, اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    أما بعد:

    آداب المساجد آداب عظيمة ينبغي للمسلم أن يحافظ عليها ويعرفها, وأن يتعلمها ويعلمها غيره, فهي من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, وحسن الخلق.

    فمن هذه الآداب: أن يمنع أهل المسجد من الخصومة فيه، والخصومة بمعنى: الاختصام، أي: أن يخاصم بعضهم بعضاً, ويشكو بعضهم بعضاً, ويرفعون أصواتهم فإنه ليس المسجد مكاناً لذلك.

    عدم جواز إنشاد الضالة والبيع في المساجد

    ومن آداب المساجد المنع من نشد الضالة فيها, فإذا أضاع شخص شيئاً فلا يرفع صوته، فالنبي صلى الله عليه وسلم دعا على من فعل ذلك وأمر بالدعاء عليه, فلا تعرض نفسك لأن يدعو عليك أحد من المسلمين, أو أن يستجاب لدعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك, قال صلى الله عليه وسلم كما في صحيح مسلم : (من سمع رجلاً ينشد ضالة في المسجد: فليقل: لا ردها الله عليك، فإن المساجد لم تبن لهذا)، فالذي لقي ضالة أو ضاع منه شيء فلا يقف في نصف المسجد ويقول: ضاع مني كذا, وإنما يخرج خارج المسجد فيقول هذا الكلام، وليس داخله، أو يأتي إلى إدارة المسجد فيضع الحاجة التي وجدها عندها، والذي ضاعت منه يذهب إلى المكان المخصص لذلك فيسأل عنها بعد ذلك.

    وكذلك جاء في الحديث عنه صلى الله عليه وسلم: (إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد فقولوا: لا أربح الله تجارتك, وإذا رأيتم من ينشد ضالة فقولوا: لا رد الله عليك ضالتك) .

    فإذاً: لا يجوز البيع في المسجد, ولكن إذا كان الإنسان عليه دين لآخر فلا بأس أن يقول له: خذ دينك فيعطيه؛ لأنه ليس هناك كلام كثير في هذا, وإذا كان هذا سيجلب الكلام الكثير فلا داعي له في المسجد، وكذلك إن كان سيرد لإنسان شيئاً ضاع منه من غير كلام في المسجد جاز, وإلا فليس المسجد محلاً لذلك.

    وفي صحيح مسلم من حديث بريدة : (أن رجلاً نشد في المسجد)، ومعنى نشد: أي رفع صوته, (فقال: من دعا إلى الجمل الأحمر؟)، الجمل شيء كبير، ومع ذلك لم يعذره النبي صلى الله عليه وسلم، (فلما قال ذلك, قال: لا وجدت! لا وجدت! إنما بنيت المساجد لما بنيت له). فإذا كان هذا جمل ضاع فكيف الذي تضيع منه حاجة تافهة ويقف في نصف المسجد ينادي: ضاع مني؟! هذا لا ينبغي له أن يقول ذلك.

    عدم رفع الصوت في المساجد

    روى البخاري عن السائب بن يزيد

    رضي الله عنه قال: (كنت قائماً في المسجد فحصبني رجل، قال: فنظرت فإذا عمر بن الخطاب ورجلان في آخر المسجد يرفعان أصواتهما حتى سمع عمر رضي الله عنه), فينبغي خفض الأصوات في المساجد، ولا يقل أحد: أنا رجل كبير في السن فسامحوني، فليس هناك فرق بين الكبير والصغير، فالمسجد له آداب ومن آدابه أن لا ترفع صوتك في بيت الله عز وجل, وأحياناً تقول لبعض الناس: اخفضوا أصواتكم، فيقول أحدهم: أنا الآن سأخرج، ويغضب عندما تنهره وتنهاه عن ذلك.

    وهذا عمر بن الخطاب صوته عال وممكن ينادي السائب بن يزيد

    : تعال يا سائب , اذهب إلى هذين الاثنين, ولكن عمر أدبه داخل المسجد أنه لا يرفع صوته فيه, فمن أجل أن ينادي السائب الذي بجواره أخذ حصى صغيرة من الأرض فحذفه بها، وعمل هذا عمر من أجل أن لا يرفع صوته في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم, فقال: اذهب فائتني بهما, فذهب السائب فجاء بهما إلى عمر ، فقال: من أنتما؟ أو من أين أنتما؟ قالا: من أهل الطائف, قال: لو كنتما من أهل البلد لأوجعتكما, ترفعان أصواتكما في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    فهذا أدب عمر رضي الله عنه، لم يناد ولم يقل: تعال يا سائب , وإنما أخذ حصى من الأرض فحذفه بها من أجل أن ينتبه, فكيف بنا نحن الذين نأتي إلى بيت ربنا فيقف الواحد وينادي على فلان من هنا، وعلى فلان من هنا, وإذا أراد أحد أن يدخل عمل إزعاجاً في المسجد, فهذا لا ينبغي، وقد نجد أحياناً بعض الشباب يجتمعون مع بعضهم جماعات قاعدين، جماعة هنا وجماعة هنا، وأصواتهم مرتفعة, وهذا لا يجوز في بيت الله عز وجل, فبيت الله تمكث فيه الملائكة فلابد من الآداب الشرعية, كذلك النساء عندما يخرجن من المسجد في الدور الثاني يزعجن الناس المصلين بالكلام، وكذا قبل صلاة الجمعة، فهذا لا ينبغي في بيت الله عز وجل, وإنما الذي ينبغي في بيت الله: الهدوء والسكينة والطمأنينة، كما قال تعالى: أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [الرعد:28] وإنما بنيت المساجد لما بنيت له, وهو: ذكر الله وما والاه، وعالم أو متعلم.

    صيانة المساجد مما يؤذيها والمصلين

    كذلك يصان المسجد عما يؤذيه ويؤذي المصلين، حتى من رفع الصبيان أصواتهم فيه, فالذي يأتي بابنه المسجد وهو يعلم أنه يلعب فلا يجوز له ذلك، والطفل الذي يفهم الصلاة كأن يكون ابن ثمان سنين أو تسع يؤتى به إلى المسجد ويؤدب بأن لا يرفع صوته، ولا يجري في المسجد ولا يوسخ فراشه، حتى يتربى الطفل مؤدباً في بيت الله، والمصلون عندما يرون الطفل مؤدباً يثنون على أبيه حيث أدبه وعلمه، وإذا كان الطفل يلعب في المسجد تكلموا على أبيه أنه ما أدبه ولا علمه، وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن هذا من عظيم المنكرات، أي: رفع الصبيان أصواتهم في المسجد، وتوسيخهم حصيره, فهذا بيت الله عز وجل فيجب علينا أن نلتزم بالآداب الشرعية فيه حتى نؤجر ويبارك لنا في أنفسنا وأولادنا، ويبارك لنا في الأدب. فإن الإنسان الذي يكون على خلق عظيم يكون مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم القيامة.

    عدم اتخاذ المساجد مكاناً لمزاولة الحرف

    كذلك يكره أن يتخذ المسجد مكاناً لحرفة من الحرف حتى لو كانت بسيطة، ففي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر إنما هي لذكر الله عز وجل والصلاة وقراءة القرآن).

    1.   

    حكم استلقاء الرجل في المسجد إحدى رجليه على الأخرى أمام غيره

    كذلك لا يجوز استلقاء النائم في المسجد على ظهره واضعاً إحدى رجليه على الأخرى بحيث تبدو عورته, ولا يتخذ المسجد مكاناً للنوم إلا المعذور والمضطر، أما غيرهما فالمسجد للصلاة، فلو أن إنساناً نام على ظهره رافعاً إحدى رجليه على الأخرى فلعل عورته تنكشف بسبب ذلك فلا ينبغي له ذلك، ولا يجوز أن يفعلها الإنسان في داخل المسجد, ولكن إن كان مستتراً ووضع إحدى رجليه على الأخرى من تعب فلا مانع من أن يفعل ذلك.

    وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أنه نهى عن اشتمال الصماء، والاحتباء بثوب واحد، وأن يرفع الرجل إحدى رجليه على الأخرى وهو مستلق على ظهره)، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه فعل ذلك، وأنه استلقى على ظهره ووضع إحدى رجليه على الأخرى، ولعله من تعب كان به.

    ولذلك يقول الحافظ في الفتح: والظاهر أن فعله صلى الله عليه وسلم كان لبيان الجواز، وكان ذلك في وقت الاستراحة لا عند مجتمع الناس؛ لما عرف من عادته من الجلوس بينهم بالوقار التام صلوات الله وسلامه عليه, فقد كان يجلس جلسة المتخشع المخبت المتواضع ويقول: (إنما أنا عبد آكل كما يأكل العبد، وأجلس كما يجلس العبد) صلوات الله وسلامه عليه.

    حكم تشبيك الأصابع في المسجد

    يكره تشبيك الأصابع في المسجد إلا للحاجة كأن يكون الإنسان يشرح درساً علمياً, ويحتاج للتمثيل، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً , وشبك بين أصابعه).

    ففعل الرسول صلى الله عليه وسلم هنا على وجه التمثيل للبيان، أما غير ذلك فقد نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم وقال: (إذا توضأ أحدكم فأحسن وضوءه ثم خرج عامداً إلى المسجد فلا يشبكن يديه فإنه في صلاة)، فإذاً: نُهينا عن التشبيك بين الأصابع لأننا في صلاة.

    وهل يجوز التمطط الجري مزعجاً الناس في الشارع؟ لا، كذلك عندما نأتي الصلاة، فلنكن في وقار, فقد نهينا أن نسرع إلى الصلاة؛ لأننا في صلاة ونحن في الطريق.

    استحباب عقد حلق العلم والمواعظ في المسجد

    يستحب عقد حلق العلم في المساجد وذكر الرقائق والمواعظ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر من وظائف المسجد: ذكر الله وما والاه, يعني: وما يتبع ذلك من صلوات وغيرها, وعالم ومتعلم, فالذي يجوز له رفع صوته في المسجد: العالم المدرس الذي يعلم الناس, وكذلك المتعلم الذي لعله يستفهم عن شيء لم يتضح له مما يقوله المعلم له, فهذا معلم وذاك عالم, وليس لغيرهم أن يرفعوا أصواتهم في بيت الله عز وجل.

    جواز التحدث في المسجد بالحديث المباح

    يجوز التحدث بالحديث المباح في المسجد وبأمور الدنيا، ولكل مقام مقال, فإذا كان الإنسان جالساً ينتظر الصلاة فلينشغل بذكر الله عز وجل, أما إذا كان في وقت ليس فيه صلاة وانتهى من ذكر الله عز وجل فلا بأس، كما كان الصحابة يجلسون بعد صلاة الفجر, فقد كانوا يصلون الصبح مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ثم بعد الصلاة يجلسون يذكرون الله عز وجل إلى أن تطلع الشمس, ثم ينتظرون إلى أن ترتفع, وفي خلال وقت الانتظار يجلسون يكلم بعضهم بعضاً, ولكن لا يرفعون أصواتهم ويزعج بعضهم بعضاً, فكانوا يفعلون ذلك, وقد يذكر أحدهم شيئاً مما كان عليه في الجاهلية مما يعجب منه ويضحك منه؛ فيضحكون ويتبسم النبي صلى الله عليه وسلم, فهذا جائز في مثل ذلك.

    حكم إنشاد الشعر في المسجد إذا كان فيه دفاع عن الدين

    يجوز إنشاد الشعر في المسجد إذا كان دفاعاً عن دين الله عز وجل، ومدحاً لرب العالمين ولسيد المرسلين صلوات الله وسلامه عليه, وتفهيماً للدين فهذا جائز, وقد فعل ذلك حسان رضي الله عنه في المسجد في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يسمع ذلك.

    وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن تناشد الأشعار في المسجد إذا كان لا علاقة لها بالدين ولا بالعلم؛ لأن المساجد لم تبن لذلك, وإنما هي لذكر الله وما والاه, أو لعالم أو متعلم.

    تنظيف المساجد وإزالة ما فيها من أذى

    يسن كنس المسجد وتنظيفه وإزالة ما يُرى فيه، والمسلم عليه أن ينظف بيت الله سبحانه وتعالى فلا يلقي الحصا ولا الشعر ولا التراب، وإذا دخل ينظر إلى حذائه إذا كان فيها تراب وخصوصاً في الصيف، فإذا كان في الحذاء تراب نظفها بإزالته ولا يؤذي أحداً عند تنظيفها، فإذا دخلت المسجد فضع الحذاء في المكان المخصص له، كذلك نظافة المسجد فلا تعتمد على من يكنسه فهذا الذي يعمل في المسجد ربما يكون واحداً أو اثنان وهذا قليل، فلا يقدر على أن يكنس ثلاثة أدوار في المسجد وينظفه إلا أن نساعده كلنا, وأن لا يرمي أحد شيئاً في المسجد حتى لا يؤذ غيره، وإذا وجد من ذلك شيئاً أزاله.

    ولا ينبغي للإنسان أن يرمي نوى التمر من طاقة المسجد إلى الشارع ويتعذر أن الناس كلهم يفعلون ذلك, بل لا بد أن يكون هناك فرق بينك وبين الناس, فضع النوى في مكانه المخصص له وأزله من الشارع، فإن في إزالة الأذى من الطريق أجر، وقد أخبر النبي صلوات الله وسلامه عليه في الحديث أن: (الإيمان بضع وسبعون شعبة أو بضع وستون شعبة، أعلاها لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق). فكأن الذي لا يميط الأذى عن الطريق قد فقد شعبة من شعب الإيمان, فهذا الذي يتركها في الطريق، فما بالك بالذي يضعها فيه؟!

    جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه دخل المسجد فرأى نخامة في القبلة، فاحمر وجهه صلوات الله وسلامه عليه, وأخذ عوداً فحكها، وجاءت امرأة من الأنصار فمسحتها، وجاءت بطيب وطيبت مكانها، فمدحها النبي صلى الله عليه وسلم وقال: (ما أحسن هذا!).

    فالإنسان الذي يكنس بيت الله سبحانه وتعالى وينظفه له أجر عظيم عند الله، ويكفي في فضيلته أن امرأة كانت تقم المسجد في عهد النبي صلى الله عليه وسلم, أي: ترفع القمامة أو أي شيء يؤذي المصلين من المسجد, فلما ماتت هذه المرأة كأن الناس احتقروها, فدفنوها من غير أن يؤذنوا بها النبي صلى الله عليه وسلم، فلما افتقدها سأل: أين فلانة؟ قالوا: ماتت ودفناها, فحزن النبي صلى الله عليه وسلم وقال: (إن هذه القبور مملوءة ظلمة على أصحابها، وإن الله ينيرها لهم بصلاتي عليهم, دلوني على قبرها, فدلوه على قبرها, فذهب يصلي عليها عند قبرها)، فصلى على هذه المرأة، مع أن هناك كثيراً ماتوا بالليل ودفنوا ولم يسأل عنهم، أو لما أخبروه سكت صلى الله عليه وسلم، لكن هذه المرأة لها فضيلة، فهي كانت تكنس مسجد النبي صلى الله عليه وسلم, وكأن الذي يكنس بيت الله عز وجل له فضيلة يستحق أن يحمد عليها، ويستحق أن يصلى عليه إذا مات ويدعى له, فالذي ينظف بيت الله تبارك وتعالى يعتبر من عمار بيوت الله، قال تعالى: إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ [التوبة:18].

    كذلك جاء عن جابر (أن رجلاً مر في المسجد بأسهم قد أبدى نصالها فأمره أن يأخذ بنصالها، لا يخدش المسلمين)، لأنه من الممكن أن يؤذي بها الناس في المسجد أو في الطريق, فأمره أن يمسك بالنصال حتى لا يؤذي أحداً من الناس وهو يسير داخل المسجد.

    البداءة بالمسجد والصلاة فيه عند القدوم من سفر

    كذلك من الآداب: أنك لو كنت مسافراً فأول ما تقدم تأتي المسجد وتصلي فيه ركعتين إن استطعت ذلك, فهذا خير، وهذا ما كان يفعله النبي صلى الله عليه وسلم إذا قدم من سفر، فإنه كان يبدأ بالمسجد فيصلي فيه ركعتين.

    استحباب استحضار نية الاعتكاف عند دخول المسجد والمكث فيه

    ينبغي للجالس في المسجد لانتظار صلاة أو الاشتغال بعلم أو غير ذلك أن ينوي الاعتكاف، فإن جمهور أهل العلم على أن الاعتكاف لا حد لأقله, فيجوز أن تعتكف ساعة أو أكثر من ذلك, وذهب بعض أهل العلم مثل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وغيره إلى أن أقل الاعتكاف يوم أو ليلة.

    والراجح: أنه لا دليل ينص على ذلك, والدليل الذي استدل به شيخ الإسلام رحمه الله، هو: أن عمر نذر أن يعتكف ليلة في الجاهلية، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (أوف بنذرك)، وهذا لا يكفي للتحديد، حتى نقول: إن أقل من ليلة ليس اعتكافاً.

    فإذا جئت إلى المسجد فيستحب لك أن تنوي الاعتكاف؛ لتحصل على أجر الاعتكاف وأجر انتظار الصلاة.

    ولا بأس بإغلاق المسجد في غير وقت الصلاة لصيانته, وهذا الذي يتعين الآن في زماننا حتى لا تمتهن، وتجد بعض المساجد اليوم إذا فتحت يدخل فيها الكثير من الناس ينامون ويستريحون فيها، فإذا أذن المؤذن للصلاة يذهب ولا يصلي، فلا يفتح المسجد لمثل هؤلاء، فتارك الصلاة لا يدخل المسجد يمتهن بيت الله، وبعضهم يدخن السيجارة في دورة المياه ينتهك حرمة بيت الله ويؤذي الملائكة، وإذا نصحته قال: هذا بيت الله أيش دخلك؟ فمثل هذا يمنع من دخول المسجد، ولا بأس بإغلاق المساجد من هؤلاء في غير أوقات الصلاة.

    صلاة ركعتين تحية للمسجد

    يكره لداخل المسجد أن يجلس حتى يصلي التحية, قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين)، فهذا الحديث لو كان وحده لكان دليلاً على وجوب تحية المسجد, وقد ذهب إلى ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.

    ولكن الراجح: أن هذا الحديث ليس وحده، وإنما جاء معه ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في ليلة المعراج: أن الله عز وجل قال في الخمس الصلوات المفروضات: (هن خمس في العمل وخمسون في الأجر -إلى أن قال:- أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي). فعلى ذلك لا يزاد على هذه الفريضة.

    فالراجح: أن هذه الصلاة سنة، وليست فرضاً. كذلك لما أرسل صلى الله عليه وسلم معاذاً في آخر حياته إلى اليمن -وتوفي النبي صلى الله عليه وسلم ورجع معاذ بعد وفاته- أرسله بخمس صلوات في اليوم والليلة, وأنه لا أكثر من ذلك، فقال صلى الله عليه وسلم: (فأخبرهم أن الله قد افترض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة).

    يتضح من ذلك: أنه إذا جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أحاديث تفيد لزوم صلاتي الوتر وتحية المسجد فإنها تحمل على الندب أو على شدة الاستحباب, وليس على الوجوب.

    كذلك كما ذكرنا قبل ذلك أنه ينبغي للقاضي أن لا يتخذ المسجد مجلساً للقضاء, فلا يُتحاكم فيه، ولا تقام فيه الحدود؛ حتى لا ترتفع الأصوات والله أعلم.

    وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين.