إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. علماء ودعاة
  3. محاضرات مفرغة
  4. أحمد حطيبة
  5. شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان 1426ه
  6. شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان - ليلة القدر وفضل قيامها

شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان - ليلة القدر وفضل قيامهاللشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • ليلة القدر هي أفضل ليالي السنة، ففيها يقدر الله عز وجل على العباد ما يكون في السنة المقبلة. وتكون ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان، ولها علامات ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديثه. ويستحب للمسلم في هذه الليلة أن يدعو الله عز وجل ويسأله العفو والعافية.

    1.   

    حكم من نذر أن يعتكف فمات قبل ذلك

    الحمد لله رب العالمين, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله, اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    مسألة: ما حكم من نذر أن يعتكف فمات قبل ذلك؟

    الجواب: من نذر اعتكافاً ومات قبل أن يوفيه فيستحب لأوليائه أن يعتكفوا عنه, لقول سعد بن عبادة رضي الله عنه قال: إن أمي ماتت وعليها نذر، وكان نذرها صوماً، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (اقضه عنها) فيستحب لأولياء المتوفى أن يصوموا عنه ما وجب عليه ولم يفعله من نذر أو من فريضة فرضها الله سبحانه وتعالى عليه من صيام أو حج مثلاً, فإذا نذر شيئاً من ذلك أو كان فرضاً عليه وكان قادراً عليه ولم يفعل ذلك في حياته فعله عنه أولياؤه وهذا استحباباً وليس فرضاً واجباً.

    1.   

    فضل ليلة القدر

    ليلة القدر هي أفضل ليالي السنة, والعبد المؤمن يستحب له أن يتحرى هذه الليلة قدر المستطاع، فهي ليلة واحدة في العام، فإذا أحياها كان له فضل قيام ألف شهر, وكأن الله سبحانه عوض هذه الأمة لقصر أعمارها بعبادات لها أجور كثيرة، وكانت الأمم التي قبلنا أعمارها طويلة, فقد عاش نوح على نبينا وعليه الصلاة والسلام ألف سنة, فهذه الأمة فيها قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين) فربنا عوض هذه الأمة بهذه الليلة, فمن أراد عبادة سنين طويلة لم يعشها فقد جعل الله له هذه الليلة العظيمة وحدها بعبادة ثلاث وثمانين سنة, تخيل لو أنك تعيش ثلاث وثمانين سنة هل تقدر أن تعبد الله عز وجل في الثلاث والثمانين سنة؟ هذا بعيد وصعب جداً, فالإنسان لا يقدر أن يعبد ربنا يوماً كاملاً ليل نهار، فكيف بألف شهر؟!

    والله جعل لك عبادة ثلاث وثمانين سنة أي: أجر ألف شهر كاملة، إذا قمت ليلة واحدة وهي ليلة القدر ولم يقل يوماً وليلة.

    لذلك على المؤمن أن يتحرى هذه الليلة بالعبادة لينال فيها عبادة ألف شهر خالصة, كما ذكر ربنا سبحانه لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ [القدر:3].

    قال ابن عباس : (العبادة فيها خير من العبادة في ألف شهر بصيام نهارها وقيام ليلها) أي: خير من عبادة ألف شهر ليس فيها ليلة القدر.

    سبب تسمية ليلة القدر بليلة القدر

    سميت ليلة القدر بليلة الحكم, لأن الله يحكم فيها بما يشاء, فهي ليلة قدر، قال الله فيها: فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ * أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ * رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [الدخان:4-6] فالله عز وجل يقدر في هذه الليلة بما في أيدي الملائكة من صحف ما قدره قبل أن يخلق الخلق, فينسخ من اللوح المحفوظ ما يكون من أعمال السنة, فتكتب الملائكة ما قدره الله عز وجل على العباد في خلال هذه السنة في ليلة القدر، قال تعالى: فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ [الدخان:4] قال العلماء: معناه أن الله تعالى يأمر الملائكة فيها أن تكتب في تلك السنة، وما يكون فيها من الأرزاق والآجال وغير ذلك, ويأمرهم بفعل ما هو من وظيفتهم، وكل ذلك قد سبق في علم الله سبحانه وتقديره, فسميت ليلة القدر بليلة الأقدار.

    وليلة القدر هي الليلة العظيمة القدر التي لها شأن عظيم عند الله وعند خلق الله سبحانه وتعالى, قال سبحانه: إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ [القدر:1-2] أي: ما أعظم هذه الليلة، فهي ليلة عظيمة لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ * تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ [القدر:3-4] الملائكة تنزل من السماء, والروح هو جبريل فهو روح القدس، فينزلون جميعاً من السماء إلى الأرض, ويسلمون على المؤمنين كما ذكر في أثر عن ابن عباس أنه قال: (يسلمون على كل مؤمن ومؤمنة -أو على كل مؤمن- إلا مدمن خمر أو مصراً على معصية أو كاهناً أو مشاحناً) فمن أصابه السلام غفر له ما تقدم من ذنبه.

    فالملائكة تنزل ونحن لا نراها، لكن نؤمن بما قاله ربنا سبحانه تبارك وتعالى.

    وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه) أي: من قام ليلة القدر مؤمناً بأنها الليلة التي ذكرها الله عز وجل في كتابه، -والله ذكر كلاماً صدقاً يعلمنا ويحثنا على العبادة- فهو مؤمن بذلك ومصدق أن هناك ليلة قدر في رمضان, وهي ليلة من ليالي هذا الشهر العظيم كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا قامها مؤمناً بها، وأنها خير من ألف شهر محتسباً أجرها, أي: طالباً الأجر من الله, لم يقم رياء وسمعة, وإنما قام يطلب من الله أن يؤجره على ذلك, غفر الله له ذنوب السنين الماضية كلها.

    فرحمة الله عظيمة واسعة, فالصيام يكفر الله عز وجل به الذنوب, كصيام يوم عرفة يكفر ذنوب سنتين.

    وصيام يوم عاشوراء يكفر ذنوب سنة, وقيام ليلة القدر يكفر الذنوب من ساعة ما يولد الإنسان حتى هذه الليلة, أي: ما تقدم من الذنوب، فمن قامها راجياً فضل الله سبحانه, تائباً إليه مؤمناً مصدقاً غفر له ما تقدم من ذنبه.

    1.   

    متى تكون ليلة القدر

    وليلة القدر منحصرة في العشر الأواخر، وجبريل أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك, لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعتكف من رمضان في أوله وفي وسطه فجاءه جبريل، وقال: أنت تطلب ليلة القدر وليست في الأول ولا في الوسط, إنما هي في آخر الشهر، فاعتكف النبي صلى الله عليه وسلم في آخر الشهر، فعرف الصحابة أنها في ليلة من ليالي العشر الأخيرة من الشهر.

    علامات ليلة القدر

    هنالك علامات لهذه الليلة، فقد جاء ذلك من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم, هذه العلامات لا تعرف قبلها ولكن تعرف بعدها, فمنها: أنها ليلة طلقة لا حارة ولا باردة, أي: أنها ليلة سهلة طيبة لا حارة شديدة الحرارة، ولا باردة عظيمة البرودة، ولكنها وسط بين الاثنين, والملائكة في تلك الليلة يكونون في الأرض مع العباد أكثر من عدد الحصى على الأرض, وتطلع الشمس صبيحة هذه الليلة بيضاء ليس لها كثير شعاع, أي: في وقت الشروق، فإنها تشرق قرصاً أبيضاً طالعاً أو قرصاً أحمراً طالعاً لا شعاع لها.

    ففي صحيح مسلم عن زر بن حبيش قال سمعت أبي بن كعب رضي الله عنه وقيل له: (إن عبد الله بن مسعود يقول: من قام السنة أصاب ليلة القدر -كأنه يحث الناس على قيام السنة كلها- فقالوا ذلك لـأبي بن كعب رضي الله عنه, فقال: والله الذي لا إله إلا هو إنها لفي رمضان فهو يحلف ولم يستثن، وابن مسعود شدد قليلاً من أنها في العام كله, ثم قال: ووالله إني لأعلم أي ليلة هي, هي الليلة التي أمرنا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم بقيامها).

    كأنه لم يسمع أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (هي ليلة سبع وعشرين) فهو أخذ بما أمرهم به النبي صلى الله عليه وسلم من قيام تلك الليلة إلى طلوع الفجر، فكانت ليلة سبع وعشرين, فظن أبي بن كعب أنها الليلة هذه فقط.

    والراجح في ذلك أنها ليلة متنقلة في العشر الأواخر من شهر رمضان؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أنزل القرآن لأربع وعشرين ليلة خلت من شهر رمضان) ففي ليلة أربع وعشرين أنزل القرآن إلى السماء الدنيا، والكتب السماوية كصحف إبراهيم نزلت في أول رمضان، وتوراة موسى في ستة من رمضان, وإنجيل عيسى في ثلاثة عشر من رمضان, والقرآن العظيم نزل في أربع وعشرين من رمضان, وقول النبي صلى الله عليه وسلم أنها في ليلة أربع وعشرين، وفي ليلة سبع وعشرين فقط.

    والراجح في ذلك أنها تتنقل في هذه الليالي الأخيرة من شهر رمضان, أما حديث أبي فواضح من كلامه أنه ليس نصاً عن النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما هو ما فهمه من النبي صلى الله عليه وسلم لما حثهم على أن يقوموا هذه الليلة فقاموها كلهم، وفي الصبح عرفوا أنها كانت ليلة القدر، فكانت ليلة سبع وعشرين وهذا لا ينافي أن تكون غير هذه الليلة.

    قال أبي بن كعب رضي الله عنه: هي ليلة صبيحة سبع وعشرين، وأمارتها: أن تطلع الشمس في صبيحة يومها بيضاء لا شعاع لها, ولعل البعض من الناس يقوم في صبيحة سبع عشرين ويرى الشمس وهي طالعة وهو ليس متعود أن يرى الشمس قبل ذلك في وقت الشروق، فإذا به يرى الشمس طالعة شعاعها خفيف أو أن لونها أحمر، فيقول: كانت الليلة ليلة القدر, فلا يعرف هذا إلا بمقارنة صبيحة كل ليلة, أي: صبيحة ليلة واحد وعشرين واثنين وعشرين إلى آخر الشهر، فإذا أصبحت والشمس بيضاء وشعاعها أخف ما يكون، فاعلم أن هذه الليلة كانت ليلة القدر, فلعلك ترى الشمس طالعة بيضاء وهي ومحجوبة وراء سحابة خاصة في فصل الشتاء، فتقول: ليلة البارحة هي ليلة القدر، وتترك القيام بعد ذلك.

    فإذا فعلت ذلك فقد ضيعت على نفسك وفرطت في أمرك, وحتى لو عرفت أن ليلة القدر كانت هذه الليلة التي أنت فيها، هل يكفي أن تقومها وتترك قيام ما بعدها؟ لا، فالنبي صلى الله عليه وسلم الذي غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر قال: (أفلا أكون عبداً شكوراً) فالمؤمن يتعلم من هدي النبي صلى الله عليه وسلم, فلو أن الله أرانا ليلة القدر فقمنا فيها لكان ينبغي علينا أن نقوم بعد ذلك شاكرين الله على ما وفقنا له, لا أن نسهو ونترك ونغفل ونرجع إلى اللعب مرة أخرى.

    ومن الأحاديث التي جاءت في ذلك، حديث ابن عباس رضي الله عنه وهو في الطيالسي قال: (ليلة القدر ليلة سمحة طلقة، لا حارة ولا باردة، تصبح الشمس صبيحتها ضعيفة حمراء) وفي رواية لـأبي داود : (تصبح الشمس صبيحة تلك الليلة مثل الطست ليس لها شعاع حتى ترتفع)، وفي حديث آخر قال: (إنها ليلة سابعة أو تاسعة وعشرين) أي: توقعوها ما بين ليلة سبع وعشرين أو ليلة تسع وعشرين من شهر رمضان.

    والملائكة في تلك الليلة أكثر من عدد الحصى, والنبي صلى الله عليه وسلم ذكر أن القرآن نزل ليلة أربع وعشرين, وكأنه لما خاف أن الناس يتحروا هذه الليلة فقط, قام النبي صلى الله عليه وسلم الليالي الأخرى وحثهم على الاجتهاد فقد تكون ليلة سبع وعشرين أو ليلة تسع وعشرين, وقد تكون آخر الشهر.

    1.   

    ما يستحب في هذه الليلة

    الذي يقوم هذه الليلة يستحب له أن يدعو الله سبحانه كما علم النبي صلى الله عليه وسلم عائشة بأن تقول: (اللهم إنك عفو كريم تحب العفو فاعف عني)، ويستحب للإنسان أن يكون هذا الدعاء على لسانه لأن النبي صلى الله عليه وسلم حثنا على سؤال الله سبحانه العفو والعافية فقال: (سلوا الله العفو والعافية).

    1.   

    الأحاديث التي فيها تحري ليلة القدر

    وفي الصحيحين عن ابن عمر أن رجالاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أروا ليلة القدر في المنام في السبع الأواخر, فذهبوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليخبروه بذلك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (أرى رؤياكم قد تواطأت في السبع الأواخر فمن كان متحريها فليتحرها في السبع الأواخر) ولو كان يعرف أي ليلة هي لأخبرهم صلى الله عليه وسلم، ولكنه مرة رأى رؤيا منامية فلما أصبح ذهب ليخبرهم بها فنسيها.

    وفي الصحيحين عن أبي سعيد الخدري : (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجاور في رمضان العشر التي في وسط الشهر, فإذا كان حين يمسي من عشرين ليلة تمضي ويستقبل إحدى وعشرين رجع إلى مسكنه) ومعنى يجاور: يعتكف، أي: كأنه كان يبقى معتكفاً, من يوم عشرة من الشهر إلى يوم عشرين, وليلة واحد وعشرين يكون في بيته عليه الصلاة والسلام، فكان يعتكف العشر الوسطى من الشهر, قال أبو سعيد الخدري : (وأنه أقام في شهر جاور الليلة التي كان يرجع فيها فخطب الناس) أي: في ليلة واحد وعشرين كان يرجع إلى بيته إلا في هذه السنة فإنه اعتكف، فخطب بالناس فقال: (كنت أجاور هذه العشر ثم قد بدا لي أن أجاور هذه العشر الأواخر -أي: العشر الأخيرة من رمضان- فمن كان اعتكف معي فليثبت في معتكفه، وقد أريت هذه الليلة) فالعلة في الاعتكاف من أجل ألا تضيع عليه ليلة القدر.

    وقال لأصحابه: (قد أريت هذه الليلة ثم نسيتها) أي: أنه صلى الله عليه وسلم رأى في المنام أن ليلة كذا هي ليلة القدر, فلما أصبح الصبح وهو ذاهب إلى أصحابه يحدثهم بها، فرأى اثنان يتعاركان فرفع عنه علم هذه الليلة في هذه السنة, ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: (فابتغوها في العشر الأواخر -أي: العشر الأواخر شفعاً ووتراً- وابتغوها في كل وتر -أي: أكثروا من العبادة خاصة في الليالي الوترية- وقد رأيتني أسجد في ماء وطين) أي: أنه رأى في المنام أنه ساجد في هذه الليلة في ماء وطين صلى الله عليه وسلم، وكان قد أخبر عن هذه الليلة في هذا العام فلما خرج نسيها عليه الصلاة والسلام لأنه قال في رواية: (فجاء رجلان يحتقان معهما الشيطان) أي: يتعارك كل واحد مع الآخر، فيقول الأول: هذا حقي، ويقول الثاني: هذا حقي, فاختصما أمام النبي صلى الله عليه وسلم، وجاء معهما الشيطان فنسي النبي صلى الله عليه وسلم هذه الليلة في ذلك العام, ولكن ذكر في الرؤيا أن هذه الليلة سيقوم فيها من سجوده وعلى جبهته أثر ماء وطين, فاستهلت السماء ليلة من ليالي العشر الأواخر من رمضان أي: أمطرت، (فبصرت عيني رسول الله صلى الله عليه وسلم ونظرت إليه -أي: بعدما انتهى من صلاة الصبح- ووجهه ممتلئ طيناً وماء) يعني أن النبي صلى الله عليه وسلم سجد على أرض المسجد, وكان فيه حصى ولم يكن فيه سجاد ولا موكيت، فحولت السماء أرض المسجد من تراب إلى طين، فسجد النبي صلى الله عليه وسلم على الأرض, فانصرف من صلاته وعلى وجهه أثر الماء والطين فعرفوا أن البارحة كانت ليلة القدر, لأن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أنه رأى في المنام أنه على جبهته في صبيحتها الماء والطين.

    وكانت هذه الليلة كما قال رضي الله عنه: (ليلة إحدى وعشرين)، والصواب من قول أهل العلم أنها ليلة متنقلة وليست ثابتة, فهي ليست ليلة سبع وعشرين فقط، بل هي ليلة متنقلة من ليلة إحدى وعشرين إلى آخر الشهر شفعاً ووتراً كما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديثه.

    وقال صلى الله عليه وسلم: (هي في تسع يمضين أو في سبع يبقين -يعني: ليلة القدر-).

    وفي حديث آخر قال: (التمسوها في العشر من رمضان، في تاسعة تبقى, في سابعة تبقى, في خامسة تبقى) هذه الليالي يكون عدها من آخر الشهر إلى أول الشهر, فتاسعة تبقى إذا كان الشهر ثلاثين يوماً وستكون ليلة إحدى وعشرين, وإذا كان تسعة وعشرين يوماً ستكون ليلة عشرين, أو إذا كان الشهر ثلاثين يوماً ستكون ليلة اثنين وعشرين, والتاسعة الباقية منها، فكأنه جعلها بين الشفع والوتر, فمن تحري ليلة إحدى وعشرين، فليتحر معها ليلة اثنين وعشرين, وسابعة تبقى أي: يتحرى ليلة ثلاث وعشرين وأربع وعشرين، فكأن النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن تقام جميع الليالي الأخيرة ولا يفرط فيها لكي تدرك هذه الليلة.

    وقوله صلى الله عليه وسلم في التاسعة تبقى والسابعة والخامسة يكون العد فيها من أول العشر، أي: من واحد وعشرين، فتلتمس ليلة خمسة وعشرين وسبعة وعشرين وتسعة وعشرين, أو ليلة واحد وعشرين وثلاث وعشرين وخمسة وعشرين.

    وجاء عنه صلى الله عليه وسلم في حديث آخر في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن أنيس رضي الله عنه قال: (فمطرنا ليلة ثلاث وعشرين، فصلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فانصرف وإن أثر الماء والطين على جبهته وأنفه) هذه ليلة القدر للمرة الثانية وكانت في سنة أخرى, وفي الحديث الذي مضى كانت في ليلة إحدى وعشرين, وفي هذا الحديث الذي في صحيح مسلم كانت في ليلة ثلاث وعشرين, وجاء عنه صلى الله عليه وسلم أن نزول القرآن كان ليلة أربع وعشرين.

    نذكر هذا حتى لا يتحرى المتحري ليلة سبع وعشرين فقط فيضيع على نفسه خيراًً كثيراً، ولكن الحرص يكون على الليالي الأخيرة كلها بالصلاة لله عز وجل, سواء كان ذلك في المسجد أو في البيت.

    وروى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (تذاكرنا ليلة القدر عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أيكم يذكر حين طلع القمر وهو مثل شق جفنة) أي: أنهم كانوا يتذاكرون ليلة القدر بعد أن انتهى رمضان فقال لهم: إنها في الليلة التي طلع القمر فيها مثل شق الجفنة.

    وفي حديث آخر قال: (التمسوها في العشر الأواخر لتسع يبقين أو لسبع يبقين أو لخمس يبقين أو لثلاث أو آخر ليلة) أي: أنها تلتمس في ليلة إحدى وعشرين وثلاث وعشرين وخمس وعشرين وسبع وعشرين وتسع وعشرين وليلة ثلاثين؛ فيمكن أن تكون هي ليلة القدر, ولأن المسلم قد يقول: رمضان انتهى فلماذا أقوم؟ فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنها قد تكون في آخر ليلة, فالمؤمن يحرص على أن يصلي هذه الليلة من أجل أن يصيبها، وليواظب على قيام العشر الأواخر من رمضان.

    وجاء عن بعض الصحابة وهو عبد الله بن أنيس أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (يا رسول الله إن لي بادية أكون فيها -له إبل في البادية ولا يستطيع أن يتركها كل يوم ويقعد مع النبي صلى الله عليه وسلم- فأخبرني عن ليلة آتي أصلي معكم في المسجد، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم انزل ليلة ثلاث وعشرين) فكانت هذه الليلة في ذلك العام هي ليلة القدر، وواظب الرجل على هذه الليلة في كل عام.

    وقال غيره من الصحابة: إنه كان يجتهد في العشرين من رمضان، فإذا دخل العشر اجتهد، قال أبو بكرة رضي الله عنه: ما أنا ملتمسها لشيء سمعته من النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلا في العشر الأواخر, أي: لن يلتمسها في أول رمضان بل في آخر رمضان, قال: فإني سمعته يقول: (التمسوها في تسع يبقين أو في سبع يبقين أو في خمس يبقين أو في ثلاث أو آخر ليلة) أي: سيكون حساب الشهر من ليلة واحد وعشرين إلى آخر ليلة، وكان أبو بكرة راوي هذا الحديث يصلي في العشرين من رمضان كصلاته في سائر السنة, أي: أنهم كانوا متعودين على قيام الليل في السنة كلها, فإذا كان في العشر أو دخل العشر اجتهد فيها، وهذا هو ما علمهم النبي صلى الله عليه وسلم، (فقد كان صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر شد المئزر) وهذا كناية عن اعتزاله النساء في هذه العشر الأواخر من رمضان.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    2987766920

    عدد مرات الحفظ

    716612243