إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. علماء ودعاة
  3. محاضرات مفرغة
  4. أحمد حطيبة
  5. شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان 1426ه
  6. شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان - صلاة الوتر وما يقرأ فيها وأحكام القنوت

شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان - صلاة الوتر وما يقرأ فيها وأحكام القنوتللشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن صلاة الوتر من النوافل الرواتب، وفضلها عظيم، والأحاديث والآثار فيها كثيرة، فيجوز أن يصليها ركعة ويجوز أن يوتر بثلاث وخمس وسبع وتسع. فإذا أوتر بثلاث فإنه يقرأ فيها في الأولى بسورة الأعلى، وفي الثانية بسورة الكافرون، وفي الثالثة بسورة الإخلاص.

    1.   

    استحباب صلاة الوتر

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين.

    تكلمنا عن صلاة التراويح سابقاً وذكرنا أنها تسمى بصلاة التراويح، وتسمى بصلاة القيام، وهي نفسها صلاة الوتر، وإن إذا ذكرنا أنه كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي ركعتين ركعتين ويوتر بواحدة فنقصد هنا بالواحدة الوتر، وهي آخر ما يصليها صلى الله عليه وسلم، أو الثلاث الوتر آخر ما يصليها صلى الله عليه وسلم، والوتر عكس الشفع.

    فصلاة التروايح وإن كانت إحدى عشرة ركعة أو ثنتي عشرة ركعة إلا أنها تسمى بصلاة الوتر لأنها تختم بالوتر، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي ثمان ركعات ويختم بثلاث وهي الوتر، وكان الغالب من حاله صلى الله عليه وسلم أن يصلي ركعتين ركعتين في صلاة القيام، ويوتر بركعة واحدة صلوات الله وسلامه عليه.

    روى مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي فيما بين أن يفرغ من صلاة العشاء، وهي التي يدع الناس العتمة)، وهذا التفسير لأن البعض كان يسمي المغرب العشاء، ويسمي العشاء العتمة، وهؤلاء الأعراب، فكأنها أرادت أن تبين من أجل ألا يخطئ أحد فيظن أن العشاء هي المغرب، قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي فيما بين أن يفرغ الناس من صلاة العشاء وهي التي يدع الناس العتمة إلى الفجر إحدى عشرة ركعة، يسلم بين كل ركعتين، ويوتر بواحدة).

    وقال: ابن عمر رضي الله عنه: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفصل بين الوتر والشفع بتسليمة، ويسمعناها).

    يجوز أن تقول: الوِتر والوَتر، ففيها لغتان، فله في صلاة أن يوتر بثلاث وخمس ولا يجلس ولا يسلم إلا في الأخيرة، وهذا جاء عنه صلى الله عليه وسلم فيما رواه أبو داود عن أبي أيوب الأنصاري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الوتر حق)، وكأنه يقول: لا تتركها، ولكن لم يقل ذلك على وجه الإلزام فإن النبي صلى الله عليه وسلم سأله الأعرابي وسأله غيره عن الصلوات المفروضات، فأخبر أنها خمس صلوات في اليوم والليلة.

    وذهب معاذ إلى اليمن في آخر حياة النبي صلى الله عليه وسلم ولم يرجع إلا بعدما مات النبي صلى الله عليه وسلم، فكان آخر ما بعثه النبي صلى الله عليه وسلم به أن يقول للناس: إن الواجب والفرض الذي عليكم هو الصلوات الخمس، فليس هناك فرض آخر إلا أن يكون بسبب كصلاة الجنازة مثلاً أو نحو ذلك، وأما صلاة النوافل كلها من رواتب وغير رواتب فهي نافلة، والوتر أيضاً من ضمن السنن، ولكن لا ينبغي أن تترك، وقد واظب النبي صلى الله عليه وسلم عليها حضراً وسفراً، فكان وهو حاضر يصلي سنة الفجر والوتر، وكذلك وهو مسافر أيضاً، مع أن الرواتب الأخرى كان يسقطها ولا يصليها في السفر صلى الله عليه وسلم، لكن صلاة الليل، وسنة الفجر، وصلاة الوتر ما كان يتركها صلى الله عليه وسلم لا في السفر ولا في الحضر.

    قال صلى الله عليه وسلم: (الوتر حق على كل مسلم)، لو جاء هذا الحديث فقط لكان الوتر لازماً على كل مسلم، ولكن يمنعنا من القول بالوجوب هنا -وإن كان الأحناف قد قالوا بالوجوب- أنه قد جاءت صوارف لهذا الوجوب كقول النبي صلى الله عليه وسلم للأعرابي: (خمس صلوات في اليوم والليلة، فقال الرجل: هل علي غيرها؟ قال: لا إلا أن تطوع)، فدل على أن غيرها تطوع، وهذا الوتر من التطوع الذي لا يلزم، وإنما يتأكد استحبابه.

    وأيضاً من الأدلة على عدم الوجوب قضاء الله سبحانه المبرم المحكم في ليلة المعراج، حيث قال: (هن خمس، أمضيت فريضتي، وخففت عن عبادي)، إذاً فليس هناك زيادة على الخمس الصلوات التي فرضها الله عز وجل على النبي صلى الله عليه وسلم.

    فقوله هنا: (الوتر حق) مصروف عن الوجوب والإلزام إلى الاستحباب، وفيه تأكيد الاستحباب. ومما يدل على الاستحباب أيضاً قوله: (فمن أحب أن يوتر بخمس فليفعل، ومن أحب أن يوتر بثلاث فليفعل، ومن أحب أن يوتر بواحدة فليفعل)، فدل على الاستحباب لأنه راجع إلى مشيئة العبد.

    1.   

    عدد الركعات في صلاة الوتر

    يجوز أن يصلي المسلم الوتر ثلاث ركعات متصلات، أو خمس ركعات متصلات، أو ركعة واحدة فقط، فهذا كله جائز.

    روى النسائي عن ابن عباس عن أم سلمة رضي الله عنها: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوتر بسبع أو خمس لا يفصل بينهن بتسليم).

    إذاً: كان صلى الله عليه وسلم إذا زاد على ثلاث كأن يصلي خمس أو سبع ركعات كان لا يفصل بينهن بتسليم، فكان يصلي النافلة بعد العشاء ثمان ركعات: ركعتين وركعتين وركعتين، ثم يوتر بخمس متصلات يجلس في الرابعة والخامسة، وكذلك إذا صلى سبع ركعات متصلات فإنه يجلس للتشهد في السادسة والسابعة، وإذا صلى تسع ركعات فإنه يجلس في الثامنة والتاسعة، وكان إذا صلى سبعاً متصلات أو تسعاً متصلات فإنه يصلي بعدهن ركعتين، لبيان جواز ذلك.

    ويجوز إذا أوتر بخمس ركعات متصلات ألا يجلس إلا في الخامسة فقط كما في حديث عائشة رضي الله عنها، ويجوز أن يجلس في الأخيرة وقبل الأخيرة، فقد جاء أنه صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك.

    روى النسائي عن أبي بن كعب رضي الله عنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في الوتر سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى [الأعلى:1]، وفي الركعة الثانية بـ قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ [الكافرون:1]، وفي الثالثة: بـ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص:1]، ولا يسلم إلا في آخرهن، ويقول - يعني: بعد التسليم -: سبحان الملك القدوس ثلاثاً)، فهذه سنة من سننه.

    وفي حديث آخر: كان يقرأ: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص:1]، وقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ [الفلق:1]، وقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ [الناس:1]، والأمر واسع.

    وأيضاً روى الدارقطني عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا توتروا بثلاث، أوتروا بخمس، أو بسبع، ولا تشبهوا بصلاة المغرب).

    هذا الحديث يؤخذ منه أن الأفضل ألا يوتر بثلاث ركعات متصلات، وهذا جائز، فقد جاء من فعله صلى الله عليه وسلم، فهنا يقول: لا تجعل الوتر مثل صلاة المغرب، فصلاة المغرب تجلس فيها بعد الركعة الثانية، ثم تقوم للثالثة، ثم تجلس في الثالثة، فهنا يقول: لا تشبه الوتر بصلاة المغرب، أي: لا تصلي ثلاث ركعات، ولكنه صلى الله عليه وسلم قد فعل هذا.

    فالمعنى الآخر: أنك لا تجلس في الركعة الوسطى منها، ويجوز أن تجلس في الأخيرة والتي قبل الأخيرة في الخمس ركعات والسبع الركعات.

    وله أن يوتر بسبع وبتسع متصلات لا يجلس إلا في الأخيرتين، فقد جاء عن السيدة عائشة رضي الله عنها أنها أخبرت بذلك، فقالت: (كان يوتر بثمان ركعات لا يجلس إلا في الثامنة، ثم يقوم فيصلي ركعة أخرى لا يجلس إلا في الثامنة والتاسعة)، وهذه الصلاة كان يصليها وحده صلى الله عليه وسلم، ولم يكن يصليها بالناس.

    فإذا كنت إماماً للناس فلا يستحب لك ذلك، بل المستحب أن تصلي ركعتين ركعتين، ولو كان فعل هذا مستحباً بالناس لفعله النبي صلى الله عليه وسلم بالناس، وإنما فعل هذا وحده، ولذلك أخبرت السيدة عائشة عن ذلك، فكان صلى الله عليه وسلم يصلي صلاة طويلة، وأما مع الناس فيصلي تسع ركعات، فلعل الإنسان يحدث في الصلاة فإذا صلى الإمام ركعتين ركعتين يذهب المحدث ليتوضأ، ولو صلى الإمام أكثر فإن المأموم سيتحسر على ما فاته فيها، فلذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: (صلاة الليل والنهار مثنى مثنى) ، إذاً: فالمستحب أن تصلي هذه الصلاة في البيت، فيجلس الإنسان في الثامنة والتاسعة إذا كانت تسع ركعات، وإذا كانت سبع ركعات جلس في السادسة والسابعة، وسلم في الأخيرة.

    قالت: (ثم يصلي ركعتين وهو جالس) تعني: إذا صلى تسع ركعات متصلات وقد تعب من التسع الركعات المتصلات، فإنه يقوم يصلي بعدها ركعتين وهو جالس صلوات الله وسلامه عليه، وكذلك إذا صلى سبع ركعات، قالت: (ولم يقرأ القرآن في ليلة قط) تعني: لم يقرأ القرآن كله في ليلة، لكن أقصاه أنه كان يقرأ بالسبع السور الطوال من القرآن: البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنعام، والأعراف، والأنفال، وبراءة، يقرأ هذا كله في قيام الليل، أي: أنه يقرأ بأكثر من ألف آية عليه الصلاة والسلام، لكنه لم يكن يقرأ القرآن من أوله إلى آخره في ركعة كما جاء عن بعض أصحابه أنه فعل ذلك، كـعثمان وعبد الله بن عمرو ، فهو نفسه صلى الله عليه وسلم لم يفعل ذلك؛ حتى لا يشق على أمته صلوات الله وسلامه عليه.

    تقول عائشة رضي الله عنها: (ولم يصم شهراً يتمه غير رمضان)، فالشهر الوحيد الذي صامه تاماً هو رمضان، وهذا يشكل عليه ما جاء عنها هي: (أنه كان يصوم أكثر شعبان أو كان يصومه كله) فلم يكن يداوم كل سنة على صيام شعبان كله، فأحياناً كان يصوم شعبان كله وأحياناً كان يكثر من الصوم في شعبان، (وكان إذا صلى صلاة داوم عليها)، (كان أحب العمل إليه أدومه وإن قل) صلى الله عليه وسلم، (وكان إذا غلبته عيناه من الليل بنوم صلى من النهار ثنتي عشرة ركعة).

    1.   

    من نام عن صلاة الوتر أن نسيها

    كان صلى الله عليه وسلم إذا غلبته عيناه يعني: إذا تعب بالنهار في الإصلاح بين الناس، أو في الجهاد في سبيل الله، أو في أمر من الأمور فتعب صلى الله عليه وسلم فجاء آخر الليل ولم يستطع أن يقوم فنام وغلبته عيناه، فهنا كان يصلي في النهار ثنتي عشرة ركعة مكان صلاة الليل وهي إحدى عشرة، فالنهار ليس فيه وتر إلا المغرب، فكان يصلي في وقت الضحى ثنتي عشرة ركعة صلوات الله وسلامه عليه.

    وقد حث النبي صلى الله عليه وسلم على صلاة الوتر قبل طلوع الصبح وقال: (أوتروا قبل أن تصبحوا) ، رواه مسلم .

    وقال: (من نام عن الوتر أو نسيه فليوتر إذا ذكر أو استيقظ)، فإذا كان الإنسان متعوداً أن يصلي صلاة الوتر، ثم نسيه في مرة من المرات أو نام ولم يستيقظ إلا بعد طلوع الفجر فإنه يستحب له إذا قام من الليل أن يصلي ركعة الوتر، سواء قام قبل الفجر أو بعد أن يؤذن الفجر، ثم يصلي سنة الصبح، ثم صلاة الصبح بعد ذلك.

    وروى ابن أبي شيبة عن معاوية بن قرة رضي الله عنه قال: (جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! إني أصبحت ولم أوتر، فقال: إنما الوتر بالليل)، هذا ليبين له أن الأمر ليس بالتشهي، وكأن الرجل اعتاد أن يوتر كل يوم، وهذه المرة غلبته عيناه، فذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم يخبره بذلك، وقد صعب عليه هذا الذي وقع فيه فبعدما ألح الرجل في السؤال مرة واثنتين وثلاثاً وأربعاً قال له النبي: (فأوتر).

    وفي حديث آخر رواه ابن خزيمة عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من أدرك الصبح ولم يوتر فلا وتر له)، فهذا الحديث مع الحديث الذي قبله فيهما تضييق في أمر الوتر، فإذا تركته عمداً إلى أن طلع الصبح، فقد انتهى وقته، ولا وتر بعد ذلك، لكن من كانت عادته أن يصلي الوتر فغلبته عيناه يوماً فهذا يأخذ بالحديث الذي فات على شيء من التضييق؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأذن له إلا بعدما ألح الرجل ثلاث مرات أو أربع مرات، إذاً فالأصل هو عدم تضييع الوتر، فإذا أخرت الوتر متعمداً إلى أن طلع الفجر فقد انتهى وقته.

    1.   

    القراءة في صلاة الوتر

    وقد ذكرنا سابقاً ما هو الذي يقرأه في الوتر، وأيضاً روى الترمذي عن عبد العزيز بن جريج قال: سألنا عائشة : (بأي شيء كان يوتر رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت: كان يقرأ في الأولى بـ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى [الأعلى:1]، وفي الثانية بـ قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ [الكافرون:1]، وفي الثالثة: بـ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص:1] والمعوذتين).

    وكان أحياناً يوتر بغير ذلك، فروى النسائي عن أبي مجلز : (أن أبا موسى الأشعري رضي الله عنه كان بين مكة والمدينة فصلى العشاء ركعتين، ثم قام فصلى ركعة أوتر بها، فقرأ فيها بمائة آية من النساء، ثم قال: ما ألوت أن أضع قدمي حيث وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم قدميه وأنا أقرأ بما قرأ به رسول الله صلى الله عليه وسلم).

    وأيضاً يجوز أن يقرأ: قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ [آل عمران:64]، في الثانية، ويقرأ في الركعة الأولى: قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ [البقرة:136].

    إذاً: فأمر الوتر واسع فسواء قرأ بآية في الأولى بعد الفاتحة وآية في الثانية بعد الفاتحة، وختم في الأخيرة بـ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص:1]، أو قرأ بآية واحدة من ذلك، أو قرأ بمائة آية من سورة النساء، وأفضل شيء أنه يقرأ بما واظب عليه النبي صلى الله عليه وسلم، فقد كان يقرأ عليه الصلاة والسلام بـ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى [الأعلى:1].

    وجاء أن القراءة بـ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا [آل عمران:64]، وقوله: قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ [البقرة:136]، كان يقرأ بها في ركعتي الفجر، وكذلك: قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ [الكافرون:1]، وقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص:1] لأن هذه الآيات بالليل لها فضيلة، فقرها النبي صلى الله عليه وسلم في سنة الفجر، وقرأ في الوتر بمائة من النساء، وقرأ بـ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص:1] وبالمعوذتين.

    ويستحب لمن فاته قيام الليل أن يصلي بدله من النهار كما ذكرنا عن النبي صلى الله عليه وسلم، فقد جاء عنه: (من نام عن حزبه أو عن شيء منه فقرأه فيما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر، كتب له كأنما قرأه من الليل). وملخص ما مضى في الوتر وفي سنة الفجر: أما الوتر فهو إحدى عشرة ركعة، وما جاء أنه صلى ثلاث عشرة فهو محمول على أنها سنة الفجر، أو أنهما ركعتان زائدتان كان يصليهما النبي صلى الله عليه وسلم، ويجوز أن يصلي أكثر من ثلاث عشرة.

    والوتر يقرأ فيها بما شاء من القرآن، ولكن أفضل شيء فعله النبي صلى الله عليه وسلم، أنه كان يقرأ بـ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص:1]، وقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ [الفلق:1]، وقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ [الناس:1]، وهذا في الركعة الوحيدة للوتر، وإذا كان في الثلاث الركعات فيقرأ: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى [الأعلى:1] في الأولى، والثانية: قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ [الكافرون:1]، والثالثة: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص:1]، أو قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص:1] والمعوذتين يقرأهما.

    فإذا أطال في ركعة الوتر جاز أن يقرأ من سورة طويلة كأن يقرأ سورة النساء، وجاز أن يقرأ أقل من ذلك بما يتيسر له، لكن هذه سنته صلى الله عليه وسلم.

    وإذا كان في رغيبة الفجر، وهما الركعتان بعد الوتر، فقرأ النبي صلى الله عليه وسلم بـ قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ [الكافرون:1] وقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص:1]، في الشفع وأيضاً في الوتر، وفي سنة الفجر كذلك: قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ [آل عمران:64]، قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ [البقرة:136] وسنة الفجر تعتبر من صلاة الليل لأنها في الغلس.

    والقراءة في التراويح يقرأ بما شاء من القرآن، ولكن استحب جماهير العلماء أن يختم القرآن في صلاة التراويح ولو مرة في رمضان.

    يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: أما قراءة القرآن في التراويح فمستحب باتفاق أئمة الإسلام، بل إن من أجل مقصود التراويح قراءة القرآن كله فيها كي يسمع المسلمون كلام الله إذا وهذا له نظير في السنة أن المسلم يسمع القرآن كله ولو مرة، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يذاكره جبريل القرآن كله فيه، وبعض الناس يقول: لماذا تقرأ القرآن كله ولم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم؟ والجواب: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصل بالمسلمين رمضان كله، ولو صلى بهم لعرف ذلك، فنقول: إن هذا ليس واجباً، لكن يستحب له أن يسمع الناس القرآن كله.

    يقول ابن تيمية رحمه الله: إن شهر رمضان فيه نزل القرآن، وفيه كان جبريل يدارس النبي صلى الله عليه وسلم القرآن، وكان النبي صلى الله عليه وسلم من أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن.

    يقول: وقد ذهب الحنابلة وأكثر الحنفية إلى أن السنة أن يختم القرآن الكريم في صلاة التراويح يسمع الناس جميع القرآن، قال الحنفية: السنة الختم مرة، فلا يترك الإمام الختم لكسل القوم.

    فإذا كان هذا الختم يشق على الناس فيقرأ بحسب ما يتيسر ولا يشق على الناس.

    روى ابن أبي شيبة عن أبي عثمان قال: دعا عمر القراء في رمضان فأمر أسرعهم قراءة أن يقرأ ثلاثين أية، والوسط خمساً وعشرين، والبطيء عشرين آية.

    وروى مالك في الموطأ عن الأعرج قال: ما أدركت الناس إلا وهم يلعنون الكفرة في رمضان، وكان القارئ يقرأ سورة البقرة في ثمان ركعات، فإذا قام بها في اثنتي عشرة ركعة رأى الناس أنه قد خفف.

    وكأنه زاد الركعات من أجل ألا يشق على الناس بالقراءة الطويلة، فيقرأ سورة البقرة في ثنتي عشرة ركعة فلا يشق عليهم.

    وروى مالك عن السائب بن يزيد رضي الله عنه قال: أمر عمر بن الخطاب أبي بن كعب وتميماً الداري أن يقوما للناس بإحدى عشرة ركعة، قال: وقد كان القارئ يقرأ بالمئين.

    وسور المئين هي السورة التي تتعدى آياتها المئة آية، مثل: سورة الكهف، وسورة هود، وسورة يونس، وسورة الإسراء، وغيرها.

    يقول: وقد كان القارئ يقرأ بالمئين حتى كنا نعتمد على العصي من طول القيام، وما كنا ننصرف إلا في فروع الفجر. أي: قرب طلوع الفجر.

    1.   

    حكم الصلاة في وقت الترويح

    إذا صلى الإمام ركعتين وجلس للاستراحة هل يقوم الناس ليصلوا ركعتين؟ الجواب: أن الإمام أحمد كره التطوع بين التراويح، فهذا الوقت وقت راحة من أجل أن تستعد وتنتبه لصلاتك بعد ذلك، فلا معنى أن تصلي بين الركعتين ركعتين أخريين، فإذا انتهى الإمام ورجعت إلى بيتك فصلي ما شئت، فإذا كنت في المسجد فأنت في صلاة سواء كنت تصلي الآن مع الإمام أو كنت جالساً.

    إذاً: فاجلس بين الركعتين واسترح حتى تهيئ نفسك للقيام بعد ذلك.

    فقد كره الإمام أحمد التطوع بين التراويح وقال: فيه عن ثلاثة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. يعني: ثلاثة من الصحابة منعوا من ذلك، وهم: عبادة وأبو الدرداء وعقبة بن عامر رضي الله عنهم، فقد منعوا من أن يقوم الإنسان بين التروايح ليصلي ركعتين، فإنما سميت التراويح لأنهم بين الركعات يجلسون ويستريحون حتى يقوموا بعد ذلك.

    1.   

    استحباب قراءة القرآن في التراويح من الحفظ ويجوز من المصحف

    المستحب في قراءة القرآن في التراويح أن يقرأ القارئ من حفظه، فهذا فعل النبي صلى الله عليه وسلم، وفعل أصحابه، ولكن مع وجود - أحياناً - الزحمة في المسجد والإمام قد يخطئ فيرد عليه عشرون أو ثلاثون ممن خلفه ويفتحون عليه، فربما لا يفهم مرادهم ولا يستطيع أن يكمل القراءة فبعض القراء يجعل أمامه مصحفاً؛ من أجل أن يراجع بدلاً من أن يفتح عليه شخص من خلفه فيضطرب.

    وهذا فعله ذكوان مولى عائشة رضي الله عنها، ولم ينكر عليه أحد في ذلك، فيجوز للإمام أن يفتح المصحف لكن الأفضل ترك ذلك.

    وأما المأموم فلا معنى أن يفتح المصحف وهو يصلي، فبعض المأمومين يفعلون ذلك ويفتحون المصاحف أثناء الصلاة، فنقول لهم: لا تفعل ذلك، ولكن عود نفسك أن تسمع القرآن وتنتبه له، فالبعض يقول: عندما أسمع القرآن أسهو ويذهب فكري بعيداً، فالصلاة صلة بينك وبين ربك، فعليك أن تحضر قلبك في الصلاة ولا تنشغل بشيء، لا بمصحف ولا بغيره، فهذا غير مطلوب من المأموم.

    وأما كون الإمام يخطئ في القراءة فو أمر عادي لا ضير فيه، فليفتح عليه من وراءه من الحفاظ فلنعود أنفسنا أنه إذا صلى الإمام وكان يقرأ من حفظه وأخطأ الإمام فليترك من خلفه هم الذين يردون عليه، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (ليليني منكم أولوا الأحلام والنهى)، فيبقى الحفاظ للقرآن خلف الإمام، ويكفي أن يفتح عليه واحد ولا يكثر الفاتحون حتى لا يشوشوا عليه، فالصلاة صلة بين العبد وبين ربه، وهي تقرب إلى الله، فيكون فيها خشوع وإخبات.

    وننبه هنا أن مسألة فتح المصحف والقراءة منه يكون صلاة النافلة فقط، وأما الفريضة فلا يجوز أن تفتح المصحف وتقرأ منه، وليس هناك أحد من العلماء جوز ذلك، إنما جوزوا ذلك في صلاة التراويح أو صلاة الوتر، وهو قول بعض العلماء أخذاً بفعل ذكوان مولى عائشة حين كان يؤم بـعائشة رضي الله تبارك وتعالى عنها.

    1.   

    حكم القنوت في الوتر

    يستحب دعاء القنوت بعد الرفع من الركوع في الوتر، وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قنت قبل الركوع، والأمر واسع، لكن الأفضل حتى لا يضطرب الناس أن يكون بعد الركوع، فالناس قد تعودوا على ذلك.

    وقد ثبت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    ودعاء القنوت ليس في رمضان فقط، بل في السنة كلها، يقول الحسن بن علي رضي الله عنه: (علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمات أقولهن في قنوت الوتر: اللهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولني فيمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت، وقني شر ما قضيت، إنك تقضي ولا يقضى عليك، إنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت).

    فيجوز الدعاء في رمضان وفي غير رمضان بهذا الدعاء وأن تزيد عليه، وإنما هذا والذي علمه النبي صلى الله عليه وسلم للحسن بن علي أن يدعو به.

    وكان في عهد عمر رضي الله عنه يدعون فيلعنون الكفرة في النصف. يعني: كانوا يدعون، فإذا جاء نصف رمضان لعنوا الكفرة ودعوا على الكفرة، فيقولون: اللهم قاتل الكفرة الذين يصدون عن سبيلك، ويكذبون رسلك، ولا يؤمنون بوعدك.

    فهذا من دعاء الأئمة في عهد عمر ، وجاء عن النبي صلى الله عليه وسلم قريباً من ذلك، وليس بنفس النص، ولم يكن في الوتر، وإنما دعا النبي صلى الله عليه وسلم في يوم أحد بعدما حصلت الهزيمة للمسلمين، فوقف يثني على الله ويمدح الله وذكر قريباً من هذا الدعاء صلوات الله وسلامه عليه، فيجوز أن تدعو بذلك.

    فهم كانوا يدعون في النصف، والآن المصائب عندنا كثيرة في بلاد المسلمين، ففي كل بلاد المسلمين مصائب، ففي كل يوم اليهود يعملون مصيبة في فلسطين، إذاً فليس هناك وجه لتخصيص النصف من رمضان بذلك، فيجوز أن تدعو وتلعن الكفار في جميع رمضان وفي غير رمضان، والصحابة لعلهم كان إخوانهم يخرجون للجهاد في هذه الأيام وهم يصلون، فكانوا يفعلون ذلك، وأما الآن فالمسلمون مبتلون في كل مكان، ومستضعفون، ومقتلون في الشرق وفي الغرب، فهنا تدعو للمسلمين أن ينصرهم الله عز وجل، وأن يكون معهم، في رمضان وفي غير رمضان.

    1.   

    الدعاء بعد الوتر

    تقول بعدما تنتهي من صلاة الوتر وأنت جالس: سبحان الملك القدوس، سبحان الملك القدوس، ثلاث مرات، وتدعوا الله عز وجل: (اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك لا أحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك)، فيجوز أن تقوله وأنت ساجد في الصلاة، ويجوز أن تقوله بعدما تنتهي من صلاة الوتر، لكن الذي كان يفعله النبي صلى الله عليه وسلم أن يقول: (سبحان الملك القدوس، سبحان الملك القدوس، سبحان الملك القدوس) .

    أسأل الله عز وجل أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.

    وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.