إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. أحمد حطيبة
  4. شرح رياض الصالحين
  5. شرح رياض الصالحين - فضل الاجتماع على تلاوة القرآن وفضل الوضوء

شرح رياض الصالحين - فضل الاجتماع على تلاوة القرآن وفضل الوضوءللشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • للاجتماع على تلاوة كتاب الله العزيز فضل عظيم، وثواب جزيل، وقد رتب الله عليه من الأجر ما يجعل النفوس المؤمنة الصادقة تشتاق إليه، وتبذل من أجل الحصول عليه الغالي والنفيس، كيف لا وملائكة الرحمن جل جلاله تخالطهم وتحفهم بأجنحتها. وإن فضل الوضوء لا يقل عن فضل العبادة الأولى، ولو كان للوضوء فضيلة أو فضيلتان لكانتا كافيتين للترغيب فيه، كيف وقد رتب الله ورسوله عليه من الفضائل الشيء الكثير، فهو العلامة البارزة الظاهرة التي يعرف بها رسول الله صلى الله عليه وسلم أمته من بين الأمم يوم القيامة.

    1.   

    فضل الاجتماع على قراءة القرآن

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    قال الإمام النووي رحمه الله: [ باب استحباب الاجتماع على القراءة.

    عن أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده)، رواه مسلم.

    باب فضل الوضوء.

    قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ [المائدة:6]، إلى قوله تعالى: مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [المائدة:6] ].

    يذكر الإمام النووي رحمه الله في هذا الكتاب القيم رياض الصالحين باباً في استحباب الاجتماع على قراءة القرآن، وقراءة القرآن خير، سواء قرأته وحدك، أو استمعت لآخر يقرؤه، أو قرأت مع جماعة كل يقرأ ما يسر الله عز وجل له والباقون ينصتون ويستمعون، فهذا كله خير، وقد جاء في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده).

    والحديث طويل، وهو حديث جميل لذا سنذكره بطوله لما فيه من الفوائد.

    1.   

    شرح حديث: (من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا...)

    قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة)، فالجزاء من جنس العمل، إن تعمل خيراً فإن الله عز وجل سيجزيك الخير على الخير، ومن الخير الذي يفعله المؤمن: أن يفرج عن أخيه كربة من كرب الدنيا، والكربات في الدنيا كثيرة، لكن الكربات يوم القيامة أعظم وأكبر، فالإنسان يعمل لغد.. يعمل ليوم القيامة.. يعمل لـ يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [الشعراء:88-89].

    فالدنيا دار العمل ودار التكليف والعبادة والطاعة لله سبحانه وتعالى، فالمؤمن حين ينفس عن أخيه كربة من كربات الدنيا يعلم أن أمامه كربات كثيرة في الدنيا والآخرة، والدنيا دار الآفات والابتلاء، وإن كنا اليوم في نعمة فلا يمنع أن نكون غداً في مرض وتعب، فالله عز وجل بيده مقاليد الأمور، فاعمل لغدك، واعمل حتى إذا دعوت الله كان لك عمل صالح تسأل الله عز وجل به؛ فيفرج عنك في الدنيا والآخرة.

    يقول: (من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا).

    فالمؤمن ينفع الناس وخاصة المؤمنين، فيفرج عن أخيه المؤمن بما يستطيع، فيشفع له عند إنسان له عنده حاجة كأن يقضي عنه دينه وكأن يطرد عنه جوعه، وكأن يعينه على حاجة من حوائجه، وكأن يفرج عنه كربة من الكربات ابتغاء وجه الله سبحانه وتعالى، والجزاء قال صلى الله عليه وسلم: (نفس الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة).

    ومثله من يسر على معسر، قال صلى الله عليه وسلم: (ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة)، التنفيس هو: التفريج، والتيسير: كأن تسهل على إنسان كان مكروباً ومتضايقاً من أمرٍ من الأمور. والحقيقة أن ما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم في الأول وما ذكره في الثاني كل واحد منهم قريب من الآخر وإن كان قد يفرق بينهم بأشياء، لكن وإن لم يذكر النبي صلى الله عليه وسلم في الأول: فرج الله عنه بها كربة من كربات الدنيا، فهي منصوصة في الثاني، قال: (ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا وفي الآخرة).

    من نفس عن مؤمن كربة، ولو بالكلام الطيب، ولو بالتسلية والمواساة والتعزية.. تنفس عنه بأن تعينه بمالك أو بعملك أو بالشفاعة له عند إنسان فتزيل عنه الكربة، وتيسر عليه أمراً كان عسيراً عليه، فأجرك يوم القيامة أن يكشف الله عز وجل عنك كربة من كربات يوم القيامة، وفي الدنيا ييسر عليك سبحانه وتعالى.

    ومن التيسير على المعسر أن تفعل كما قال الله: وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ [البقرة:280]، إنسان في عسر وضيق وشدة ومحتاج لمال يسرت عليه بأن أقرضته، أو أعنته، أو شفعت له عند صاحب الدين حتى يؤخر عنه المطالبة، فهذا تيسير على معسر، ولو أن إنساناً استدان منك وعرفت أنه في عسرة ففرجت عنه، وتنازلت له عن الدين، أو تصدقت به عليه، أو جعلته يرد عليك هذا الدين بالتقسيط فإن الله عز وجل سوف ييسر عليك.

    ومستحيل أن تعامل الناس باليسر ويعاملك الله عز وجل بالعسر، فهذا لا يكون أبداً، فالله سبحانه الذي أمر بالإحسان وقال: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ [النحل:90]، هو الذي يقول: هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلَّا الإِحْسَانُ [الرحمن:60]، فالذي يفعل الإحسان له الحسنى وزيادة من الرب الكريم سبحانه، فإذا يسرت على إنسان معسر في الدنيا فإن الله ييسر عليك في الدنيا والآخرة.

    من ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة

    قال: (ومن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة)، والستر: أن تستر إنساناً وقع في ذنب من الذنوب وستر نفسه، واطلعت عليه فسترته وكأنك لا تعلم، وكذلك إذا وجدت إنساناً عارياً يحتاج إلى ثياب، أو أهله يحتاجون إلى ثياب فكسوتهم من أجل أن يستتروا وأن يتجملوا أمام الناس فهذا خير صنعته، والله عز وجل يجزيك عليه.

    فإذا سترت مسلماً بأي نوع من أنواع الستر وهو يستحق ذلك، فإن الله يسترك في الدنيا وفي الآخرة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون)، فكل إنسان يخطئ فإذا أخطأ إنسان وسترته فلعلك أنت أن تخطئ ويسترك الله سبحانه وتعالى، وهذا الذي اطلعت عليه قد علم الله عز وجل ما فعله، ولكنه أراد أن يختبرك، ولو شاء لستره عنك فلم تره، فحين ترى مثل هذا فلا ينبغي أن تفقد الثقة فيه وفي الناس كلهم وتقول: انظروا إلى هذا الذي كنا نقول عنه كذا وكذا! لماذا تفضحه؟ لا تفضح إلا من يستحق ذلك ممن يجهر بالمعصية، أو لا يبالي ولا يستحي من الخلق، فهذا يستحق أن يفضح، حتى لا يأتسي به الناس، وحتى يكون ذلك تعزيراً له من أجل أن يخاف ويسكت، أما من وجدته يستر على نفسه، ويستحي مما صنعه، فما الذي تكسبه إذا فضحته؟ ولماذا تقول: فلان الذي ترونه صالحاً يعمل كذا وكذا، لماذا تفعل هذا الشيء؟

    إن الله عز وجل أطلعك على ما صنع ليكون اختباراً لك هل تستر أم لا؟ ولعلك غداً أن تقع في شيء آخر، ومن يدري فمصائب الدنيا كثيرة، فإذا فضحت هذا عند واحد أو اثنين، فضحك الله عند مائة وعند ألف، فاحذر فإن الجزاء من جنس العمل، ومصائب الدنيا دوارة فقد يأتي الدور عليك في يوم من الأيام، وكما فضحت هذا سوف تفضح بأشنع مما فضحته به، فلا تتبع سقطات الناس، ولا عثراتهم، ولا تشمت بإنسان وقع في ذنب من الذنوب واستر لعل الله عز وجل أن يتجاوز عنك، وأن يسترنا وإياك.

    الله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه

    قال النبي صلوات الله وسلامه عليه: (والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه)، إذا أعنت إنساناً أعانك الله، وإذا يسرت عليه يسر الله عليك في الدنيا والآخرة، وإذا فرجت عنه فرج الله عنك في الدنيا والآخرة، وإذا سترته سترك الله في الدنيا والآخرة، وهذا الأخير أعظم ما يكون في الدنيا التي تعيش فيها، فلو أن إنساناً فضحته عند أصدقائك ومعارفك ولم تستر عليه ثم جاء يوم القيامة والخلق مجتمعون ففضحت أمام الخلائق كلها، فلا شك أنه سيكون عليك أمر عظيم وصعب جداً.

    فلذلك المؤمن يستريح بالتفكر في الآخرة، وبزيارة القبور، إذا زرت القبور ضاقت عليك الدنيا بما فيها من سعة وأمانٍ وأحلام، ولذلك أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم بالإكثار من زيارة القبور، ومن ذكر هادم اللذات.

    في الحديث يقول صلى الله عليه وسلم: (والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه)، فإذا أعنت إنساناً على شيء فلا تطلب الأجر منه، ولا تطلب منه أن يعينك ولكن انتظر من الله الإعانة فإعانة الله تكفيك.

    إذا أردت أن يكون الله معك فكن مع الناس، وساعد من يحتاج المساعدة وأعط العطاء لمن يحتاج إليه، وكن مع الإنسان على الضائقة التي هو فيها، أعنه ولا تطلب منه أبداً رد ذلك، فإن الذي يطلب من الناس الرد مهموم أبداً، ودائماً يقول: انظر ساعدته ولم يساعدني.. عملت له ولم يعمل لي.. وقعت في حادث فما لقيت أحداً، أما المؤمن فلا ينظر إلى الناس أبداً، ولن يقول ما وقف أحد بجانبي؛ لأنه لم يكن يطلب وقوف الناس بجواره إنما يطلب وقوف الله سبحانه وتعالى بجواره، وكفى بالله وكيلاً.. كفى بالله حفيظاً.. كفى بالله شهيداً.. كفى بالله معيناً سبحانه وتعالى.

    فإذا أعنت غيرك فانس أنك أعنته واستقله؛ فإن الإنسان إذا استعظم الشيء الذي يفعله صار ينتظر الجزاء عليه في الدنيا، أما من يستقل ذلك ويقول: هذا موطن من المواطن التي يحبها الله سبحانه وتعالى، فهذا عسى ألا ينظر إلى جزاء الدنيا.

    والإنسان حين يختال وحين يستكبر على الناس يكون قد تخلق بخلق ذميم، ولكن الخيلاء في الحرب جميل وممدوح، فيظهر المؤمن الشجاعة، ويخرج إلى الكفار ليقاتلهم، وحتى إن كان ضعيفاً فهو يظهر القوة ليفزع أعداء الله، وقد كان أبو دجانة إذا حضر القتال تعمم بعمامة حمراء، وأخذ سيفه، وخرج يختال بين الصفوف يخيف الكفار، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (إن هذه لمشية يبغضها الله عز وجل ورسوله إلا في مثل هذا الموطن)، لقد كان المؤمنون يفعلون ذلك وقلوبهم تمتلئ بالخوف من الله عز وجل وبالشجاعة على الأعداء.

    ولا شك أن الكفار تمتلئ قلوبهم بالرعب حين يرون المؤمن مختالاً في المعركة وكأنه يقول: أنا لست خائفاً منكم، وكذلك حين يتصدق الإنسان تقول له نفسه: أنت دفعت مائة وهي كثير؛ فعليه أن يقول لها: ما هي المائة التي دفعتها؟ إنها لا تساوي شيئاً، فهذا أعطى ونسي ما أعطاه، أما الذي يعطي ويظل يتفكر: أنا تصدقت بمائة.. أنا أعطيت لفلان كذا إذاً: يا رب أعطني كذا وكذا، فلا ينبغي أن تكون المعاملة مع الله بهذه الطريقة، ولكن تغلب على نفسك وقل لها من المفروض أن أعمل أكثر من ذلك، وحين تفعل ابتغاء وجه الله تكون مسروراً سعيداً، وحين تضيق عليك الأمور فاصبر وقل: هذا ما كسبته يدي، ولعل الله يكفر به ذنوبي، وإذا جاءتك الدنيا قلت: الحمد لله رب العالمين، وأرجو ما عند الله سبحانه وتعالى.

    فالمؤمن يشكر ربه سبحانه في السراء والضراء، ولا ينتظر الأجر والثواب من الناس، وإنما ينتظره من الله سبحانه وتعالى.

    فضل طلب العلم

    قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ومن سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة)، فالطريق الذي تلتمس فيه علم الدين؛ كأن تذهب إلى بيت الله سبحانه من أجل أن تطلب العلم الشرعي، أو تتعلم آية من كتاب الله أو حديثاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو حكماً من الأحكام الفقهية، فأنت حين تخرج من بيتك إلى بيت الله عز وجل تسير في الطريق، وتزدحم مع الناس، ويمكن أن تجلس في الطرقات طويلاً من شدة الزحام، فهذا الأمر الصعب الذي عرضت له نفسك يسهل الله لك طريقاً إلى الجنة، فطريق الجنة مملوء بالصعوبات، ولكن الله يذللها ويفتحها لك بسبب ما صنعت.

    فأنت حين تطلب العلم تفرح بك الملائكة، والعالم الذي يعلم الناس الخير يستغفر له كل شيء حتى الحيتان في البحر، فطالب العلم تتواضع له الملائكة، وتضع له أجنحتها رضاً بما صنع، طالب العلم الذي يسير إلى بيت الله يطلب علم القرآن والتجويد والتفسير ويتعلم أحكام الدين تفرح به الملائكة وتتواضع له، وتفرش له طريقه بأجنحتها؛ لأنه ذاهب إلى بيت الله ليتعلم العلم، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضاً بما صنع)، أي: ترضى بما يصنع هذا الإنسان حيث إنه يطلب علم الدين والعلم الشرعي.

    ثم قال: (وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده).

    قوله: (ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله)، هذا القيد ليس قيداً حقيقياً، وإنما هو قيد أغلبي؛ لأنه جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديث أخرى بدون ذكر المسجد.

    فالإنسان إذا سلك طريقاً يلتمس فيه علماً بأن جاء إلى بيت الله، وهو أعظم مكان يتعلم فيه العلم الشرعي، أو ذهب إلى المدارس ليتعلم العلوم الشرعية فيها فهو في رباط، ومجالس العلم في المساجد وغيرها تحيط بها الملائكة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة)، وأعظم ما يكون الفضل في بيوت الله عز وجل.

    والسكينة: هي الطمأنينة، فإذا جلسوا في بيوت الله عز وجل يستمعون كلام الله وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم غشتهم رحمة رب العالمين، وتنزلت عليهم من السماء الطمأنينة أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [الرعد:28]، وكذلك تحيط الملائكة بهؤلاء الجلوس حتى تصعد إلى السماء وتخبر ربها سبحانه: (أتيناهم وهم يصلون، وتركناهم وهم يصلون).

    قال: (وذكرهم الله فيمن عنده)، فإذا ذكرت الله عز وجل ذكرك الله سبحانه وتعالى في الملأ الأعلى فيمن عنده من الملائكة.

    ثم ختمه صلى الله عليه وسلم بقوله: (ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه)، أي: من كان عمله بطيئاً في طاعة الله سريعاً إلى معصية الله، لم ينفعه أن يقول: أبي كان كذا، وأبي كان كذا، إنما تنتفع إذا انتفعت بعلم أبيك وعملت مثله أو خيراً منه.

    ولذلك النبي صلوات الله وسلامه عليه ذكر بعضاً من أقربائه وقال عنهم - وكانوا كفاراً -: (ألا إن بني فلان ليسوا لي بأولياء)، وإن كانوا في النسب أقارب ولكنهم مع الكفار، فهؤلاء ليسوا لي بأولياء، (إنما وليي الله وصالح المؤمنين) فهؤلاء هم أولياؤه صلوات الله وسلامه عليه، هؤلاء هم الذين يحبهم ويحبونه صلى الله عليه وسلم، وهم الذين انتفعوا بما جاء به، أما أولئك كـأبي جهل وغيره ممن ماتوا على الكفر ولم ينتفعوا بما جاء به فقد قال عنهم: (ليسوا لي بأولياء، إنما وليي الله وصالح المؤمنين).

    1.   

    فضل الوضوء

    من الأبواب التي يذكرها الإمام النووي رحمه الله: باب فضل الوضوء.

    وهذه الأبواب معقودة في الفضائل، وقد جعلها الإمام النووي في فضائل الأعمال، أي: ما تعمله من عمل ويكون عليه أجر.

    قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ [المائدة:6]، ذكر الله عز وجل فرائض الوضوء في القرآن العظيم لأهميته.

    وفي الصلاة قال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمُ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [الحج:77]، وقال: وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ [البقرة:238]، فذكر هيئة القيام، وأمر بالقنوت فيها بمعنى أن تكون خاشعاً، وأن تسكت إلا من ذكر الله سبحانه وتعالى، وأمر بالركوع وبالسجود، وقال أيضاً: إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ [الجمعة:9]، فلأهمية الصلاة فسر الله عز وجل شيئاً من أركانها في الكتاب وقال: وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ [البينة:5]، فذكر النية والإخلاص، فكأنه مطلوب في الصلاة وفي العبادة كلها النية والإخلاص لله سبحانه وتعالى.

    وذكر القيام (وَقُومُوا لِلَّهِ)، وذكر القنوت وهو الخشوع والخضوع والسكون والطمأنينة في الصلاة، والسكوت عن غير ذكر الله سبحانه وتعالى، وذكر الركوع وهو ركن آخر وهيئة أخرى، وذكر السجود، فذكر هيئات من هيئات الصلاة وهي من أركانها لأهميتها وكذلك لأهمية الوضوء فذكره ونص عليه.

    الطهور شطر الإيمان

    قال تعالى: إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا [المائدة:6]، في هذه الآية ذكر الله الوضوء والغسل والبدل من الاثنين وهو التيمم، ولذلك قال النبي صلوات الله وسلامه عليه في الطهور ككل: (الطهور نصف الإيمان).

    إذاً: كأن الإنسان الذي يتطهر جاء بشطر الإيمان كما سيأتي في الحديث، وذكر الله عز وجل في آخر الآية: مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [المائدة:6]، من نعم الله عز وجل عليكم أن وفقكم لتتطهروا وعلمكم ذلك، فالمؤمن طاهر الظاهر والباطن، فالدين أتانا بالطهارة وأمرنا بها، وقد قال الله للنبي صلى الله عليه وسلم يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ * وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ * وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ [المدثر:1-7]، فأمره أن يجتنب الرجز وكل ما هو نجس خلقة أو عبادة، وقال له: (وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ)، أي: اغسل ثيابك من الأقذار، وهذه طهارة ظاهرة، وطهر قلبك من أدران الشرك والكفر والإلحاد، وهذه طهارة باطنة، فالدين أمر بالطهارة الظاهرة والطهارة الباطنة.

    وقال ربنا سبحانه: وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ [المائدة:6]، أي: يطهر ظواهركم وبواطنكم وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ [المائدة:6]، حتى يكمل عليكم النعمة العظيمة وهي نعمة الدين لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [المائدة:6]، أي: تشكرون الله على ما هداكم وأنعم عليكم.

    ولاحظ الآية التي ذكرها الله قبل هذه الآية بقوله: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا [المائدة:3]، فذكر أنه أتم عليكم النعمة، وذكر أنه يريد بذلك أن تشكروه سبحانه وتعالى على ما أنعم به عليكم.

    الغرة والتحجيل من آثار الوضوء يوم القيامة

    من الأحاديث التي ذكرها الإمام النووي رحمه الله حديث أبي هريرة - وهو متفق عليه - قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إن أمتي يدعون يوم القيامة غراً محجلين من آثار الوضوء، فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل)، وكون الوضوء يذكر في القرآن وفي أحاديث كثيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم فهذا يدل على فضله وأهميته والترغيب فيه، كما أنه يحث المؤمن أن يكون على وضوء ما استطاع.

    قوله: (إن أمتي يدعون يوم القيامة غراً محجلين)، الغرة: هي البياض الذي يكون في جبهة الفرس، والتحجيل: هو بياض في قوائم الفرس.

    فلو أن عندك خيلاً كثيرة وفيها هذا الحصان هل يمكن أن تخطئ فيه مع فرس آخر يكون أشهب أو أحمر أو أبيض؟ لا يمكن.

    فالنبي صلوات الله وسلامه عليه لما سألوه: (كيف تعرف أمتك يوم القيامة)، أي: من بين الأمم الكثيرة، فقال: (إن أمتي يدعون يوم القيامة غراً محجلين)، أي: تظهر آثار الوضوء يوم القيامة على الجباه وعلى الأيدي والأرجل، فأنت حين تتوضأ تغسل وجهك فيأتي فيه نور، وتغسل يديك إلى مرفقيك فيأتي فيهما نور، وتغسل الرجلين فيأتي فيهما نور، وتمسح برأسك فيأتي فيه نور يوم القيامة، فهذا الإنسان حتى لو دخل النار - والعياذ بالله - بسبب معصية، وكان مواظباً على الصلاة في الدنيا، تأكل منه النار كل شيء إلا آثار الوضوء، نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة.

    وفي آخر الحديث يقول أبو هريرة رضي الله عنه: (فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل)، فكأنه يدعو الناس إلى ذلك، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يدير الماء على مرفقيه صلوات الله وسلامه عليه، وكان أبو هريرة أحياناً يبالغ فيرفع الماء أكثر من ذلك، ولم يأت هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما فهمه من هذا الحديث.

    وحديث آخر يقول فيه أبو هريرة رضي الله عنه: (سمعت خليلي) والخليل: أرفع من الحبيب، والخلة: هي أرفع درجات المحبة، يقول: سمعت خليلي صلى الله عليه وسلم يقول: (تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء)، إذاً: يحلى المؤمن يوم القيامة بأعظم ما يكون من الحلي، فالمرأة في الدنيا تضع الحلي من الذهب في يديها حتى تنور من كثرة الذهب الذي عليها، لكن النور الحقيقي يوم القيامة حين تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء، فإذا كنت تتوضأ وتتقن الوضوء كان لك من آثار الوضوء نور وحلية يوم القيامة.

    تنقية الوضوء للخطايا

    من الأحاديث التي وردت في فضل الوضوء: ما رواه مسلم عن عثمان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من توضأ فأحسن الوضوء خرجت خطاياه من جسده حتى تخرج من تحت أظفاره)، كلما جاء حديث كلما تشوق المؤمن للمحافظة على الوضوء، ولا أحد يستغني عن الوضوء، فإذا استطعت أن تكون دائماً على وضوء فهذا أفضل؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحب أن يذكر الله وهو على طهارة، وليس هذا فرضاً واجباً إلا عند الصلوات أو عند قراءة القرآن من المصحف، ولكن مع ذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يحب أن يكون على وضوء عند ذكره لله، ومرة لقيه إنسان في الطريق فسلم عليه فلم يرد عليه السلام حتى تيمم، وقال (كرهت أن أذكر الله على غير وضوء)، صلوات الله وسلامه عليه.

    يقول صلى الله عليه وسلم: (من توضأ فأحسن الوضوء خرجت خطاياه من جسده)، إذاً: صغائر الذنوب تتساقط من الإنسان أثناء الوضوء، فتتساقط من يديه ووجهه ورجليه وفمه وأنفه، كل آثار الذنوب تتساقط من الإنسان إذا توضأ، فالوضوء شيء عظيم، ومتى توضأت فإنك تكون مستعداً للعبادة، بل الوضوء نفسه عبادة يكفر الله عز وجل بها عنك كثيراً من الآثام.

    وعنه أيضاً في صحيح مسلم قال: (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ مثل وضوئي هذا)، كأن أبا هريرة توضأ أمام الناس ليعلمهم كيف يتوضئون، ثم قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من توضأ هكذا غفر له ما تقدم من ذنبه)، أي: يتوضأ فيحسن الوضوء، وإحسان الوضوء بأن يوصل الماء إلى جميع مواضع الوضوء، وليس بالإسراف، ولكن يستهلك من الماء بالقدر الذي يتقن به وضوءه، قال: (من توضأ هكذا غفر له ما تقدم من ذنبه)، أي: غفر له صغائر ذنوبه السابقة (وكانت صلاته ومشيه إلى المسجد نافلة).

    فكأنه يقول: الإنسان بين ذنوب يريد محوها ودرجات يريد الوصول إليها، فإذا توضأ فإن الله يكفر عنه ذنوبه ويرفعه درجات عنده والنافلة الزيادة، قال: (وكانت صلاته ومشيه إلى المسجد نافلة)، أي: زيادة فضل من الله عز وجل، وهو يتفضل على عباده بما يشاء.

    وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا توضأ العبد المسلم أو المؤمن فغسل وجهه خرج من وجهه كل خطيئة نظر إليها بعينيه مع الماء)، فالإنسان ربما نظر إلى شيء حرمه الله سبحانه، فإذا توضأ وغسل وجهه نزلت آثار هذه الخطايا والذنوب من وجهه مع قطر الماء أو مع آخر قطر الماء، قال: (فإذا غسل يديه خرج من يديه كل خطيئة كانت بطشتها يداه مع الماء)، كلمة (بطش) بمعنى: أمسك، فهنا خرجت من يديه كل خطيئة كانت أمسكتها يداه، أو أي شيء من الحرام وقع فيه، أما أن يضرب مسلماً أو يلطمه على وجهه ومن ثم يتوضأ ويقول: ذهبت، فلم تذهب؛ لأنه حق الواجب فيه القصاص، فلا يذهب حتى يقتص منك أو يعفو عنك، إذاً: ليس حق الإنسان من الذنوب التي يكفرها الوضوء بل لا بد من ردها أو التحلل منها.

    فلا يفهم أحد بطشة اليد فهماً خطأً، فبطش بمعنى: أمسك، وهذا هو أصل كلمة بطش، ومنها قول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث: (يصعق الناس يوم القيامة فأكون أول من يفيق، فإذا بموسى باطش بقائمة العرش، فلا أدري أفاق قبلي أو أخذ بصعقته الأولى؟!)، أي: يوم الطور؛ ولأنه صعق في الدنيا لم يصعق يوم القيامة، فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (لا أدري)، أي: أي الأمرين، لكن المهم أن الناس يصعقون يوم القيامة ويكون أول من يفيق النبي صلى الله عليه وسلم، (فإذا بموسى باطش)، بمعنى: ممسك بقائمة العرش، فالمقصود أن كلمة بطش تفيد معنى أمسك بالشيء.

    يقول صلى الله عليه وسلم: (فإذا غسل رجليه خرجت كل خطيئة مشتها رجلاه مع الماء)، إذا مشى إلى ذنب أو معصية فإذا تاب إلى الله فقام فتوضأ فإن الله يكفر عنه ذنوبه حتى يخرج نقياً من الذنوب، والمراد هنا صغائر الذنوب التي ليس فيها حق لمسلم، وإنما هي ذنوب بينك وبين الله عز وجل، أما ما فيه حقوق للناس فلا بد من إعطاء الناس حقوقهم، فإذا شتمت إنساناً أو أخذت ماله أو سفكت دمه أو ضربته، فإما أن تدفعها له في الدنيا بأن يقتص منك، أو تدفع له الجناية على ما فعلت أو تستحلها منه، وإما أن يأخذها منك يوم القيامة حتى ولو كنت من أهل الجنة، فإنه إذا مر الناس على الصراط حبسوا على جسر بينه وبين الجنة حتى يقاص ربنا سبحانه بينهم من مظالم كانت للعباد مع أنهم من أهل الجنة، فقد خرجوا من الصراط ولم يبق إلا أن يدخلوا الجنة، فلا يدخلوها حتى يتحللوا من المظالم التي بينهم، فالإنسان قبل أن يدخل الجنة إذا كانت عليه مظلمة لفلان فإنه يأخذ من حسناته ما ينتفع به ويدخل به الجنة، ولعل هذا كان قد استحق منزلة ثم نزل عنها بسبب أن فلاناً أخذ من حسناته كذا وكذا، فاحذر من ظلم العباد.

    معرفة النبي صلى الله عليه وسلم لأمته يوم القيامة بآثار الوضوء

    روى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى المقبرة) ويجوز أن تقول مقبرة بالفتح وبالكسر وبالضم فهي مثلثة الباء، فقال: (السلام عليكم دار قوم مؤمنين)، هذه سنة في زيارة القبور، فإذا جئت إلى القبور فسلم على أهل القبور بهذه التحية (السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون)، أي: كلنا ميتون، وقد قال الله عز وجل للنبي صلى الله عليه وسلم: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ [الزمر:30]، فلا أحد سيخلد في هذه الدنيا، فالكل سيموت، فقال النبي صلى الله عليه وسلم وهو عند المقابر وقد سلم على الأموات: (وددت أنا قد رأينا إخواننا، قالوا: أولسنا إخوانك يا رسول الله؟!)، فالصحابة المؤمنون الأتقياء الأبرياء الأنقياء الذين قلوبهم مصابيح الدجى رضي الله تبارك وتعالى عنهم يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم أولسنا إخوانك؟ فيقول النبي صلى الله عليه وسلم: (أنتم أصحابي، وإخواننا الذين لم يأتوا بعد)، فكأنه يريد أن يبين لهم من يعني بذلك، وإلا فإن هؤلاء الأصحاب إخوانه، والله يقول: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ [الحجرات:10]، فهم إخوة، ولكن الذين يعنيهم النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث هم من لم يأتوا بعد، بل من لم يولدوا بعد من القرون التي تأتي بعد ذلك، (قالوا: كيف تعرف من لم يأت بعد من أمتك يا رسول الله؟!)، أي: أنت تعرفنا لكونك رأيتنا، لكن كيف ستعرف من يأتون بعدنا إلى يوم القيامة؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (أرأيتم لو أن رجلاً له خيل غر محجلة بين ظهري خيل دهم بهم ألا يعرف خيله؟)، أي: لو أن رجلاً خيوله كلها سوداء، وله خيل غر محجلة ضمن هذه الخيول السوداء، والغر المحجلة: هي التي في رأسها ويديها بياض، ألا يستطيع أن يميز بين هؤلاء وهؤلاء؟ (فقالوا: بلى يا رسول الله! قال: فإنهم يأتون غراً محجلين من الوضوء)، فالنور الذي يكون للمؤمن يوم القيامة هو بسبب الوضوء.

    قال: (وأنا فرطهم على الحوض)، أي: أنا سابقهم على الحوض واسمه: الكوثر، قال الله سبحانه: إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ * إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ [الكوثر:1-3]، والكوثر: هو حوض عظيم ماؤه أحلى من العسل، وأشد بياضاً من اللبن، وآنيته كعدد نجوم السماء، أي: لا أحد يستطيع أن يعدها لا علماء الفلك ولا غيرهم، فيشرب منه المؤمنون، ومن شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبداً، نسأل الله عز وجل أن يسقينا من حوضه صلوات الله وسلامه عليه في أول من يسقيهم النبي صلوات الله وسلامه عليه.

    إسباغ الوضوء على المكاره مما يمحو الله به الخطايا ويرفع الدرجات

    روى الإمام مسلم، عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟ قالوا: بلى يا رسول الله!)، أي: كلنا نريد أن نعرف ما هو الشيء الذي يكفر عنا الخطايا ويرفع الدرجات.

    فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطى إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة؛ فذلكم الرباط، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط)، وأصل الرباط: هو التزام الثغر، وثغور المسلمين غالباً تكون في الأماكن البعيدة النائية التي بينهم وبين أعدائهم، وحراسة الحدود فيها ثواب عظيم عند الله سبحانه وتعالى، حتى لو مات فلا يزال عمله يكتب له أنه مرابط على حماية بلاد المسلمين.

    إذاً: فهل نقول لكل الناس: اذهبوا لحراسة حدود المسلمين؟ لا. ولكن نقول لمن أراد أجر الرباط في سبيل الله: الرباط الذي نأمرك به إسباغ الوضوء على المكاره، فالذي يسبغ الوضوء على المكاره هل تظن أنه يضيع الوضوء في غير المكاره؟ هذا لا يكون، فإذا كان في الشتاء في شدة البرد والصقيع يتوضأ بالماء البارد ويصلي لله عز وجل، ويخرج في شدة البرد من أجل أن يصلي صلاة الفجر في المسجد، فمن باب أولى أنه إذا أتى عليه فصل الصيف أن يسبغ الوضوء.

    قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إسباغ الوضوء) أي: يتوضأ ويحسن وضوءه في المكاره، (وكثرة الخطى إلى المساجد)، أي: كثرة الصلوات في المساجد، فلا يضيع ولا يفرط بل هو مواظب على صلاة الجماعة كلما سمع (حي على الصلاة) هرع إلى بيت الله عز وجل ليصلي (كثرة الخطى إلى المساجد)، فإذا أتيت إلى المسجد فإنه يكتب لك مائة خطوة أو ألف خطوة أو أكثر أو أقل بحسب قربك من المسجد أو بعدك، وبكل خطوة تخطوها إما أن ترفع درجة أو تحط عنك خطيئة.

    قال: (وانتظار الصلاة بعد الصلاة)، أي: تصلي ثم تمكث حتى تأتي الصلاة الأخرى، وقد تمكث ما بين الظهر إلى العصر، أو ما بين المغرب إلى العشاء تنتظر الصلاة الآتية في بيت الله عز وجل، فهذا مما يكفر الله عز وجل به الخطايا، ويرفع به الدرجات.

    وروى مسلم عن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملآن ما بين السماء والأرض)، (الطهور) أي: الوضوء، (شطر الإيمان)، والمؤمن يجب عليه الوضوء لكل صلاة، فلا تقبل الصلاة بغير وضوء.

    وقد عبر الله عز وجل في كتابه عن الصلاة باسم الإيمان فقال: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ [البقرة:143]، وسبب نزول هذه الآية: أن الله سبحانه لما حرم شرب الخمر وقد كانوا يشربون الخمر حتى بعدما أنزل الله سبحانه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى [النساء:43]، فكانوا ينتهون عن الشرب وقت الصلاة، ثم أنزل الله عز وجل: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا [البقرة:219]، وفي هذه يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله يعرض بكم)، أي: يعرض بتحريم الخمر، فأنزل: إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [المائدة:90]، وهنا قال: رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ [المائدة:90]، فقال الصحابة: إخواننا الذين شربوا الخمر وماتوا وهي في بطونهم قبل أن تنزل هذه الآيات هل ضاعت عليهم الشهادة أو إلى ماذا صار أمرهم؟ فأنزل الله عز وجل يطمئن هؤلاء على إخوانهم: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ [البقرة:143] أي: لم تحرم الخمر يومئذ فكان لهم العذر، أما أنتم فلا عذر لكم، وقد أنزل الله عز وجل تحريمها، وما كان الله ليضيع صلاة الذين صلوا وماتوا قبل ذلك، فسمى الصلاة إيماناً، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: (الطهور شطر الإيمان)، فكأن الصلاة والوضوء جزء من أجزاء الإيمان، والوضوء شطر الصلاة.

    فضل كلمة التوحيد بعد الوضوء

    روى مسلم عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما منكم من أحد يتوضأ فيسبغ الوضوء، ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء)، وزاد الترمذي (اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين).

    هذا الحديث أعجب عمر رضي الله عنه (ما منكم من أحد يتوضأ فيسبغ الوضوء ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله)، وهذه كلمة التوحيد شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله بعد الوضوء، فالوضوء من الإيمان، والشهادة أعظم أركان الإسلام، فأنت تتوضأ وتذكر الله عز وجل بهذا القول، ثم تقول: (اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين)، كما في الرواية الأخرى، فتسأل الله وتدعوه أن يرزقك التوبة ويجعلك من المتطهرين.

    وقوله: (اللهم اجعلني من التوابين)، مناسب للوضوء، فهو يكفر الخطايا، فكأنه يقول يا رب! كما أسقطت عني الخطايا فاجعلني دائماً أتوب إليك من المعاصي إذا وقعت فيها، وتب علي واجعلني من عبادك المتطهرين، والذي يقول هذا الدعاء ثوابه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء)، أي: لم يبق بينك وبين أن تدخل الجنة إلا أن تموت.

    فالوضوء عظيم، والصلاة عظيمة، والعمل لله عز وجل أعظم الأشياء قيمةً في حياة الإنسان المؤمن، فليحرص المؤمن على أن يرضي الله سبحانه بطاعته وحسن عبادته، نسأل الله عز وجل أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.