إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. أحمد حطيبة
  4. شرح رياض الصالحين
  5. شرح رياض الصالحين - ما جاء في حسن الخاتمة وما جاء في تغسيل الميت والستر عليه وتشييع الجنازة

شرح رياض الصالحين - ما جاء في حسن الخاتمة وما جاء في تغسيل الميت والستر عليه وتشييع الجنازةللشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد كتب الله على الناس أن يبعثوا على ما ماتوا عليه، فمن مات على عمل سيئ بعث عليه، وكان علامة على سوء خاتمته، ومن مات على عمل صالح بعث عليه، وكان علامة على حسن خاتمته، ومثله من يثني عليه الناس عند موته بالخير أو الشر، فكل هذه علامات وأمارات على سوء الخاتمة وحسنها. وإذا مات الميت وجب على الأحياء غسله، واستحب لغاسله الستر عليه، وله وللناس اتباع جنازته والصلاة عليه ودفنه؛ لينالوا من الله الأجر العظيم.

    1.   

    علامات حسن الخاتمة

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين.

    أما بعد: فإن الإنسان في حالة وفاته يرى عليه أحياناً أشياء تدل على حسن خاتمته.

    قول كلمة التوحيد عند الموت

    من أفضل ما يدل على ذلك قول: لا إله إلا الله عند وفاته؛ لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة) فهذه من علامات حسن الخاتمة.

    الموت على عمل صالح

    ومما ذكره العلماء أيضاً من علامات حسن الخاتمة أن يموت الإنسان على عمل صالح، وفي ذلك حديث رواه الإمام أحمد رحمه الله من حديث حذيفة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من قال: لا إله إلا الله ابتغاء وجه الله، ختم له بها، دخل الجنة)، أي: ختم الله له بهذه الكلمة فيدخل الجنة بسببها.

    قال: (ومن صام يوماً ابتغاء وجه الله، ختم له بها، دخل الجنة) والمقصد أن يختم له بعمل صالح، كأن يكون صائماً في رمضان أو تطوعاً أو غير ذلك فيموت وهو كذلك فهذا عمل صالح، فإذا توفي عليه وختم له به فيدخل الجنة بذلك.

    قال: (ومن تصدق بصدقة ابتغاء وجه الله، ختم له بها، دخل الجنة) وقس على ذلك سائر الأعمال الصالحة.

    إذاً: النبي صلى الله عليه وسلم نص هنا على بعض أفراد العام، أي: أفراد العمل الصالح، ولم يذكر جميع الأعمال الصالحة، ولكن عندما يذكر البعض فإنه يدل على الباقي.

    إذاً: أي عمل من الأعمال الصالحة التي يقوم بها الإنسان ويتوفى عليها فسيدخله الله عز وجل الجنة بسبب ذلك العمل، وسواء كان العمل صياماً، أو صدقة زكاة أو حجاً أو عمرة، أو إصلاحاً بين الناس، أو أمراً بمعروف، أو نهياً عن منكر، فكل عمل صالح يكون الإنسان فيه ويختم له به فهو من علامات حسن الخاتمة.

    ومن علامات حسن الخاتمة أيضاً: أن يموت الإنسان مجاهداً في سبيل الله، أو مرابطاً في سبيله، وجاء في حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم رواه الإمام مسلم عن سلمان مرفوعاً: (رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه) والرباط: حراسة الثغور، وحراسة حدود بلاد المسلمين ابتغاء وجه الله عز وجل.

    قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (وإن مات جرى عليه عمله الذي كان يعمله، وأجري عليه رزقه، وأمن الفتان) أي: هذا الذي يحرس بلاد المسلمين وثغورهم من الكفار إذا مات على هذا العمل وختم له به كان أيضاً من أهل الجنة.

    وقوله صلى الله عليه وسلم: (وأمن الفتان) يعني: في قبره.

    وفي حديث آخر رواه أبو داود وصححه الشيخ الألباني قال النبي صلى الله عليه وسلم فيه: (كل ميت يختم على عمله إلا الذي مات مرابطاً) أي: من كان يحرس ثغور بلاد المسلمين من الكفار، فقال صلى الله عليه وسلم في ذلك: (إلا الذي مات مرابطاً في سبيل الله فإنه ينمى له عمله) أي: لا يبقى عمله على حاله، ولكن لا يزال ينمى له هذا العمل إلى يوم القيامة ويأمن الفتنة في قبره.

    ثناء الناس على الميت

    ومن علامات حسن خاتمة الإنسان أيضاً أن يثني عليه الناس -من أهل الخير والإحسان- بالعمل الصالح والخير، والثناء هنا هو المدح بالصفات الصالحة التي كانت فيه، وليس معنى الثناء أن يمدحوه بأشياء هي بين الناس لطيفة وظريفة، ولكنها ليست عند الله عز وجل كذلك، ومثال ذلك: أن إنساناً توفي وكان الناس يحبون كلامه حيث كان يمزح كثيراً، ويضحك كثيراً، وكثير الشغب، وكثير المعاكسة للناس، فيضحكهم، فعندما يموت يفتقدون فيه ذلك، فهذا إذا أثنى عليه الناس فليس هذا الثناء هو المقصود من الحديث، ولكن الثناء المقصود: هو أن يثنى على الإنسان بعمل صالح كان يعمله، كأن يقال: فلان كان خيراً.. كان طيباً.. كان لا يؤذي جيرانه.. فلان كان يميط الأذى عن الطريق.. وكان يعود المرضى.. ولا يتكبر على أحد، فيثني عليه الناس والجيران والأقربون بصفات الخير التي كانت.

    وفي ذلك حديث رواه أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال: (مر على النبي صلى الله عليه وسلم بجنازة، فأثني عليها خيراً)، أي: مدحه الناس بخير. (وتتابعت الألسن بالخير)، أي: تمر الجنازة فيمكن أن رجلاً أو اثنين من الجالسين يعرفونه، ويمكن أن مجموعة كبيرة تعرفه، فهنا (تتابعت الألسن)، أي: كل شخص قال شيئاً، وأثنوا عليه بخير، فهذا يدعو له، وهذا يشكر له صنيعه في كذا، وهذا يحمد له صفات جميلة فيه.

    فقالوا: (كان ما علمنا يحب الله ورسوله)، أي: على ما نعلم منه، وربنا يقول: فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى [النجم:32]. ومن هذا يؤخذ أنك إن أردت أن تمدح شخصاً وتثني عليه فقل: أحسبه كذا، أو أظنه كذا، ويكون ذلك على وجه الظن لا على وجه الجزم.

    قال: (فقالوا: كان ما علمنا يحب الله ورسوله)، صلوات الله وسلامه عليه.

    قال: (ومر بجنازة فأثني عليها شرا) أثني: أي ذكر بشر، فتكلم الناس عنه أن هذا لم يكن إنساناً صالحاً، بل كان سيئاً، منافقاً، مرائياً.

    قال: (وتتابعت عليه الألسن بالشر) أي: يذكرونه بشر. (فقالوا: بئس المرء كان في دين الله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: وجبت، وجبت، وجبت) كررها ثلاثاً، وذكرها كذلك في الأولى، فقال عمر رضي الله عنه: (فداك أبي وأمي! مر بجنازة فأثني عليها خيراً، فقلت: وجبت، وجبت، وجبت، ومر بجنازة، فأثني عليها شراً، فقلت: وجبت، وجبت، وجبت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أثنيتم عليه خيراً، وجبت له الجنة، ومن أثنيتم عليه شراً، وجبت له النار) ولكن ليس بكلامهم تجب له الجنة، وبكلامهم تجب له النار، وإنما بفعله هو، ففعل الإنسان هو الذي يدفع الناس؛ لأن يثنوا عليه خيراً أو شراً، فقال صلى الله عليه وسلم: (الملائكة شهداء الله في السماء، وأنتم شهداء الله في الأرض).

    قال: (من أثنيتم عليه خيراً، وجبت له الجنة، ومن أثنيتم عليه شراً، وجبت له النار، الملائكة شهداء الله في السماء، وأنتم شهداء الله في الأرض، وأنتم شهداء الله في الأرض، وأنتم شهداء الله في الأرض).

    وفي رواية: (إن لله ملائكة تنطق على ألسنة بني آدم بما في المرء من الخير والشر)، فنلاحظ من هذا الحديث: أن الذين كانوا يجلسون مع النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن على بالهم أن فلاناً مات هذا اليوم أو لم يمت، ولم يكن على بالهم شيء، بل فجأة مُر بجنازة، فعرفوا صاحبها فقالوا: هذا كان سيئاً، هذا كان شريراً، هذا كان كذا وكذا...، فكل واحد قال عنه شيئاً، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (وجبت) أي: وجبت له النار؛ لأنه بلغ من شره أن ذاع وشاع وانتشر بين الناس، فعلم الأقصى والأدنى أن فلاناً هذا كان سيئاً، فأثنوا عليه شراً.

    والآخر انتشر منه الخير وذاع، وعرفه الناس بالخير، فلذلك أثنى عليه كل منهم بما عرف منه من خير، وهؤلاء قالوا في المؤمن: (كان ما علمنا يحب الله ورسوله)، وقالوا في الفاجر: (كان ما علمنا منافقاً) أي: كان يبغض دين الله عز وجل، فالذي أثنوا عليه خيراً وجبت له الجنة بعمله الخير وبثناء المسلمين عليه؛ لأن خيره ذاع بينهم وانتشر، فكان كأنه سن للناس سنناً حسنة يعملون بمثل هذا الخير الذي كان عليه، والآخر العكس من ذلك.

    ويبين النبي صلى الله عليه وسلم أن الأمر ليس تأليفاً، أو أنه طلب من الناس أن يثنوا على صاحبهم خيراً لكي يدخل الجنة، بل الأمر هو أن الله سبحانه وتعالى ينطق الشخص بما يتكلم به ملك على لسانه، فالإنسان وهو غير منتبه يتكلم أن هذا الرجل كان إنساناً جيد، يرحمه الله كنا نراه يصلي معنا، وكان يدفع الزكاة، وكان يعمل كذا.. فينطق الله على لسان بني آدم ملائكة، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن لله ملائكة تنطق على ألسنة بني آدم بما في المرء من الخير والشر) فيجب لهذا الجنة بعمله وبثناء المؤمنين خيراً عليه، وللآخر النار بعمله وإساءته ووصم المؤمنين الشر به.

    الحد المعتبر للناس الذين يثنون على الميت

    روى البخاري من حديث أبي الأسود الديلي قال: أتيت المدينة وقد وقع بها مرض وهم يموتون موتاً ذريعاً، -وكان هذا في عهد عمر رضي الله تعالى عنه- قال: فجلست إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فمرت جنازة فأثني خيراً فقال عمر: وجبت. فقلت: ما وجبت يا أمير المؤمنين؟! قال: قلت كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أيما مسلم شهد له أربعة بخير أدخله الله الجنة) فهذا يستحق الجنة بما شهدوا له من خير، (قلنا: وثلاثة، قال: وثلاثة. قلنا: واثنان، قال: واثنان، قال: ولم نسأله عن الواحد).

    إذاً: ليس شرطاً أن يشهد للميت كل الناس، بل يصح من بعض الناس أيضاً، فقد يكون حال هذا الإنسان غائباً عن الكثير، ولكن بينه وبين الله خير كثير، والأقربون يرون منه هذا الخير، فيرون أنه كثير التقوى.. كثير الصلاة.. كثير الصدقة.. لكن لا يشتهر عنه ذلك، وإنما عرف الأقربون ذلك فأثنوا عليه خيراً، فينطق الله على ألسنتهم ملائكة حتى يستوجب جنة الله عز وجل.

    حديث آخر رواه الإمام أحمد وصححه الشيخ الألباني بشواهده، قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: (ما من مسلم يموت فيشهد له أربعة من أهل أبيات جيرانه الأدنين أنهم لا يعلمون منه إلا خيراً، إلا قال الله تبارك وتعالى: قد قبلت قولكم -أو قال: شهادتكم- وغفرت له ما لا تعلمون) فالله عظيم وكريم سبحانه وتعالى.

    وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون) فكل إنسان فيه أخطاء يفعلها من صغائر وكبائر، ومن ستر على نفسه وتاب إلى الله، فالله يتوب عليه، ومن فضح نفسه واستهان بعمله استحق العقوبة من الله سبحانه.

    فهنا الإنسان الذي يموت فيثني عليه الأقربون من جيرانه، وذلك لخلقه الحسن معهم، ولذا تجد الأقربين يحبونه، ويثنوا عليه بالطيب، وأنه لا يتعرض لأحد، ولا يؤذي أحداً، فيثني عليه جيرانه الأقربون بخير، فإذا وجد أربعة من أهل جيرانه يثنون عليه بذلك استحق من الله عز وجل الجنة والثواب، والله سبحانه يقول: (قد قبلت قولكم) أي: قبلت منكم هذه الشهادة.

    قال: (وغفرت له ما لا تعلمون) أي: أنتم لا تعلمون أخطاءه، والله يعرفها فيغفر له ذلك؛ لأنه كتم على نفسه، وستر نفسه، ولم يجاهر بالمعصية بين الناس، فكانت سيئته بينه وبين ربه، فهذا جدير بأن يغفر الله له؛ لأنه ستر، يقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (من ستر نفسه ستره الله)، وبالمقابل: من فضح نفسه استحق العقوبة من الله.

    1.   

    بيان ما يستحب لمن يغسل ميتاً

    قال الإمام النووي رحمه الله: [ باب الكف عما يرى في الميت من مكروه].

    أي: إذا توفي إنسان واطلعت منه على شيء مكروه فلا تفضحه بهذا الذي اطلعت عليه، وفي ذلك أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم منها حديث أبي رافع واسمه أسلم وهو مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم -أي: كان عبداً عند النبي صلى الله عليه وسلم، فأعتقه النبي صلى الله عليه وسلم- فيقول صلى الله عليه وسلم في حديثه: (من غسل ميتاً فكتم عليه غفر الله له أربعين مرة).

    فهذا الحديث العظيم فيه أن الذي يغسل الأموات له أجر عظيم، ولكن بشرط أن يكتم عنه، أما أن يحكي ويقول مثلاً: كنا نغسل الميت وكانت ريحته سيئة جداً، أو الميت له أكثر من يوم وريحته صارت كريهة، أو الميت ينزل دماً، أو الميت كان فيه غائط، أو بول، أو كان فيه كذا.. ويفضح هذا الإنسان فلا يستحق ذلك الأجر. ولذا فعليك أن لا تفضحه، بل استر عليه، فكما أنك تحب أن يستر عليك الناس في حياتك ومماتك فكذلك استر عن أخيك ولك هذا الأجر العظيم عند الله، بأن يغفر الله لك أربعين مرة، وهذا من كرم الله وفضله سبحانه وتعالى.

    ولكن من أثني عليه شراً، أليست فضيحة لهذا الإنسان؟! الفرق هنا بين أن تغسل ميتاً فترى شيئاً من الأشياء العادية التي ترى من أي إنسان كأن يخرج منه ريح، أو بول، أو غائط، أو دم كثير، أو أنه يتعب الناس في تغسيله، بأن كان ثقيل الجثة، فثقل أن يقلبوه ويعدلوه، أو يحدث أشياء في أثناء التغسيل لعلها تضايق من يقف ويغسل فيها، فتكتم هذه الأشياء وتسترها ولا تحكيها بين الناس، أما الإنسان الذي يكون شريراً، كأن سب دين الله عز وجل، ثم جاءت سيارة وصدمته فمات، فهذا إنسان يستحق أن يفضح بذلك؛ حتى يكون عبرة للخلق، أو يكون قد استهان بالمصحف فقصمه الله وفعل به كذا، فهذا يستحق أيضاً أن يفضح حتى يكون على ألسنة الناس، فيثنوا عليه شراً.

    إذاً: التحديث بما يحدث للظلمة من انتقام الله عز وجل وكسره إياهم جائز، ولم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم على الصحابة ذلك.

    ولكن عندما يرد الأمر بذكر محاسن الموتى، فهذا يراد به الإنسان المؤمن، أو الإنسان الذي ستر نفسه ولم يفضحها، أما الفاسق صاحب المعاصي الذي يموت على ذلك، فيحذر الناس من عمله، كأن نجد رجلاً يرقص ويشرب الخمر والحشيش بالليل ثم يصبح ميتاً، فهذا يخبر الناس عنه؛ حتى يتعظوا من هذه النهاية الأليمة الذي حصلت لهذا الإنسان فلا يفعلون فعله.

    إذاً: هنا فرق بين أن تستر على ميت بأشياء عادية تحدث منه ومن غيره ولكنها قد تكون شيئاً من الأذى، بحيث أنه يتأذى بها الحي أن يذكر عن ميته، فهذا شيء، وأن يكون الميت إنساناً مجرماً.. ظالماً.. فاسقاً.. كافراً.. يعصي الله عز وجل، ويحارب دين الله سبحانه، فيجعله الله عبرة حتى يتحدث الناس بآية من آيات الله عز وجل نزلت به فهذا شيء آخر وهو جائز.

    وليس الأجر العظيم مقصوراً على تغسيل الميت فقط، ولكن الحديث طويل رواه الإمام الحاكم والبيهقي من حديث أبي رافع وصححه الحاكم والذهبي ، وكذلك الشيخ الألباني رحمة الله على الجميع.

    وفيه: (من غسل مسلماً فكتم عليه غفر الله أربعين مرة، ومن حفر له فأجنه) أجنه أي: أخفاه وواراه بمعنى: دفنه، قال: (جرى عليه كأجر مسكن أسكنه إياه إلى يوم القيامة)، فالمقبرة التي تجعلها للناس كلما دفن فيها شخص كان لك أجر ذلك، وكأنك أجرت له منزلاً إلى يوم القيامة، والأجر عند الله عز وجل ولا يتحول إليك إلا يوم القيامة.

    قال صلى الله عليه وسلم: (ومن حفر له فأجنه) أي: دفنه في القبر وستره بالتراب، (جرى عليه كأجر مسكن أسكنه إياه إلى يوم القيامة).

    قال: (ومن كفنه كساه الله يوم القيامة من سندس وإستبرق الجنة) أي: من كفن ميتاً كساه الله سبحانه وتعالى من سندس وإستبرق الجنة، وهذا من فضل الله سبحانه وتعالى. وانظر عندما يكون الناس يوم القيامة عرايا حيث يقومون من قبورهم حفاة عراة غرلاً، فإذا بالله يكسو هذا الإنسان في يوم تعرى فيه الخلق؛ لكونه كفن إنساناً مؤمناً توفي.

    1.   

    فضل الصلاة على الميت، وتشييعه، وحضور دفنه

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب في الصلاة على الميت، وتشييعه وحضور دفنه، وكراهة اتباع النساء للجنائز ].

    عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من شهد الجنازة حتى يصلى عليها فله قيراط) أي: من حضر الجنازة وذهب إلى بيت الله عز وجل ليصلي عليها، أو في أي مكان يصلى فيه على الميت، وشهد الميت حتى صلى عليه فله قيراط من الأجر.

    قال صلى الله عليه وسلم (.. ومن شهدها حتى تدفن) أي: من شهد الجنازة من أول ما يصلى عليها حتى تدفن، قال: (فله قيراطان. قيل: وما القيراطان؟ قال: مثل الجبلين العظيمين). أي: جبلين من الأجر والثواب عند الله عز وجل.

    ولذلك يحرص العبد المؤمن على حضور الجنائز، خاصة جنائز المؤمنين الصالحين، فيصلي عليهم، ويدعو لهم، ويشهد الجنازة حتى يدفنها؛ وذلك ليرجع بهذا الأجر العظيم، فإذا تعذر عليه ذلك صلى على الميت؛ ليكون له نصف هذا الأجر.

    عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من اتبع جنازة مسلم إيماناً واحتساباً) وهذا شرط وقيد.

    فقوله: (إيماناً) أي: مصدقاً مؤمناً بأن هذا الاتباع فيه أجر من عند الله سبحانه وتعالى ومصدقاً لما قاله النبي صلى الله عليه وسلم.

    (واحتساباً) أي: يرجو الأجر من الله.

    فمن حضر الجنازة حرجاً من الناس الذين يأتون ويشهدون الجنازة، فلا أجر له. ولذا فعليك أن تصلح نيتك حال حضور الجنازة، وأن لا تهتم بالناس من حولك، فتحسن صلاتك لأنهم يرونك، فهنا الشيطان قد دخل عليك، وسوف يضيع عليك أجر الصلاة، فغير نيتك، واستغفر ربك، وأخلص لله سبحانه، وتعوذ بالله أن تعمل عملاً لغيره سبحانه. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك شيئاً أعلمه، وأستغفرك لما لا أعلمه).

    فإذاً: لابد أن تغير النية في الحال، واحضر الجنازة ولا تتركها، ولا تكن نيتك الحضور لأن الناس حضروا، ولكن اجعل نيتك أن تحضر اتقاء غضب الله سبحانه وتعالى، وابتغاء مرضاته.

    ولو كان نيتك حضور الجنازة لكي يراك فلان ويفرح لحضورك هذه الجنازة، فهذه نية طيبة حيث تطيب قلب أصحاب الميت وأهله، وهذا من باب ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم لما قام على القبر وقال للحافر: (وسع من هاهنا، وسع من هاهنا) يقول له: حسن القبر... والتفت لمن حوله وقال: (أما إنه لا يفعل بالميت شيئاً) يعني: من توسيع القبر أو تضييقه، لن يفعل بالميت شيئاً ولكن يطيب بذلك قلوب الأحياء، حيث يرون النبي صلى الله عليه وسلم مهتم بميتهم، ويقول: أوسع القبر واحفر جيداً، اعمل كذا.. مع أن هذا لا يعمل للميت شيئاً، فالميت ينضم عليه قبره حتى تختلف أضلاعه، ثم يفرج الله عز وجل عنه بعد ذلك، نعوذ بالله من ضيق القبر، ومن حفر النيران في القبور.

    فالقبر إما روضة من رياض الجنة واسعة فسيحة، وإما حفرة من حفر النيران على صاحبه.

    فإذا حضرت الجنازة واستحضرت نواياك، وآمنت بالثواب، واحتسبت الأجر عند الله، ونويت بحضورك إلى جانب تلك النية إفراح أهل الميت بوجودك معهم، فلا مانع من مثل هذا الشيء، طالما أنك لا تبتغي الرياء والسمعة بذلك وإنما تبتغي تطييب قلوب الناس بمثل هذا الشيء.

    نسأل الله عز وجل أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته.