إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. أحمد حطيبة
  4. شرح رياض الصالحين
  5. شرح رياض الصالحين - سؤال أهل المريض عن حاله وذكر ما يقوله من أيس من حياته

شرح رياض الصالحين - سؤال أهل المريض عن حاله وذكر ما يقوله من أيس من حياتهللشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • للمريض آدابٌ لا بد أن يلتزم بها، وكذلك لمن يزور المريض آداب، فلا بد للمريض أن يحفظ الذكر الخاص به الذي ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك آية الكرسي. ولزيارة المريض فضل عند الله سبحانه، ولا بد أن يكون الزائر خفيفاً رقيقاً غير مثقل على المريض في جلوسه، ويدعو له بالشفاء، ويبعث في قلبه الأمل بشفاء الله، وللمستأذن آداب لا بد أن يلتزم بها مبسوطة في مظانها، فينبغي أن تعلم.

    1.   

    استحباب سؤال أهل المريض عن حاله، وذكر ما يقوله من أيس من حياته

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين.

    قال الإمام النووي رحمه الله: [ باب استحباب سؤال أهل المريض عن حاله:

    عن ابن عباس رضي الله عنهما: (أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه خرج من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في وجعه الذي توفي فيه، فقال الناس: يا أبا الحسن ! كيف أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: أصبح بحمد الله بارئاً)، رواه البخاري.

    باب ما يقول من أيس من حياته:

    عن عائشة رضي الله عنه قالت: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم وهو مستند إلي يقول: (اللهم اغفر لي وارحمني وألحقني بالرفيق الأعلى) .

    وعند أحمد زيادة: (مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين) الحديث متفق عليه.

    وعنها قالت: (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بالموت عنده قدح فيه ماء وهو يدخل يده في القدح ثم يمسح وجهه بالماء، ثم يقول: اللهم أعني على غمرات الموت وسكرات الموت)، رواه الترمذي ].

    إن كل إنسان يعتريه المرض، وقد يصح من مرضه وقد يموت فيه، فالإنسان يتمسك بهذا الذكر العظيم الذي ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في المرض في حديث لـأبي سعيد وأبي هريرة رضي الله عنهما أنهما شهدا على النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من قال: لا إله إلا الله والله أكبر صدقه ربه فقال: لا إله إلا أنا وأنا أكبر، وإذا قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له يقول الله عز وجل: لا إله إلا أنا وحدي لا شريك لي، وإذا قال: لا إله إلا الله له الملك وله الحمد قال: لا إله إلا أنا لي الملك ولي الحمد، وإذا قال: لا إله إلا الله ولا حول ولا قوة إلا بالله قال الله: لا إله إلا أنا ولا حول ولا قوة إلا بي، وكان يقول: من قالها في مرضه ثم مات لم تطعمه النار) رواه الترمذي وحسنه، وصححه الشيخ الألباني رحمه الله.

    فلا بد من حفظ هذا الذكر العظيم، وليقله الإنسان المؤمن في مرضه لعله يتوفى في هذا المرض ويكون له أجر عظيم جداً، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من يقولها في مرضه ثم مات لم تطعمه النار).

    وجاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديث ذكر معين إذا كان آخر شيء قلته وختم لك به دخلت الجنة، كقول: لا إله إلا الله، فهذا ذكر، وقراءة آية الكرسي بعد الصلوات، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من قرأ آية الكرسي دبر الصلوات المكتوبة لم يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت) .

    فأنت إذا انتهيت من الصلاة وقرأت آية الكرسي، لو أنك مت في نفس اللحظة لدخلت الجنة، والمؤمن لما يجد مثل هذه الأحاديث فإنه يحرص عليها، ويحرص على أنه يقولها، ويذكِّر بعضنا بعضاً بذلك، فلما تجد إنساناً متعجلاً بعد الصلاة لحاجة ذكِّره وقل له: اقرأ آية الكرسي واختم الصلاة بها، فليس هناك شيءٌ يمنعك عن ذكر الله عز وجل، وإن كان وراءك قضاء حاجة فاقضها، لكن لا تنس أن تقول هذا الذكر العظيم آية الكرسي: اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ [البقرة:255] .

    وكذلك هذا الذكر العظيم تقوله في مرضك: (لا إله إلا الله، والله أكبر، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، لا إله إلا الله له الملك وله الحمد، لا إله إلا الله ولا حول ولا قوة إلا بالله) فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من قالها في مرضه ثم مات من هذا المرض لم تطعمه النار) ، فاحرصوا على هذا الذكر.

    ومن الآداب أيضاً: استحباب سؤال أهل المريض عن حاله، واستحباب عيادة المريض، وجاءت أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في عيادة المريض كقول النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه مسلم عن ثوبان رضي الله عنه: (إن المسلم إذا عاد أخاه لم يزل في خرفة الجنة -أي في بستان من بساتين الجنة وفي جنى الجنة- حتى يرجع) .

    وأيضاً في حديث علي رضي الله عنه ذكر: (ما من مسلم يعود مسلماً غدوة إلا صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يمسي، وإن عاده عشياً إلا صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يصبح، وكان له خريف في الجنة) أي: كانت لك بزيارتك له بستان في الجنة.

    فعيادة المريض لها آداب، من ذلك: استحباب سؤال أهل المريض عن حاله، فقد يكون المريض لا يقدر أن يقابل العائد؛ لأن الأطباء منعوا من زيارته، أو منع الأهل من زيارته، فأنت أخذت الأجر بذهابك، وتسأل أهل المريض عن حال المريض، وكان الصحابة يفعلون ذلك مع أهل النبي صلى الله عليه وسلم، ففي مرض النبي صلى الله عليه وسلم يصعب عليه صلى الله عليه وسلم زيارة المسلمين جميعاً له ويشق عليه ذلك؛ لذلك كان أدب المسلمين أنهم يسألون الأقارب، فهذا علي بن أبي طالب كانوا يدخلون عليه فيسألونه رضي الله تبارك وتعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    وهنا في حديث ابن عباس الذي رواه البخاري : (أن علياً رضي الله عنه خرج من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في وجعه الذي توفي فيه -في مرض وفاته عليه الصلاة والسلام- فقال الناس: يا أبا الحسن -يسألون علياً رضي الله عنه- كيف أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: أصبح بحمد الله بارئاً) يعني: نرجو له أن يبرأ وأن يشفيه الله سبحانه وتعالى، وقال ذلك بحسب ظنه أنه أصبح في النهار وصحته جيدة فنرجو له أن يبرئه الله عز وجل من هذا المرض، ولكن لم يحدث، وكان هذا المرض الذي فيه وفاة النبي صلوات الله وسلامه عليه.

    وعن عائشة رضي الله عنها قالت: (سمعت النبي صلى الله عليه وسلم وهو مستند إليَّ يقول: اللهم اغفر لي وارحمني)، والمريض يدعو إذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (اللهم اغفر لي) وقد قال له ربه سبحانه: لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ [الفتح:2]، ومع ذلك يدعو بالمغفرة، فالمؤمن إذا كان مريضاً يدعو من باب أولى، فقال: (اللهم اغفر لي، وارحمني، وألحقني بالرفيق الأعلى).

    إذاً: فدعاء الإنسان وهو مريض لعل هذا المرض مما يرجى برؤه، فعلى ذلك قد يصح هذا الإنسان من هذا المرض، وقد يموت، فليحرص على ذكر الله عز وجل، والدعاء بالمغفرة والرحمة، ويدعو بالشفاء، ويرقي نفسه، ويحسن الظن بالله سبحانه وتعالى.

    ذكر ما يقوله المريض إذا اشتد عليه المرض

    وإذا كان المرض قد اشتد على الإنسان المريض حتى أتعبه فإن النبي صلى الله عليه وسلم نهاه أن ييأس، أو يدعو على نفسه بالموت، فإن كان لابد فاعلاً فليدعُ بخير ويقول: (اللهم أحيني ما علمت الحياة خيراً لي، وتوفني إذا علمت الوفاة خيراً لي) ، إذاً: فهنا أرجعت الأمر والعلم إلى الله سبحانه وتعالى، ولعل الإنسان يعيش وهو مبتلى وتكون الحياة شراً له، مع أن المرض يكفر الله عز وجل به من سيئاته، ويرفع به في درجاته، فلعله لا يصبر، ولعله يتضجر من هذا المرض، أو ينعي حظه أنه كيف هو الذي مرض وغيره من الناس صحتهم سليمة، وبذلك ينتقد قضاء الله عز وجل وقدره، فإذا وصل الإنسان إلى القنوط واليأس ضيع ثوابه في هذا المرض الذي قدره الله عز وجل له ليرحمه به.

    إذاً: فيدعو بقوله: (اللهم أحيني ما علمت الحياة خيراً لي) ، إذا كانت الحياة زيادة في الذكر، وزيادة في العمل الصالح، وزيادة في الخير، وزيادة في الصبر فأحيني طالما أن الحياة خير لي.

    (وتوفني إذا علمت الوفاة خيراً لي) ، فإذا كانت حياتي شراً لي بحيث إني لا أقدر على هذا المرض ولا أصبر عليه وأتضجر منه، وأموت على غير ما أحب فتوفني، (إذا علمت الوفاة خيراً لي).

    وإذا كان الإنسان في السياق في آخر حياته وعرف أنه يموت فيقول الدعاء الذي قاله النبي صلى الله عليه وسلم: (اللهم اغفر لي وارحمني وألحقني بالرفيق الأعلى)، والرفيق: جنس، والرفيق من الرفقاء، والرفقاء في أعلى عليين عند الله عز وجل، وهذا الحديث في صحيح البخاري ومسلم بهذا الوصف.

    في زيادة عند الإمام أحمد تبين من هم الرفقاء قال: (مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً) ، إذاً: فهؤلاء هم الرفيق الأعلى عند الله عز وجل الذين طلب النبي صلى الله عليه وسلم أن يلحقه ربه سبحانه بهم.

    ومن الأحاديث الذي جاءت هنا في رياض الصالحين: ما رواه الترمذي بإسناد ضعيف عن عائشة رضي الله عنها قالت: (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بالموت عنده قدح فيه ماء، وهو يدخل يده في القدح ثم يمسح وجهه بالماء، ثم يقول: اللهم أعني على غمرات الموت وسكرات الموت) .

    إذاً: فهذا دعاء من الأدعية التي يقولها الإنسان: يا رب أعني على غمرات الموت وسكرات الموت، وكأن الغمرات: المقدمات وشدائد الموت، وسكرات الموت مقدماته التي تقوى على الروح حتى تغيبها عن إدراكها، فيدعو ربه سبحانه أن يعينه على ذلك.

    فالإنسان في مرضه يستشعر لا حول ولا قوة إلا بالله، وأنَّ الله هو الذي يعينه ويقويه، وأن الله هو الذي يمكنه من أن ينطق بكلمة التوحيد: لا إله إلا الله محمد رسول الله، فيدعو ربه سبحانه أن يعينه على ذلك.

    1.   

    آداب عيادة المريض

    جاء حديث عن ابن عباس رضي الله عنهما رواه البخاري ومسلم قال: (لما اشتد بالنبي صلى الله عليه وسلم وجعه قال: ائتوني بكتاب أكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعده، فقال عمر : إن النبي صلى الله عليه وسلم غلبه الوجع، وعندنا كتاب الله حسبنا) يعني: كفانا كتاب الله عز وجل فيه شرع ربنا سبحانه، لماذا نتعب النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من ذلك؟ قال: (فاختلفوا) ، وهنا لا ينبغي أن يختلف عند النبي صلى الله عليه وسلم، بل لا ينبغي أن يحصل عند المريض خلاف أبداً؛ لأن في ذلك مضايقة للمريض وإزعاج له، قال: (فاختلفوا فيما بينهم، فلما اختلفوا وكثر اللغط -يعني: الكلام الكثير- قال: قوموا عني، فقاموا من عند النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال: ولا ينبغي عندي التنازع) وعلى ذلك رضي النبي صلى الله عليه وسلم أن يكون فيهم كتاب الله وسنتُه صلى الله عليه وسلم.

    وابن عباس رضي الله عنه يقول: (إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين كتابه) يعني: يا ليتنا كنا صبرنا وسكتنا حتى يكتب لنا ذلك الكتاب، والله أعلم ماذا يكون في هذا الكتاب، وهي وصية من النبي صلى الله عليه وسلم، والله سبحانه وتعالى قد اختار لنا كل خير في كتابه وفي سنة النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يحجب عنا خيراً أبداً، فكأن النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الوصية يلخص لنا أشياء مما جاء في الشريعة، ولعله كان ينص بكلام واضح على أن الذي يأتي بعده هو أبو بكر الصديق رضي الله عنه، فقد أشار إلى ذلك في أحاديث.

    لكن الغرض: أنه يستحيل أن يكون شيء من شرع الله عز وجل قد كتم في هذه اللحظة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (هاتوا أكتب لكم كتاباً) يعني: بمضمون هذه الشريعة وبما أتيتكم به، وأذكركم بأشياء، ولذلك عمر رضي الله عنه قال: (حسبنا كتاب الله) عندنا كتاب الله وعندنا سنة النبي صلى الله عليه وسلم، فليس هناك زيادة أصلاً في آخر حياة النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما سينبه على أشياء عليه الصلاة والسلام مما هو في هذه الشريعة، ومستحيل أن يموت النبي صلى الله عليه وسلم وقد نقص شيئاً من الشرع لم يقله للناس عليه الصلاة والسلام.

    قال الحافظ ابن حجر في الفتح: يؤخذ من هذا الحديث أن الأدب في العيادة ألا يطيل العائد عند المريض حتى يضجره.

    فالإنسان الذي يعود المريض لا يجلس عنده فترة طويلة حتى لا يتعبه ويضايقه، وخاصة إذا كان الكلام والخلاف كثيراً بين الناس.

    قال: وألا يتكلم بما يزعجه. إذاً ينبغي في الزيارة ألا ينشغل الزائر بأحاديث جانبية مع أحد الجالسين؛ لأن في ذلك مضايقة للمريض، وهذا لا يليق أبداً، وهذه من الآداب التي تجدها مفقودة كثيراً بيننا، ولذلك تجد أحياناً زيارة المريض تكون ثقيلة على نفس المريض.

    ومن الناس من يزو المريض فيشكو له همومه من اختلافٍ أو مرض ونحوه، فيزيد المريض همَّا إلى همِّه؛ ولذلك قال ابن حجر: وألا يتكلم عند المريض بما يزعجه. وذكر جملة آداب العيادة منها: ألا يقابل الباب عند الاستئذان، وإنما يكون على يمين الباب أو شماله، وهذا من الأدب سواء في عيادة مريض أو في زيارة أي إنسان.

    وأن يدق الباب برفق، وأن يدق الباب ثلاث مرات فقط، وكذلك الجرس ونحوه.

    فأنت تذهبُ لتزور إنساناً في الله سبحانه وتعالى، إذاً: فترجو الثواب من وراء ذلك، وليس الإثم والعقوبة على ذلك، إذاً: فطرق الباب أو قرع الجرس يكون ثلاث مرات، ولا تزد على ذلك إلا إذا كان الذي تريده ينتظرك وهو الذي استدعاك لتأتي إليه.

    وينبغي لمن يطرق الباب ألا يبهم نفسه، وذلك حين تدق الباب فيقال له: من؟ فتقول: أنا، فأنت أبهمت نفسك بقولك: أنا، ولكن قل: فلان أو أنا فلان، وإن لم يسمح لك بالدخول أو قيل لك: ارجع فارجع ولا ضير في ذلك؛ لأن الله عز وجل يقول: وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا [النور:28].

    والصحابة كانوا يحبون تطبيق القرآن كله، وكان أحدهم يمر من عمره سنين يتمنى شخصاً أن يقول له: ارجع حتى يطبق هذه الآية: وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا [النور:28].

    والغالب أن قوله لك: ارجع صعب على نفسك، وقد تقول: هذا متكبر وهذا مغرور، وهذا لا يجوز، لكن أحسن الظن في الإنسان المسلم، فلعل له عذراً منعه من استقبالك، فلا بد أن تقتدي بالنبي صلى الله عليه وسلم لما ذهب إلى سعد بن عبادة إلى بيته وقال: السلام عليكم، فردوا عليه السلام سراً، ولم يفتحوا للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم مرة أخرى: السلام عليكم فردوا عليه السلام سراً ولم يفتحوا له، ثم قالها مرة ثالثة فلم يفتحوا له الباب، ورجع النبي صلى الله عليه وسلم، فأدركوا النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا له: يا رسول الله! أردنا أن نستكثر من سلامك ومن بركاتك، فعلمنا النبي صلى الله عليه وسلم أنَّ الاستئذان ثلاث مرات فقط ثم ينصرف، ولم يغضب النبي صلى الله عليه وسلم ولم يأخذ في نفسه شيئاً منهم، بل طلبوا منه أن يدخل فدخل وأكل عندهم صلوات الله وسلامه عليه، ودعا لأهل البيت عليه الصلاة والسلام.

    يقول لنا الحافظ ابن حجر : أيضاً من الآداب: ألا يحضر في وقت يكون غير لائق بالعيادة، لعلك تزور إنساناً مريضاً والطبيب يداويه وينظف له جرحه، أوتزوره وقت المتابعة، فليس من اللائق أن تزوره في مثل هذا الوقت، فاطْلب من أهل بيته أن يبلغوه السلام وانصرف.

    ومن آداب زيارة المريض: أن يخفف الجلوس إذا دخل عند المريض ولا يطيل، وأن يغض البصر، ويقلل السؤال، وأن يظهر الرقة، يعني: الرحمة للإنسان المريض، ولعل العائد يكون به مرض أشد مما في هذا المريض من مرض، لكن جاء ليعود مريضاً لا ليشكو همومه، إلا إذا سألك المريض عن حالك وهو يستأنس بذلك.

    ومن الآداب أيضاً: أن يخلص له في الدعاء، وأن يوسع له في الأمل، ويشير عليه بالصبر.

    ومن الآداب أيضاً أن يجتنب البدع في زيارته للمريض، فلا يقول شيئاً ليس من السنة، ولا يخترع دعاء مخالفاً للسنة، أو يعتبر أوقاتاً للزيارة ويقول: هذه من السنة، إلا إذا ثبت بها أحاديث عن النبي صلوات الله وسلامه عليه.

    يقول لنا ابن الحاج في المدخل: ينبغي له أن يحترز من هذه البدعة، فقد كان في زمانهم بدعة، وهي: المنع من العيادة يوم السبت، وشاعت هذه البدعة على كثير من المسلمين، حتى ذكر أن بعضاً من أهل العلم قالوا: ليس من السنة العيادة في يوم السبت، وحاولوا أن يجد لها أصلاً من الأحاديث، ولما رجعوا لأصلها وجدوا أنها ليهودي قالها وانتشرت بين المسلمين.

    قال ابن الحاج : أصلها أن يهودياً كان طبيباً لملك من الملوك، فمرض الملك مرضاً شديداً، وكان اليهودي لا يفارق عيده، وكان عيده يوم السبت، وكان هذا اليهودي يطبب الملك، فجاء يوم الجمعة فأراد اليهودي أن يمضي إلى سبته، فمنعه الملك فمكث بجوار الملك، فأخذ يؤلف أحدوثة تجعله يهرب يوم السبت من هذا الملك، فقال للملك: إن المريض لا يُدخَل عليه يوم السبت ولا ينبغي أن يدخل عليه، فقد يحصل للمريض شيء، فتركه الملك، فنشر اليهودي هذه البدعة حتى قالها بعض المسلمين، ثم شاعت بعد ذلك هذه البدعة وصار كثير من الناس يعتمدونها، حتى إني رأيت بعض الفضلاء ممن ينسب إليه العلم والصلاح ينسبها إلى السنة.

    ومن الآداب ما ذكره الإمام القاسمي في جوامع الآداب في أدب عيادة المريض يقول: خفة الجلسة، وقلة السؤال، وإظهار الرقة، والدعاء بالعافية، والأحسن في العيادة أن يستخبر من أهله، وأن يجتمع بهم وحدهم أو يهدي إليه السلام.

    أيضاً من الآداب: أنه لا يثقل على الإنسان المريض في الجلوس، حتى ولو كان المريض يقول له: اجلس، فقد يقولها أدباً، والزيارة تكون قصيرة وينصرف.

    يقول الشعبي: عيادة حمقاء القراء أشد على المريض من مرضه. أي: أن الإنسان الأحمق عيادته للمريض أشد على المريض من مرضه، قال: يعودونه في غير وقت عيادة، ويطيلون الجلوس عنده.

    ويقول ابن سيرين : إذا أتيت منزل قوم فلم ترض بما يأكلون، وسألتهم ما لا يجدون، وكلفتهم ما لا يطيقون، وأسمعتهم ما يكرهون فإن لم يخرجوك فهم لذلك مستأهلون.

    فالغرض: أن الإنسان الذي يزور المريض لا يكون ثقيلاً عليه، ولا يضايقه بكثرة السؤال، لكن يسأل عن حاله وينصرف، وإذا قيل له: ارجع، فليرجع، والله أعلم.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.