إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. أحمد حطيبة
  4. شرح رياض الصالحين
  5. شرح رياض الصالحين - ما جاء في الرؤيا وما يتعلق بها

شرح رياض الصالحين - ما جاء في الرؤيا وما يتعلق بهاللشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الرؤيا الصالحة من مبشرات النبوة، يعطيها الله للمؤمن تثبيتاً له وتبشيراً له بالخير، ومن رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم حقاً فسيراه حقيقة يوم القيامة، فالشيطان لا يتمثل به، وليس شرطاً أن كل مؤمن يرى رؤيا صالحة، وقد علمنا النبي صلى الله عليه وسلم أن نقص الرؤيا الصالحة على من نحب، وإن كانت رؤيا تكرهها فلا تقصها على أحد، بل انفث ثلاثاً عن يسارك واستعذ بالله من شرها.

    1.   

    الرؤيا الصالحة من المبشرات وهي جزء من أجزاء النبوة

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين.

    قال الإمام النووي رحمه الله: [باب الرؤيا وما يتعلق بها.

    قال الله تعالى: وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ [الروم:23].

    وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (لم يبق من النبوة إلا المبشرات قالوا: وما المبشرات؟ قال: الرؤيا الصالحة) رواه البخاري .

    وعنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المؤمن تكذب، ورؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة) متفق عليه.

    وفي رواية: (أصدقكم رؤيا أصدقكم حديثاً).

    وعنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (من رآني في المنام فسيراني في اليقظة -أو كأنما رآني في اليقظة- لا يتمثل الشيطان بي) متفق عليه.

    هذه أحاديث يذكرها الإمام النووي رحمه الله في باب الرؤيا وما يتعلق بها، والرؤيا: ما يراه الإنسان في منامه فإما أن يرى الإنسان في منامه خيراً، أو يرى شراً، فالذي يريده يجده وهو في منامه، أو أنه يرى شيئاً من تفكير ويحدث نفسه بها، أو تكون هذه الرؤيا من الله سبحانه وتعالى نوعاً من البشارة لهذا المؤمن، ولذلك في الحديث: (لم يبق من النبوة إلا المبشرات) فذكر أن المبشرات هي الرؤيا الصالحة.

    النوم من آيات الله

    يقول الله سبحانه: وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ [الروم:23].

    ويقوله سبحانه: وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ [الروم:22].

    فالعالم يرى هذه الآيات العظيمة العجيبة من آيات الله سبحانه، فمن الآيات اختلاف ألسنتكم وألوانكم، هذا أبيض، هذا أحمر، هذا أسود، هذا كذا، تختلف الألوان والخالق واحد سبحانه وتعالى، واختلاف ألسنتكم، هذا يتكلم بالعربية، وهذا الإنجليزية، وهذا فرنسية، هذا لسان عربي مبين، وهذا أعجم، والذي خلقهم هو الله الواحد الذي يسمع جميع الكلمات بجميع اللغات، ويستجيب لجميع الدعوات سبحانه وتعالى، فهذه آية من آياته سبحانه.

    ومن آياته المنام بالليل والنهار، والكل ينام ولا يوجد أحد لا ينام، إلا أن يكتب الله عز وجل عليه الأرق والمرض ليريكم آية من آياته سبحانه وتعالى، وأنكم محتاجون إلى هذا النوم، ولو مرت عليه أيام وليالٍ لا ينام يحدث فيه شيء فيجن في النهاية، ومنهم من يتعب ويموت إذا حرم من هذا النوم الذي يحتاجه، وهذا ينام بطريقة معينة، وهذا نومه بطريقة معينة، وهذا يرى رؤيا، وهذا لا يرى، والذي يجعل هذا كله هو الله سبحانه وتعالى، فهو يدبر كونه سبحانه ويريكم اختلاف الأشياء، فهو الله الواحد سبحانه وتعالى، وهو الذي خلق هذا كله، فآية من آيات الله سبحانه، هذا ينام ويرى رؤيا، وهذا ينام ويرى حلماً من أحلام الشيطان، وهذا ينام ويرى كذا، وهذا ينام ولا يرى شيئاً، والكل يجمعهم النوم، وهذا يقوم مفزوعاً من النوم، وهذا يقوم مسروراً من النوم، وهذا يقوم وكأنه لم ينم، ... وهكذا.

    فالله عز وجل يريكم آيات من آياته سبحانه وتعالى، والإنسان يحتاج إلى هذا النوم، فإذا استيقظت من نومك حمدت الله سبحانه على أن جعلك تنام وتستريح، ثم أحياك بعدما أماتك وإليه المصير سبحانه، وإليه النشور سبحانه وتعالى، فمن آياته منامكم بالليل والنهار، وتحتاجون إلى هذا النوم، وتعرفون قدرة الله وقوته وغناه سبحانه وتعالى، وهو سبحانه لا يحتاج إلى شيء، قال تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:11].

    وهو سبحانه لا يحتاج إلى النوم وفي الحديث: (إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام) سبحانه وتعالى، ويذكر النبي صلى الله عليه وسلم أن النوم أخو الموت، ولذلك أهل الجنة لا ينامون، ولا يحتاجون إلى النوم؛ لأنه لا تعب في الجنة ولا مشقة، فلا ينام أهل الجنة، بل يستمتعون في كل الأحيان وفي كل الأوقات، وبكل شيء يستمتعون، نسأل الله عز وجل أن يجعلنا من أهل جنته.

    يقول لنا ربنا سبحانه: اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ [البقرة:255].

    السِنَة: الخفيف من النعاس، والنوم: الثقيل من النعاس، فلا تأخذ الله سبحانه وتعالى سنة ولا نوم، ولا يعتريه ذلك سبحانه وتعالى، فالله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، بيده القسط والميزان يخفض ويرفع سبحانه وتعالى.

    شرح حديث: (لم يبق من النبوة إلا المبشرات)

    يقول أبو هريرة: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (لم يبق من النبوة إلا المبشرات، قالوا: وما المبشرات؟ قال: الرؤيا الصالحة) هذا الحديث جاء في رواية عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ذكر (لم يبق من النبوة إلا المبشرات قالوا: ما المبشرات؟ قال: الرؤيا الصالحة يراها المؤمن أو ترى له) إذاً: ترى أنت في منامك رؤيا صالحة، أو إنسان من المؤمنين يرى لك رؤيا طيبة صالحة، فتفرح أنت وتسر بهذا الشيء.

    وفي الحديث الآخر: (إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المؤمن تكذب، ورؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة) متفق عليه، يعني: اقتربت مدة انتهاء هذه الدنيا، وهذا من رحمة الله عز وجل بعباده، فكلما يقترب زمان الآخرة يبتعد الناس عن زمان النبوة، ويكثر الكفر ويكثر الفسوق، ويكثر التكذيب بآيات الله سبحانه، وبأحاديث الرسول صلوات الله وسلامه عليه، فيجد المؤمن نفسه غريباً في الدنيا فيحتاج إلى ما يثبته، فالله عز وجل يجعل هذه الرؤيا بشارة له، وتثبيتاً له فيطمئنه بذلك، ويثبت قلبه بهذه الرؤيا الصالحة الصادقة التي يراها، وكلما كان الإنسان صادقاً كانت رؤياه صادقة حقيقية، وكلما كثر كذبه كان بعيداً عن الرؤيا الصالحة الصادقة.

    يقول في الحديث: (إذا اقترب الزمان، لم تكد رؤيا المؤمن تكذب) أي: لم يكد يرى الرؤيا إلا وتتحقق كما رأى، ورؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة، أو جزءاً من ستين جزءاً منه، أو من سبعين أو من تسعين جزءاً أو من خمسة وعشرين جزءاً من النبوة، والمعنى: أن النبوة أجزاء، والرؤيا من صفات النبوة، يكون فيهم كذا ويكون فيهم كذا، فمن ضمن صفات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، الرؤيا الصادقة الصحيحة، لا يعتريهم الوساوس؛ لأنهم معصومون قد عصمهم الله، فالمؤمن كلما ازداد صدقاً اقترب من هذه الصفة، وليس معناه: أنه يصير نبياً، وليس كل من يرى الرؤيا الصادقة يصير إنساناً مؤمناً، ليس شرطاً هذا الشيء، ولكن الغالب ذلك، وقد يرى الكافر رؤيا صادقة صحيحة، ولكن المقصد هنا: أن الله يطمئن المؤمنين بمثل ذلك، ويكثر فيهم ذلك كلما اقترب الزمان؛ تثبيتاً من الله عز وجل لهم، وتبشيراً لهم، فيرى المؤمن رؤيا صالحة ويسر بها في هذا الزمن الذي يرى الإنسان نفسه أنه يعيش وحيداً، وأنه يعيش غريباً في وسط الناس، فالله سبحانه وتعالى يؤنسه بهذه الرؤيا، فقال: (رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة) أي: جزء من أجزاء النبوة أو صفة من الصفات التي فيها الرؤيا الصالحة، فهذا الإنسان كلما ازداد صلاحه اقترب من هذه الصفة التي عند الأنبياء, وهي صفة الصدق في الرؤيا.

    قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أصدقكم رؤيا أصدقكم حديثاً) الإنسان الذي يريد أن يرى رؤيا صادقة، لا بد أن يصدق في الحديث، فقد يكون صادقاً في كلامه، فالله عز وجل يمن عليه بذلك، والإنسان الكذاب نادراً ما يرى الرؤيا الصحيحة، وليس معناه: يستحيل أن يرى، بل الكافر يرى الرؤيا الصادقة أحياناً فكيف بالإنسان المسلم؟! ولكن المعنى في الحديث: أن الإنسان الصادق كثيراً ما يرى الرؤيا الصادقة من الله سبحانه وتعالى ويحدث فيها ما رآه، أو تكون فيها بشارة لهذا المؤمن على ما رآه.

    رؤية النبي عليه الصلاة والسلام في المنام

    من أعظم الرؤى التي يراها المؤمن أن يرى النبي صلى الله عليه وسلم في المنام، ففي حديث لـأبي هريرة متفق عليه: (من رآني في المنام فسيراني في اليقظة أو كأنما رآني في اليقظة) من رأى النبي صلى الله عليه وسلم في المنام فهذا دليل على الإيمان في قلبه، فالإنسان المؤمن يرى النبي صلى الله عليه وسلم بصفاته صلوات الله وسلامه عليه التي كان عليها في الدنيا، سواءً رآه صغيراً في السن أو كبيراً في السن، شاباً أو شيخاً، فهي مراحل مر بها النبي صلوات الله وسلامه عليه، ولها تأويلات عند علماء الرؤى.

    فالغرض: أن الذي يرى النبي صلى الله عليه وسلم في المنام، يبشره النبي صلى الله عليه وسلم أنه سيراه يوم القيامة، يعني: لن يكون بعيداً عن النبي صلى الله عليه وسلم، بل يكون قريباً منه صلى الله عليه وسلم يوم القيامة.

    والأمر الثاني: أنها رؤيا حق، رأى النبي صلى الله عليه وسلم صدقاً في هذا المنام، قال: (فسيراني في اليقظة)، وليس معناه: في الدنيا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم توفي، وانتهى أمر الدنيا بالنسبة للنبي صلى الله عليه وسلم وهو الآن في البرزخ في حياة برزخية، ليست لها صلة بالدنيا في شيء، لكن الذي رآه في المنام فسيراه، يعني: يوم القيامة يكون مع النبي صلى الله عليه وسلم، ويكون إمامه النبي صلوات الله وسلامه عليه، (من رآني في المنام كأنما رآني في اليقظة، لا يتمثل الشيطان بي) فجعل الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم خصيصة ومزية من المزايا أن الشيطان لا يتمثل به، فالشيطان لا يتشكل بشكل النبي صلى الله عليه وسلم، ومعلوم أن الشيطان يقدر على التشكل بصور بني آدم، يتشكل في صورة امرأة، ويتشكل في صورة رجل، ويتشكل في صورة فلان أو فلان، ويتشكل في صورة ثعبان، فالشيطان أعطاه الله عز وجل القدرة على ذلك ليفتن العباد، وخاصة في المنام يفعل ذلك، ولكنه لا يستطيع أن يتشكل في هيئة النبي صلوات الله وسلامه عليه، ولا يقول للإنسان في منامه: أنا محمد صلوات الله وسلامه عليه، فعلى ذلك الذي يرى النبي صلى الله عليه وسلم في المنام فقد رأى الحق، وأنه سيرى النبي صلى الله عليه وسلم أيضاً يوم القيامة.

    شرح حديث: (إذا رأى أحدكم رؤيا يحبها فإنما هي من الله ...)

    عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (إذا رأى أحدكم رؤيا يحبها، فإنما هي من الله تعالى، فليحمد الله عليها، وليحدث بها، وفي رواية: فلا يحدث بها إلا من يحب، وإذا رأى غير ذلك مما يكره فإنما هي من الشيطان، فليستعذ من شرها، ولا يذكرها لأحد فإنها لا تضره) في هذا الحديث يخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن المؤمن إذا رأى الرؤيا الطيبة التي يفرح بها، فهي من الله سبحانه وتعالى، فليحمد الله سبحانه وتعالى عليها، وليحدث بها، ولكن يحدث من يحب، فالناس إما محب لك الخير، وإما مبغض لك يكره لك الخير، ويحسدك على ما أنت فيه من نعمة، فهذا لا تقص عليه مثل ذلك، إذا قصصت عليه ذلك ازداد حسداً وازدادت غيرته، فلعله يؤولها بشر ويكون ما يؤوله لك حقيقة، فلذلك لا تقص الرؤيا إلا على إنسان يحبك، والذي يحبك إذا عرف بهذه الرؤيا شيئاً من الشر قال: خيراً، خيراً لنا وشراً لعدونا، وإذا وجد فيها خيراً بشرك بهذا الخير الذي فيها، هذا إذا كان يفهم تأويل الرؤيا، وإذا كان لا يفهم تأويلها سيقول: خيراً من الله سبحانه، ويقول: من ورائها الخير، فيخبرك النبي صلى الله عليه وسلم أن تقص الرؤيا على الإنسان الذي يحبك، وليس على الإنسان الذي لا يحبك، هذا في الرؤيا الصالحة الطيبة.

    لكن الرؤيا السيئة التي تسوء المؤمن وهي الحُلْم فلا يحدث بها؛ لأنه إذا رأى غير ذلك مما يكره فإنما هي من الشيطان، فليستعذ بالله من شرها ولا يذكرها لأحد فإنها لا تضره، وأحياناً يرى الإنسان كابوساً وهو نائم، فيقوم من النوم مفزوعاً، فيرى أشياء قد يكون من ورائها شر لهذا الإنسان، والرؤيا التي يراها في المنام غيب، ونحن لا نفهم في أمر الغيب، فالغيب لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى، والنبي صلى الله عليه وسلم يدلنا على أشياء فلنتمسك بما قال، فأخبر صلوات الله وسلامه عليه أننا لن نطلع على الغيب، ولا نعرف ما الذي يكون في الغد، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم إذا حذرك من شيء فلتحذر ولتلتزم الذي قاله النبي صلى الله عليه وسلم فإن الخير من ورائه.

    وجاء في الحديث: (الرؤيا على رجل طائر، فإذا عبرت وقعت) وليس هناك شيءٌ يستقر على قدم الطائر، فالطير إذا كان واقفاً على الأرض وجعلت فوق رجله شيئاً، فإذا طار الطائر سقط هذا الشيء، فكأن الرؤيا معلقة في مكانها تنتظر من يؤولها، فإذا قصصتها على إنسان يحبك حدثك بخير فكان خيراً من ورائها إذا شاء الله سبحانه، ولعلك تقصها على جاهل لا يفهم، أو إنسان يبغضك فيؤولها على شر ما يراه، فيقلب لك الشيء، وقد يكون هذا الذي قاله، فقد تعلَّق حوادثُ على كلمة يتلفظ بها إنسان، والله يفعل ويقضي في ملكه ما يشاء سبحانه وتعالى، لذلك يعلمك النبي صلى الله عليه وسلم أنك إذا رأيت الرؤيا الصالحة أن تقصها على من تحب ومن يحبك، وإذا رأيت غير ذلك فلا تكلم بها أحداً، فإنها لا تضرك، وكان من الصحابة من يرى الحُلمُ في منامه فيرى الكوابيس التي تفزعه، فلا يستطيع أن ينام أياماً وليالي ويحزن ويبقى متشائماً من هذا الذي يراه، حتى حدث النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، فطمأنه النبي صلى الله عليه وسلم أن هذه من تهاويل الشيطان ومن أضغاث الأحلام، ولا يلتفت إليها، وعلمهم ما يقولون إذا استيقظ أحدهم من منامه، فذهب عن الرجل ما كان يجده من جراء هذه الكوابيس.

    إذاً: النبي صلى الله عليه وسلم يعلمنا أنه إذا رأيت الرؤيا الصالحة فلتقصها على من تحب أو يحبك، وإذا رأيت غير ذلك فلا تحدث بها أحداً لا الذي يحبك ولا الذي يكرهك، ولعلها تكون من تلاعب الشيطان بك.

    جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم يقص عليه رؤيا في زعمه، وظن أنها رؤيا يراها فقال: رأيت رأسي تجري أمامي وأنا أجري وألحق بها! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لم يتحدث أحدكم بتلاعب الشيطان به؟) وهل هناك أحد يحكي مثل هذا الشيء؟ فلا يتحدث أحدكم بتلاعب الشيطان به، فلا تجعل نفسك سخرية أمام الناس، بأن تحكي شيئاً من التهاويل والأضغاث، فلا تقصها على أحد، ولكن تقص الرؤيا الصالحة، وليس معنى هذا: أنك كلما ترى رؤيا تصبح الصبح فتبحث عن أناس لتخبرهم بها، مثل كثير من إخواننا كل يوم يخبروننا برؤى! نحن نشرح أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم فإذا أنت رأيت رؤيا صالحة، فقصها على من تحب ممن يفهم تأويل الرؤى، فلا داعي أن نجد في الصباح الكثير من الإخوة يقص علينا الرؤى!

    شرح حديث: (الرؤيا الصالحة من الله)

    عن أبي قتادة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الرؤيا الصالحة -أو الرؤيا الحسنة- من الله) إذاً: الله سبحانه وتعالى يجعل ملكاً من الملائكة يلقيها عليك وأنت في منامك فترى شيئاً منه سبحانه وتعالى.

    قال: (والحلم من الشيطان) وفرق بين الحُلُم والحِلم، الحِلم بمعنى: الصبر، وهي صفة من صفات الصبر في الإنسان، لكن هنا قال: (والحُلُم من الشيطان، فمن رأى شيئاً يكرهه فلينفث عن شماله ثلاثاً، وليتعوذ من الشيطان فإنها لا تضره) فالإنسان الذي يرى حُلُماً من الأحلام إذا استيقظ من منامه يتفل عن يساره ثلاث مرات، وينفث يعني: يتفل من دون ريق، أو بِرِيق خفيف جداً عن يساره ثلاثاً كما ذكر هنا، وليقل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فإنها لا تضرك، وصدق النبي صلوات الله وسلامه عليه، فلتفعل ما قاله صلى الله عليه وسلم إذا رأيت ما يضايقك في المنام.

    وفي حديث لـجابر قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا رأى أحدكم الرؤيا يكرهها فليبصق عن يساره ثلاثاً) يعني: يتفل بريق خفيف، وليستعذ بالله من الشيطان، وزاد شيئاً قال: (وليتحول عن جنبه الذي كان عليه)، فإن كنت نائماً على الجنب اليمين فلتتحول عنه إلى الجنب اليسار، وإن كنت نائماً على الجنب اليسار فلتتحول عنه إلى الجنب اليمين وهكذا؛ لأن الشيطان يقعد لك فيه، فحين تغير مكانك يذهب عنك الشيطان.

    شرح حديث: (إن من أعظم الفرى أن يدعي الرجل إلى غير أبيه ...)

    قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث آخر: (إن من أعظم الفِرى أن يدعي الرجل إلى غير أبيه) أن يدعي أو يدعى فيقبل بهذا الشيء (أو يُرَيَ عينه ما لم ترَ)، والفرية: أشد أنواع الكذب، إنسان يفتري أي: يختلق كذباً وزوراً، فمن أعظم الفرى ومن أعظم الكذبات العظيمة الشنيعة أن يدعي الرجل إلى غير أبيه، يعني: يقول الإنسان: أنا فلان بن فلان، ويتسمى باسم رجل غير أبيه، مثل كثير من الممثلين وغيرهم، تجد أحدهم له اسمان: اسم في البطاقة، واسم أمام الناس! فمن أعظم الكذب أن الإنسان يتسمى لغير أبيه، قال صلى الله عليه وسلم: (أن يدعي الرجل إلى غير أبيه، أو يري عينه ما لم ترَ) هذا من أعظم الكذب.

    وجاء في حديث آخر أن هذا الإنسان يعذب في النار، الذي يكذب فيؤلف أنه رآى بالبارحة وهو لم يرَ شيئاً يكلف أن يعقد بين شعيرتين في النار من أجل أن يخرج منها، والمعنى: أنه لن يخرج من النار والعياذ بالله؛ لأنه يكذب على الله سبحانه.

    والرؤيا وحي من الله، والذي يختلق شيئاً في منامه فإنه يكذب على مقام النبوة، وعلى مقام الوحي من الله سبحانه وتعالى، فلذلك أخبر أنه من أرى عينيه ما لم ترياه يكلف يوم القيامة أن يعقد بين شعيرتين وما هو بعاقد، يعني: يقال له: أنت داخل النار، وإذا أردت أن تخرج منها فاربط بين شعيرتين، ومن يربط شعيرة في شعيره أخرى؟! يستحيل هذا الشيء، إذاً: يعذب دائماً والعياذ بالله بسبب كذبه، فاحذر أن تكذب في الرؤيا، أو أن ابنك يكذب عليك ويقول: أنا رأيت في البارحة كذا وكذا، فعليك أن تحذره من أن يكذب في المنام.

    فالمنام من الله سبحانه وتعالى، له ملك مخصوص يجعل هذا الإنسان يرى أشياء، والنوم هو الموتة الصغرى، والموت هو روح الإنسان تتجول في أنحاء الكون بحسب ما يشاء الله سبحانه وتعالى في وقت نوم الإنسان.

    لذلك من يحدث فيكذب فيها فإنه يستحق العذاب يوم القيامة على كذبه، وحتى تكون الرؤيا رؤيا صالحة وصادقة وبشارة للإنسان المؤمن فإن شرطه أن يكون صادقاً، أتريد أن تكون لك رؤيا صالحة تراها ومبشرات؟ كن صادقاً في حديثك ولا تكذب على أحدٍ من الناس، فإذا كنت كذلك أراك الله سبحانه وتعالى الرؤيا الصالحة، ومن أعظم ما ترى أن ترى النبي صلوات الله وسلامه عليه في المنام.

    وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يوحى إليه أول ما بدأ به الرؤيا الصادقة، وكان ذلك قبل أن تنزل عليه الرسالة، كان يرى الرؤيا الصادقة في النوم فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، وكان الكفار يلقبونه الصادق الأمين عليه الصلاة والسلام، فكان يرى هذه الرؤى الصالحة فإذا أصبح تحقق الذي رآه، ففي الحديث المتفق عليه من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: (كان أول ما بدأ به رسول الله صلى الله عليه وسلم الرؤيا الصادقة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء، ثم بعد ذلك نزل عليه الوحي من السماء).

    أنواع الرؤيا

    عن محمد بن سيرين أنه سمع أبا هريرة رضي الله عنه يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إذا اقترب الزمان لم تكد تكذب رؤيا المؤمن، ورؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة، وما كان من النبوة فإنه لا يكذب) يعني: الشيء الذي هو من خصال ومن صفات الأنبياء لا يكون فيه شيء من الكذب.

    يقول ابن سيرين : وكان يقال: الرؤيا ثلاث، يعني: السابقون قبلنا من الصحابة كانوا يقولون ذلك، الرؤيا ثلاث: حديث النفس، وتخويف الشيطان، وبشرى من الله.

    فالنوع الأول حديث نفس، كأن يكون الإنسان مهموماً بشيء يفكر فيه فنام في الليل فرأى ذلك الشيء الذي كان يفكر فيه في النهار، وهذه ليست رؤيا، ولكن حديث نفسي كان مشغولاً به، أو عادة من العوائد يراها الإنسان في النهار فتتحقق في الليل.

    والنوع الثاني: أن تكون تخويفاً من الشيطان وتهويلاً منه، وهي أضغاث أحلام تحدث لإنسان نائم والشيطان يبدأ يريه أشياء ويخوفه من أشياء، فيفزع الإنسان خائفاً من النوم والشيطان يفرح بهذا الشيء، لكن هذا من تهويل ومن كذب الشيطان.

    والنوع الثالث: بشرى من الله، أي: رؤيا تكون بشارة من الله، فإن رأى شيئاً يكرهه فلا يقصه على أحد وليقم فليصل، وهذه زيادة كانوا يفعلونها، نقلها ابن سيرين عن الذين قبله، وهو تابعي رضي الله عنه، كأنه يذكر أن الصحابة كانوا يفعلون ذلك، إذا رأى أحدهم الرؤيا التي يكرهها يقوم ويصلي لله سبحانه وتعالى، حتى يذهب الله سبحانه وتعالى ذلك.

    علم تأويل الرؤى

    قال ابن سيرين: كانوا يكرهون الغل في النوم، وكان يعجبهم القيد، هذا في تأويل الرؤى، وتأويل الرؤى علم من العلوم، وليس كل واحد يؤول الرؤى، وليس كل إنسان عنده كتاب تفسير الأحلام للنابلسي أو لـابن سيرين معناه أنه قد فهم تعبير الرؤى ويعبر الرؤى، ويجلس حوله الناس فيحكون له وهو يفسر لهم! هذه موهبة من الله سبحانه وتعالى، وهي علم من العلوم يجعله الله في قلب الإنسان، وهي فطنة وذكاء معين يتعلق بذلك، فإذا به يقارن الأشباه بأشباهها، وينزل الأشياء على مواضعها فيفهم الشيء، وكثير ممن يفسر الرؤى اليوم لا يفهم الفرق بين إنسان رأى القيد، وإنسان رأى الغل!

    يقال: القيد: ما يربط في قدم الإنسان، يقال: فلان مقيد، وقيدت الدابة، إذا ربطت رجلها بسلسلة في عمود في الأرض، قيدتها لأمنعها من الحركة، والغل يُفْعل بالأسير، بحيث تجمع يداه إلى عنقه وتربط في رقبته بسلسلة، هذا هو الغل، فكانوا يحبون القيد؛ فيؤول القيد على أنه ثبات في الدين، وكانوا يكرهون الغل؛ لأن فيه الذل وفيه الصغار للإنسان، وفيه أنه شكل أهل النار يوم القيامة والعياذ بالله، فعلى ذلك يقول لنا ابن سيرين : كانوا يكرهون الغل في النوم، وكان يعجبهم القيد، ويقال: القيد ثبات في الدين.

    وأحياناً بعض الرؤى يمكن للإنسان أن يراها على شيء معين ويكون لها تفسير معين، ويرى آخر نفس الذي رآه الأول، ويكون لها تفسير آخر! فليس شرطاً أن آتي بكتاب تفسير الأحلام وأرى فيه وأطبقه على شيء؛ وأقول: أنا أفهم في هذا العلم، العلم هذا له أهله، فالذي يعرف فيه هذا الذي يجوز له أنه يفسر، فالبقرة إذا رآها الإنسان في المنام يمكن أن يقول: بقرة فيها لبن وفيها خير، وفيها كذا، ورأى النبي صلى الله عليه وسلم البقرة في يوم أحد، ولم يعجبه أنه رأى هذه البقرة في المنام، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: (بقر في أصحابي) يعني: تبقر بطونهم، وبقرت بطن حمزة رضي الله تبارك وتعالى عنه، فرآها النبي صلى الله عليه وسلم ولم تعجبه أنه يرى في المنام ذلك.

    فقد يرى الإنسان شيئاً ولكنه لا يعرف المعنى الذي فيها، وإنسان آخر يؤولها له على خلاف الواقع، والذي يعبِّر الأحلام ينظر إلى الإنسان الذي يحدثه، فيأتي إنسان لـابن سيرين ويقول له: أنا رأيت رؤيا معينة فيها كذا وكذا، فنظر ابن سيرين وقال له: كذبت، أنت لم تر هذه الرؤيا، وهي ليست لك، يقول: صدقت حدثني بها فلان، فلان هذا من أولاد الأمراء، والرؤيا تعبيرها أنه سيكون أميراً، والذي يحكي لـابن سيرين هو شيخ ليس من أهل الإمارة، ولا يصلح أن يكون أميراً، فالذي يعبر الرؤى لديه فطنة.

    وهذا إنسان يأتي لـابن سيرين ويقول له: أنا رأيت شيئاً سيئاً في المنام، رأى هذا الإنسان أنه يطأ بقدمه على رسول الله صلى الله عليه وسلم! فالرجل فزع، ومعروف عنه أنه من المؤمنين الصالحين، فـابن سيرين نظر إليه وعرف أنه من أهل الصلاح فقال: نمت في خفك؟ قال: نعم قال: اخلعه، فخلع الحذاء ووجد فيه ورقة مكتوباً فيها اسم النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنها لصقت في رجله، وكان ما قاله ابن سيرين حقيقة! فلو أن إنساناً يجهل تفسير الأحلام وتعبير الرؤى لقال له: أنت ستموت كافراً، لذلك لا تحكي الرؤيا لإنسان جاهل لا يفهم في تعبيرها، لا تقص رؤياك على أي إنسان، ولكن إذا كانت رؤيا صالحة فقص على من تحب، أو من يفهم في ذلك، وإذا كانت رؤيا تكرهها فلا تقصها على أحد.

    نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.

    وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.