إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. أحمد حطيبة
  4. شرح رياض الصالحين
  5. شرح رياض الصالحين - تحريم إسبال القميص والكم والإزار وطرف العمامة على سبيل الخيلاء وكراهته من غير خيلاء

شرح رياض الصالحين - تحريم إسبال القميص والكم والإزار وطرف العمامة على سبيل الخيلاء وكراهته من غير خيلاءللشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد تهاون الناس في قضية قد تكون هينة عندهم لكنها عند الله عظيمة: وهي قضية الإسبال في الإزار، فإن النبي صلى الله عليه وسلم شدد في النهي عن ذلك، وقد عده بعض أهل العلم من الكبائر؛ لأنه تضمن الوعيد الشديد لفاعله، فيجب على المسلم ألا يتساهل في هذه القضية، فإنها جد خطيرة.

    1.   

    باب صفة القميص

    حرمة الإسبال على سبيل الخيلاء وكراهته بدون ذلك

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    قال الإمام النووي رحمه الله:

    [ باب صفة طول القميص والكم والإزار وطرف العمامة وتحريم إسبال شيء من ذلك على سبيل الخيلاء، وكراهته من غير خيلاء.

    عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الإسبال في الإزار، والقميص، والعمامة، من جر شيئاً خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة) رواه أبو داود والنسائي بإسناد صحيح.

    وعن أبي جري جابر بن سليم رضي الله عنه قال: (رأيت رجلاً يصدر الناس عن رأيه لا يقول شيئاً إلا صدروا عنه. قلت: من هذا؟ قالوا: رسول الله صلى الله عليه وسلم، قلت: عليك السلام يا رسول الله -مرتين- قال: لا تقل: عليك السلام، عليك السلام تحية الموتى، قل: السلام عليك، قال: قلت: أنت رسول الله؟ قال: أنا رسول الله الذي إذا أصابك ضر فدعوته كشفه عنك، وإذا أصابك عام سنة فدعوته أنبتها لك، وإذا كنت بأرض قفر أو فلاة فضلت راحلتك فدعوته ردها عليك، قال: قلت: اعهد إلي، قال: لا تسبن أحداً، قال: فما سببت بعده حراً ولا عبداً ولا بعيراً ولا شاة، قال: ولا تحقرن من المعروف شيئاً، وأن تكلم أخاك وأنت منبسط إليه وجهك إن ذلك من المعروف، وارفع إزارك إلى نصف الساق فإن أبيت فإلى الكعبين، وإياك وإسبال الإزار؛ فإنها من المخيلة، وإن الله لا يحب المخيلة، وإن امرؤ شتمك وعيرك بما يعلم فيك فلا تعيره بما تعلم فيه، فإنما وبال ذلك عليه) رواه أبو داود والترمذي بإسناد صحيح، وقال الترمذي : حديث حسن صحيح ].

    هذه الأحاديث يذكرها الإمام النووي رحمه الله في كتابه رياض الصالحين في باب صفة طول القميص والكم والإزار وطرف العمامة، وتحريم إسبال شيء من ذلك على سبيل الخيلاء، وكراهته من غير خيلاء.

    والمقصد من الباب: أن المسلم إذا لبس ثيابه فعليه أن يقتدي بالنبي صلى الله عليه وسلم وأن يطبق شرع الله عز وجل في ذلك، وألا يجري وراء الموضة والهوى، ووراء تقليد المشركين والكفار في أفعال يضلون بها الناس، ولكنه ينظر إلى ما كان يصنعه النبي صلى الله عليه وسلم، وإلى ما جرت عليه العادة في الأقوام في لباسهم فيلبس كما يلبسون مقتدياً بالنبي صلوات الله وسلامه عليه، فإن كان شيئاً من أفعال أهل الباطل من موضات ونحوها يوافق زي المشركين بحيث تظهر المرأة مفاتنها أو يظهر الرجل عورته وغير ذلك، أو تكون الثياب مما يستعمله المشركون في شعائر دينهم، فلا يجوز له أن يفعل ذلك.

    ويجب أن تكون الثياب طويلة للمرأة حتى تسترها أثناء سيرها، أما الرجل فلا بد أن يكون الإزار أو القميص أو البنطلون الذي يلبسه إلى فوق الكعبين (عظمتي الساقين) ولا يجوز أن يزيد عن ذلك، فإن فعل ذلك فإما أن يفعله خيلاء وإما أنه يسترخي منه بغير قصد، فإذا استرخى بغير قصد فقد يتركه وقد يرفعه، فإذا رفعه فقد أحسن وإذا تركه كره منه ذلك، أما إذا تعمد أن يصنعه طويلاً بأن طلب من الخياط أن يجعله مجرجراً في الأرض باعتبار أن هذه هي الموضة، أو ليمشي بين الناس على أنه إنسان غني فهذا هو المحرم.

    إذاً فعلى قول النووي أنه إذا فعل ذلك على سبيل الخيلاء فقط فهو حرام، فإن قيل: كيف يكون هذا التحديد بين الخيلاء وغير الخيلاء؟ الآن لو جئت إلى أكبر المغرورين على الأرض وقلت له: أنت مغرور وتلبس الثياب خيلاء، لقال لك: لست مغروراً ولا ألبسها خيلاء، فلا يوجد إنسان يذم نفسه.

    إذاً فكونه يذكر ذلك الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم (من جر ثوبه خيلاء) فكأنه تعمد أن يصنع الثوب على هذه الصورة، كما أن الذي لا يصنعه خيلاء تعمد أن يصنع الثوب على ما جاء في شرع النبي صلى الله عليه وسلم بأن يكون أقصاه إلى الكعبين، وهذا الذي صنع ثوبه أو بنطلونه على طول الكعبين قد يسترخى منه، فهل جر ثوبه خيلاء؟ فالجواب: أنه لم يتعمد ذلك لا في صنعه ولا في لبسه، فهذا ليس خيلاء، لكن يكره له أن يمشي على هذه الحال.

    وهذا سيدنا عمر وهو في مرض الموت يأتيه شاب من الأنصار إزاره مجرجر على الأرض، فقال: يا ابن أخي! ارفع ثوبك فإنه أنقى لثوبك وأتقى لربك.

    فلو أنا مشينا على ما يعتقده كل إنسان في نفسه، فسنلغي كلام النبي صلى الله عليه وسلم، فكل إنسان يلبس القمصان طويلة أو البنطلونات طويلة مجرجرة على الأرض ويزعم أنه لا يلبسها خيلاء.

    فهنا يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله لا ينظر إلى صلاة المسبل) وقال: (ما أسفل من الكعبين فهو في النار) فيعذب عليه صاحبه في النار لأنه تعمد ذلك.

    ومن الأحاديث التي أتت عنه صلى الله عليه وسلم قوله: (الإسبال في الإزار، والقميص، والعمامة، من جر شيئاً خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة)

    قال:(من جر شيئاً خيلاء) يعني: من الإزار أو القميص أو العمامة.

    وذكرنا قبل ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه مسلم عن أبي ذر رضي الله عنه: (ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم، فقال أبو ذر بعد أن قالها النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات: خابوا وخسروا! من هم يا رسول الله؟ قال صلى الله عليه وسلم: المسبل) الذي يطول هذه الأشياء؛ لكي يتحدث الناس عنه بأنه أشهرهم وأعتاهم.

    قال النبي صلى الله عليه وسلم: (والمنان) يعني: الذي يعطي الهدية والصدقة ويهب الهبة ثم يمن على من أعطاه ذلك.

    قال (والمنفق سلعته بالحلف الكاذب) أي: الذي يبيع السلعة فيكذب على المشتري فيقول: إنها أفضل ما يكون، وهو يبيعها برخص لحاجته إلى ثمنها وهو كاذب فيما يقول.

    نباهته صلى الله وسلم في قرع أبواب القلوب وتقريبها نحو خالقها جل في علاه

    ثم ذكر حديثاً يرويه أبو داود والترمذي عن أبي جري واسمه جابر بن سليم رضي الله عنه قال: (رأيت رجلاً يصدر الناس عن رأيه) وكأنه كان في أول إسلامه، فقد جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو لا يعرفه، فوجد أنه صلى الله عليه وسلم الناس يسألونه ويعملون بما يقول عليه الصلاة والسلام، (فسأل الناس: من هذا؟ قالوا: رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاء للنبي صلى الله عليه وسلم وقال: عليك السلام يا رسول الله -عليه الصلاة والسلام- فلما قال ذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: لا تقل: عليك السلام، عليك السلام تحية الموتى) وكانت عادة أهل الجاهلية حينما يذكرون فلاناً الذي مات يقولون: عليك السلام يا فلان، ومنه قول من قال:

    عليك سلام الله قيس بن عاصم ورحمته ما شاء أن يترحما

    فقال له ذلك لأنه قد مات.

    ويقول الشماخ :

    عليك سلام من أديم وباركت يد الله في ذاك الأديم الممزق

    فيقول له: عليك سلام الله، لكن الحي لا يقال له: عليك سلام الله، إنما يقال للحي: السلام عليك.

    بل علمنا النبي صلى الله عليه وسلم إذا جئنا عند القبور أن نسلم على الأموات بذلك: (السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم للاحقون).

    فإذا سلمنا على الأحياء أو أصحاب القبور فإننا نقول: السلام عليكم.

    ثم يقول هنا: (قلت: أنت رسول الله -عليه الصلاة والسلام-؟ فقال صلى الله عليه وسلم: أنا رسول الله الذي إذا أصابك ضر فدعوته كشفه عنك).

    وهذا الكلام العظيم جميل من النبي صلى الله عليه وسلم، فالرجل عربي وقد جاء يأخذ جمله وإبله وارداً إلى عين الماء ليشرب الجمل من البئر ثم يصدر، كما يصدر الصحابة عن كلام النبي صلى الله عليه وسلم، فالنبي صلى الله عليه وسلم يرويهم بكلامه العظيم وبأحكامه العظيمة عليه الصلاة والسلام فيصدرون عنه وقد شبعوا مما قال صلى الله عليه وسلم منفذين ما يقوله عليه الصلاة والسلام.

    فعظم قدر النبي صلى الله عليه وسلم في قلبه فقال: (أنت رسول الله؟!) معجباً ومتعجباً ومنبهراً بالنبي صلى الله عليه وسلم وبطاعة أصحابه له، فإذا به يتواضع عليه الصلاة والسلام ويقول: (أنا رسول الله -عليه الصلاة والسلام- الذي).

    ولم يقل هنا: أنا صفتي كذا وكذا، فطالما أنت منبهر ومندهش بذلك فاذكر نعم الله سبحانه عليك.

    قال: (أنا رسول الله سبحانه تبارك وتعالى الذي إذا أصابك ضر فدعوته كشفه عنك).

    قال: (وإذا أصابك عام سنة فدعوته أنبتها لك) فالله الذي ينبت لك الأرض حين يصيبك عام سنة، يعني: عام جدب، أو عام ليس فيه ماء، فلا سحاب نازل ولا مطر موجود ولا عيون ماء تروي بها الأرض، فإذا به يدعو الله عز وجل، فيفرج الله هذا الكرب عن العباد وينبت لهم سبحانه.

    قال: (وإذا كنت بأرض قفر أو فلاة فضلت راحلتك فدعوته ردها عليك) وانظروا إلى جمال كلامه صلوات الله وسلامه عليه!

    فهذا الرجل يتكلم في تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم (أنت رسول الله؟) عليه الصلاة والسلام، فإذا به يتواضع مبيناً أن الذي يفعل هذه الخيرات كلها، ويسديها إليك هو الرب القادر الذي يفعل ويفعل سبحانه تبارك وتعالى.

    قال: (أنا رسول الله الذي إذا أصابك ضر فدعوته كشفه عنك وإذا أصابك عام سنة فدعوته أنبتها لك، وإذا كنت بأرض قفر أو فلاة فضلت راحلتك فدعوته ردها عليك، قال الرجل: قلت: اعهد إلي)؛ لأنه أعجب بكلام النبي صلى الله عليه وسلم .

    فبدأ الرجل يدخل في هذا الدين ويقول للنبي صلى الله عليه وسلم: أوصني وقل لي مثلما قلت لهؤلاء فصدروا عن رأيك وقولك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تسبن أحداً) أي: إياك أن تسب أو تشتم أحداً، فإذا بالرجل يطيع رضي الله عنه، ويقول: (فما سببت بعده حراً ولا عبداً ولا بعيراً ولا شاة).

    ثم قال صلى الله عليه وسلم: (ولا تحقرن من المعروف شيئاً) واحتقار المعروف يمنع الإنسان من فعله، فإذا وجد مسماراً على الأرض لنجار مثلاً لم يعطه بحجة أن عنده كثيراً من المسامير فلا يحتاج إليه، فقد تستهين بشيء يكون فيه نفع لصاحبه الذي تعطيه إياه، وكذلك إذا وجد ثمرة تردد في إعطائها للمسكين وتعلل بقلتها مدعياً بأنه سيحرجه، ولو أعطاه لكان خيراً له حتى لو كان قليلاً فستجد له طالباً يطلبه، فافعل المعروف وأعن عليه ولا تحتقر منه شيئاً، قال: (وارفع إزارك إلى نصف الساق) أي: بين الركبة والكعبين.

    قال: (فإن أبيت)؛ لأن الإنسان يمكنه أن يقول: أريد لإزاري أن يكون طويلاً.

    قال: (فإن أبيت فإلى الكعبين) إذاً فآخر حدك عند الكعبين: وهي العظمتان اللتان في آخر الساقين.

    قال: (وإياك وإسبال الإزار) أي: أحذرك أن تطول الإزار عن الكعبين؛ ثم قال: (فإنها من المخيلة) إذاً فكون الإنسان يفعل ذلك ويطلبه فهذا هو الخيلاء، الذي منع منه النبي صلى الله عليه وسلم.

    قال: (فإنها من المخيلة، وإن الله لا يحب المخيلة) .

    ثم نصحه صلى الله عليه وسلم أيضاً فقال: (وإن امرؤ شتمك وعيرك بما يعلم فيك فلا تعيره بما تعلم فيه) وهذا أدب عظيم من آداب الإسلام، فإنك مأمور بالستر على عيوب الخلق وعيبوك.

    قال: (لو أن إنساناً عيرك) قال هنا: (بما يعلم فيك)، وقال في حديث آخر: (بما لا يعلم فيك) يعني: قد يعيرك بشيء موجود فيك أو بشيء ليس عندك لكنه يفتري عليك، فأنت إذا كنت تعرف فيه عيوباً فلا ترد عليه؛ ليكون وباله عليه.

    قال صلى الله عليه وسلم: (فلا تعيره بما تعلم فيه فإنما وبال ذلك عليه) .

    إذاً فاتركه يأخذ جزاءه يوم القيامة، ولا تعتد على سب الناس أو فضحهم، بل عليك أن تكون كاتماً لأسرار الناس ساتراً على عيوبهم، حتى وإن أرادوا فضيحتك، فإن الله تعالى يقول: إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا [الحج:38]، فالله يدافع عنك ويجعل الناس يحتقرون هذا الذي يتكلم عنك ويريد أن يفضحك بشيء فيك أو ليس فيك ويتكفل بالستر عليك، فلا تأبه لهذا الإنسان ولا تجاوبه بمثل ما قال.

    والمقصد من الحديث هو: قول النبي صلى الله عليه وسلم: (إياك وإسبال الإزار فإنها من المخيلة) فهو يعلم المسلمين التواضع وعدم تقليد أحد من الخلق، فإذا أردت أن تقتدي فإمامك وقدوتك والأسوة الحسنة لك هو النبي صلوات الله وسلامه عليه، يقول تعالى: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ [الأحزاب:21] ، وليكن حياؤك من الله عز وجل أعظم في قلبك من حيائك من الناس.

    رضا الله تعالى فيه السعادة والنجاة

    المؤمن ينظر في شرع الله بتمعن فينفذ ما أمره به الله ولا يستحيي من أحد، فإذا كان أهل المعاصي لا يستحيون من معاصيهم التي يفعلون، فتجده يعمل شعره بصورة معينة كالشيطان، ثم يمشي في الشارع ويقول: هذه موضة، ولا يستحيي من ذلك.

    وتجد المسلم يستحي أن يقصر القميص؛ لأن الناس سيقولون علي كذا وسيفعلون، فهنا أنت تقتدي بالنبي صلى الله عليه وسلم فمالك وللناس؟ فلو نظرت لكلام الناس فلن تذهب ولن تأتي، فمن الصعب أن ترضي الناس؛ لأن رضا الناس غاية لا تدرك، ورضا الله غاية تدرك فلا تترك هذه الغاية، ثم ما الذي يجعلك تعرض عن رضا الله إلى رضا الناس؟! وقد طمأنك النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (إذا أرضيت الله بسخط الناس رضي الله عنك وأرضى عنك الناس)، فرضا الله تبارك وتعالى هو أعظم الغايات وأجلها، قال: (ومن أرضى الناس بسخط الله سخط عليه الله وأسخط عليه الناس)، أرضى الناس بالنفاق والكذب والمعصية ثم بعد قليل يقول الناس: أليس هذا الذي كان يعمل المعصية وكان يعمل كذا وكذا لكي يجامل من حوله؟ إذاً فغضب الله على هذا الإنسان جعل الناس يغضبون عليه ولم يرضهم بذلك.

    فليكن لك طريق واضح هو طاعة الله سبحانه تبارك وتعالى، فالذي ترضيه بالمعصية قد يتوب يوماً من الأيام، ثم بعد ذلك يسخط عليك ويقول: كنت تغويني وتضلني، وكنت تنافقني وأنت تعمل هذا الشيء، فتسقط من عينه في يوم من الأيام، فما الذي يجعلك ترضي الناس بمعصية الله سبحانه؟!

    وهنا قال: (إياك وإسبال الإزار فإنه من المخيلة، والمخيلة لا يحبها الله سبحانه تبارك وتعالى).

    فلا تتعاظم على الناس، ولا تفعل شيئاً تحس فيه أنك أعلى من الناس، حتى إنك تجد بعض الناس يلبس نظارة معينة، ويضع على رأسه شيئاً معيناً كطرح النساء ثم يربطها ويمشي بها تقليداً للغرب في هذه الأشياء، ويظن أنه أصبح أعلى من الناس، وفي الغرب يعملون هذه الأشياء بداعي الحرية؛ لأنهم يشعرون في أعماق قلوبهم بشيء من الذلة والحقارة، فيريدون طرد هذا الشعور بهذه الأشياء العجيبة!

    حتى إنهم يعملون اجتماعات لأنفسهم في أماكن معينة؛ ليعمل كل واحد منهم ما يشاء، فهذا يغني بصوت مرتفع أوحش من صوت الحمار والآخرون يسمعون وهذا يرقص ويتمطط بزعم الحرية، وفي الحقيقة هم يريدون أن يهربوا من شيء لا يعلمون ما هو؛ لأن الشيطان سكن قلوبهم، ثم يحلو لهم الانتحار في النهاية، وهم بعكس المؤمن تماماً، فالمؤمن قد يبيت جائعاً تارة ومريضاً تارة أخرى إلا أنه راض بالله سبحانه وتعالى، والكفار يحسدون المؤمنين على هذا الرضا والطمأنينة بالله سبحانه كما يقول: أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [الرعد:28]، فلا يستطيعون أن يصلوا إلى هذا الشيء، وفي الآخر ينتحرون ليتخلصوا بزعمهم من هذه الدنيا، كفر في الدنيا ونار في الآخرة والعياذ بالله، ومع هذا كله تجد المسلم في النهاية يقلد هؤلاء ويجعلهم أئمة يتبعهم في دينه ودنياه، ويظل ماشياً وراءهم في شذوذهم وغرورهم في لباسهم وأفعالهم وكفرهم بالله سبحانه تبارك وتعالى، فأين عقل الإنسان المسلم؟!

    فالمسلم دينه الإسلام، وغايته واحدة وهي رضا الله سبحانه تبارك وتعالى، فإذا أرضى الله رضي الله عنه وأرضاه، وليس شرطاً أن يعطيك في الدنيا ليكون راضياً عنك، بل يرضيك الله بأن يجعل الطمأنينة في قلبك كما جعلها في قلب النبي صلى الله عليه وسلم، فكان يبيت الليلة والثانية والثالثة لا يجد في بيته طعاماً، ولا يوقد في بيته الشهر والشهرين نار عليه الصلاة والسلام، وقد كان يعصب الحجر على بطنه من شدة الجوع، ففي رضا الله عز وجل يهون كل شيء.

    فالإنسان المؤمن ينتظر رضا الله عز وجل عنه بأن يرضيه، وأن يجعل قلبه ممتلئاً بالإيمان، وأن يجعل في قلبه حب الله سبحانه تبارك وتعالى، فيستشعر أنه غريب في هذه الدنيا، وأنه كالإنسان المسافر المرتحل عن دار الغربة إلى دار الإقامة الأبدية، فلا يتوقف ولا يستريح إلا بعد أن يبلغ منيته وهدفه وهو الفوز بالجنة والنجاة من النار.

    فعلى المسلم أن يستشعر قصر وقت الدنيا، فيعمر دنياه بالطاعة والعبادة، ويجعل الموت نصب عينيه، فلو جاء ملك الموت لقبض روح الإنسان لتمنى أن يصلي ركعتين فقط لله عز وجل، وما هو بفاعل ذلك، ولو تركه يصلي ركعتين بمقابل ثمن معين يدفعه لدفع كل شيء في سبيل ذلك، والآن يستطيع أن يصلي ألف ركعة بل مليون ركعة فلم لا يفعل ذلك؟ ولم يغتر بهذه الدنيا ويترك طاعة الله ورضاه سبحانه تبارك وتعالى؟

    هل يعيد المسبل صلاته؟

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (بينما رجل يصلي مسبل إزاره، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: اذهب فتوضأ فذهب فتوضأ ثم جاء، فقال: اذهب فتوضأ، فقال له رجل: يا رسول الله! مالك أمرته أن يتوضأ ثم سكت عنه؟ فقال: إنه كان يصلي وهو مسبل إزاره، وإن الله لا يقبل صلاة رجل مسبل) رواه أبو داود ، قال النووي بإسناد صحيح على شرط مسلم ، لكن الإسناد نفسه فيه ضعف.

    وجاء في حديث آخر قوله: (من أسبل إزاره في صلاته خيلاء فليس من الله في حل ولا حرام).

    فالمعنى قريب، لكن الأمر بالوضوء من ذلك لم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    فالغرض: أن هذا الذي يصلي وهو مسبل إزاره -إن صح الحديث- فيكون أمر من النبي صلى الله عليه وسلم له بإعادة الصلاة من باب التأنيب له فحسب، وليس المعنى أننا نحكم عليه ببطلان صلاته، ولكن الحديث في إعادة الصلاة من إسبال الإزار لم يصح عنه صلوات الله وسلامه عليه، وإنما يكفي في ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يقبل الله صلاة مسبل) فقد صح عنه صلى الله عليه وسلم هذا الحكم.

    فلذلك احذر أن تصلي وأنت مسبل إزارك أو قميصك أو عمامتك أو بنطلونك، فلعل الله عز وجل لا يقبل منك هذه الصلاة.

    نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة.

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم.

    وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.