إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. أحمد حطيبة
  4. شرح رياض الصالحين
  5. شرح رياض الصالحين - التسمية في أول الطعام والحمد في آخره

شرح رياض الصالحين - التسمية في أول الطعام والحمد في آخرهللشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • حاجة الإنسان إلى الطعام ناشئة عن جبلته الآدمية التي فطره الله تعالى عليها، وداعية الشهوة في نفس الآدمي ترد به موارد الطمع في تحصيل حاجته من الطعام، وقد جاء الإسلام ليهذب النفوس بآدابه الحكيمة، ومن ذلك الآداب العظيمة المتعلقة بأكل الطعام، فشرع للآكل ذكر الله تعالى على طعامه، وحمد الله تعالى عند الفراغ منه، إلى جانب بعض الآداب الأخرى؛ ليهذب نفسه، ويطرد الشيطان عن طعامه، ويحصل رضا الله تعالى عنه ومغفرته له.

    1.   

    الآداب النبوية في أكل الطعام

    قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: [ كتاب آداب الطعام.

    باب التسمية في أوله والحمد في آخره.

    عن عمر بن أبي سلمة رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: (سم الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك) متفق عليه.

    وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا أكل أحدكم فليذكر اسم الله تعالى، فإن نسي أن يذكر اسم الله تعالى في أوله فليقل: باسم الله أوله وآخره) رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن صحيح.

    وعن جابر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إذا دخل الرجل بيته فذكر الله تعالى عند دخوله وعند طعامه قال الشيطان لأصحابه: لا مبيت لكم ولا عشاء. وإذا دخل فلم يذكر الله تعالى عند دخوله قال الشيطان: أدركتم المبيت. وإذا لم يذكر الله تعالى عند طعامه قال: أدركتم المبيت والعشاء) رواه مسلم.

    هذا باب آخر من كتاب رياض الصالحين للإمام النووي رحمه الله، فبعدما ذكر كتاب الآداب ذكر أدب الطعام.

    ويعني بذلك: ما ينبغي على المؤمن إذا أكل أن يصنعه من ذكر الله عز وجل، ومن طريقة معينة في الأكل يقتدي فيها بالنبي صلى الله عليه وسلم، ومن ترك أذية من يأكل معه، ومن ترك الجشع والنهم في طعامه وغير ذلك.

    ذكر الإمام النووي هنا باب التسمية في أوله والحمد في آخره، يعني بذلك أن السنة أنك تسمي الله عز وجل عند أول طعامك، وكلنا يعرف ذلك، وفي آخر الطعام يحمد المؤمن ربه سبحانه على ما أعطاه من فضله سبحانه.

    وأورد من الأحاديث حديث عمر بن أبي سلمة رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: (سم الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك) متفق عليه، وراوي هذا الحديث هو عمر بن أبي سلمة ، وأبوه هو أبو سلمة ، وأمه أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، فـعمر بن أبي سلمة كان حينها صبياً صغيراً، ولذلك جاء في رواية أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: (يا غلام! سم الله، وكل بيمينك وكل مما يليك)، وكان يأكل مع النبي صلى الله عليه وسلم فتطيش يده في الصحفة أو القصعة التي فيها الطعام، أي: يأكل مرة من أمامه ومرة من وسط الصحفة ومرة من آخرها، فعلمه النبي صلى الله عليه وسلم الأدب في الطعام، فهذا ابن زوجة النبي صلى الله عليه وسلم، وهو صبي صغير، ومع ذلك لا بد من التعليم والتعويد على الآداب في الطعام والشراب وغير ذلك؛ لأن الإنسان إذا شب على شيء شاب عليه، فإذا شب على أنه يأكل بيده الشمال، أو على أن يده تطيش في الصحفة، أو على أنه لا يحترم الذي أمامه في الأكل، أو على أنه يمد يده إلى الذي أمام غيره فيأخذه ويأكله، فإنه يصير هذا دأبه وطبعه بعد ذلك، فلذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يعود أصحابه من صغرهم على أن يتأدبوا بالآداب الشرعية، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (سم الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك)، وهذا أدب عظيم في الطعام، وهو تسمية الله سبحانه وتعالى، أي: تذكر اسم الله بقولك: (باسم الله) أو: (بسم الله الرحمن الرحيم)، فتسمي ربك في أول الطعام.

    قال: (وكل بيمينك) أي: لا تأكل بشمالك، وإنما كل بيمينك.

    (وكل مما يليك) هذا أدب ثالث، وهو أنك تأكل من أمامك، ولا تمد يدك إلى جهة غيرك، ولكن كل من أمامك ليبارك لكم في الطعام، ولا يكون في نفس بعضكم شيء على الآخرين.

    الأدب المتعلق بمن نسي ذكر الله تعالى على طعامه

    عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا أكل أحدكم فليذكر اسم الله تعالى) أي: يبدأ بتسمية الله سبحانه، ولعل الإنسان ينسى حين يأكل فيمد يده ويطعم، فيذكره النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (فإن نسي أن يذكر اسم الله تعالى في أوله فليقل: باسم الله أوله وآخره).

    يعني: إذا نسي وبدأ في طعامه فحين يذكر يستدرك فيقول: (باسم الله أوله وآخره) يعني: في أول الطعام على اسم الله سبحانه نأكل، وفي آخر الطعام على اسم الله أيضاً نأكل.

    فضل ذكر الله تعالى في طرد الشياطين عن الأكل والمبيت

    عن جابر كما في صحيح مسلم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إذا دخل الرجل بيته فذكر الله تعالى عند دخوله وعند طعامه قال الشيطان لأصحابه: لا مبيت لكم ولا عشاء).

    هذا الحديث يفسر ما قبله، ويبين الحكمة من تسمية الله سبحانه وتعالى في أول طعامه، فتسمي الله تبركاً باسمه سبحانه وتعالى، وتسمي الله سبحانه وتعالى فيحدث الخير والزيادة والبركة في طعامك، وتسمي الله عز وجل فيطرد عنك الشياطين التي تريد أن تأكل معك وتذهب بالبركة من الطعام الذي تأكله.

    فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (إذا دخل الرجل بيته فذكر الله تعالى عند دخوله وعند طعامه قال الشيطان لأصحابه: لا مبيت لكم ولا عشاء)، فحين تدخل البيت تقول: باسم الله. وتعلم أطفالك ذلك، وتعلم الزوجة ذلك عند دخول البيت، وكذلك أنت حين تدخل بيت غيرك، فحين تدخل تقول: (باسم الله)، ولا تكن مصاحباً للشيطان في الدخول إلى بيتك أو بيت غيرك، فالداخل بغير ذكر الله عز وجل يدخل معه الشيطان تابعاً له، فتعود على أنك لا تدخل الشياطين بيتك بأن تدخل فتقول: (باسم الله)، وعود أولادك حين يدخلون البيت أن يقولوا: (باسم الله) فلا يأتي الشيطان ولا يدخل بيتك طالما أن الداخلين إلى البيت يقولون: (باسم الله).

    قال صلى الله عليه وسلم: (إذا دخل الرجل بيته فذكر الله تعالى عند دخوله وعند طعامه قال الشيطان لأصحابه: لا مبيت لكم ولا عشاء) فلا ينال منك شيئاً، لن ينقص لك طعامك، ولن يذهب بالبركة الموجودة في هذا الطعام، ويقول لأصحابه: لا مبيت لك، فستنامون في الشارع، ولن تناموا داخل البيت، ولن تدخلوا مع هذا الإنسان بيته، ولا طعام لكم، فستبيتون جوعى ليس لكم طعام عند هذا الإنسان؛ لأنه ذكر الله عز وجل على طعامه.

    قال صلى الله عليه وسلم: (وإذا دخل فلم يذكر الله تعالى عند دخوله قال الشيطان: أدركتم المبيت)، فحين يدخل المرء البيت يكون الشيطان واقفاً له بالمرصاد، ليرى هل سيدخل ويسمي أم لا، فإذا لم يسم الله سبحانه وتعالى يفرح الشيطان ويقول لأتباعه: أدركتم المبيت، أي: ستبيتون الليلة في هذا البيت، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

    قال: (وإذا لم يذكر الله تعالى عند طعامه قال: أدركتم المبيت والعشاء)، فالشيطان يهنئ نفسه بالإنسان الذي لا يذكر الله سبحانه وتعالى، فيدخل معه بيته، ويأكل معه طعامه، فيصبح وليس هناك بركة في هذا البيت.

    ولذلك فإن الإنسان الذي يعتاد على ألا يذكر الله سبحانه وتعالى تجده مبتلى بالوساوس، ومبتلى بعدم البركة، ومبتلى بأنه ينام فيرى الكوابيس؛ لأنه يدخل ويدخل الشيطان معه إلى بيته، والحل للتخلص من ذلك يسير، وهو أنه حين يدخل بيته يسمي فيقول: أبدأ مستعيناً بذكر اسم الله سبحانه تبارك وتعالى.

    استحلال الشيطان للأكل مما لم يذكر اسم الله عليه

    أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن حذيفة رضي الله عنه قال: (كنا إذا حضرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم طعامه لم نضع أيدينا حتى يبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فيضع يده) فهنا بيان أدب الصحابة مع النبي صلى الله عليه وسلم، حيث اعتادوا على أن الذي يبدأ هو النبي صلى الله عليه وسلم، فيبدأ ويسمي ثم يأكلون هم معه صلى الله عليه وسلم، وفي مرة من المرات حضروا مع النبي صلى الله عليه وسلم طعاماً، قال حذيفة : (فجاءت جارية كأنها تدفع) أي: جاءت طفلة صغيرة كأن أحداً دفعها، جاءت تجري إلى الطعام ومدت يدها إلى الطعام، قال (فذهبت لتضع يدها في الطعام) فيا ترى ماذا عمل النبي صلى الله عليه وسلم؟ إنها طفلة صغيرة، فهل قال: دعوها لتأخذ من الطعام ما في نفسها؟! إنه لم يقل هذا، بل أمسك يدها صلى الله عليه وسلم، ومنعها من أن تأكل؛ إذ لم يأكل النبي صلى الله عليه وسلم بعد، ثم جاء أعرابي كأنما يدفع، والأعراب فيهم غلظة في أخلاقهم وصعوبة وشدة، فهم أجلاف، فجاء هذا الأعرابي، وما استأذن، ومد يده إلى الطعام ليأكله، فأمسك النبي صلى الله عليه وسلم بيده هو الآخر، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الشيطان يستحل الطعام ألا يذكر اسم الله تعالى عليه)، فالشيطان يريد أن يأكل من هذا الطعام، ويريد أن يمنع البركة في هذا المكان، فلأجل أن يأكل وسوس لهذه الجارية بأن: اذهبي وضعي يدك في الأكل. فحين تمد يدها يمد هو يده مع يد هذه الجارية، ووسوس لهذا الأعرابي بأن: مد يدك بغير إذن ومن غير ذكر الله عز وجل. ويده مع يد هذا الأعرابي، أمسك النبي صلى الله عليه وسلم بيدي الاثنين، ثم قال صلى الله عليه وسلم: (وإنه جاء بهذه الجارية ليستحل بها) أي: لأجل أن يستحل هذا الطعام: (فأخذت بيدها، فجاء بهذا الأعرابي ليستحل به فأخذت بيده، والذي نفسي بيده إن يده في يدي مع يديهما ثم ذكر اسم الله تعالى وأكل).

    فالذي يمنع الشيطان ويدفعه عن ذلك الطعام هو ذكر اسم الله تعالى عليه. فالشيطان لا يزال وراء الإنسان يوسوس له، فإذا لم يقدر عليه يسلط عليه غيره، فالإنسان في حاله قد يذكر الله عز وجل، فيأتي الشيطان إلى هذا الإنسان ويحاول أن يوسوس له ليبعده عن ذكر الله سبحانه تبارك وتعالى، فإذا لم يستطع الوسوسة والخداع لهذا الإنسان فإنه يسلط عليه من بجواره، فيأتي ويلهيه بقوله: أتذكر الشيء الفلاني؟ أتذكر القصة الفلانية؟ أتذكر العمل الفلاني؟ فيخرجه عن ذكره لله سبحانه وتعالى.

    ولذلك فإن المؤمن يعتصم بالله عز وجل، ويلجأ إلى الله سبحانه تبارك وتعالى، ويستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، ويسمي الله عز وجل عند دخوله بيته، وأكله طعامه وغير ذلك.

    تأذي الشيطان من ذكر الله تعالى على الطعام

    روى أبو داود والنسائي عن أمية بن مخشي الصحابي رضي الله عنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جالساً ورجل يأكل) أي: في مرة من المرات كان النبي صلى الله عليه وسلم جالساً وأمامه رجل يأكل، فهذا الرجل لم يقل: (باسم الله) قال: (حتى لم يبق من طعامه إلا لقمة) يعني: مضى يأكل، ولم يبق إلا لقمة واحدة في الطعام، قال: (فلما رفع اللقمة إلى فيه قال: باسم الله أوله وآخره. فضحك النبي صلى الله عليه وسلم) فهو يرى ما لا نرى صلوات الله وسلامه عليه، حيث أطلعه الله عز وجل على أشياء من الغيب، فهنا رأى الرجل يأكل والشيطان يأكل معه من هذا الطعام، فلما تذكر الرجل في آخر لقمة وقال: (باسم الله أوله وآخره) استقاء الشيطان ما في بطنه، فلم يهنأ بهذا الطعام، ولم يستقر في جوفه، وإنما استقاء بسبب ذكر الله سبحانه وتعالى.

    محق بركة الطعام بترك ذكر الله تعالى عليه

    أخرج الترمذي عن السيدة عائشة رضي الله عنها قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأكل طعاماً في ستة من أصحابه) أي: كان في مرة من المرات جالساً ومعه ستة من أصحابه يأكلون من قصعة فيها طعام يكفي هؤلاء الستة، فأكل النبي صلى الله عليه وسلم وأكل أصحابه معه، وكانوا في بداية الطعام، قالت (فجاء أعرابي وجلس فأكل الطعام كله بلقمتين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أما إنه لو سمى لكفاكم) أي: لو أن هذا الأعرابي الجاهل قال: (باسم الله) لكفاكم هذا الطعام. فذكر الله عز وجل يجعل البركة تحصل في الطعام، ويجعل الإنسان يخاف من الله عز وجل، فالأكل موضوع، والذي يمنع الإنسان من أن يمد يده فيأكل ما أمامه إلا أن يتذكر ربه سبحانه، فيخاف من الله أن يحاسبه على ذلك، فلو أن هذا الأعرابي قال: (باسم الله) فذكر الله لاستحيى من كونه يقصر الأكل كله على نفسه ويأخذه كله من أمام النبي صلى الله عليه وسلم ومن أمام أصحابه، ولأكل على تؤدة، ولكفى الطعام الجميع. ولكن الإنسان الذي لا يذكر الله يزين له الشيطان شهواته، ويقول له: كل لكي تشبع، فلن تجد أكلاً مثل هذا بعده. فيمد يده ويأكل الطعام كله، ويترك من أمامه لا يجدون شيئاً!

    فالتسمية تحدث البركة في الطعام، وبها يجعل الله عز وجل في قلب الإنسان التقوى التي بها يحافظ على نفسه وعلى غيره، بل يؤثر غيره على نفسه، فحين يأكل ويرى غيره لا يأكل يقول: هو أولى مني بهذا الشيء. فيعطي الطعام لغيره وحينئذٍ يكفي الجميع.

    ولذلك جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (طعام الواحد يكفي الاثنين، وطعام الاثنين يكفي الثلاثة أو الأربعة)، فإذا أكل الإنسان بمعدة كاملة أكل الطعام كله، وإذا أكل وترك شيئاً لنفسه وشيئاً لشرابه أمكن أن يأكل آخر معه فالطعام الهنيء الطيب يكفي عدداً من الناس. فإذا قال الإنسان: (باسم الله) حدثت التقوى في قلبه، فآثر غيره على نفسه، وأشبعه الله عز وجل بالذي أكله وجعل في الطعام بركة، وأبعد الشيطان عنه.

    ما يقال عند الفراغ من الطعام

    روى البخاري عن أبي أمامة رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا رفع مائدته قال: الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، غير مكفي ولا مودع ولا مستغنىً عنه ربنا)، فهذا الحديث العظيم فيه أن الإنسان يقول كما قال النبي صلى الله عليه وسلم، فيعرف حق المنعم سبحانه وتعالى الذي أنعم على العبد بالطعام، وأنعم عليه بالشراب، وهو يُطْعِمُ ولا يُطْعَمْ سبحانه وتعالى، فالله عز وجل يكفيك وهو غير مكفي سبحانه وتعالى، فهل أحد يكفي الله عز وجل؟ أما نحن فكل منا يقول: أنا أحتاج إلى من يكفيني، وأحتاج إلى من يؤويني، وأحتاج إلى من يطعمني ويسقيني. فكلنا نحتاج إلى ذلك، أما ربنا سبحانه وتعالى فلا أحد يكفيه، فهو مستغنٍ عن العالمين سبحانه وتعالى، ولا يحتاج إلى أحد.

    فيقول النبي صلى الله عليه وسلم: (الحمد لله) يعني: أثني على الله سبحانه بالثناء الجميل الذي يستحقه سبحانه على أسمائه الحسنى وصفاته العلى، وعلى ما أنعم به علينا من فضل ونعم.

    وقوله: (حمداً كثيراً طيباً) أي: يطيب هذا الحمد على لسان المؤمن، فيكون المقصود به الحمد الكثير، الحمد الذي يقوله الإنسان مع تنزيهه ربه سبحانه عن أي نقص.

    وقوله: (مباركاً فيه) يعني حمداً يزداد كلما زادت نعم الله سبحانه وتعالى.

    قوله: (غير مكفي) يعني: لا أحد يطعمه سبحانه، ولا أحد يسقيه حاشاه سبحانه وتعالى، فلا يحتاج إلى أحد، بل هو الذي يُطْعِمُ ولا يُطْعَمْ سبحانه وتعالى.

    (ولا مودع ولا مستغنى عنه ربنا) يعني: لا نودع ولا نستغني عن ربنا سبحانه وتعالى، ولا نودع هذا الطعام بحيث يكون آخر طعام، فربنا سبحانه يعطي ويعطي، كما قال تعالى: لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ [إبراهيم:7]، فنحن غير مستغنين عن طعام يطعمناه ربنا سبحانه، ولا عن شراب يسقيناه ربنا سبحانه وتعالى، فقوله: (ولا مودع) يعني: غير متروك الطلب.

    وكأن المعنى أن ربنا سبحانه وتعالى غير محتاج إلى أحد سبحانه، ولا نودعه سبحانه وتعالى، بل نحتاج إليه أبداً سبحانه وتعالى، ولا نستغني عنه، وهذا الذكر يقال بعد الطعام.

    وفي حديث آخر رواه أبو داود والترمذي من حديث معاذ بن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من أكل طعاماً فقال: الحمد لله الذي أطعمني هذا ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة غفر له ما تقدم من ذنبه).

    فانظر إلى كرم ربنا سبحانه وتعالى، فهو كريم عظيم سبحانه وتعالى، أعطى، وأطعم، وسقى، ثم يقول: لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ [إبراهيم:7]، فإذا أكل المرء وحمد الله تعالى أو شرب وحمد الله تعالى غفر له ربه سبحانه وتعالى بالشيء القليل الذي يقوله، وهو قوله: (الحمد لله).

    فقول المرء: (الحمد لله الذي أطعمني هذا ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة) معناه أن ربنا هو الذي أطعمني، وهو الذي رزقني هذا من غير حول مني، أي: من غير حيلة مني، ولكن الرزق بيد الله سبحانه، فهو الذي وجهني، وهو الذي جعلني أكسب هذا الشيء بفضله ورحمته، فهو الذي يوفق العبد للكسب الهنيء الطيب، فلا حول للعبد ولا قوة له إلا بالله سبحانه وتعالى، فإذا قال ذلك غفر الله عز وجل له ما تقدم من ذنبه.

    نسأل الله عز وجل أن يغفر لنا ذنوبنا، وأقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.

    وصل -اللهم- وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.