إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. أحمد حطيبة
  4. شرح رياض الصالحين
  5. شرح رياض الصالحين - وجوب طاعة ولاة الأمر في غير معصية وتحريم طاعتهم في المعصية

شرح رياض الصالحين - وجوب طاعة ولاة الأمر في غير معصية وتحريم طاعتهم في المعصيةللشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد أمر الله تعالى بطاعة ولاة الأمر في غير معصية، وفي ذلك صلاح للمجتمع عظيم، وخير للمسلمين كبير، وفي معصية ولاة الأمور أو طاعتهم في المعصية، فساد كبير، وشر مستطير.

    1.   

    وجوب طاعة ولاة الأمور في غير معصية

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلّ وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    قال الإمام النووي رحمه الله: [باب وجوب طاعة ولاة الأمور في غير معصية وتحريم طاعتهم في المعصية.

    قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ [النساء:59].

    وعن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (على المرء السمع والطاعة فيما أحب وكره، إلا أن يؤمر بمعصية، فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة) متفق عليه.

    وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: (كنا إذا بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة يقول لنا: فيما استطعتم) متفق عليه.

    وعنه رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من خلع يداً من طاعة لقي الله يوم القيامة ولا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية) رواه مسلم .

    وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة) رواه البخاري].

    هذا باب من كتاب رياض الصالحين يذكر فيه الإمام النووي وجوب طاعة ولاة الأمور في غير معصية وتحريم طاعتهم في المعصية.

    المسلم يطيع الله سبحانه تبارك وتعالى، ويطيع الرسول صلوات الله وسلامه عليه، ويطيع من ولاه الله عز وجل عليه، وهذا من حكمة شرع رب العالمين سبحانه، فيسمع ويطيع كما أمر الله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ [النساء:59].

    فولاة أمور المسلمين لهم السمع والطاعة ما حكموا بكتاب الله عز وجل وبسنة النبي صلى الله عليه وسلم حتى ولو وقعوا في المعاصي، فالدين ينظر إلى مصلحة جماعة، ولا ينظر إلى مصلحة الأفراد واحداً واحداً بغض النظر عن مصلحة الجميع، بل النظرة لجميع المسلمين، ولو أن المسلمين مع ولاة أمورهم كلما حدثت معصية من ولاة الأمر قاموا بالإنكار والخروج عليهم بالسيف فلن تستقر بلاد المسلمين أبداً، وستكون دائماً في حروب؛ ولذلك الصحابة سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقالوا: (أفلا ننابذهم بالسيف؟ قال: لا، ما أقاموا فيكم الصلاة)، وفي رواية قال: (ما صلوا) أي: طالما أنهم يصلون ويقيمون الصلاة ويأمرون بها، ويؤذن للصلاة في البلاد، ولم تروا منهم كفراً بواحاً يخرجهم عن دين الله عز وجل؛ فلا تنابذوهم بالسيف، والمنابذة بالسيف فيها مصلحة، وتركها فيها مصلحة، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان)، وهذا إذا وجد المنكر مع آحاد الناس، أما مع ولي الأمر فالنبي صلى الله عليه وسلم يحذر أن يخرج عليهم بالسيف.

    فولاة الأمور في كل زمان لهم من يتابعهم، فمعهم جيشهم، ومعهم قوتهم وسلاحهم، والذي يخرج عليهم وينابذهم بالسيف على شيء قد يكون يسيراً سوف يقتل الكثيرون من المسلمين على شيء قد يكون صغيرة وليس كبيرة.

    فنظر الإسلام إلى أن مصلحة حقن الدماء أولى من أن تأمر بالمعروف فيقتتل الناس ويترتب على ذلك مفسدة عظيمة، ولذلك لما قالوا: (أفلا ننابذهم بالسيف؟ قال: لا، ما أقاموا فيكم الصلاة)، ولما أخبرهم عن ولاة الأمور الظلمة، وقال: (ويضربون أبشاركم، ويأخذون أموكم، قالوا: أفلا ننابذهم بالسيف؟ قال: لا).

    فالنبي صلى الله عليه وسلم نظر إلى مصلحة حقن دماء المسلمين، حتى ولو ظلم البعض وضرب البعض، ولكن إذا خرج الجميع عليهم فسيحدث بين المسلمين اقتتال، وسيقتل الكثيرون، وفي خلال ذلك يدخل أعداء الإسلام إلى دار الإسلام فيتحكمون فيهم، فيكون المسلمون هم الذين ضيعوا أنفسهم بذلك، وقد جاء في صفة الإنكار على ولاة الأمور أنك تنكر بالمعروف، ولا تهن سلطان الله في الأرض، كما سيأتي في الحديث الصحيح الذي رواه الترمذي وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من أهان سلطان الله في الأرض أهانه الله).

    إذاً: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع آحاد الناس يكون على ما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا كان مع ولاة الأمور فتنصح وتسمع وتطيع إلا أن ترى كفراً بواحاً عندك فيه من الله سلطان، ففي هذه الحالة تأمر وتنهى وتغير كما أمر الله سبحانه تبارك وتعالى.

    السمع والطاعة لولاة الأمور بالمعروف

    قال الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ [النساء:59].

    (أولي الأمر منكم) أي: من المسلمين، حكام المسلمين الذين يحكمونهم بشرع الله سبحانه حتى وإن كانوا عصاة.

    عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (على المرء المسلم السمع والطاعة) أي: تلزمه طاعته طالما أنه في دار إسلام، وأنه تولى عليه من يقيم الصلاة ومن يحكمه بشرع الله عز وجل سواء كان براً أو فاجراً؛ فعليه أن يسمع وأن يطيع في المعروف، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: (إنما الطاعة في المعروف)، وقال: (على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره، إلا أن يؤمر بمعصية).

    إذاً: إذا أمر ولي أمر المسلمين بمعصية فلا سمع له ولا طاعة، فالمسلم يسمع لكتاب الله، ولسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإذا أمر بالخير أطاع ونفذ، وإذا أمر بالكفر وبالخروج عن دينه، وبالمعاصي فلا سمع ولا طاعة لأحد.

    وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: (كنا إذا بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة يقول لنا: فيما استطعتم).

    انظر إلى رحمة النبي صلى الله عليه وسلم بالمؤمنين، هم يبايعونه وهو يأمرهم بطاعة الله عز وجل، يقولون: بايعناك على السمع والطاعة في المنشط والمكره، وعلى أثرة علينا، وألا ننازع الأمر أهله، فيقول لهم: قولوا: فيما استطعنا، يعني: بقيد الاستطاعة، فقد يقدر الإنسان على أشياء فتلزمه، وقد تستحيل عليه، فلا يكلف الله نفساً إلا وسعها، فكان يعلمهم أن يقولوا: فيما استطعنا.

    شرح حديث: (من خلع يداً من طاعة لقي الله يوم القيامة ولا حجة له)

    عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من خلع يداً من طاعة لقي الله يوم القيامة ولا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية).

    قوله: (من خلع يداً من طاعة) هذا في ديار الإسلام، إذا كان الحكام مسلمين يحكمون المسلمين بشرع رب العالمين سبحانه، وسواء كان هؤلاء الحكام مطيعين أو عصاة وتولوا الأمر على المسلمين، فإذا حكموهم بكتاب الله عز وجل وبسنة النبي صلى الله عليه وسلم فالواجب على المسلم السمع والطاعة، فإذا خلع اليد من الطاعة، وخرج على الحاكم الذي يحكم الناس بالمعروف، ويقول: أنا أولى بالخلافة من هذا، أنا أولى بالإمارة، ويخرج ومعه جيش، ثم كل إنسان يرى أنه أفضل من غيره، وأنه يستحق أن يملك الحكم دون غيره، ويقتتل المسلمون بعضهم مع بعض، ويتحكم أعداء المسلمين في المسلمين، فكلما تنازع المسلمون وجاءت الفتن من داخلهم قوي أمر أعدائهم، وزادت شوكتهم على المسلمين؛ فلذلك يحذر النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين من المناوشات فيما بينهم بسبب الطمع على الدنيا حتى وإن غلفوا ذلك بثوب الدين، وقالوا: نحن أفضل من هذا، ونحن لو نشكل حكومة سنعمل كذا، ونعمل كذا، ونكون أفضل من هذا، وما يدريك أن الله عز وجل يفتنك إذا كنت على هذا الأمر؟!

    فطالما أن الحاكم الموجود يحكمك بالمعروف بشرع الله عز وجل بدين رب العالمين، فليس لك أن تخرج عليه حتى وإن ظلمك، فإذا خرج الإنسان عليه وقال: لا طاعة، وكل إنسان قال: لا أسمع ولا أطيع، ويأتي الكفار إلى بلاد المسلمين فيقول للناس: اخرجوا جاهدوا! فيقول هذا: لا أجاهد معه، والآخر يقول: لا أجاهد معه، والثالث يقول: لا أجاهد معه، فلا يكون هناك جيش للمسلمين، فيدخل الكفار ديار المسلمين، وينتهكون حرمات المسلمين، ويأخذونهم عبيداً وأسرى عندهم، وينتهكون نساء المسلمين، وتضيع ديار المسلمين، وهذا بسبب هذا التفكير القاصر، وقوله: أنا الذي أصلح للخلافة، ولن أسمع ولن أطيع لهذا، فتضيع البلاد.

    فالنبي صلى الله عليه وسلم يأمر المسلمين أن يكونوا جماعة، والإنسان الذي يخرج عن ذلك فكأنه خلع ربقة الإسلام من عنقه، خلع حبل الإسلام الذي يأمره أن يكون مع المسلمين، قال عليه الصلاة والسلام: (من مات وليس في عنقه بيعة)، أي: في دار الإسلام، ووجود من يحكم المسلمين بكتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم، براً كان أو عاصياً، فبره ينفع نفسه وينفع الناس، وعصيانه على نفسه، وإذا أمر بالمعصية فلا سمع ولا طاعة في المعصية، وإذا أمر بالمعروف فله السمع والطاعة، لكن لا يفترق المسلمون، ولا يطلب كل منهم لنفسه رياسة أو حكماً، فإن من يطلب ذلك لا يعينه الله عز وجل عليه، يقول: (من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية) أي: كميتة أهل الجاهلية.

    التحذير من مفارقة الجماعة والخروج عن الطاعة

    وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من خرج من الطاعة وفارق الجماعة فمات مات ميتة جاهلية، ومن قاتل تحت راية عميّة يغضب لعصبة أو يدعو إلى عصبة أو ينصر عصبة فقتل فقتلة جاهلية، ومن خرج على أمتي يضرب برها وفاجرها، ولا يتحاشى من مؤمنها، ولا يفِي لذي عهد في عهده؛ فليس مني ولست منه).

    يقول الحافظ ابن حجر في شرح هذا الحديث وما في معناه: أي كموت أهل الجاهلية، وليس معناه أنه كافر، ولكن مات كما يموت أهل الجاهلية، كل منهم يكون وحده لا إمام له، ولا له جماعة ينتمي إليها؛ لأنهم كانوا لا يعرفون ذلك فيموتون على الضلال، وليس المراد أنه يموت كافراً، بل يموت عاصياً، ويحتمل أن يكون التشبيه على ظاهره، ومعناه: أنه يموت مثل موت الجاهلي، وإن لم يكن هو جاهلياً.

    وفي الحديث قال صلى الله عليه وسلم: (من فارق الجماعة شبراً فكأنما خلع ربقة الإسلام من عنقه)، ذكر الحافظ ابن حجر عن ابن بطال قال: في الحديث حجة في ترك الخروج على السلطان، وأن طاعته خير من الخروج عليه لما في ذلك من حقن الدماء وتسكين الدهماء، وحجة جمهور العلماء هذا الخبر، بل أجمع الفقهاء على ذلك، ولم يستثنوا من ذلك إلا إذا وقع من السلطان الكفر الصريح، الكفر الذي لا تأويل له، بحيث يحكم عليه أنه كفر وخرج من الملة، فلا تجوز له الطاعة، ويخلعه أهل الحل والعقد، ويقاتلونه إن أصر على ذلك.

    ففي هذا الحديث أن على المسلمين أن يجتمعوا وألا يفترقوا، وألا يكونوا شيعاً كل حزب بما لديهم فرحون، بل يجتمع الجميع، ويكون للدولة جيش يحمي هذه البلدة، ويجب على المسلمين أن يتعاونوا على البر والتقوى ما استطاعوا، ويتناهوا عن المعاصي ما استطاعوا، طالما أنهم يحكمون بشرع الله عز وجل، فإذا قال لهم حكامهم: لا نحكم بشرع الله، ولا نريد شرع الله، وسنحكم بغير ما أنزل الله، ففي هذه الحالة لا سمع ولا طاعة في مثل هذا، إنما السمع والطاعة في المعروف، فيما إذا أمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر، فيما إذا تمسكوا بكتاب الله عز وجل، والتمسك بكتاب الله عز وجل فيه العصمة للجميع حكاماً ومحكومين، فإذا خرجوا عن ذلك فلا سمع ولا طاعة.

    جاء عن ابن عباس رضي الله عنه في تفسير قول الله سبحانه: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ [المائدة:44]، فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [المائدة:45]، فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [المائدة:47] قال: نزلت في اليهود، يقصد أنها فيهم، وأيضاً فيمن كانوا مثلهم، فمن ألغى حكم الله عز وجل، وقال: أنا أحكم بغير شرع الله لأنه أفضل من حكم الله سبحانه، فهو كافر، لكن لو أن إنساناً عرف حكم الله عز وجل في شيء فلم يحكم به، مع إقراره أن هذا حكم الله سبحانه، ثم قال: لا أقدر أن أحكم به، وأخاف إن حكمت به أن يحدث كذا وكذا، وأنا مقر ومؤمن به، فهذا ليس كفراً أكبر مخرجاً لصاحبه من الملة، إنما الكفر المخرج لصاحبه من الملة أن يستبدل دين الإسلام بغيره، وأن يقول: شرع غير الله أفضل من شرع الله، أو يقول: يسعني أن أحكم بغير شرع الله سبحانه تبارك وتعالى، أما من يقر بذلك كله ثم يعصي، فهذا عاص، لقول ابن عباس : كفر، وهي دون كفر، وهي في مثل حالة المقر بشرع الله عز وجل الذي يقيمه أحياناً، ويترك أحياناً، ولكن لا يتركه بالكلية، فإن رماه وراء ظهره محتقراً له مستهيناً به، مفضلاً غير شرع الله عز وجل عليه، فهذا هو الكفر الصريح.

    شرح حديث: (... وإن أمتكم هذه جعل عافيتها في أولها..)

    عن عبد الله بن عمرو قال: (كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فنزلنا منزلاً، فمنا من يصلح خباءه، ومنا من ينتضل، ومنا من هو في جشره)، يعني: كان الصحابة مع النبي صلى الله عليه وسلم فنزلوا في مكان، فبعضهم كان ينتضل أي: يرمي بالنبل، وبعضهم في جشره، أي: يرعى دوابه، قال: (إذ نادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم: الصلاة جامعة، فقال صلى الله عليه وسلم: إنه لم يكن نبي قبلي إلا كان حقاً عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم وينذرهم شر ما يعلمه لهم)، ففيه نصيحة الأنبياء لمن أرسلوا إليهم، فيدلونهم على خير ما يعملونه، وينذرونهم من شر ما يعلمونه.

    قال: (وإن أمتكم هذه جعل عافيتها في أولها) أي: في عهد الصحابة رضوان الله تبارك وتعالى عليهم. قال صلى الله عليه وسلم: (وسيصيب آخرها بلاء وأمور تنكرونها، وتجيء فتن يرقق بعضها بعضاً) أي: يأتي على الناس فتن، (يرقق بعضها بعضاً) فيأتي بلاء على الناس فيقولون: هذه مصيبة ما حصل مثلها أبداً، ثم تذهب وتأتي بعدها مصيبة أشد منها فيقال: المصيبة الأولى يسيرة بجانب هذه، وهذه التي جاءت أشد وأشد .. وهكذا، فيقول صلى الله عليه وسلم: (يرقق بعضها بعضاً، وتجيء الفتنة فيقول المؤمن: هذه مهلكتي ثم تنكشف، وتجئ الفتنة فيقول المؤمن: هذه هذه، فمن أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وليأت إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه)، يدلنا صلوات الله وسلامه عليه على الخير، فالذي يحب أن يموت على الخير، ويحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة، فليأته الموت وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، ويحصل أصول الإيمان، (وليأت إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه)، فما تحبه من الناس فافعله بهم، فأنت تحب من الناس أن يكونوا مخلصين معك فكن مخلصاً معهم، وتحب منهم أن يحبوك فأحبهم، وتحب منهم ألا يغدروا بك وألا يضايقوك فابدأ أنت بذلك فلا تغدر بهم ولا تضايق أحداً ولا تؤذ أحداً، فإذا أتتك منيتك وأنت كذلك فأنت من أهل الجنة.

    يقول صلى الله عليه وسلم: (ومن بايع إماماً -أي: حاكماً من حكام المسلمين- فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه فليطعه إن استطاع)، طالما أنه يستطيع الطاعة في المعروف فليطعه، حتى إذا كان حاكم هذه الدولة المسلمة يظلم ويفجر ويقع في المعاصي، ولكنه مسلم، يحكم المسلمين بكتاب الله سبحانه تبارك وتعالى وسنة النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا جاء إنسان وقال: أنا خير منه، وأنا أفضل، وأنا أحكم بكل كتاب الله وبكل سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وأنا أفعل وأفعل ... ونحو هذا الكلام، وكل إنسان لا يعجز عن الكلام أن يقوله، لكن إذا صار هو السلطان فلعله ينسى هذا كله، وكم من إنسان كان من العباد ومن العلماء، فلما عرضت عليه الوزارة وعرضت عليه الرياسة إذا به يطلق هذا ويتركه!

    ذكر الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء أن رجلاً اسمه ابن الزيات كان عالماً من العلماء، وكان يستفتيه الناس، وكان .. وكان، ثم عرضت عليه الوزارة في الدولة التي هو فيها، فلما جاءته الوزارة أخذ كتاب الله فطواه، وقال: هذا فراق بيني وبينك!

    فأي إنسان يقول: أنا أحسن، أنا أفضل، أنا أعمل، لا تصدقه حتى تراه في هذا المكان، وترى ما الذي سيصنعه، فعندما تراه في هذا المكان فبعد ذلك ثق أو لا تثق؛ لذلك لا تخرج على حاكم موجود بزعم أنك أفضل منه، يقول النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث: (من بايع إماماً فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه فليطعه إن استطاع، فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر)، اضربوا عنق الآخر حتى لو كان أحسن من الأول؛ لأنه لن يصل إلى الحكم إلا بقتال بين المسلمين، ولذلك كان سيدنا الحسن بن علي رضي الله عنه غاية في الذكاء وغاية في التقوى رضي الله تبارك وتعالى عنه، فلما تولى الخلافة ومعه جيش عظيم جداً، وخرج أهل الشام مع معاوية ومعه جيش عظيم جداً، قال الحسن بن علي : إذا تقاتلنا سيسقط قتلى كثيرون، وإذا انتصرنا وقد خسرنا هؤلاء القتلى جميعهم فما الذي نكسبه من هذا النصر؟! فكان رأيه أن مال إلى الصلح، فوصفه النبي صلى الله عليه وسلم بالسيادة وقال: (إن ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين طائفتين عظيمتين من المسلمين)، فتنازل عن الملك رضي الله تبارك وتعالى عنه لـمعاوية بن أبي سفيان رضي الله تبارك وتعالى عن الجميع، وفضل الدار الآخرة على هذه الدنيا، فانظر إلى حكمته ورحمته بالمسلمين تطبيقاً لما قاله النبي صلى الله عليه وسلم.

    فهنا النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (فاضربوا عنق الآخر)، فلأن يقتل واحد أفضل من قتل جموع من المسلمين، وكأنه يحذر من تسول له نفسه بطلب الإمارة ومنازعة الأمر أهله إلا إذا رأى كفراً يعلم كل ذي عينين أن هذا كفر لا تأويل فيه، فإذا كان كذلك فمن حق أهل الحل والعقد أن يبايعوا إنساناً آخر، ويلغوا بيعة الأول الذي هجر كتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم، والله أعلم.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.

    وصلّ اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.