إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. علماء ودعاة
  3. محاضرات مفرغة
  4. أحمد حطيبة
  5. شرح رياض الصالحين
  6. شرح رياض الصالحين - التواضع وخفض الجناح للمؤمنين

شرح رياض الصالحين - التواضع وخفض الجناح للمؤمنينللشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يخفض جناحه لمن اتبعه من المؤمنين، وأوحى إليه أن يخبر أمته بأن يتواضعوا، وألا يفخر أحد على أحد، ولا يبغي أحد على أحد، وأخبر صلى الله عليه وسلم أنه ما تواضع أحد لله إلا رفعه، فالتواضع خلق حميد يحبه الله ورسوله.

    1.   

    ما جاء في التواضع وخفض الجناح للمؤمنين

    ذكر بعض النصوص الدالة على فضل التواضع

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    قال الإمام النووي رحمه الله:

    [ باب التواضع وخفض الجناح للمؤمنين: قال الله تعالى: وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [الشعراء:215].

    وقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ [المائدة:54].

    وقال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ [الحجرات:13].

    وقال تعالى: فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى [النجم:32].

    وروى مسلم عن عياض بن حمار رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله أوحى إلي أن تواضعوا، حتى لا يفخر أحد على أحد ولا يبغي أحد على أحد) رواه مسلم .

    وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبداً بعفو إلا عزاً، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله) رواه مسلم) ].

    هذا باب آخر من كتاب (رياض الصالحين) يذكر فيه الإمام النووي رحمه الله التواضع وخفض الجناح للمؤمنين.

    التواضع: هو وضع الشيء وإنزاله بخلاف رفع الشيء.

    فالإنسان المؤمن يتواضع، ويتكلف خلق التواضع، حتى يكون له سجية، ويضع نفسه أمام المؤمنين ويذل نفسه لهم، ولا يفتخر عليهم ولا يستكبر ولا يبغي على أحد من الناس.

    فالتواضع أن يرى الإنسان نفسه أنه ليس أعلى من غيره وليس أفضل من غيره، وأنه مخلوق من طين، ومخلوق من ماء مهين، فيرجع إلى أصل وضعه وإلى أصل خلقته، قال تعالى: مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ * مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ * ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ * ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ [عبس:18-21].

    فهو مخلوق من الأرض وفيها يقبر وإليها يعود مرة ثانية، ومنها يخرج، فيستشعر في نفسه العبودية لله سبحانه وتعالى، فيتحلى بالتواضع؛ لأنه عبد لله سبحانه، فيتواضع ولا يفتخر على غيره.

    فيتواضع ويخفض جناحه للمؤمنين، يعني: يميل ويلين ويذل نفسه لإخوانه المؤمنين.

    أمر الله تعالى لنبيه بخفض الجناح والتواضع للمؤمنين

    قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [الشعراء:215].

    والجناح هو جانب الإنسان، كأنه يقول: لا تصعر خدك، ولا تتعال على الخلق، لا تمل بجانبك ولا تعرض به عن الناس، ولكن كن متواضعاً معهم، فهذا النبي سيد الخلق صلوات الله وسلامه عليه وهو من هو على ما فيه من تواضع يأمره ربه وينصحه بالتواضع وخفض الجناح للمؤمنين فيكون أمراً له ولغيره من المؤمنين: وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [الشعراء:215]

    فالنبي صلى الله عليه وسلم كان للمؤمنين كالوالد مع ولده، ولذلك كان يقول للمؤمنين: (إنما أنا بمنزلة الوالد أعلمكم) فيعلمهم فلا يستحيون منه ويسألونه عن كل شيء دق أو جل مما يحتاجون إليه، حتى إن اليهود ليحسدون المؤمنين على نبيهم صلى الله عليه وسلم فقالوا: (هذا الرجل يعلمكم كل شيء حتى الخراءة ) يعني: أنه يعلمكم حتى أدب دخول الخلاء.

    ويقول: (هلا سألوا إذ جهلوا، إنما شفاء العي السؤال) فيأمرهم أن يسألوا إذا جهلوا حكماً من الأحكام، حتى لا تقع عبادتهم ولا تقع أفعالهم على الوجه الذي يكرهه الله سبحانه ويحرمه.

    لقد جعل الله عز وجل في قلب النبي صلى الله عليه وسلم لين الجانب والرفق بالمؤمنين، بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [التوبة:128].

    ويحذره سبحانه ويقول له: وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ [آل عمران:159] أي: والحال أنهم مجتمعون حوله صلى الله عليه وسلم بفضل الله وبرحمته، فهو الذي جعل في قلبه الشفقة والحنان والرحمة على المؤمنين؛ ليقتدي به المؤمنون، فكل إنسان مؤمن قدوته النبي صلى الله عليه وسلم، فهو مهما أنفق على الناس من مال فلن يجمع قلوبهم، وقد يجمع أبدانهم، لكن القلوب يجمعها الله سبحانه وتعالى بما يجعله في خلق الإنسان من تواضع ومن لين جانب ومن حب للغير، فمن يحب الخلق يحبه الخلق، أما من يكره الناس تكرهه الناس، ولذلك كان الرجل الجاهلي يقول:

    لا أسأل الناس عما في ضمائرهم ما في ضميري لهم من ذاك يكفيني

    أي: لا أسأل أحداً هل تحبني أو لا تحبني، ولكن أبحث في قلبي إذا كنت أحب إنساناً فإن الله عز وجل يجعل في قلب هذا الإنسان المحبة لي.

    أما إذا كنت أكرهه فكيف أرجوا المحبة منه؟! فعلى ذلك لا تطلب محبة من تكرهه.

    فجعل الله عز وجل في قلب النبي صلى الله عليه وسلم المحبة للمؤمنين، فكان يدعو لهم ويشفق عليهم ويرحمهم ويرأف بهم، فيحبونه ويجتمعون حوله صلوات الله وسلامه عليه.

    مدح الصالحين بأنهم أذلة على المؤمنين

    قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ [المائدة:54]، وقال تعالى: وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ [محمد:38].

    إن دين الله دين عزيز، وكتاب الله كتاب عزيز، وربنا سبحانه وتعالى هو القوي العزيز، وأنت أيها العبد تحتاج إلى الدين، والدين لا يحتاج إليك، وتحتاج إلى رحمة رب العالمين، والله ليس محتاجاً إليك، وتحتاج إلى كتاب الله عز وجل ليكون نوراً في قلبك، وكتاب الله في غنى عنك.

    فالإنسان المؤمن يتقرب إلى ربه سبحانه يبتغي فضله ورحمته، ويدعو ربه أن يملأ قلبه بنور الإيمان، فهنا يقول لنا: وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ [محمد:38] يعني: إذا توليتم فلن تضروا الله شيئاً، لا يضر أحدكم إلا نفسه، فإذا توليت عن الطاعة استبدل الله غيرك، واستخلف غيرك ممن يستحق أن يدخل الجنة، وهذا الذي أعرض لا يستحقها، وقوله: وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ [محمد:38] أي: يكونوا أفضل منكم.

    فلو أن إنساناً يرتد عن دينه فهل الدين سيخسر بارتداده؟ لن يخسر شيئاً؛ لأن دين الله عز وجل دين عزيز عظيم، ولكن الذي يخسر هو المرتد، ويأتي الله عز وجل بغيره ممن يحب هذا الدين ويحب المؤمنين، قال تعالى: فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ [المائدة:54] أي: الله يحبهم الله وهم يحبون الله سبحانه وتعالى.

    قوله: أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ [المائدة:54] هذه صفة الإنسان المؤمن أن يخفض جناحه ويذل لإخوانه المؤمنين، فالمؤمنون يذلون أنفسهم لإخوانهم، ولا يستكبرون، بل يتواضعون بين إخوانهم، قد يكون أحدهم صاحب مال وصاحب غنى وصاحب منصب، ولكن في وسط المؤمنين هو واحد منهم، يتواضع لهم فيحبهم ويحبونه، يتألفهم ويتألفونه، فالمؤمن إلف مألوف، ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف.

    فهؤلاء المؤمنون الذين هم أذلة على المؤمنين كيف حالهم مع الكافرين؟ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ [المائدة:54]؛ لأنهم تمسكوا بدين الله عز وجل، فهو دين عزيز، وكتاب عزيز من رب عزيز سبحانه وتعالى، فأعطاهم العزة، وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ [المنافقون:8].

    فالعزة لله عز وجل يعز من يشاء ويذل من يشاء، فلما أذل المؤمنون أنفسهم لربهم سبحانه، وتواضعوا بين المؤمنين إذا بالله يكسبهم العزة، فإذا به في موطن الجهاد والقتال مع أعداء الله يعزهم ويرفعهم سبحانه، أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [المائدة:54].

    أي: هذا الفضل العظيم فضل الله سبحانه، ولا يحصل هذا الفضل بكسب يكتسبه الإنسان بمال أو منصب، وإنما بتقواه لله سبحانه، وبحبه لدين الله، وبتواضعه، فيرفعه الله سبحانه ويعزه.

    التقوى هي معيار التفاضل

    قال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ [الحجرات:13]

    قوله: (يا أيها الناس) أي: أن الخلق جميعهم يناديهم ربهم سبحانه، ( إنا خلقناكم من ذكر وأنثى ) أي: أصل خلقة الإنسان من آدم وحواء، ثم بعد ذلك يتناسل الناس من ذكر وأنثى، فلا أحد أفضل من أحد، هذا ابن أبوين وذاك ابن أبوين، هذا من ذكر وأنثى وذاك من ذكر وأنثى، كلما ارتفعوا نظروا في النهاية فوجدوا أن أباهم آدم وآدم من تراب، فعلام يفتخر بعضهم على بعض؟

    فالإنسان المؤمن يعرف أصل خلقته فيتواضع؛ لأنه يريد أن يتقرب إلى الله، فلا يتعزز على الخلق.

    قوله: وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا [الحجرات:13] أي: ليتعارف بعضكم مع بعض، ويحب بعضكم بعضاً، ويهدي بعضكم بعضاً، ويدعو بعضكم بعضاً إلى الخير، قال: لِتَعَارَفُوا لم يقل لتتنافروا، والتعارف يجلب المحبة بين الخلق.

    قال سبحانه: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ .

    الأكرم عند الله سبحانه ليس هو الأغنى، ولا صاحب المنصب، وإنما الأتقى، كلما ازداد الإنسان تقوى ازداد قرباً من الله سبحانه، وإكراماً من الله له.

    وقال تعالى: فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى [النجم:32]

    أي: لا تظل تقول: أنا أنا، فتزكي نفسك وتمدح نفسك، الله أعلم من هو من أهل التقوى، فلا تصف نفسك بصفات الكمال، فإن صفات الكمال والجمال المطلق لا تكون إلا لله عز وجل. تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ [الرحمن:78] سبحانه وتعالى.

    قال تعالى: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ [الحجرات:13] وقال تعالى: فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى [النجم:32]، فكيف نجمع بينهما وبين قوله سبحانه: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا [الشمس:9]؟

    الجواب: الإنسان مطلوب منه أن يزكي نفسه بالفعل، ومنهي أن يزكي نفسه بالقول وبالمدح.

    تزكي نفسك وتطهر نفسك وقلبك بالأفعال التي ترضي بها ربك، فهذه التزكية هي التي أمرك الله عز وجل بها، أما التزكية التي نهاك عنها بقوله: فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ فالمعنى: لا تزك نفسك ولا تتعال على غيرك، ولا تنظر لنفسك أنك أفضل من غيرك.

    رحمة الله تعالى بعباده المؤمنين المتواضعين

    قال تعالى: وَنَادَى أَصْحَابُ الأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ * أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ [الأعراف:48-49].

    الناس يوم القيامة ثلاثة أصناف:

    فريق دخل الجنة فكانوا السابقين.

    وفريق دخلوا النار فكانوا من البؤساء.

    وفريق على الأعراف ينتظرون فضل الله عز وجل عليهم، وهم لم يدخلوا الجنة.

    وهم يطمعون في فضل الله سبحانه وتعالى، فينظرون إلى أهل النار ويبكتونهم ويقولون: مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ [الأعراف:48]، أي: أنتم الذين كنتم تجعلون من أنفسكم كباراً، فاستكبرتم وجمعتم الدنيا، فهل نفعتكم؟ لا، لم تنفعكم بل دخلتم النار والعياذ بالله.

    ثم قالوا لهم: أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ [الأعراف:49] أي: هؤلاء كانوا كذابين غدارين، كانوا يفتخرون بأنفسهم، حتى إنهم ليتألون على ربهم سبحانه ويقولون للمؤمنين: أنتم والله لن تدخلوا الجنة أبداً، فأصحاب الأعراف يقولون لهؤلاء الكفار يبكتونهم: أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ [الأعراف:49] أي: كنتم تحلفون أنهم لن يدخلوا الجنة، فهم الآن دخلوا الجنة، أما أنتم فـ مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ [الأعراف:48] فهؤلاء دخلوا الجنة وقيل لهم: ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ [الأعراف:49].

    إذاً: أهل النار كانوا مستكبرين، وأهل الجنة كانوا ضعفاء وكانوا متواضعين، فدخلوا الجنة برحمة رب العالمين سبحانه وتعالى.

    1.   

    فضل التواضع وقبح الكبر والفخر

    شرح حديث: (إن الله أوحى إلي أن تواضعوا...)

    من الأحاديث التي جاءت في الباب حديث رواه مسلم عن عياض بن حمار رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله أوحى إلي أن تواضعوا؛ حتى لا يفخر أحد على أحد، ولا يبغي أحد على أحد)

    أي: أنزل نفسك وحط من قدرها يرفعك الله سبحانه وتعالى؛ لأن الإنسان الذي يتواضع يرفعه الله ويعزه ويعطيه من فضله سبحانه في الدنيا وفي الآخرة، أما الإنسان المستكبر فمهما استكبر فقد أبى الله أن يرتفع شيء إلا وضعه، فهذا يترفع ويرفع نفسه على الخلق فيضعه الله سبحانه وتعالى.

    قوله: (إن الله أوحى إلي) أي: هذا من الوحي إليه صلى الله عليه وسلم، فقد أوحى إليه بـ (أن تواضعوا) حتى لا يفخر أحد على أحد، يعني: تخلق بدرجة التواضع حتى لا تفخر على أحد، وحتى لا تقول: أنا كذا وأنت كذا، وحتى لا ترى لنفسك فضلاً على أحد من الناس، ولكن انظر للجميع على أنهم إخوة لك في دين الله سبحانه وتعالى، والله سبحانه جعل بعضكم لبعض سخرياً.

    فمن كرمه سبحانه جعل بعضكم قوياً وبعضكم ضعيفاً، فيحتاج الضعيف إلى القوي، فجعل بعضكم عاملاً وبعضكم موظفاً وبعضكم طبيباً، فيحتاج بعضكم إلى بعض، فلو جعل الجميع شيئاً واحداً ولم يحتج أحد إلى أحد لتعطلت كثير من مصالحهم ومنافعهم شيئاً، ولكن الله بكرمه أحوج الناس بعضهم إلى بعض؛ لتكون الألفة، وليكون التعارف، ولتكون المحبة بينهم، والاحتياج يولد ذلك، فأنا إذا احتجت لفلان من الناس، فإني أتلطف معه لكي يعمل الشيء الذي لا أستطيع أن أعمله، والعكس كذلك.

    فهنا جعل الله عز وجل الناس أصنافاً شتى حتى يتخذ بعضهم بعضاً سخرياً، يعني: أنا أستخدمك وأنت تستخدمني، فيحتاج بعضنا إلى بعض، فيرفق بعضنا ببعض، فنتعارف ونتحاب فيما بيننا.

    قوله: (ولا يبغي أحد على أحد) أي: أن الذي يبغي تكون نهايته النار، وهذا الإنسان ظالم، قال تعالى: إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ [الشورى:42] فهؤلاء هم الذين عليهم حرج وعليهم السبيل، وأذن الله للمؤمنين أن يأخذوا حقهم من هؤلاء المعتدين.

    وهذا المعنى جاء في حديث آخر عن النبي صلى الله عليه وسلم رواه الترمذي، ورواه أبو داود أيضاً بالمعنى، ورواه أحمد، ولفظ الترمذي: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لينتهين أقوام يفتخرون بآبائهم الذين ماتوا إنما هم فحم جهنم، أو ليكونن أهون على الله من الجعل الذي يدهده الخرأ بأنفه)

    هذا تحذير شديد من النبي صلى الله عليه وسلم، فإياك أن تفتخر؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: (لينتهين أقوام) والفعل المضارع إذا دخلت عليه اللام التي للتوكيد وانتهى بالنون المثقلة التي هي أيضاً للتوكيد دل على جملة القسم، فكأنه هنا يوجد قسم محذوف تقديره: والله لينتهين أقوام عن ذلك أو ليفعلن الله بهم كذا وكذا.

    فهؤلاء الذين يفتخرون بهم إنما هم فحم جهنم، فهم يفتخرون بآبائهم الذين ماتوا في الجاهلية وكانوا كفاراً، أو يفتخرون بعد ذلك بآبائهم الفجار والفسقة الذين كانوا أصحاب مناصب في يوم من الأيام، كأن يقول: كأن أبي كذا، مع أن أباه كان فاسقاً، ولم يكن يدخل المسجد، إلا عندما مات أدخلوه المسجد وصلوا عليه، وبعد ذلك يقول: كان أبي وكان أبي.

    فالنبي صلى الله عليه وسلم يحذر من الافتخار بالآباء الذين ماتوا على هذا الشيء، فهؤلاء قال عنهم أيضاً: (أو ليكونن أهون على الله من الجعل الذي يدهده الخرأ بأنفه)، والجعل كالخنفساء، وهو الذي يحرك بأنفه القذر والنجس، وهذا لو أبصرته أمامك لدسته برجلك ليموت؛ لحقارته عندك.

    فهؤلاء إما أن ينتهوا عن افتخارهم بالآباء، أو ليجعلنهم الله عز وجل كهذا الشيء الحقير، ثم يأخذهم ويلقي بهم في نار جهنم ولا يأبه لهم.

    ثم قال صلى الله عليه وسلم: (إن الله أذهب عنكم عبية الجاهلية وفخرها بالآباء)

    العبية: الكبر والافتخار.

    ثم قال (إنما هو مؤمن تقي، أو فاجر شقي) يعني: الناس إما مؤمنون أتقياء أو فجرة أشقياء، والناس كلهم لآدم وآدم من تراب، فكل إنسان عندما يقول: أبي كذا وأبوك كذا، فليعلم أن الأب واحد وهو آدم، والجميع ينتهون إلى آدم، وآدم أتى من تراب، فلا داعي أن يفتخر الإنسان بخلقته، والكل سواء في أن أباهم آدم وآدم من تراب.

    شرح حديث: (وما زاد الله عبداً بعفو إلا عزاً...)

    يذكر الإمام النووي حديثاً رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبداً بعفو إلا عزاً، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله).

    جاء في حديث آخر قال صلى الله عليه وسلم: (ثلاثة أقسم عليهن) يعني: أنه يقسم على ذلك.

    ولا نحتاج لقسمه صلى الله عليه وسلم فهو الصادق المصدوق، ولكن يريد التأكيد الشديد: أن ثق في هذا الذي أقوله لك، ثق في أنك إذا أنفقت من مالك فلن ينقص هذا المال، طالما أن النية نية حسنة والعمل لله سبحانه وتعالى، فقال: (ما نقصت صدقة من مال) يعني: المال لا تنقصه الصدقة.

    ثم قال: (وما زاد الله عبداً بعفو إلا عزاً) يعني: إن ظلمك إنسان عفوت عنه، حتى وإن قال الناس: إنما عفا لأنه خائف منه، ولأنه لا يقدر على أن يأخذ الحق منه، حتى وإن استشعرت من كلامهم الإذلال والتحقير، ولكن نقول: إن ربنا يأمرك بالعفو، فقال: وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ [النور:22]، والنبي صلى الله عليه وسلم يأمرك بالعفو أيضاً كما في هذا الحديث وغيره، فلا تنظر للناس الذين ينظرون إليك أنك ذليل لأنك عفوت عن هذا الإنسان، لكن الله عز وجل وعدك بالعز، فالله يعزك ويذل من يحقر شأنك وشأن العفو عن الناس.

    قوله: (وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله) أي: إذا كنت تريد أن يرفعك الله في الدنيا والآخرة فتواضع؛ لأنك كلما تواضعت للخلق رفعك الخلق فوق رءوسهم، وأحبوك لتواضعك، وبتواضعك تجمع حولك قلوب الناس، وتنتفع بهم في الدنيا وفي قبرك ويوم القيامة.

    والإنسان المتواضع خلقه عظيم، وهذا الخلق يقربه من النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل الجنة؛ لأن أقرب الناس من النبي صلى الله عليه وسلم ما جاء لنا في الحديث: (أحسنكم خلقاً أو أحاسنكم أخلاقاً)، فهذا الإنسان المتواضع عندما يأخذ الناس جنازته يزدحمون عليه، وعندما ينزل في قبره يقفون عند قبره ويدعون له: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، فهذا انتفع بالناس وهو في قبره، وفي الدنيا أحبوه وكانوا حوله، فهو يصلي معهم ويكون معهم في العبادة، ويأمرهم بالمعروف فيستمعون، وينهاهم عن المنكر فينتهون، فإذا به في كل أحواله على خير.

    شرح حديث أنس: (أنه مر على صبيان فسلم عليهم وقال: كان النبي يفعله)

    وعن أنس رضي الله عنه أنه مر على صبيان فسلم عليهم وقال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعله).

    أي: كان صلى الله عليه وسلم يسلم على الكبار، وعلى الصغار، وكان إذا مر بأحد سلم عليه، وكان يأمرنا بذلك ويقول: (ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم، أفشوا السلام بينكم).

    شرح حديث: (إن كانت الأمة من إماء المدينة لتأخذ بيد النبي فتنطلق به حيث شاءت)

    وعن أنس قال: (إن كانت الأمة من إماء المدينة لتأخذ بيد النبي صلى الله عليه وسلم، فتنطلق به حيث شاءت).

    صدق الله العظيم حيث يقول: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم:4].

    وتقول السيدة عائشة رضي الله عنها: (كان خلقه القرآن) أي: كان عليه الصلاة والسلام قرآناً يمشي على الأرض، وقد بلغ درجة عظيمة في حسن الخلق صلوات الله وسلامه عليه؛ رباه ربه سبحانه وتعالى فعلمه مكارم الأخلاق، ففي سورة المدثر يقول له: يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ * وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ * وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ [المدثر:1-7].

    يعلمه هنا آداباً منها: وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ أي: عندما تعطي أحداً شيئاً فلا تستكثر أنك أعطيته، فأنت لا تعطي من جيبك، وإنما تنفق من مال الله عز وجل، وقد كان يقول لـبلال رضي الله عنه: (أنفق بلال ، ولا تخف من ذي العرش إقلالاً) أي: أنفق ولا تخف؛ لأن ربنا سيخلف ويعطينا سبحانه وتعالى.

    وهنا يذكر في الحديث أن الأمة من إماء المدينة -أي: الجارية وليست المرأة الحرة- فكانت تذهب للنبي صلى الله عليه وسلم وتطلب حاجتها منه؛ لأنه أرفق وأحن وأرحم صلوات الله وسلامه عليه، فكانت تذهب إليه وتأخذ بيده صلى الله عليه وسلم، وتقول: اعمل لي كذا، فيذهب متواضعاً معها ويقضي لها حاجتها، فكان يذهب هو بنفسه صلوات الله وسلامه عليه.

    انظروا إلى خلقه وتواضعه صلى الله عليه وسلم، فهو صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك ليقتدي به الناس.

    شرح حديث: (كان النبي يكون في مهنة أهله...)

    أيضاً من تواضعه صلى الله عليه وسلم ما ورد في الحديث الآخر يقول الأسود بن يزيد رحمه الله تعالى: (سئلت عائشة رضي الله عنها: ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يصنع في بيته؟ قالت: كان يكون في مهنة أهله).

    أي: كان في بيته صلى الله عليه وسلم في خدمة أهله، فقد كان يساعد أهله في البيت صلى الله عليه وسلم.

    ثم قالت: (فإذا حضرت الصلاة خرج إلى الصلاة) رواه البخاري .

    إذاً: وهو في بيته صلى الله عليه وسلم كان يشغله ما يشغل غيره من مهنة البيت، فقد كان يعين زوجته في أعمال البيت، وكان يخصف نعله بنفسه صلى الله عليه وسلم، أي: يصلح نعله بيده الكريمة صلوات الله وسلامه عليه.

    فتواضعه صلى الله عليه وسلم عظيم جداً، يدخل المسجد مرة فيجد بصاقاً أو نخامة في قبلة المسجد فيتأذى النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، ويقول: (من صنع هذا؟ الذي صنع هذا يأتي يوم القيامة وبصاقه بين عينيه) يعني: مثلما استهان بقبلة المسجد وتفل في قبلة المسجد يأتي يوم القيامة وبصاقه بين عينيه، فيأتي النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه ويأخذ عوداً ويحك هذا البصاق بيده الكريمة، وهذا من تواضعه العظيم عليه الصلاة والسلام.

    شرح حديث تميم بن أسيد الذي فيه: (أنه جاء إلى النبي وهو يخطب فسأله أن يعلمه فنزل من منبره فعلمه ثم أتم خطبته..)

    روى مسلم عن تميم بن أسيد رضي الله عنه قال: (انتهيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يخطب، فقلت: يا رسول الله رجل غريب جاء يسأل عن دينه لا يدري ما دينه؟ قال: فأقبل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وترك خطبته حتى انتهى إلي، فأتي بكرسي فقعد عليه، وجعل يعلمني مما علمه الله، ثم أتى خطبته فأتم آخرها)، فالرسول صلوات الله وسلامه عليه، لما قال الرجل: أريد أن أتعلم أمور الدين -لأنه حديث عهد بإسلام- لم يقل له النبي صلى الله عليه وسلم: انتظر حتى أنتهي من الخطبة والصلاة، بل علمه صلى الله عليه وسلم أمور دينه، وقد وجب عليه الآن صلاة الجمعة، فعلمه صلى الله عليه وسلم كيف يتوضأ وكيف يصلي، وغير ذلك من أمور دينه.

    شرح حديث: (أن رسول الله كان إذا أكل طعاماً لعق أصابعه الثلاث..)

    عن أنس رضي الله عنه قال: (إن رسول صلى الله عليه وسلم كان إذا أكل طعاماً لعق أصابعه الثلاث، قال: وقال: إذا سقطت لقمة أحدكم فليمط عنها الأذى، وليأكلها ولا يدعها للشيطان، وأمر أن تسلت القصعة، قال: فإنكم لا تدرون في أي طعامكم البركة)، هذا من التأديب والتربية للمؤمنين، فمن السهل أن يتكلم الإنسان عن التواضع؛ لكن التنفيذ والتطبيق صعب، فكان يعلمهم النبي صلى الله عليه وسلم بفعله ليفعلوا كما كان يفعل صلى الله عليه وسلم.

    واللقمة قد تسقط من الذي يأكل فيتركها، لكن لو تعلم هذا الشخص التواضع لأخذ اللقمة التي وقعت منه ما لم يصبها أذى فأكلها، فينبغي أن يتعلم المرء ألا يستكبر؛ فالله الذي أعطى النعمة قادر على أن يمنعها ويسلبها من صاحبها، فإذا حمد العبد ربه سبحانه فإنه يستحق المزيد، قال عز وجل لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ [إبراهيم:7].

    إذاً: فمن التواضع أن الإنسان إذا وقع منه شيء على الأرض مما يؤكل أن يزيل ما علق به من أذى ويأكله، وقال تعالى: إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا [فاطر:6] فلا يحضر الشيطان معك طعامك، وإنما إذا وقعت منك اللقمة فخذها ولا تدعها للشيطان، كذلك ينبغي أن تتواضع في أكلك، فلا تأت برغيف وتأكل منه جزءاً ثم تأكل جزءاً من الرغيف الثاني وترمي البقية؛ لأن الذي أعطاك النعمة قادر على أن يسلبها منك ولا يعيدها إليك ثانية، فاحذر من أن تستكبر وتفتخر وتبطر بنعم الله سبحانه فتستحق أن تسلبها.

    ثم قال: (وأمر أن تسلت القصعة) يعني: إذا أكلت وبقي قليل من الطعام في القصعة فلا تتركه وترميه في القمامة، وإنما تلعقه بأصابعك وتسلته، ولا تترك شيئاً للشيطان، وإذا تركت شيئاً فحافظ عليه، فإما أن تتصدق به وإما أن تحفظه لتأكله مرة ثانية إن كان مثله يبقى معك ولا يفسد، ولكن لا تتعود أنك تطبخ أكثر من اللازم، والباقي ترميه في القمامة؛ لأن هذا مؤذن بأن يمنعك ويحرمك الله سبحانه وتعالى.

    ثم قال: (فإنكم لا تدرون في أي طعامكم البركة) أي: الذي يأكل لا يعرف موضع البركة من الطعام، ولعل هذا الموضع بعينه الذي تركته أنت وألقيته في القمامة كان فيه البركة وأنت ضيعتها، ولا تدري بذلك إلا يوم القيامة، فيغبن الإنسان نفسه، ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ [التغابن:9].

    فهذا الإنسان يكون قد قصر في حق نفسه بتفريطه في الطاعات.

    شرح حديث: (ما بعث الله نبياً إلا رعى الغنم ...)

    هذا حديث لـأبي هريرة رضي الله عنه رواه البخاري قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ما بعث الله نبياً إلا رعى الغنم، قال أصحابه: وأنت؟ قال: نعم، كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة).

    هذا النبي صلوات الله وسلامه عليه رعى الغنم يوماً من الأيام، ليعلمه الله عز وجل التواضع، فما من نبي إلا وقد رعى الغنم، فالله عز وجل علم أنبياءه السياسة مع الخلق والحب للخلق والتواضع والرأفة والرحمة بهم؛ لأنهم يرعون الغنم.

    يقول الحافظ ابن حجر : لأن في مخالطتها التمرن، ويحصل للأنبياء العون من الله عز وجل على ما يكلفونه من القيام بأمر أمتهم؛ ولأن في مخالطتها ما يحصل لهم به الحلم والشفقة؛ كذلك لأنهم إذا صبروا على رعيها وجمعها بعد تفرقها في المرعى،ونقلها من مسرح إلى مسرح،ودفع عدوها من سبع وغيره كالسارق ونحوه، وعلموا اختلاف طبعها وشدة تفرقها مع ضعفها واحتياجها إلى المعاهدة، كل ذلك من الفوائد.

    يعني: الغنم محتاجة إلى من يرعاها، فالذئب ينتظرها إذا تركها صاحبها واللص منتظر لها إذا تركها يسرقها، فالغنم محتاجة إلى من يرعاها، وإلى من يطعمها ويسقيها، فيصبر على هذا الشيء، ويتمرن على الصبر على الخلق، فيقول الحافظ : الأنبياء يألفون من ذلك الصبر على الأمة، ويعرفون اختلاف طباعها، وتفاوت عقولها، فجبروا كسرها، ورفقوا بضعيفها، وأحسنوا التعامل لها، فيكون تحملهم لمشقة ذلك أسهل مما لو كلفوا القيام بذلك من أول الأمر.

    إذاً: من رحمة رب العالمين سبحانه ببني آدم أن علم الأنبياء الصبر والرفق والحلم في الغنم، ولم تكن التجربة في بني آدم، فلما تمرنوا على ذلك، واعتادوا عليه أتوا إلى الخلق ليدعوهم إلى الله سبحانه وتعالى.

    وخصت الغنم بذلك لكونها أضعف من غيرها، ولأن أصحابها فيهم الرأفة وفيهم الرحمة، بخلاف أصحاب الإبل الذين قال النبي صلى الله عليه وسلم فيهم: (الفخر والخيلاء في الفدادين -يعني: أصحاب الإبل- أهل الوبر، والسكينة في أهل الغنم).

    شرح حديث: (لو دعيت إلى كراع لأجبت أو ذراع لقبلت ...)

    من الأحاديث الواردة في هذا الباب حديث آخر لـأبي هريرة رضي الله عنه وفيه قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لو دعيت إلى كراع لأجبت، أو ذراع لأجبت، ولو أهدي إلي ذراع أو كراع لقبلت).

    انظروا إلى تواضعه صلى الله عليه وسلم يجيب الدعوة إلى كراع، والكراع هو أسفل الساق ما بين الركبة إلى آخر الساق، وهذا الكراع الذي ما بين الركبة إلى نهاية الساق ليس فيه لحم، ولكن لتواضعه عليه الصلاة والسلام يقول: لو أهدى إلي شخص ذلك سأقبله.

    شرح حديث: (كانت ناقة رسول الله العضباء لا تسبق ...)

    جاء في حديث أنس بن مالك في صحيح البخاري أنه قال: (كانت ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم العضباء لا تسبق، أو لا تكاد تسبق، فجاء أعرابي على قعود له - أي: على جمل- فسبقها، فشق ذلك على المسلمين حتى عرفه النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: حق على الله ألا يرتفع شيء من الدنيا إلا وضعه)، أي: لا تغضبوا فما من شيء في الدنيا يرتفع إلا ولابد أن يضعه الله سبحانه وتعالى، فإذا كانت الناقة تسبق غيرها، فلابد أن تُسْبَقَ في يوم من الأيام.

    إذاً: هذا في الناقة وفي البشر كذلك، فإذا رأيت شخصاً عالياً دائماً، فاعلم أنه في النهاية لابد وأن يضعه الله عز وجل، وهذا الإنسان الذي يرتفع لن يظل على هذا أبداً، فالإنسان يرتفع في شبابه وكمال قوته، ثم بعد ذلك ينزل ينزل حتى يصل إلى أرذل العمر.

    والمستكبر ينسى ولا ينظر إلا تحت قدميه، ويتعزز ويفتخر بنفسه، قال الله عز وجل: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ [البقرة:204-206] هذا يوم القيامة، أما في الدنيا فأبى الله أن يرفع شيئاً إلا وضعه.

    إذاً: احذر من المستقبل واحذر من الغد، فأنت اليوم في علو فقد أبى الله أن يرفع شيئاً إلا وضعه، فتواضع لله وأنت في علوك، حتى تظل على هذا الشيء إلى أن تلقى الله.

    نسأل الله عز وجل أن يجعلنا من المتواضعين، ومن أهل ذكره وشكره وحسن عبادته.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل وصلي اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    2985630685

    عدد مرات الحفظ

    715267416