إسلام ويب

شرح رياض الصالحين - الورع وترك الشبهاتللشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إنَّ الله سبحانه وتعالى قد بيَّن الحلال والحرام، ولكن بينهما أمورٌ مشتبهات، والوقوع فيها يؤدي إلى الوقوع في الحرام؛ ولذلك سدَّ أبواب الوقوع فيها بأن أمر عباده أن يجتنبوها، وقد حثَّ الإسلام علي الورع والزهد عما في أيدي الناس وقاية من الوقوع في الأشياء المحرمة.

    1.   

    ذكر ما جاء في الورع وترك الشبهات

    معنى قوله تعالى: (وتحسبونه هيناً وهو عند الله عظيم)

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ باب الورع وترك الشبهات.

    قال الله تعالى: وَتحْسَبُونَهُ هَيِّناً وهُوَ عِنْدَ اللهِ عَظِيمٌ [النور:15] .

    وقال تعالى: إنَّ رَبَّكَ لَبِالمِرْصادِ [الفجر:14].

    وعن النعمان بن بشير رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إن الحلال بين، وإن الحرام بين، وبينهما مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه، ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب) متفق عليه.

    وعن أنس رضي الله عنه (أن النبي صلى الله عليه وسلم وجد تمرة في الطريق، فقال: لولا أني أخاف أن تكون من الصدقة لأكلتها) متفق عليه ].

    يكون الإنسان المسلم ورعاً إذا اتقى ما حرم الله سبحانه.

    والإنسان يطلب من الله سبحانه وتعالى أن يؤجره على تركه المحرمات أو المشتبهات، فإذا به يتضرع ويحتاط لنفسه، ويحتاط لدينه بزهده في الدنيا، وبزهده في الحرام.

    قال الله تعالى: وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ [النور:15] .

    هذه الآية سيقت في حديث الإفك، وذكر الله سبحانه وتعالى في سورة النور براءة السيدة عائشة رضي الله عنها، وأنب الذين خاضوا في عرضها رضي الله عنها، فقال تعالى: وَتَحْسَبُونَهُ [النور:15] يعني: هذا الحديث تحسبون نقله فيما بينكم شيئاً هيناً لا قيمة له، بل هو عند الله عظيم.

    وكذلك كل حديث فيه كذب، وفيه إفك، وفيه إلقاء تهم على مسلم أو مسلمة، وكل حديث فيه قول زور، أو فيه شهادة زور، أو فيه بهتان للإنسان المسلم فهذا قد يحسبه قائله هيناً، يحسبه شيئاً يسيراً لا قيمة له وهو عند الله عظيم جداً.

    وقد كان الصحابة يقولون لمن بعدهم: إنكم لتفعلون أشياء هي في أعينكم أدق من الشعرة، كنا نعدها في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من الكبائر.

    فالصحابة ينصحون التابعين فيقولون: تفعلون أشياء هي في أعينكم هينة، ولكن كنا نعدها في عهد النبي صلى الله عليه وسلم من الكبائر. يعني: لا نفعها أبداً؛ لأننا نعتبر ذلك كبيرة من الكبائر، ولكنكم تهاونتم بها ونسيتم إثمها فظننتموها شيئاً يسيراً لا قيمة له.

    قال الله تبارك وتعالى: إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ [الفجر:14] وهنا المقصود: التخويف، أي: أن الله يرصدك ويراقبك، فإذا وقعت في الإثم فاحذر من أن يعاجلك بالعقوبة؛ لأن الله بالمرصاد، والله قد يملي للإنسان لعله يتوب، وقد يملي له ليأخذه أخذ عزيز مقتدر، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته).

    شرح حديث: (إن الحلال بين وإن الحرام بين...)

    وورد حديثٌ للنعمان بن بشير في الصحيحين، وله روايات كثيرة مضمونها ما في هذه الرواية، قال صلى الله عليه وسلم: (إن الحلال بين، وإن الحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس) .

    فقوله صلى الله عليه وسلم: (الحلال بين والحرم بين) أي: في كتاب الله عز وجل بيان ما أباحه الله سبحانه وتعالى وما أحله لعباده، وفي سنة النبي صلى الله عليه وسلم بيان ذلك، فمن تتبع الكتاب والسنة عرف الحلال وعرف الحرام.

    وقوله صلى الله عليه وسلم: (وبينهما -بين الحلال والحرام- مشتبهات) ، أي: أمورٌ تشتبه على الكثير من الناس، فلو ردوا الأمر لأهل العلم وأهل التقوى عرفوا أن هذه المشتبهة من باب الحلال أو من باب الحرام.

    فإذا اشتبه على الإنسان شيء من الأحكام رجع لسؤال أهل العلم في ذلك، فإذا اشتبه على أهل العلم في ذلك وقالوا: شبهة، فيجب اجتناب هذا الشيء الذي فيه شبهة، وقوله: (لا يعلمهن كثير من الناس) يعني: الذي يعلم ذلك القليل وليس الكثير.

    وقوله صلى الله عليه وسلم: (فمن اتقى الشبهات) يعني: الحكم الشرعي فيما إذا وجدنا شيئاً يشكل علينا ويشتبه علينا فلم نعرف له حكماً أن نبتعد عنه، فلو تهاون الإنسان في هذا الشيء الذي يحتمل أن يكون حراماً قد يجره لأن يقع في الحرام المحض.

    فقال: (فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه) ، (استبرأ): السين للطلب والاستدعاء بمعنى: أنه استدعى البراءة وطلبها للدين وللعرض، فلا يقدح في دينه، ولا يقدح في عرضه، فلا يقال: فلان هذا يفعل الحرام، أو يأكل الحرام، فيبرئ دينه بينه وبين ربه سبحانه وعرضه أمام الناس.

    وقوله صلى الله عليه وسلم: (ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام) المعنى: أنه شيء يجر إلى الحرام، مثلما ذكر لنا النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث: (لعن الله السارق يسرق الحبل فتقطع يده، ويسرق البيضة فتقطع يده) ، مع أن البيضة ليس إقامة الحد ولكن تجر إلى غيرها، فإذا مد يده وأخذ بيضة فإنه في المرة الثانية يمد يده ويأخذ شيئاً له قيمة، ثمَّ المرة التي بعدها يأخذ ربع دينار فتقطع يده بسبب ذلك.

    فالمشتبه يجر إلى الحرام، والحرام يجر بعضه إلى بعض حتى يعيش الإنسان من الحرام ويستمرئه، وينسى أمر الحلال، فقال صلى الله عليه وسلم لنا: (من وقع في الشبهات وقع في الحرام) وضرب لنا مثلاً جميلاً صلوات الله وسلامه عليه فقال: (كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه).

    الحمى: المكان الذي يحميه الحاكم، فهذا خاص بخيول الدولة، وهذا خاص بخيول المسلمين، وهذا خاص بإبل الصدقة، وهذا خاص بأغنام الزكاة، فهذه المحمية مكان محرم ممنوع، فإذا استخف الراعي بالأمر وأخذ الغنم وقال: هذا الحمى حمى السلطان، سأذهب أرعى بجواره، فتدخل غنمة حمى السلطان، ويأمر السلطان بمصادرتها، ويأمر بمعاقبة هذا الإنسان، ولا يقدر أن يدفع الضر عن نفسه.

    فالراعي حين يرعى حول الحمى فإنه قد يدخل فيه؛ ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: (يوشك أن يَرتع فيه) ، فإذا دخل حمى السلطان فإنه قد يؤخذ ويعاقب، كذلك إذا وقع في حمى الله سبحانه وتعالى.

    فكلمة: (حمى) معناها الشيء الممنوع، والمكان المحمي مصان من وجود أي إنسان فيه، والإنسان الذي يحوم حول الشبهات، ظناً منه أنها ليست حراماً، يقع فيها ويستهين بها، حتى تجره إلى الحرام فيقع فيه وهو يعلم أنه حرام.

    وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه)، فإذا كانت ملوك الأرض يجعل الواحد منهم له محمية فالله سبحانه وتعالى ملك الملوك له حمىً، وحمى الله محارمه، فهو سبحانه حرم عليكم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، فالذي يحوم حول الفواحش، ويستهين بها، تجره إلى الحرام فيقع فيه، كأن يذهب إنسان إلى مكان فيه فتنة معللاً ذلك أنه محصن بالإيمان، فيستهين بهذه الفتنة وتجره إلى الحرام، ففي البداية يكون مشتبهاً عليه، وبعد ذلك يكون حراماً ولا يهمه إن وقع فيه أو لا.

    وقال صلى الله عليه وسلم: (ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب).

    ذكر الله القلوب في قوله سبحانه: فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ [الحج:46] .

    فعمى البصر يؤجر عليه الإنسان طالما أنه صابر محتسب، (إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه -أي: بعينيه- فصبر، عوضته عنهما الجنة).

    فالله يقول: فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ [الحج:46] إذاً: العمى عمى القلب ليس عمى البصر، والقلب في الصدر، وقلب الإنسان يعمى عن معرفة الحق.

    فهذا الذي قاله النبي صلى الله عليه وسلم: (ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله)، وهذا القلب محل تفكير الإنسان ومحل ما يعقل به، ويؤكد ذلك أنه لم يقل (القلوب) فقط، ولكنه قال: الَّتِي فِي الصُّدُورِ [الحج:46] .

    فمحل فكر الإنسان وتعقله وعواطفه هو قلَبْه الذي في صدره، وهذه النكتة ذكرها القرآن في الماضي واكتشفها العلماء حديثاً، وذلك لما بدءوا في زراعة القلوب بدأ ينكشف لهم أن القلب هو محل تعقل الإنسان ومحل عواطفه وبصيرته، فعندما ينقلون قلب إنسان لإنسان آخر يجدونه حياً أشبه بالميت، ليس عنده عاطفة ولا حواس، ولا يعرف أقاربه، ولا يعرف أن بينه وبينهم رحماً؛ لأن قلبه حَلَّ مكانه قلب آخر، فسبحان الله الذي يقول: فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ [الحج:46].

    ويخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم: أنَّ هذا القلب قطعة من اللحم موجودة في صدره، إذا صلحت هذه القطعة من اللحم صلح عمل الإنسان كله، فالقلب ملك والجوارح جنود، إذا صلح الملك صلحت رعيته.

    قال: (إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت -إذا فسد قلب الإنسان- فسد الجسد كله) ، والقلب يدفع الإنسان بتهوره إلى أن يقع في الحرام، وذلك عن طريق وقوعه في الشبهات، واستهانته بمحارم الله سبحانه.

    فالإنسان يصلح قلبه بموافقة شرع الله سبحانه، قال تعالى: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا [ الشمس:9-10] ، إذاً: يزكي نفسه، ويطهر قلبه من الآفات، ويطهر نفسه من البلايا والمعاصي، ويئوب إلى الله سبحانه ويتوب، ويصلح حاله مع الله، قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ [الرعد:11] .

    شرح حديث: (لولا أني أخاف أن تكون من الصدقة...)

    وفي الصحيحين من حديث أنس رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم وجد تمرة في الطريق، فقال: لولا أني أخاف أن تكون من الصدقة لأكلتها).

    تمرة وجدها في الطريق، وما قيمة التمرة؟ فلو وجدها أي إنسان جاز له أن يأخذها ويأكلها، لكن النبي صلى الله عليه وسلم أورع الخلق لم يأكل هذه التمرة التي وجدها خوفاً أن تكون هذه التمرة من الصدقة، وقد حرم الله عز وجل على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى آل بيته أن يأكلوا من الصدقة أو الزكاة.

    فلما وجد النبي صلى الله عليه وسلم هذه التمرة خشي أن تكون من الصدقة فلم يأكلها صلى الله عليه وسلم، وقال: (لولا أني أخاف أن تكون من الصدقة لأكلتها)، يبين لهم أن هذا يجوز لكم ولا يجوز لي، فهذا ورعه صلى الله عليه وسلم في تمرة.

    وفي إحدى المرات وجد النبي صلى الله عليه وسلم تمرة في فم الحسين، فإذا به يخرجها من فمه صلى الله عليه وسلم ويقول له: (كخ كخ إنا لا نأكل الصدقة).

    والنبي صلى الله عليه وسلم يعلمه من صغره فيقول: (يحرم علينا الصدقة فلا يجوز لنا أن نأكل منها).

    شرح حديث: (والإثم ما حاك في النفس...)

    وفي حديث النواس بن سمعان رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في نفسك، وكرهت أن يطلع عليه الناس) حديث في صحيح مسلم .

    يبين لنا صلوات الله وسلامه عليه قاعدة ذهبية عظيمة، والبر: كلمة تجمع جميع وجوه الخير، وحصرها النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: (البر حسن الخلق).

    فإذا حسنت خلقك كنت من أهل البر، والإنسان يتعجب ما علاقة حسن الخلق بالبر؟! إن من حسن الخلق أن يحسن الإنسان خلقه في معاملته مع ربه، وفي معاملته مع الناس، وفي معاملته مع أهل العلم، وفي معاملته مع الشيخ الكبير والطفل الصغير، ومع أهل بيته.

    وحسن الخلق يجعل الإنسان متواضعاً، فإذا تواضع لن يستكبر على طلب العلم، فيطلب العلم من الصغير ومن الكبير ومن أهله، فهو يريد وجه الله، فإذا به بحسن خلقه يكون قريباً من الناس، فإن أخطأ في شيء وقالوا: هذا خطأ؛ يجتنب هذا الخطأ، وإذا وجدوه على شيء من الأمور الذي قد ينحرف بها سرعان ما يرشدونه؛ لأنهم يحبونه، فهو محبوب من الله محبوب عند الخلق.

    فبحسن خلقه يرشده الله عز وجل، ويدله على الخير، ويتقرب الناس إليه، ويدعون له وينصحونه ويفيدونه ويستفيدون منه، فحسن الخلق جمع كل الخير، فصار كريماً مع الناس؛ لأن الكرم من حسن الخلق، وصار رحيماً شفوقاً عطوفاً على الناس، فيكون أنفع الناس للناس، وأحب الناس إلى الله أنفعهم للناس.

    وحسن الخلق يدفع الإنسان إلى أن يبحث عن وجوه الخير ليفعلها؛ لأنه يريد أن يكون رحيماً، وأن يكون جواداً، وكريماً وشجاعاً، وأن يكون متقدماً على غيره في طلب العلم رضاً لله سبحانه، وأن يتنافس في فعل الخير، فحسن الخلق مفتاح البر.

    قال صلى الله عليه وسلم: (والإثم ما حاك في نفسك، وكرهت أن يطلع عليه الناس).

    الإثم ليس عصياناً ظاهراً يعرفه الإنسان، وكل إنسان يعرف المعصية الظاهرة، فالإثم فيه كبائر الذنوب، وفيه الموبقات، وفيه صغائر الذنوب، وفيه الشرك الخفي والشرك الجلي، ولكن هذه الأشياء يعرفها الإنسان المسلم، واللص يأتي كبيرة من الكبائر ويتوارى عن الناس ويسرق، ولكن بينه وبين الله يستحل المحارم ولا يخاف؛ لأنه لا يستحضر مراقبة الله عز وجل له، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (الإثم ما حاك في نفسك)، فأي إثم تريد أن تعمله وحاك في نفسك وتردد، أو كرهت أن يراك الناس على ذلك، فهو إثمٌ ينبغي لك أن تجتنبه.

    إذاً: الشيء الذي تفعله أمام الناس وأنت في غير حرج فهذا ليس من الإثم، طالما أن الفطرة نقية والقلب سليم، ولكن عندما تنعكس الفطر والقلوب وتنتكس فإذا بالمرء يتبجح ويقول: ليس في ذلك حرج أن أعْمله أمام الناس، فيسرق أمام الناس، ويزني أمام الناس، ويضايق البنات أمام الناس، ويتبجح بهذه المعصية، فهو يعرف أنها معصية، فهذا الإنسان قد صار المعروف عنده منكراً، والمنكر عنده معروفاً، فأصبح قلبه مظلماً لا يتبين له الخير من الشر، وإذا مات على ذلك صار من أهل الجحيم، والعياذ بالله؛ لأنه إنسان ظالم لنفسه ظالم لغيره.

    لكن الإنسان المؤمن في قلبه ما يدله على أن هذا خير فيفعله، وأن هذا شر فيجتنبه.

    شرح حديث: (البر ما اطمأنت إليه النفس...)

    روى الإمام أحمد والدارمي بإسناد فيه ضعف: عن وابصة بن معبد رضي الله عنه قال: (أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: جئت تسأل عن البر؟ قلت: نعم. فقال: استفت قلبك، البر ما اطمأنت إليه النفس، واطمأن إليه القلب، والإثم ما حاك في النفس وتردد في الصدر وإن أفتاك الناس وأفتوك) .

    هذا الحديث له شاهد آخر من حديث أبي ثعلبة بالمعنى نفسه، فالمعنى صحيح، ويدل عليه حديث النواس الذي ذكرناه قبله، وهذا الحديث فيه حكاية ذكرها الإمام أحمد في مسنده، فيها: أن الرجل ذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم والناس مزدحمون حوله، فأراد الإقبال على النبي صلى الله عليه وسلم، فنهاه الناس أن يفعل هذا أمام النبي صلى الله عليه وسلم، فالرجل علل بأنه يحب النبي صلى الله عليه وسلم حباً شديداً يدفعه لذلك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لهم: (أفسحوا لـوابصة).

    فجاء وابصة يريد أن يسأل النبي صلى الله عليه وسلم، وقبل أن يسأل قال له النبي صلى الله عليه وسلم: (تسأل أم أخبرك؟) قال: بل أخبرني يا رسول الله! فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (جئت تسأل عن البر؟ قال: نعم، فقال صلى الله عليه وسلم: استفت قلبك) ، يعني: الأمر الذي يشكل عليك لعلك تسأل عالماً من العلماء وبحسب صيغة السؤال يعطي الجواب، فالمرء قد يسأل بطريقة معينة ويفتي العالم بأن ذلك حلال ليس فيه شيء، فإذا بالعالم الآخر يعطي تفاصيل أكثر وينقلب الجواب؛ لأنه حرام ليس حلالاً، فعلى هذا المرء أن يستفتي قلبه ويأخذ بأحد الأمرين، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: (استفت قلبك، البر ما اطمأنت إليه النفس، واطمأن إليه القلب).

    وإذا اطمأن قلبك لشيء فافعل هذا الشيء، وإذا شككت فيه وحاك في قلبك وفي صدرك فاترك هذا الشيء، والإنسان أدرى بما في قلبه وبما يريد؛ ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: (والإثم ما حاك في النفس وتردد في الصدر، وإن أفتاك الناس وأفتوك) .

    يعني: الفتوى وحكم الحاكم لا تغير من حقيقة الأمر شيئاً فالحرام حرام وإن أجاب المفتون على سؤالك بأنه حلال، كأن يجد الإنسان قطعة من الأرض في مكان، وصاحبها غائب منذ زمن، فيأخذ الأرض ويضع يده عليها، ويأتي إلى المحكمة والقاضي يحكم له، أنه بوضع اليد تكون قطعة الأرض له. فهي ليست أرضه وليست ملكه، حتى وإن حكم القاضي أنها له؛ لأنه يعرف بنفسه أنها ليست له، فلا يخدع نفسه بذلك، فإن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (من ظلم قيد شبر من الأرض طوقه يوم القيامة من سبع أرضين) ، يعني: يجعل الطوق في عنقه من سبع أراضٍ يوم القيامة فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ [المعارج:4] ، فلا يخدع نفسه، ولا يخدع غيره.

    شرح حديث: (كيف وقد قيل؟...)

    وعن أبي سروعة واسمه عقبة بن الحارث : (أنه تزوج ابنة لـأبي إهاب بن عزيز فأتت امرأة فقالت: إني قد أرضعت عقبة والتي قد تزوج بها) .

    وفي رواية: أن هذه المرأة التي جاءت كانت أمة سوداء، فكأنه استقل أمر هذه الأمة ، (فقال لها عقبة : ما أعلم أنك أرضعتني ولا أخبرتني، فركب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم) يعني: الرجل كان في مكة فركب وسافر المدينة، (فسأله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كيف وقد قيل؟!).

    يعني: الرجل يقول: هذه المرأة تزعم أنها أرضعتني أنا وزوجتي وأننا إخوة من الرضاعة، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (كيف وقد قيل؟!) وأمره أن يفارقها (ففارقها عقبة ونكحت زوجاً غيره) .

    شرح حديث: (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك)

    من الأحاديث: حديث رواه الترمذي عن الحسن بن علي رضي الله عنه قال: (حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم: دع ما يريبك إلى ما لا يريبك) .

    فإذا شككت في شيء وحاك في صدرك فاتركه ولا تنشغل به؛ لأنه يلهيك عن صلاتك وعبادتك وعملك، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك).

    إذاً: إذا كثرت الاستفهامات في هذا الأمر فاتركه ولا تعمل به، فإن كان في السوق أشياء قديمة وشككت أنها فاسدة فابتعد عنها وامتنع عن شرائها، أو رجل ليس ما له حلالاً ويريد أن يشغل ماله عندك، وأنت تعلم أن معاملته غير طيبة، فابتعد عن هذا الإنسان الذي تشك في أن ماله ليس حلالاً.

    كان رجلٌ موظفاً في شركة، واعتاد أن يأخذ رشوة من الناس فجمع في البنك مائة ألف ومات وتركه، فأخذ الورثة يسألون عما خلف لهم من مالٍ مقداره مائة ألف عن طريق الرشوة، فهي فلوس من حق الشركة وليست من حقه، إذ كان يأخذها ولا يسلمها للشركة، فهذا المال ليس حقاً له؛ لأنه مال حرام لم يستمتع به في الدنيا، ومات ليحاسب عليه يوم القيامة.

    رجل آخر جمع مالاً عن طريق الحرام وكان له أملاك طائلة، فاستيقظ قلبه وحاك الإثم في نفسه فأفاق فإذا كل المال الذي معه حرام، فعليه أن يخرج من هذا الحرام، قبل أن يسأله الله عز وجل عليه يوم القيامة، ولا بد أن يرجع الأموال لأصحابها إذا كانت مسروقة، أو مغصوبة، أو حقوقاً للشركة، أو غير ذلك، فعليه أن يبدأ طريقه من جديد ولا يأكل إلا حلالاً، ولا يجوز أن تتصدق بالمال وصاحبه موجود، فالحق يرجع إلى نصابه.

    ورجل أخذ شيئاً لقطة، ثم بعد عشر سنين أخذ يسأل ماذا يعمل بها؟ فعليه إثمها؛ لأنه يلزمه أن يعلن عنها عندما وجدها، والإعلان يكون سنة، ويعلن عنها إعلاناً يراه الناس، ويعرفون أن هناك شيئاً قد ضاع فيجيء الناس إليه.

    إذاً: من البداية إذا حاك في نفسك شيء فابتعد عنه؛ لأنه شبهة كما قال النبي صلوات الله وسلامه عليه: (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك) هذا فيما يحيك في صدرك، فكيف بما تعلم يقيناً أنه حرام؟

    1.   

    من ورع أبي بكر وعمر

    ذكر قصة أبي بكر عندما أعطاه غلامه شيئاً حراماً أكله ثم تقيأه

    وعن عائشة رضي الله عنها قالت: (كان لـأبي بكر الصديق رضي الله عنه غلام يخرج له الخراج، وكان أبو بكر يأكل من خراجه، فجاء يوماً بشيء، فأكل منه أبو بكر ، فقال له الغلام: تدري ما هذا؟ فقال أبو بكر : وما هو؟ قال: كنت تكهنت لإنسان في الجاهلية، وما أحسن الكهانة إلا أني خدعته، فلقيني فأعطاني بذلك هذا الذي أكلت منه، فأدخل أبو بكر يده فقاء كل شيء في بطنه) رواه البخاري .

    غلام أبي بكر أي: عبد عند أبي بكر رضي الله عنه كان يأتي بالخراج فيدفعه لـأبي بكر الصديق رضي الله تبارك وتعالى عنه، فهذا العبد كان كلما أتى إلى أبي بكر بشيء من طعام حلال يأخذه أبو بكر رضي الله عنه.

    وفي مرة من المرات أخذ أبو بكر ما أتاه الرجل به وأكله رضي الله تبارك وتعالى عنه، ولم يأخذ في باله أنه حرام؛ لأنه دائماً كان يأتيه بحلال، لكن هذه المرة قال الغلام لـأبي بكر الصديق رضي الله عنه: تدري ما هذا الذي أكلته؟ وكأنه قد أفلح أنه استطاع أن يجعل هذا الرجل الذي تكهن له أن يعطيه حلوى.

    فقال الغلام: كنت تكهنت لإنسان في الجاهلية، وفي رواية: (لإنسانة) امرأة كانت حامل، فعلمها كلمات تقولها حتى يكون المولود ذكراً حسب زعمه، فلمَّا خلفت المرأة ولداً قابله زوجها وأعطاه حلوى، فأخذها وذهب إلى أبي بكر يخبره عما فعل، وكأنه يشير إلى أنه كان ذكياً في ذلك.

    (فأدخل أبو بكر يده فقاء كل شيء في بطنه) ، فقد حاول أبو بكر أن يستفرغ كل الذي في بطنه حتى أجهد نفسه، فدلوه على شرب الماء ثمَّ يتقيأ ففعل رضي الله تبارك وتعالى عنه وهو يقول لهم: لو لم تخرج إلا بروحي لأخرجتها، وأخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما نبت من حرام فالنار أولى به) ، أي: الجسد الذي ينبت من الحرام أولى أن يدخل نار جهنم، فلذلك خشي أبو بكر رضي الله تبارك وتعالى عنه على نفسه من النار ففعل هذا الشيء.

    ورع عمر في إنقاص ابنه من العطاء

    وعن نافع : أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان فرض للمهاجرين الأولين أربعة آلاف، وفرض لابنه ثلاثة آلاف وخمسمائة، فقيل له: هو من المهاجرين فلم نقصه؟ فقال: إنما هاجر به أبوه. يقول: ليس هو كمن هاجر بنفسه.

    الحديث رواه البخاري .

    إنَّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه كانت ولايته رحمة للناس، ورحمة بالمؤمنين، وكان على عدالة عظيمة جداً، إذ كان يحكم فيعدل بين الناس، ولا يخاف من أحد، إنما يخاف من الله سبحانه وتعالى، ولما جاءت المغانم وفتح الله عليه الفتوحات إذا به يقسم للناس هذه الغنائم.

    فكان يقسم للناس على حسب مراتبهم، ففرض للمهاجرين الأولين أربعة آلاف، يأخذ المهاجر أربعة آلاف درهم من الدولة كل عام، وذلك من المغانم ومن الفيء ونحو ذلك، وفرض لابنه عبد الله بن عمر رضي الله عنه ثلاثة آلاف وهو من المهاجرين وقد كان عبد الله بن عمر في غزوة أحد عمرة حوالي أربع عشرة سنة، ولم يجزه النبي صلى الله عليه وسلم، فلما بلغ عمره خمس عشرة سنة أجازه النبي صلى الله عليه وسلم.

    فـعبد الله بن عمر رضي الله عنه هاجر مع أبيه إلى النبي صلى الله عليه وسلم وعمره إحدى عشرة سنة مثلاً، فأبوه يراعي أنه لمَّا هاجر كان صغيراً، وأن الذي هاجر به أبوه، فأعطاه أقل مما أعطى للمهاجرين.

    الزهد باب من أبواب الورع واجتناب الشبهات

    عن عطية بن عروة السعدي الصحابي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذراً مما به بأس) .

    الحديث رواه الترمذي وحسنه ولكن إسناده ضعيف.

    والمعنى: أن العبد حتى يكون تقياً، وحتى يكون ورعاً لابد أن يزهد فيما في أيدي الناس، ويبتعد عن ذلك، (ويدع ما لا بأس به) يعني: من الأمور، فإنه إذا وجد مباحاً فإن المباح يليه المشتبه فيه، ويليه المحرم، فعليه أن يأخذ من المباح بقدر ما يحتاج إليه، فلو توسع في المباح فإنه سيقع في الشبهة، فإذا به يقع في الحرام.

    فلذلك الإنسان يفطم نفسه، ولا ينبغي له أن يأخذ كل شيء مباح، فهناك مستحبات وهناك واجبات، فيأخذ بعضاً من المباحات، ويترك بعضها أحياناً، حتى يربي الإنسان نفسه؛ لأنه لو فتح على نفسه كل المباح لَفتح المكروه، وفتح المشتبه وفتح الحرام بعد ذلك.

    وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أحاديث في الورع، وفي أن الإنسان إذا اجتنب الحرام كان ورعاً، فقال لـأبي هريرة : (اتق المحارم تكن أعبد الناس) ، وإذا بعدت عن الحرام يجعل الله عز وجل في قلبك نوراً، وبهذا النور تسير إلى الحلال، وتسير فيما يرضي الله سبحانه وتعالى فتكون أورع الناس.

    نسأل الله عز وجل أن يعيننا على ذكره وشكره وعلى حسن عبادته، وعلى أن نكون من أهل الزهد والورع.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    2986413492

    عدد مرات الحفظ

    715571997