إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. أحمد حطيبة
  4. شرح رياض الصالحين
  5. شرح رياض الصالحين - ذكر الموت وزيارة القبور وكراهية تمني الموت

شرح رياض الصالحين - ذكر الموت وزيارة القبور وكراهية تمني الموتللشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن تذكر الموت ما كان في واسع إلا ضيقه ولا في كثير إلا قلله، فالموت هادم اللذات ومفرق الجماعات وقاطع الأمنيات، وهو البوابة التي يعبر من خلالها المرء إلى الحياة الآخرة، وتذكر الموت أقض مضاجع الأنام، وأذهل عقول الصادقين من العباد فحملهم على الزهادة في الدنيا واطراحها والإقبال على ما ينفعهم في دار المعاد.

    1.   

    تابع ما جاء في ذكر الموت وقصر الأمل من الأحاديث

    شرح حديث أنس وابن مسعود: (خط النبي صلى الله عليه وسلم خطوطاً ...)

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    قال الإمام النووي رحمه الله: [باب ذكر الموت وقصر الأمل.

    عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: (خط النبي صلى الله عليه وسلم خطوطاً فقال: هذا الإنسان وهذا أجله فبينما هو كذلك إذ جاء الخط الأقرب)، رواه البخاري .

    وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: (خط النبي صلى الله عليه وسلم خطاً مربعاً، وخط خطاً في الوسط خارجاً منه، وخط خططاً صغاراً إلى هذا الذي في الوسط من جانبه الذي في الوسط، فقال: هذا الإنسان وهذا أجله محيطاً به، وهذا الذي هو خارج أمله، وهذه الخطط الصغار الأعراض، فإن أخطأه هذا نهشه هذا، وإن أخطأه هذا نهشه هذا)، رواه البخاري .

    وعن أبي هريرة رضي الله عنه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: بادروا بالأعمال سبعاً؛ هل تنتظرون إلا فقراً منسياً أو غنى مطغياً، أو مرضاً مفسداً، أو هرماً مفنداً، أو موتاً مجهزاً، أو الدجال فشر غائب ينتظر، أو الساعة فالساعة أدهى وأمر)، رواه الترمذي وقال: حديث حسن.

    وعنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أكثروا ذكر هاذم اللذات، يعني: الموت)، رواه الترمذي ، وقال: حديث حسن].

    هذا باب ذكرنا بعضاً من الأحاديث التي فيه، والمقصد من الباب بيان أن الموت قريب جداً من الإنسان وأنه يأتيه من حيث لا يحتسب، وأنه ينبغي عليه أن يتفكر في هذا الموت، وأنه إذا قابل ربه سبحانه فسيندم على ما فرط في هذه الدنيا من أعمال كان يقدر أن يعملها فتركها وسوّف حتى لقي الله فلم يجد إلى الرجوع إلى الدنيا سبيلاً.

    كلما يتذكر الإنسان الموت يحفزه على العمل الصالح وعلى تقوى الله تبارك وتعالى، وهذه الأحاديث تفهمنا هذا المعنى، ومنها حديث أنس رضي الله عنه ومثله حديث ابن مسعود رضي الله تبارك وتعالى عنه.

    وفي حديث أنس : (خط النبي صلى الله عليه وسلم خطوطاً)، وفي حديث ابن مسعود : (خط النبي خطاً مربعاً، وخط خطاً في الوسط خارجاً منه)، وكأنه رسم مستطيلاً ورسم خطاً طويلاً في وسط هذا المستطيل خارجاً منه.

    وكأن الإنسان في أول هذا الخط يحيط به هذا المستطيل أو المربع، والخط الطويل الخارج من المستطيل هو خط أمل الإنسان، فالإنسان أمله بعيد جداً، فهو ينال منه أشياء وهي التي في حدود هذا المستطيل، وهذا المستطيل هو أجل الإنسان، فأمل الإنسان أمل بعيد، فهو يتمنى أن يكون كل شيء عنده، فقال هنا في الحديث: (وخط خططاً صغاراً إلى هذا الذي في الوسط من جانبه الذي هو في الوسط)، فالخط الطويل الذي ذكره هو أمل الإنسان ومن حوله على الشمال واليمين خط خططاً صغاراً، صلوات الله وسلامه عليه، وهذه الخطوط الصغيرة هي الأعراض التي تعتري الإنسان من مرض أو من أطماع يطمعها، أو أشياء يأخذها وينالها وأشياء لا ينالها، ولكن ما زال أمل الإنسان بعيداً يمثله الخط الطويل، حتى إذا جاء الموت انقطع هذا الخط وانقطع الأمل، قال صلى الله عليه وسلم بعد أن خط هذه الخطوط: (هذا الإنسان وهذا أجله محيطاً به).

    فحال هذا الأجل أنه محيط بالإنسان، فلا يمكن للإنسان أن يفر من أجله أبداً فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ [الأعراف:34].

    قال: (وهذا الذي هو خارج أمله، وهذه الخطط الصغار الأعراض، فإن أخطأه هذا نهشه هذا، وإن أخطأه هذا نهشه هذا)، فأعراض الدنيا التي تعتري الإنسان كثيرة من أمراض وأطماع وهموم وكروب وسعادة وشقاء.

    وفي الحديث الأول قال: (هذا الإنسان وهذا أجله، فبينما هو كذلك - أي: ينظر إلى الخط الأبعد - إذ جاء الخط الأقرب)، يعني قطع عليه الموت أمله فالموت هو قاطع آمال الإنسان.

    لذلك فإن المؤمن يكون أمله في حدود ما يقدر عليه، وأمله العظيم يكون في رب العالمين سبحانه وفي جنة الخلود، ويكون أمله في السعادة الأبدية عند الله عز وجل، أما الآمال التي في الدنيا فلا يمكن للإنسان أن يحصل على جميع ما يؤمله وخاصة إذا كانت خيالات، حيث يجلس الإنسان فيتخيل أن يكون عنده قصر وأن يكون عنده سيارة ويريد أن يكون عنده كذا من الآمال وهو لا يعمل لهذه الأشياء، وقد يعمل الإنسان وينسى ربه سبحانه.

    وهناك فرق بين المؤمن والكافر، فالكافر أدخل نفسه باختياره في دوامة الآمال فيظل يدور مع الدنيا وتدور به، أما المؤمن فإنه قد حدد هدفه وعرف ما الذي يريده من هذه الحياة الدنيا القصيرة، وهو أن يستغلها في عبادة الله وفي طاعة الله سبحانه، لا شك أنه يحتاج في هذه الدنيا إلى طعام وشراب وكسوة وسكن وزوجة، ويحتاج إلى أن يكون عنده أولاد، وأن يكون عنده عمل يعمل به، ولا أحد يمنعه من هذا الشيء، لكن الأمل في أن يحصل الدنيا كلها فهذا لا يحصل لأحد، فلا يؤمل الإنسان أن يكون أفضل الناس في الدنيا، وإنما يتمنى أن يكون أفضل الناس عند الله عز وجل إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ [الحجرات:13]، فبتقوى الله يحصل المرء الخير العظيم ويحصل أعظم الغنى وهو غنى القلب.

    شرح حديث: (بادروا بالأعمال سبعاً ...)

    ومن الأحاديث التي ذكرها الإمام النووي حديث ضعيف رواه الترمذي وقال: حديث حسن، هو حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (بادروا بالأعمال سبعاً).

    ورغم أن الحديث ضعيف من ناحية الإسناد، لكن المعنى الذي في هذا الحديث معنى حكيم وجميل، فالإنسان ماذا ينتظر في هذه الدنيا؟ قال: (هل تنتظرون إلا فقراً منسياً أو غنى مطغياً أو مرضاً مفسداً أو هرماً مفنداً أو موتاً مجهزاً أو الدجال فشر غائب ينتظر، أو الساعة فالساعة أدهى وأمر).

    يعني: الإنسان الذي ينكب على الدنيا ويريد أن يحصل عليها يقال له هنا: بادر قبل أن يأتي عليك واحد من سبعة لأشياء، (هل تنتظرون إلا فقراً منسياً)، لعلك الآن في غنى فبادر بالعمل الصالح، فالإنسان عند فقره ينسى الله سبحانه تبارك وتعالى ويبقى يفكر بما عليه من دين ويريد أن يعمل لقضاء هذا الدين، فالفقر ينسي الإنسان ربه سبحانه تبارك وتعالى، (هل تنتظرون إلا فقراً منسياً)، يعني: ينسيكم الطاعة وينسيكم العبادة.

    (أو غنى مطغياً)، يعني: غنى يطغي الإنسان ويجعله يحتقر غيره، أو فقراً ينسيه ربه تبارك وتعالى، فما دمت الآن في حالة سوية فأحسن عبادة ربك سبحانه وتعالى.

    (أو مرضاً مفسداً) أي: مرضاً يفسد على الإنسان صحته، أو يفسد على الإنسان عقله، أو يفسد على الإنسان تفكيره، فالمرض حين يأتي على الإنسان يبقى تفكيره في الوجع الذي يلم به وفي الشكوى وينسى عبادته وطاعته.

    (أو هرماً مفنداً)، أي: يفند الإنسان ويذهب عقله فيرد إلى أرذل العمر، فإذا بتفكيره غير سوي وإذا بتطلعاته وطلباته تضايق من حوله.

    (أو موتاً مجهزاً)، يأتي فجأة فيقضي عليه فلا يتمكن من أن يتوب أو يعمل عملاً صالحاً، وإن فرضنا أن العمر طال به فماذا ينتظر؟ قال:

    (أو الدجال فشر غائب ينتظر)؛ لأن فتنته فتنة عظيمة، (أو الساعة فالساعة أدهى وأمر)، يعني: أن أمر شيء أن تقوم الساعة على الناس، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : (لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق)، فكأن الحديث يحث المسلم على أن يبادر بالعمل الصالح الذي يريد أن يعمله قبل أن يدركه واحد من هذه السبعة.

    شرح حديث: (أكثروا ذكر هاذم اللذات...)

    وجاء عن أبي هريرة رضي الله عنه - وهو عند الترمذي وقال: حديث حسن - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أكثروا ذكر هاذم اللذات).

    وهاذم اللذات بمعنى: قاطع اللذات، وهو الموت، فالموت يهذم لذة الإنسان يقطعها فإذا مات غيره فإذا به يتكدر، أما إذا مات هو فسيقدم على أهوال في قبره من سؤال منكر ونكير، وهل سيقدر على أن يجيب أم لا؟

    فهنا يقول لنا صلى الله عليه وسلم: (أكثروا ذكر هاذم اللذات).

    وجاء في بعض الروايات: (أنه ما ذكر في ضيق إلا وسعه، ولا ذكر في سعة إلا ضيقها)، فالإنسان إذا ضاقت عليه الدنيا بمرض أو بأي شيء من المكدرات فإنه حين يذكر الموت يقول: لا والله أنا في رحمة، فالموت أشد من ذلك؛ لأن الموت حين يأتي يأتي بكل ما فيه من سكرات وقبر وسؤال؛ فأنا مازلت في نعمة. فهو عندما يتذكر الموت يرضى بحاله الذي هو عليه الآن.

    والإنسان عند السعة وفي وقت الرخاء سيطغى عندما يرى كثرة أمواله، فإذا تذكر الموت فإنه يضيق عليه هذه السعة التي كادت أن تطغيه وأن تذهب بعقله.

    شرح حديث: (جاءت الراجفة تتبعها الرادفة...)

    وعن أبي بن كعب رضي الله عنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذهب ثلث الليل قام فقال: يا أيها الناس اذكروا الله، جاءت الرَّاجِفَةُ تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ، جاء الموت بما فيه، جاء الموت بما فيه).

    فالحديث فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقوم إذا ذهب ثلث الليل ويقول: (يا أيها الناس اذكروا الله جاءت: الراجفة) يعني: كأنها جاءت، فالله عز وجل حين يقول: أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ [النحل:1]، معناه: أنه سيأتي يقيناً، ولذلك عبر عنه بالماضي فقال: أَتَى أَمْرُ اللَّهِ [النحل:1]، ولا أحد يقدر على دفع أمر الله سبحانه، وكذا قوله صلى الله عليه وسلم : (جاءت الراجفة تتبعها الرادفة)، يعني: ستقوم وكأن ذلك قد حدث.

    والراجفة: النفخة الأولى التي ترجف بالخلق وتميتهم.

    (تتبعها الرادفة) أي: النفخة الأخرى ترجف بهم فيبعثون من قبورهم لحسابهم.

    قال: (جاء الموت بما فيه)، يعني: بما فيه من سؤال ومن حساب.

    قال أبي بن كعب: (قلت يا رسول الله! إني أكثر الصلاة عليك فكم أجعل لك من صلاتي؟).

    يعني: كم أجعل لك من دعائي، وليس معناه: أنني سأصلي ركعتين وأجعلها للنبي صلى الله عليه وسلم، بل المعنى: أنا أكثر من الدعاء فكم مرة أقول: اللهم صل على محمد عليه الصلاة والسلام؟

    قال: (فقال صلى الله عليه وسلم: ما شئت. قلت: الربع؟)، يعني: ربع دعائي أجعله صلاة عليك؟ قال: (قال عليه الصلاة والسلام: ما شئت، فإن زدت فهو خير لك، قلت: فالنصف) أي: أجعل نصف دعائي لك والنصف الآخر دعاء لنفسي؟

    قال: (قال صلى الله عليه وسلم: ما شئت، فإن زدت فهو خير لك، قالت: فالثلثين؟ قال: ما شئت فإن زدت فهو خير لك قلت: أجعل لك صلاتي كلها؟) يعني: أجعل دعائي كله صلاة عليك؟ قال: (إذاً تكفى همك ويغفر لك ذنبك).

    يعني: لو كان دعاؤك كله صلاة على النبي فإنك في ذكر لله سبحانه بأن تطلب من الله عز وجل الثناء والصلاة عليه، فإذا كان الأمر كذلك قال صلى الله عليه وسلم: (إذاً: تكفى همك)، فأفضل من دعائك لنفسك أن تكثر من الصلاة عليه صلوات الله وسلامه عليه قال: (ويغفر لك ذنبك).

    1.   

    استحباب زيارة القبور للرجال وما يقوله الزائر

    شرح حديث: (كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها ...)

    من الأبواب التي ذكرها النووي : باب استحباب زيارة القبور للرجال وما يقوله الزائر.

    تشرع زيارة القبور للرجال، وكان جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم النهي عن زيارة القبور فترة وكأنه لسد ذريعة الشرك بالله سبحانه، حيث كان الناس قريبي عهد بعبادة الأوثان، فكان قد منعهم صلى الله عليه وسلم من زيارة القبور ثم قال: (كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها فإنها تذكر الآخرة).

    فهو أولاً نهاهم، ولكن عندما استقر التوحيد في قلوبهم أمرهم أن يزوروا القبور؛ لأنها تذكر الآخرة، وأهل الجاهلية كانوا يفتخرون بكل شيء فكانوا يفتخرون بقبورهم، لذلك كان من الحكمة في أول الإسلام أن نهى النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين عن زيارة القبور، والله عز وجل ذكر الكفار فقال: أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ [التكاثر:1-2].

    ومن المعاني لهذه الآيات: أن هؤلاء ألهاهم تفاخرهم عن عبادة الله سبحانه حتى ماتوا، أو حتى ذهبوا ليفتخروا بعدد أمواتهم والذي يدل على أن القبيلة الفلانية أعظم من القبيلة الأخرى.

    ولما جاء الإسلام نهاهم النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فلما استقر في قلوبهم الطاعة والخشوع لرب العالمين سبحانه والبعد عن هذا الفخر والعجب والخيلاء رأى النبي صلى الله عليه وسلم أن يأمرهم بزيارة القبور ليتعظوا فقال هنا في حديث بريدة : (كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها)، فأمر بزيارة القبور بعد ذلك صلى الله عليه وسلم.

    وفي الباب يقول الإمام النووي: استحباب زيارة القبور للرجال:

    فهذا الاستحباب للرجال وليس للنساء، بل جاء الوعيد في حق زوارات القبور من النساء، أي: المكثرات من زيارة القبور، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لعن الله زوارات القبور والمتخذين عليها المساجد)، لعن الله الزورات للقبور من النساء، ولن تكون زوارة إلا بأن تزور مرات ومرات، وكلما مات شخص ذهبت المرأة إلى القبر، فإذا ذهبت إلى المقابر فإنها ترجع بلعنة الله سبحانه وتعالى عليها، فلا ينبغي للنساء أن يذهبن إلى المقابر، ويمكن أن تقول بعض النساء: سأذهب للعبرة والذكرى.

    فنقول: حتى وإن حصل هذا في الأول إلا أنه بعد ذلك سيرافقه النياحة والندب ورفع الأصوات بالبكاء وغير ذلك، وهذا لا يجوز، فسداً للذريعة منعت المرأة من زيارة المقابر لا للاتعاظ ولا لغيره، ولكن إذا أرادت أن تتعظ فتبقى في بيتها وتدعو للميت، ولا فرق بين دعائك للميت وأنت في بيتك ودعائك وأنت في المقابر.

    مع ما في الدعاء عند المقبرة من الخصوصية حيث تنظر إلى المقابر وكيف أن أصحابها كانوا في الدنيا يوماً من الأيام، وكل إنسان منهم له بيته، والآن صار في قبر مع سائر الأموات ولا يتميز عنهم بشيء، فنفس الإنسان عندما تحدثه أنه أعلى من غيره وأفضل من غيره، فيتطاول بذلك على الغير فعليه أن يتذكر هذا اليوم حين يكون بداخل القبر محتاجاً إلى الغير، أن يدعو له، وأن يسأل الله عز وجل له الرحمة.

    شرح حديث عائشة في خروج النبي إلى البقيع ودعائه لأهله

    وعن عائشة رضي الله عنها قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كلما كان ليلتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج من آخر الليل إلى البقيع فيقول: السلام عليكم دار قوم مؤمنين وأتاكم ما توعدون غداً مؤجلون، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد).

    يعني: عندما يكون النبي عندها في ليلتها التي تكون كل تسع ليال مرة، كان النبي صلى الله عليه وسلم يخرج، ولأنه تكرر منه ذلك قالت: (كلما كان ليلتها) فكان صلى الله عليه وسلم يخرج ليزور قبور شهداء أحد ويدعو لأهل المقابر هنالك.

    قالت: (فيقول: السلام عليكم دار قوم مؤمنين وأتاكم ما توعدون)، يعني: الموت الذي وعدتم به قد جاءكم.

    (غداً مؤجلون)، يعني: القيامة ستكون في الغد، والكل سيبعث للحساب يوم القيامة.

    (وإنا إن شاء الله بكم لاحقون)، يعني: أنتم سبقتم ونحن وراءكم.

    ثم يدعو ويقول: (اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد).

    فهنا في هذا الحديث ذكر بقيع الغرقد، وفي حديث آخر عن عائشة رضي الله عنها: (ذهب يدعو لشهداء أحد)، صلوات الله وسلامه عليه، وهذا كان في آخر حياته صلى الله عليه وسلم كالمودع للأحياء وللأموات.

    شرح حديث بريدة في زيارة المقابر والدعاء للموتى

    وعن بريدة رضي الله عنه قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر أن يقول قائلهم: السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، أسأل الله لنا ولكم العافية)، فيشرع للمسلم أن يسلم عليهم قائلاً: (السلام عليكم أهل الديار)، أي: الذين سكنتم هذه الديار، (من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون).

    فالإنسان يتذكر وهو في المقابر أنه أتى لهذا المكان اليوم سائراً وغداً أو بعد غد سيذهب إليه محمولاً ويوضع في قبر، فيسأل الله عز وجل العافية للأحياء والأموات، فالحي يحتاج إلى العافية، والميت أحوج إليها.

    والعافية بمعنى: المعافاة من الذنوب، والمعافاة من العقوبة، والمعافاة من الحساب، فيسأل الله عز وجل له وللأموات أن يعافيه الله عز وجل من عقوبته.

    شرح حديث: (مر رسول الله بقبور المدينة فأقبل عليهم بوجهه...)

    وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقبور المدينة فأقبل عليهم بوجهه فقال: السلام عليكم يا أهل القبور! يغفر الله لنا ولكم، أنتم سلفنا ونحن بالأثر).

    أنتم سلفنا ونحن بالأثر، أي: أنتم تقدمتم وسبقتم ونحن وراءكم في نفس طريقكم، فنرد الموت كما وردتم عليه.

    ففي زيارة القبور عظة عظيمة للإنسان، ويضيع هذه الموعظة على الإنسان ما يكون فيه عند زيارة القبور من اشتغال بذكر الدنيا والغفلة عن تذكر الآخرة، فعلى الإنسان عندما يصل إلى المقبرة أن يكون في خشوع وصمت إلا من دعاء وذكر لله سبحانه تبارك وتعالى، ويتذكر ما فيه هؤلاء الأقوام ويعتبر بهم، وكم من إنسان تحمل جنازته ويكون له عند الله عز وجل منزلة عظيمة، وكم من إنسان آخر لا يكون له عند الله منزلة.

    وكم من إنسان تشهد جنازته أعداد غفيرة من الناس يكون مذكوراً عند الناس منسياً عند الله تبارك وتعالى، وكم من إنسان يذهب به قلة من الناس إلى القبور وله عند الله عز وجل درجة عظيمة، فكثرة العدد وقلة العدد ليس دليلاً على حب الله عز وجل للعبد أو بغض الله سبحانه وتعالى للعبد، ولكن كلما كثر العدد فلعله أن يكون أدعى لإجابة الدعاء من مخلصين وموحدين لله سبحانه وتعالى عندما يدعون للميت.

    1.   

    ما جاء في كراهة تمني الموت بسبب ضر نزل به ولا بأس به لخوف الفتنة في الدين

    شرح حديث: (لا يتمنين أحدكم الموت...)

    ومن الأبواب التي ذكرها النووي رحمه الله: [باب كراهة تمني الموت بسبب ضر نزل به، ولا بأس به لخوف الفتنة في الدين، وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا يتمن أحدكم الموت؛ إما محسناً فلعله يزداد، وإما مسيئاً فلعله يستعتب).

    وفي الحديث الآخر: (لا يتمنين أحدكم الموت لضر أصابه، فإن كان لا بد فاعلاً فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيراً لي وتوفني إذا كانت الوفاة خيراً لي)].

    فهنا ينهى النبي صلى الله عليه وسلم عن تمني الموت مهما جاء على الإنسان من أشياء تضايقه، فلعله يدعو على نفسه بالموت فيستجيب الله عز وجل له فيموت، وهذا المتمني إما هو محسن وإما مسيء، فإن كان محسناً فطول العمر أفضل في الإحسان، ولذلك جاء في الحديث الآخر: (خيركم من طال عمره وحسن عمله)، فإذا كان الإنسان مصلياً.. صائماً.. عابداً لله سبحانه.. آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر، فطول العمر له فيه ثواب عظيم ودرجات عالية.

    فعلى ذلك لا يتمنى المرء الموت؛ لأن ربه أعلم بما يصلح له، قال: (إما محسناً فلعله يزداد، وإما مسيئاً فلعله يستعتب) يعني: يطلب من الله سبحانه وتعالى أن يقبل منه عذره وأن يتوب عليه، ولعل الله يعتبه.

    وفي الحديث الآخر: (لا يتمن أحدكم الموت ولا يدع به من قبل أن يأتيه، إنه إذا مات انقطع عمله، وإنه لا يزيد المؤمن عمره إلا خيراً).

    كلما ازداد عمر المؤمن ازداد خيراً بالأعمال الصالحة، يكفي أنه يصلي، ويقرأ القرآن، ويواظب على حضور الجمعة والجماعات، ويصوم رمضان، فيكتب له بذلك حسنات عظيمة، فلا معنى لأن يتمنى لنفسه الموت.

    وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يتمنين أحدكم الموت لضر أصابه).

    كأن الغالب أن الذي يدعو على نفسه بالموت حصل له مصيبة، كأن يكون ذهب إلى الامتحان وكانت نتيجته سيئة فقام يدعو على نفسه بالموت، أو كان يطلب شيئاً معيناً فضاع منه هذا الشيء فضاق صدره فقام يطلب الموت، فإذا كان على هذه الحال ضيق الصدر فإنه لا يدري فلعله ساخط على ربه فيموت على ذلك فيلقى ربه وهو ساخط عليه.

    (لا يتمنين أحدكم الموت لضر أصابه فإن كان لا بد فاعلاً)، يعني: إذا ضاق به الحال ويريد أن يدعو فليدع بهذا الدعاء: (اللهم أحيني ما كانت الحياة خيراً لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيراً لي).

    فتكون بذلك قد أرجعت الأمر إلى ما يشاؤه ربك سبحانه وما يراه الأنفع لك إما الموت العاجل، وإما أن يؤخر لك في العمر.

    شرح حديث خباب: (... ولولا أن النبي نهانا أن ندعو بالموت لدعوت به ...)

    وعن قيس بن أبي حازم قال: (دخلنا على خباب بن الأرت رضي الله عنه نعوده وقد اكتوى سبع كيات فقال: إن أصحابنا الذين سلفوا مضوا ولم تنقصهم الدنيا).

    وخباب بن الأرت رضي الله تبارك وتعالى عنه رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الذين ابتلوا ابتلاء شديداً، فلما أسلم رضي الله عنه أخذه المشركون وعذبوه عذاباً شديداً، ومرة في خلافة عمر رضي الله عنه كان الناس يتكلمون عما كان يفعله المشركون بالمسلمين، فهنا كشف خباب عن ظهره رضي الله عنه فقال عمر رضي الله عنه: ما رأيت أبشع من ذلك، حيث رأى لحم ظهره قد ذاب وكشف عن عظام ظهره، فقد كان المشركون يوقدون النار حتى تصير جمراً ثم يطرحونه عليها حتى تنطفئ بشحم ظهره رضي الله تبارك وتعالى عنه.

    فهذا الرجل الفاضل رضي الله عنه أصابه بلاء ومرض في آخر عمره وبسبب هذا المرض اكتوى سبع كيات، وقال: إن أصحابنا الذين سلفوا مضوا ولم تنقصهم الدنيا، وإنا أصبنا ما لا نجد له موضعاً إلا التراب.

    يعني: بعد الفتوحات أصبنا من الغنائم وجاء لنا من الرزق، وهو لم يذكر أنه كان مجاهداً، وكأنه يقلل من شأن نفسه رضي الله تبارك وتعالى عنه، فيقول خباب رضي الله عنه: إنه من كثرة المال لم يجد إلا أن يحفر مكاناً في الأرض ويجعل فيه هذا المال.

    وذكروا عنه في رواية عند الترمذي أنه قال: (لقد رأيتني مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وما أملك درهماً وإن في جانب بيتي الآن أربعين ألف درهم) ، ولا بد أن يكون مال خباب رضي الله تبارك وتعالى عنه هذا حلالاً، ولكن مع ذلك خاف أن يموت وقد ترك أربعين ألف درهم فيسأله الله سبحانه وتعالى عنها.

    ثم يقول رضي الله عنه: (ولولا أن النبي صلى الله عليه وسلم نهانا أن ندعو بالموت لدعوت به، ثم أتيناه مرة أخرى وهو يبني حائطاً له، فقال: إن المسلم ليؤجر في كل شيء ينفقه إلا في شيء يجعله في هذا التراب).

    من تواضعه رضي الله تبارك وتعالى عنه يذكر الشيء الذي يحقر به نفسه، فالإنسان عادة إذا صار غنياً فإنه يحب أن يظهر أمام الناس بما رزقه الله من المال ويقول: أنا سأبني وأنا سأعمل وأنا عندي، لكن هذا يقول: إن الإنسان يؤجر في كل شيء ينفقه إلا ما يجعله الإنسان في التراب. يعني: كما يفعل هو في تلك الساعة!

    قال: (إن المسلم ليؤجر في كل شيء)، يعني: كل عمل حسن يعمله يؤجر عليه إلا في شيء يجعله في هذا التراب، وهذا محمول على الكثرة، يعني: يكون عنده ما يستغني به ثم يبني بيتاً ثانياً وثالثاً فهذا لا يؤجر عليه عند الله، إنما يكون الأجر على عمل ينفعه، فلعله بنى لابنه أو لابنته، أو أراد بذلك أن يعين إنساناً فيؤجر على هذا كله، أما أن يكثر لنفسه هذه الأشياء فقال خباب : إن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر أنه لا يؤجر على ذلك، لكن لا نقول إنه يأثم، وإنما المعنى: أن الذي يكثر من البنيان كأنه يؤمل في الدنيا، وهذا لا يحرم عليه، ولكن غير ذلك أولى، وهو أن يعتبر الإنسان من هؤلاء الأفاضل الذين كان الواحد منهم يبني البيت ومع ذلك لا يمدح نفسه بذلك، وإنما يقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن المرء لا يؤجر على هذا الشيء، ولكن لاحتياجه يصنع ذلك، والله أعلم.

    فالمقصود: أن الإنسان المؤمن يذكر الموت فيستعين بذلك على العمل، ويخاف من الموت الخوف الذي يعينه على طاعة الله سبحانه وتعالى، فالمؤمن خوفه من الموت يحمله على أن يتذكر الحساب ومن ثم يطيع الله سبحانه بأن يبتعد عن الحرام ويرد المظالم إلى أصحابها.

    فالخوف المندوب هو الخوف الذي يدفع للعمل، وليس الخوف الذي يجعل الإنسان يجلس في بيته ولا يصنع شيئاً.

    نسأل الله عز وجل أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته، وأن يرحمنا في الدنيا وفي قبورنا وفي الآخرة.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.