إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. أحمد حطيبة
  4. شرح رياض الصالحين
  5. شرح رياض الصالحين - فضل الغني الشاكر

شرح رياض الصالحين - فضل الغني الشاكرللشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • ربما يخلق الله الإنسان فقيراً فيصبر على فقره وما أصيب به، وفي المقابل يوجد الغني فيشكر ربه بلسانه وبأفعاله، فيشكر الله له فعله وييسره لليسرى في كل شيء، ويزيده غنى على غناه.

    1.   

    المفاضلة بين الغني الشاكر والفقير الصابر

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    قال الإمام النووي رحمه الله: [ باب فضل الغني الشاكر، وهو من أخذ المال من وجهه وصرفه في وجوهه المأمور بها:

    قال الله تعالى: فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى [الليل:5-7].

    وقال تعالى: وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى * الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى * وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى * إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى * وَلَسَوْفَ يَرْضَى [الليل:17-21] .

    وقال تعالى: إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ [البقرة:271] .

    وقال تعالى: لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ [آل عمران:92] .

    وفي الصحيحين عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالاً فسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله حكمة فهو يقضي بها ويعلمها)].

    باب آخر من كتاب رياض الصالحين يذكر فيه الإمام النووي رحمه الله فضل الغني الشاكر، ويفسر الغني الشاكر بمن أخذ المال من وجهه وصرفه في وجوهه المأمور بها؛ فمن يرزقه الله عز وجل مالاً فيشكر نعمة الله عز وجل عليه، ويؤدي الحقوق كما أمر الله عز وجل بها، فهذا له أجر عظيم عند الله سبحانه.

    والعلماء ينظرون في الترجيح بين اثنين: الفقير الصابر والغني الشاكر، فقير لم يعطه ربنا تبارك وتعالى شيئاً من المال وإن كانت نعم الله عز وجل على خلقه عظيمة، فالمال ليس النعمة الوحيدة، ولكن هذا منعه الله عز وجل من المال فصبر وحمد الله تعالى على نعمه، فأيهما أفضل: أن يكون فقيراً صابراً، أم أن يكون غنياً شاكراً لرب العالمين؟

    لا شك أن الأنفع للناس هو الغني الشاكر، والأنفع لنفسه يوم القيامة الفقير الصابر، ولكن الإنسان لا يملك أن يقول: يا رب اجعلني فقيراً، بل الإنسان يسأل الله عز وجل أنه يرزقه من فضله، ويتعوذ بالله من الفقر كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يتعوذ.

    وما فعل الله عز وجل بعبده فكله خير، إذا أغناه شكر، وإذا أفقره صبر، فالفقير يقدم يوم القيامة على الغني، فعندما يؤتى بالفقراء المهاجرين للسؤال يقولون: وعماذا تسألنا؟ لم تعطنا مالاً فتسألنا عليه، فيؤمر بهم إلى الجنة ويسبقون الأغنياء بنصف يوم، أي: بخمسمائة عام، والأغنياء وإن كانوا شاكرين حامدين لكن السؤال: من أين اكتسبت؟ وفيم أنفقت؟ ثم النجاة بعد ذلك.

    فالفقير يوم القيامة لا سؤال له ولا شيء عليه ويسبق إلى جنة رب العالمين سبحانه، وجاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (ما أنعم الله عز وجل على عبد نعمة فحمد الله عز وجل عليها إلا كان حمده عليها أحب إلى الله منها).

    نعمة طعام أو شراب أو مال يعطيها الله عز وجل للعبد، فإذاً: العبد يأكل ويحمد الله سبحانه، ولاحظ أن نعمة المال والطعام من الله، ونعمة الحمد والشكر من الله فهو الذي وفقك لها، ولكن أي النعمتين أحب إلى الله سبحانه؟

    أن ألهم العبد أن يحمده كان هذا أحب إلى الله عز وجل من إعطاء العبد مالاً.

    1.   

    تيسير الغني الشاكر لليسرى في الدنيا والآخرة

    يذكر المصنف هنا قول الله تبارك وتعالى: فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى [الليل:5-7].

    اليسرى: هو التيسير من الله سبحانه في الدنيا بأعمال الخير، وفي الآخرة على الصراط المستقيم إلى جنة رب العالمين سبحانه، والشرط الذي فيه هو: التصديق رجاء الثواب، والإعطاء، والتقوى لله سبحانه وتعالى، وقد جمعها الله عز وجل في قوله: فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى هذه واحدة، وَاتَّقَى هذه الثانية، وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى هذه الثالثة.

    شرط قبول العمل والأجر العظيم: الإيمان، فالإنسان المؤمن يجد هذه الأعمال يوم القيامة وافية عند الله سبحانه، أما الكافر فيجازى في الدنيا ويمنع ذلك يوم القيامة.

    المؤمن أعطى لله سبحانه مع التقوى، فهو ليس فاجراً يعطي المال رياء وسمعة، ولكنه يعطيه ليتقي النار يوم القيامة، فهو أعطى ابتغاء مرضاة الله، خائفاً من عذاب الله سبحانه، وكما أنه أعطى واتقى فهو مصدق مؤمن بالجزاء يوم القيامة وليس مكذباً، أو كافراً، أو مشركاً، إنما هو مصدق بجنة رب العالمين، وأن الذي يعطي فإن الله يكافئه ويعطيه، هذا الذي يستحق التيسير.

    قال سبحانه: وَسَيُجَنَّبُهَا ، أي: يجنب العقوبة ويجنب النار الكبرى الأَتْقَى والأتقى من التقي، وسبب تجنيب هذا الإنسان التقي أنه يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى [الليل:18] ، فهو ينظر في المال ويخرج منه الزكاة.

    إذا أخرج زكاة المال طيبة بها نفسه طهر الله المال والنفس مما فيها من معاص وذنوب.

    يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى [الليل:18]، أي: يعطي ماله يتزكى بذلك.

    وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى [الليل:19]، الذي يعطي المال ربما يعطيه هدية في مقابل شيء ما وينتظر مقابل هديته شيئاً آخر، أما هذا فقد تعلم ما علمه الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم: وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ [المدثر:6]، يعني: لا تعط مالاً فتمن على من أعطيت مستكثراً لهذا الذي آتيته، أعط ولا تستكثر المال، فليس المال مالك إنما المال مال الله تبارك وتعالى.

    ومن معانيها أيضاً: لا تعط مستكثراً من عطاء الناس، عادة الإنسان أن تعطيه هدية فيردها لك بهدية مثلها، وقد يعطي الفقير للغني مالاً ابتغاء أن يعطيه الغني أكثر.

    وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ [المدثر:6] أي: لا تعط هدية تطلب عليها المثوبة، أو تطلب من الناس أن يعطوك أكثر منها، وحاش للنبي صلى الله عليه وسلم أن يكون هذا خلقه، فما كان يعطي هدية إلا ابتغاء وجه الله تبارك وتعالى، فقال له ربه مؤدباً: وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ [المدثر:6].

    وهنا قال سبحانه في هذا الإنسان الأتقى الذي يعطي ماله يتزكى، وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى [الليل:19].

    وفي الحديث: (أن رجلاً خرج مسافراً لزيارة أخ له في الله، فأرصد الله عز وجل له على مدرجته في طريق السفر ملكاً في صورة إنسان فسأله: إلى أين تذهب؟ قال: لأخي فلان أزوره في الله، قال: لحاجة لك عنده؟ قال: لا. قال: لنعمة تردها عليه؟ قال: لا، ولكني أحبه في الله، قال: فإني رسول الله إليك بأن الله يحبك كما أحببته).

    وجاء في الحديث: (ليس الواصل بالمكافئ)، الذي نصفه ونقول: هذا يصل رحمه ليس هو المكافئ، ولكن الذي إذا انقطعت رحمه وصلها.

    إذاً: المكافئ هو من يرد على الزيارة بأخرى، هذا ليس بالواصل، إنما الواصل الحقيقي الذي يزور من لم يزره، فهنا يقول الله: يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى * وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى [الليل:18-19]، فليس يعطي لأنهم أعطوه قبل ذلك، ولكنه يعطي ابتغاء وجه ربه سبحانه، قال: وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى * إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى * وَلَسَوْفَ يَرْضَى [الليل:19-21].

    وهذا الذي يعطي قال عنه النبي صلى الله عليه وسلم: (اليد العليا خير من اليد السفلى) فجعله الله عز وجل عالياً؛ لأنه ابتغى وجه الله الأعلى سبحانه وتعالى.

    قال: وَلَسَوْفَ يَرْضَى [الليل:21] أي: سوف يثيبه الله سبحانه وتعالى ويعطيه حتى يرضى.

    1.   

    فضل الصدقة

    قال الله تعالى: إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ [البقرة:271].

    فضل صدقة السر

    (إن تبدوا الصدقات) أي: أن تعط الصدقة أمام الناس طالما أنها حسنة فلك الأجر على ذلك، ويجوز إعطاء الصدقة أمام الناس مع حسن النية، ولكن حسن النية هذه ستضبطه، كيف؟ لعل الإنسان في مرة يكون حسن النية ومرة يكون سيئ النية، مرة يبتغي وجه الله ومرة يبتغي رضا الناس، فهنا الإعطاء أمام الناس الأفضل منه الإعطاء في السر، فقال هنا: إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ [البقرة:271] نعمت الصدقة هذه، ولكن وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ [البقرة:271].

    إذا أخفيتها وذهبت لهذا الفقير في السر فأعطيته هذا المال يكون لك ما في الحديث: (صدقة السر تطفئ غضب الرب)، الله عز وجل قد يغضب على العبد، لكن إذا تصدق هذا العبد في السر فالله عز وجل يكف عنه غضبه، ومقتضى غضب الله عز وجل عقابه، فقال هنا سبحانه: فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ [البقرة:271]، وخير هنا أفعل تفضيل، يعني: هو أخير لكم وأفضل.

    وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ [البقرة:271] ليس خيراً فقط بل أيضاً تكفير للسيئات، فكأنه عطف على شيء محذوف، يعني: هذا خير لكم، وسيعطيكم الله عز وجل من فضله، وأيضاً يكفر عنكم من سيئاتكم، وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ [البقرة:271].

    فضل الإنفاق من المال المحبوب

    قال سبحانه: لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ [آل عمران:92] .

    البر يشمل كافة وجوه الخير، ولكي تكون من أصحاب البر ووجوه الخير أنفق مما تحب، قد ينفق العبد الشيء الذي لا يحب، وقد يؤجر عليه، ولكن أن ينفق من أنفس وأفضل ماله وأحب ماله إليه فهذا هو البر، لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ [آل عمران:92]، عندما يريد الإنسان أن ينفق لله عز وجل فإنه يخرج أفضل وأجود ما عنده ويعطيه للفقير، وعندما يعطي طعاماً لفقير يعطيه أفضل وأطيب الطعام، وعندما يريد أن يشتري أضحية يذهب إلى السوق وينظر إلى السمينة الجميلة التي فيها الشروط التي تعتبر في الأضحية ويأتي بأفضل ما يكون.

    إذاً: عندما يعطي ما يحبه ينال درجة البر، لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ [آل عمران:92].

    ثم قال: وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ [آل عمران:92] يعني: وإن قل هذا الشيء، قد ينفق الإنسان مما يحب وقد ينفق الشيء الأقل فالله يقول لك: لن يضيع أجر هذا ولا هذا، وسيعطيكم من الجميع إلا أن تتعمد الشيء الرديء الذي لا تقبله فتنفقه فهذا لا ينفع، ولكن تنفق مما تحب وتنفق الشيء الذي ينتفع به الفقير.

    فضل تمني التصدق

    من الأحاديث ما جاء في الصحيحين عن ابن مسعود -ومثله عن ابن عمر - قال: (لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالاً فسلطه على هلكته في الحق).

    والحسد هنا بمعنى الغبطة، وهي: أن تحب أن تكون مثله، وأن يكون عندك مثل ما عند هذا الإنسان.

    يجوز لك أن تتمنى المثل عندما ترى ما أعطى الله لفلان من مال ينفق منه في الخير، وتقول: ليت الله يعطني مالاً فأنفق منه كما ينفق فلان، (رجل آتاه الله مالاً فسلطه على هلكته -على إنفاقه- في الحق، ورجل آتاه الله حكمة) علمه القرآن، علمه السنة، آتاه حكمة الفصل في القضايا (فهو يقضي بها ويعلمها)، تغبط مثل هذا الإنسان وتتمنى أن تكون مثله.

    عن ابن عمر رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله القرآن -بين لنا الحكمة التي في الحديث السابق- فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار) وفي الحديث السابق: (يقضي به ويعلم الناس).

    ثم قال: (ورجل آتاه الله مالاً فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار) ، فينفق من ماله لله سبحانه تبارك وتعالى، أنفق في الليل وأنفق في النهار، عندما تغبط مثل هذا فإن لك مثله من الأجر العظيم عند الله سبحانه.

    1.   

    تنافس الفقراء والأغنياء

    في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه: (أن فقراء المهاجرين أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: ذهب أهل الدثور بالدرجات العلى، والنعيم المقيم).

    انظروا هنا كيف كان الصحابة يتنافسون في أفعال الخير، وعندما يرى غيره يفعل خيراً أكثر منه وهو لا يستطيع أن يدركه يحزن لأنه سيسبقه إلى الجنة وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ [المطففين:26].

    فذهب فقراء المهاجرين للنبي صلى الله عليه وسلم، وقالوا: ذهب أهل الدثور، وهي: الأموال الكثيرة، والدثور جمع دثر، والدثار الثياب الخارجية، والشعار الثياب التي تلي البدن، والثياب الخارجية دائماً نظيفة وغالية وشكلها فخم، فكأن هؤلاء أصحاب الدثور الذين لهم أموال كثيرة يظهرون بها ويظهر غناهم بهذه الأموال.(

    فذهب أهل الدثور بالدرجات العلى)، كأن النظرة إلى أن الدرجات وزعت عليهم وضاعت منا.

    (فذهبوا للنبي صلى الله عليه وسلم، وقالوا: ذهب أهل الدثور بالدرجات العلى والنعيم والمقيم، قال: وما ذاك؟ فقالوا: يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون ولا نتصدق، ويعتقون ولا نعتق)، لأنهم أصحاب أموال.

    فلما قالوا ذلك، قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أفلا أعلمكم شيئاً تدركون به من سبقكم، وتسبقون به من بعدكم)، يعني: أعلمكم شيئاً ينفعكم، وهو بالمؤمنين رءوف رحيم، فعلمهم شيئاً يسبقون به من لا يفعل مثله، (ولا يكون أحد أفضل منكم إلا من صنع مثل ما صنعتم؟ قالوا: بلى يا رسول الله! قال: تسبحون، وتحمدون، وتكبرون دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين مرة، فرجع فقراء المهاجرين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم).

    المرة الأولى جاءوا يشتكون فأعطاهم الشيء الذي ينفع، ثم رجعوا إليه بشكوى جديدة، فقالوا: (سمع إخواننا أهل الأموال بما فعلنا، ففعلوا مثله).

    هم كانوا يطمعون فيما عند الله، لكن لا تمنع رحمة الله على غيرك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء)، هم سمعوا وعملوا مثل ذلك ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ [المائدة:54]، وأنت لكي تبلغ درجة هذا الإنسان تحب هذا الإنسان، وإذا أحببته فقد ورد: (المتحابون على منابر من نور).

    إذاً: أي إنسان فقير، أو غير قادر أن يعمل كعمل هؤلاء يحب هؤلاء، فيحشر معهم يوم القيامة، ولذلك كانت التجارة العظيمة هي الحب في الله، أن تحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتحب المهاجرين والأنصار والسابقين فتحشر معهم يوم القيامة، أما أن تريد من النبي صلى الله عليه وسلم أن يخصك بشي فهذا ليس بيده صلى الله عليه وسلم، ولم يؤمر أن يبلغ البعض دون البعض فتسبح أنت دون غيرك فلا، ولكن علم الجميع صلوات الله وسلامه عليه، فمن فعل ذلك كان له الأجر العظيم.

    إذاً: لا تهمل وتضيع هذا الأمر العظيم عقب كل الصلاة، فتقرأ آية الكرسي، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث: (من قرأ آية الكرسي دبر كل صلاة لم يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت) .

    وإن ذكر لنا في الحديث أن هذه الخصال العظيمة قليل من يعمل بها، فسألوا النبي صلى الله عليه وسلم: كيف تكون هذه الخصال خصالاً عظيمة؟ وكيف يكون فيها الأجر العظيم وقليل من يعمل بها؟ فقال: (يأتي الشيطان أحدكم فيلهيه عن ذلك فلا يقول بهذا الذكر).

    فالشيطان يلهي الإنسان ويشغله بسؤال أو بكلمة حتى ينسيك الأذكار، ويضيع عليك هذا الأجر العظيم عليك بالذكر عقب الصلاة، وتقرأ آية الكرسي، وتقرأ: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص:1] ، قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ [الفلق:1] ، قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ [الناس:1]، وتسبح الله عز وجل ثلاثاً وثلاثين، وتحمده ثلاثاً وثلاثين، وتكبره ثلاثاً وثلاثين، وتختم بـ: لا إله إلا الله، فيكون لك أجر عظيم عند الله عز وجل، لا تدع الحديث الذي فيه لهو يشغلك عن ذلك فيضيع عليك هذا الأجر العظيم.

    فأهل الدثور لما تعلموا من النبي صلى الله عليه وسلم ذلك عملوا به، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم: (أنه فضل الله يؤتيه من يشاء، ويوفق له من يشاء).

    نسأل الله عز وجل أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.