إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. أحمد حطيبة
  4. شرح رياض الصالحين
  5. شرح رياض الصالحين - الكرم والجود والإنفاق في سبيل الله ثقة في الله

شرح رياض الصالحين - الكرم والجود والإنفاق في سبيل الله ثقة في اللهللشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • حث الإسلام على الكرم والجود والإنفاق في سبيل الله، والعبد حين ينفق ماله ابتغاء مرضاة الله يثق أن الله لن يضيع ما أنفقه بل يضاعفه له أضعافاً كثيرة، والإنفاق من مال الله سبب في نجاة صاحبه من النار

    1.   

    ثقة المسلم بما عند الله

    الحمد الله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين، أما بعد:

    قال الإمام النووي رحمه الله: [ باب الكرم والجود والإنفاق في وجوه الخير ثقة بالله تعالى ].

    قال الله تعالى: وَمَا أَنفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ [سبأ:39].

    وقال تعالى: لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنفُسِكُمْ وَمَا تُنفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ [البقرة:272].

    وروى مسلم عن أبي إمامة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا ابن آدم! إنك أن تبذل الفضل خير لك، وأن تمسكه شر لك، ولا تلام على كفاف، وابدأ بمن تعول، واليد العليا خير من اليد السفلى). رواه مسلم .

    وعن أنس رضي الله عنه قال: (ما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم على الإسلام شيئاً إلا أعطاه، ولقد جاءه رجل فأعطاه غنماً بين جبلين، فرجع إلى قومه فقال: يا قوم! أسلموا فإن محمداً يعطي عطاء من لا يخشى الفقر، وإن كان الرجل ليسلم ما يريد إلا الدنيا، فما يلبث إلا يسيراً حتى يكون الإسلام أحب إليه من الدنيا وما عليها)رواه مسلم].

    المؤمن واثق في أن الرزق بيد الله سبحانه، ولا يزيد الرزق حرص حريص عليه، ولا يقلل من الرزق أن الإنسان يتركه ويتهاون في شيء، فكله مكتوب عند الله، يأتي الإنسان رزقه المقسوم من حيث سعى إليه، أو من حيث لم يسع إليه، والله يقتر على الإنسان كسبه بصورة معينة فيضيق عليه، ويفتح ويبسط لإنسان آخر، والله يفعل ما يشاء.

    فالمسلم يثق في الله سبحانه، وأنه بيده الخير سبحانه تبارك وتعالى، وأنه يعطي بقوله: كن فيكون، قال الله سبحانه وتعالى: إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس:82].

    وإذا أنفق المؤمن فإنه واثق في أن الله يخلفه خيراً مما أنفقه، قال تعالى: وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ [البقرة:272].

    وقال: وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ [البقرة:273].

    وقال: وَمَا تُنفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ [البقرة:272] والإنسان المسلم إذا أنفق ابتغاء وجه الله سبحانه، فإن الله يعطيه أفضل مما أعطى لله تبارك وتعالى.

    ومن الأحاديث التي جاءت في هذا المعنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: (يا ابن آدم! إنك إن تبذل الفضل خير لك، وأن تمسكه شر لك) فـ (أن والفعل بعدها) مصدر، ومعناه: بذلك الخير خير لك، وإمساكك الفضل والخير شر لك.

    فإذا كان عندك فضل من طعام فعد به على من لا طعام عنده، ولا ترم به إلى القمامة، ولم يأمرك النبي صلى الله عليه وسلم أن تنفق قوتك وقوت عيالك، وإنما تبذل الفضل.

    وجاء في القرآن قول الله عز وجل: وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ [البقرة:219] أي: الزائد عن حاجتك، فإذا أنفقت من هذا الزائد، فلك الأجر عند الله، ولك الوعد من الله أنه يزيد هذا المال، ويعطيك خيراً من هذا المال في الدنيا والآخرة، فينمي لك المال ببركة إنفاقك، ويثيبك الجنة في الآخرة.

    وقوله صلى الله عليه وسلم: (ولا تلام على كفاف) أي: إذا كان دخلك على قدر الواجبات من نفقتك، فلن يلومك الله عز وجل على أنك لم تتصدق، فهو لم يعطك ما تتصدق به.

    وقوله صلى الله عليه وسلم: (وابدأ بمن تعول) هنا يعلمنا أدب الإنفاق وهو أن المسلم لا يترك الواجب عليه وينتقل إلى النافلة، ولكن يبدأ بالفرض الذي عليه، وهو أن يطعم نفسه ثم أولاده ثم زوجته ثم أباه ثم أمه، ثم يخرج الفضل بعد ذلك لمن أمره الله عز وجل أن يخرج إليهم.

    وقوله صلى الله عليه وسلم: (واليد العليا) وهي يد المعطي كما جاء في الحديث الآخر، فهي خير من اليد السفلى، وهنا تشجيع للمسلمين على الإنفاق، سواء كان عندهم مال كثير أو قليل، فالجميع ينفقون؛ فهنا الإشارة جميلة في آخر الحديث: (اليد العليا خير من اليد السفلى) فمن من الناس يقول: لا، أنا يدي تصبح شراً، يدي تكون أقل من غيري، وغيري أحسن مني عند الله عز وجل، فأنا أنفق. فتنفق، فتكون يدك اليد العليا خيراً من يد الإنسان الذي يتكفف ويسأل الناس.

    1.   

    إنفاق رسول الله وجوده ثقة بالله

    شرح حديث أنس: (ما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم على الإسلام شيئاً إلا أعطاه...)

    من الأحاديث ما رواه مسلم عن أنس رضي الله تبارك وتعالى عنه، قال: (ما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم على الإسلام شيئاً إلا أعطاه).

    وهذا من أجل أن يتألف الناس على الإسلام، فيأتي الإنسان يقول: إما أن تعطيني وأسلم، وإذا لم تعطني لن أسلم، فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يعطيه.

    وقد علم الناس أن الإنسان الذي يهديه الله عز وجل على يده خير له عند الله من الدنيا وما فيها، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً، خير لك مما طلعت عليه الشمس) فهذا الإنسان لولم يعطه شيئاً وطلب منه أن يسلم إخلاصاً لله عز وجل فإنه قد لا يسلم، ولعله يسلم في يوم من الأيام، ولكن يكون قد خسر أياماً كثيرة كان فيها على الكفر، ولا ندري ما الذي يصنعه في هذه الأيام.

    وهذا الإنسان لو تؤلف على الإسلام، ودخل في دين الله عز وجل وصلى رياءً؛ لأنه أخذ مالاً على ذلك، ولكن كلما دخل الإنسان في الدين فإن الإيمان إذا دخل القلب انفسح وانشرح، فينشرح قلبه لهذا الدين، ويصبح إسلامه حباً في الله وفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي دين الله.

    وهذا الذي حصل مع كل الذين أسلموا، وتألفهم النبي صلى الله عليه وسلم في البداية.

    فالرجل الذي أعطاه النبي صلى الله عليه وسلم غنماً بين جبلين من أجل أن يسلم، وفرح الرجل ودخل في الإسلام، وأخذ الأغنام، وذهب إلى قومه، وأخبرهم بأن يدخلوا في الإسلام، فإن محمداً صلى الله عليه وسلم يعطي عطاء من لا يخشى الفقر، أي: لا يخاف الفقر.

    فالرجل الذي لا يريد من إسلامه إلا الدنيا، فيعطيه النبي صلى الله عليه وسلم، فما يلبث إلا يسيراً حتى يكون الإسلام أحب إليه من الدنيا وما عليها.

    فينتظم مع النبي صلى الله عليه وسلم في صلاته، ويسمع منه المواعظ، ويحتك بالمسلمين، فيعرف المحبة في الله سبحانه، وينسى أنه دخل من أجل أن يأخذ المال، ويكون الإسلام بعد ذلك أحب إليه من أي شيء.

    شرح حديث: (إنهم خيروني أن يسألوني بالفحش أو يبخلوني ولست بباخل)

    وروى مسلم عن عمر رضي الله عنه، قال: (قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم قسماً -أي: وزع غنيمة أو نحوها- فقلت: يا رسول الله ! لغير هؤلاء كانوا أحق به منهم).

    أي: أن عمر رضي الله عنه كانت له نظرة أخرى، فقد رأى أن الذين أعطاهم النبي صلى الله عليه وسلم لا يستحقون وغيرهم أولى منهم، فإنهم فقراء ومؤمنون، والذين أعطاهم إيمانهم ضعيف.

    قال: (إنهم خيروني أن يسألوني بالفحش، أو يبخلوني، ولست بباخل).

    أي: أن إيمان هؤلاء ضعيف، والله عز وجل أبى للنبي صلى الله عليه وسلم البخل، وأوحى إليه أن ينفق، فإما أن يعطيهم، وإما أن يقولوا له بأنه بخيل، ولو قالوا له إنه بخيل، فقد فسقوا بذلك، وقد يكفرون لأنهم يشنعون على النبي صلى الله عليه وسلم.

    فلو أن مسلماً سب النبي صلى الله عليه وسلم كفر، فهو أرحم بهم من أنفسهم صلوات الله وسلامه عليه.

    شرح حديث: (لو كان لي عدد هذه العضاة نعماً لقسمته بينكم)

    وأيضاً ما رواه البخاري عن جبير بن مطعم رضي الله عنه قال: بينما هو يسير مع النبي صلى الله عليه وسلم مقفله من حنين، أي: مرجعه من غزوة حنين سنة ثمان من هجرة النبي صلى الله عليه وسلم بعد فتح مكة، وقد غنم جيش المسلمين مغانم كثيرة، ولكن مع ذلك كان يود النبي صلى الله عليه وسلم إسلام القوم فيرد عليهم المغانم، لكنهم لم يسلموا إلا بعد تقسيم الغنائم، ومع ذلك رد نصيبه من القسمة.

    قال: فعلقه الأعراب يسألونه، أي: أن الصحابة كانوا يستحيون منه، وإن كانوا يريدون من هذه الغنائم، أما الأعراب فإن فيهم بجاحة، فتعلقوا بالنبي صلى الله عليه وسلم يريدون منه عطاءً؛ (حتى اضطروه إلى سمرة) والسمر: شجر له شوك ويكون في الصحراء، (فخطفت رداءه) فتعلق بأشواك هذه الشجرة، فوقف النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (أعطوني ردائي، فلو كان لي عدد هذه العضاه نعماً لقسمته بينكم).

    أي: لو كنت أملك مثل أشواك هذه الشجرة من بهيمة الأنعام كنت قسمته بينكم.

    قال: (ثم لا تجدوني بخيلاً ولا كذاباً ولا جباناً) وحاشاه صلوات الله وسلامه عليه وهو أكرم الخلق وأصدقهم وأشجعهم أن يكون بخيلاً أو كذاباً أو جباناً.

    فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يعطي، ولا يمسك لنفسه شيئاً، فإذا أخذ المغانم التي تخصه أنفق منها على أهل بيته، وعلى أضيافه، وعلى المسلمين أيضاً، وهو القائل عليه الصلاة والسلام: (ليس لي فيها إلا الخمس، والخمس مردود عليكم)، يعني: لن آخذه وأدخره، بل سأرده عليكم، وهذا كرم منه صلوات الله وسلامه عليه.

    1.   

    بيان أن الصدقة لا تنقص المال

    شرح حديث: (ما نقصت صدقة من مال)

    وروى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبداً بعفو إلا عزاً، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله عز وجل).

    فهذا وعد من الله سبحانه على لسان النبي صلى الله عليه وسلم، أن المال ينمو بالإنفاق، مع أن الأصل أنه ينقص بالإنفاق، فإن الله عز وجل لا يخلف الميعاد أبدا، وإنما العيب منك فقط، فالإنفاق من المال بالزكاة وغيره يزيد المال وينميه.

    بل ذكر في حديث آخر أنه قال: (ثلاث أحلف عليهن..) وذكر منها أنه لا ينقص المال من النفقة.

    وقوله صلى الله عليه وسلم: (ما زاد الله عبداً بعفو إلا عزا) فالجزاء من جنس عمل الإنسان، فمن عفا وكان عزيزاً، فالله عز وجل زاده عزاً بهذا الشيء، وقد يعفو الإنسان في أمر ما، فينظر إليه الناس أنه وضع نفسه، لكن الله عز وجل يزيده عزاً بهذا الأمر.

    وقوله صلى الله عليه وسلم: (وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله عز وجل) التواضع يكون لله سبحانه لا للناس، فلا يظهر لهم أنه مستكين ومتواضع، وأنه فيه محبة للمسلمين، وأنه يذل نفسه من أجلهم، لكي يقال عنه إنه متواضع، فلا يكون التواضع إلا في ابتغاء مرضاة الله سبحانه وتعالى، فمن فعل ذلك رفعه الله.

    والنبي صلى الله عليه وسلم علمنا أن نكون من المتواضعين، والتواضع يكون في عدة أمور منها:

    التواضع في السلام.

    والتواضع في المناقشة.

    والتواضع في الأخذ والعطاء.

    والتواضع في العفو عن الناس.

    والتواضع في النظر إلى النفس وإلى الغير.

    والإنسان يكون متواضعاً إذا تكلم مع الغير، فإذا كان من حقه أن يتكلم فإن من حق المستمع إليه أن يستمع لكلامه، وينظر إلى رأي نفسه ورأي غيره، فإن رأيه يحتمل أن يكون صواباً ويحتمل أن يكون خطأً، وإذا كان اجتهاداً، فإن كان راجعاً إلى نصوص الكتاب والسنة فلا وجه لأن يقال ذلك، لكن إذا كان في ظن من الظنون، فإن عليه أن يتواضع مع غيره، والله عز وجل يقول: وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ [الشورى:38] أي: بين المؤمنين، والتشاور لن يكون بين مجموعة متنافرين، ولن يكون بين أشخاص وكل منهم معتز برأيه، ومعتد به، إنما تكون الشورى بين أناس وكل شخص منهم يريد أن يسمع إلى رأي الثاني ويضيفه إلى رأيه، فيزداد تنقيحاً لرأيه.

    فالإنسان الذي يتواضع وينظر إلى نفسه أنها مخطئة، وأنه من أصحاب المعاصي، يقوم يعذره في نفسه فيقول: أنا أيضاً أقع في المعاصي، لعل الله يتوب عليه ويصبح أحسن مني، فيذهب إليه لينصحه بمحبة، يحبه أنه مسلم، يكره منه هذه المعصية، يرجو من نصحه أنه يراجع نفسه، ويبتعد عن هذه المعصية، لكن لو نظر للإنسان على أنه عاص، وأنه يذهب إلى النار، وقال: فلان هذا هالك، فلان هذا كذا، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من قال هلك الناس فهو أهلكهم) المعنى: أن أهلكه غروره، مغرور، فالذي يرى أن الناس كلهم سيدخلون النار وهو فقط الذي سيدخل الجنة، إذاً هذا أهلكهم؛ لأنه إنسان مغرور!

    اعمل كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إنكم تلجون النار وأنا آخذ بحجزكم) أي: أنا أمسككم من أجل ألا تدخلوا النار، إذاً كن كالنبي صلى الله عليه وسلم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، في الخوف على أخيك المسلم أن يقع في النار، لا تغتر وتظن في نفسك أنك أهل للصواب، وأنك أهل للجنة، وغيرك أهل للعذاب.

    الإنسان يتواضع لله سبحانه فيجد نفسه من أقل الناس، ومن أضعف الناس، وينظر إلى رأيه على أنه يحتمل الخطأ ويحتمل الصواب، ينظر إلى غيره على أنه لعل هذا الإنسان الضعيف يوفقه ربنا بدعوة هذا الإنسان لي، فلا تستقل أحداً من الناس.

    شرح حديث: (ثلاث أقسم عليهن وأحدثكم حديثاً فاحفظوه...)

    ومن الأحاديث التي في الباب: حديث عمر بن سعد الأنماري رضي الله عنه، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ثلاثة أقسم عليهن، وأحدثكم حديثاً فاحفظوه: ما نقص مال عبد من صدقة، ولا ظلم عبد مظلمة صبر عليها إلا زاده الله عزاً، ولا فتح عبد باب مسألة إلا فتح الله عليه باب فقر) أو كلمة نحوها.

    فالأمر الأول وهو قوله صلى الله عليه وسلم: (ما نقص مال عبد من صدقة) يقسم النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك وهو الصادق المصدوق من غير أن يحلف، فنحن نصدق كلامه صلوات الله وسلامه عليه، ولكنه أقسم ليؤكد أن إنفاق المال لا يضيع ولا ينقص المال.

    والأمر الثاني: وهو قوله صلى الله عليه وسلم: (ولا ظلم عبد مظلمة صبر عليها إلا زاده الله عزاً) فهذا العبد يظلم ويصبر على هذا الظلم، وقد يكون قادراً على الدفع، فله عند الله عز وجل الأجر، لكن الإنسان المؤمن لا يذل نفسه ولا يهينها، فلا يعرض نفسه للبلاء، فإذا جاءه البلاء من الله صبر عليه، بحيث لا يكون هناك تفريط في دين الله سبحانه.

    فالله عز وجل أمر المسلمين بالجهاد في سبيله لإعزاز دينه، فإذا كان الإنسان يتهاون في مصلحة نفسه، ولا يتهاون في أمر دين رب العالمين سبحانه، فهذا هو التواضع.

    والأمر الثالث وهو قوله صلى الله عليه وسلم: (ولا فتح عبد باب مسألة إلا فتح الله عليه باب فقر) أي: أنه يمد يديه للناس فيسألهم ويطلب منهم أن يعطوه ويسلفوه ولا يرد لهم السلف، فهذا فتح على نفسه باب الفقر.

    وأعظم الفقر الذي يبتلى به الإنسان وأشنعه فقر النفس، حيث يشعر أنه فقير وأنه لا يجد شيئاً، وقد يكون عنده نقود كثيرة جداً، ومع ذلك يستشعر أنه محتاج لكل الناس، وإن كان المال الذي عنده كمال قارون، فشعر أنه فقير وأن ماله سيضيع يوماً من الأيام، فيريد مالاً فوقه، وكلما حصل مالاً فتح الله عز وجل عليه أبواب الفقر.

    ثم قال صلى الله عليه وسلم: (وأحدثكم حديثاً فاحفظوه، إنما الدنيا لأربعة نفر: عبد رزقه الله مالاً وعلماً فهو يتقي فيه ربه، ويصل فيه رحمه، ويعلم لله فيه حقاً، فهذا بأفضل المنازل) أي: من رزقه الله مالاً وعلماً فعمل بعلمه في ماله، فهو بأفضل منزلة في الدنيا وفي الآخرة.

    ولذلك جاء في الحديث الآخر: (فسلطه على هلكته في الحق) يعني: أنفق هذا المال في صلة الرحم وفي إعطاء الفقراء والمساكين والمحتاجين، أي: أنفق المال في حقوقه.

    ثم قال: (وعبد رزقه الله علما ولم يرزقه مالاً فهو صادق النية يقول: لو أن لي مالاً لعملت بعمل فلان، فهو بنيته، فأجرهما سواء) أي: هذا الرجل ليس فقيراً ولكنه عالم، ويتمنى لو أن الله أعطاه مالاً لعمل به كعمل الأول، فهما في الأجر سواء، ويدخلان الجنة وإن كان الفقير يدخل قبل الغني، فهو مثل الغني في أفضل المنازل بنيته الحسنة، وبفقره كان أسرع لدخول الجنة من الغني.

    ثم قال: (وعبد رزقه الله مالاً ولم يرزقه علماً فهو يخبط في ماله بغير علم، لا يتقي فيه ربه، ولا يصل فيه رحمه، ولا يعلم لله فيه حقا، فهذا بأخبث المنازل) وهذا إنسان جاهل معه مال، وكلما تأتيه مناسبة من المناسبات فإنه ينفق ماله في وجوه الشر والحرام.

    ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: (وعبد لم يرزقه الله مالاً ولا علماً، فهو يقول: لو أن لي مالاً لعملت فيه بعمل فلان، فهو بنيته، فوزرهما سواء) رواه الترمذي وقال: حسن صحيح.

    أي: أن هذا رجل فقير ونوى لو أن معه مالاً لعمل به المعاصي والفواحش، فإن وزره يكون كوزر من ملك مالاً وعمل به المعاصي.

    شرح حديث عائشة: (بقي كلها غير كتفها)

    1.   

    ذم البخل والحث على الإنفاق

    شرح حديث: (لا تحصي فيحصي الله عليك)

    عن أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهما، قالت: (قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا توكي فيوكى عليك).

    وفي رواية: (أنفقي أو انفحي أو انضحي، ولا تحصي فيحصي الله عليك، ولا توعي فيوعي الله عليك) متفق عليه.

    و أسماء زوجة الزبير رضي الله تبارك وتعالى عنهما، وقد كان يعطيها مالاً كثيراً، فهي تقول: ليس من مال إلا أعطاني إياه الزبير ، وكانت تدخر بعضه من أجل البيت، فعلمها النبي صلى الله عليه وسلم أن تنفق مما أعطاها الله سبحانه وتعالى.

    وبين لها أن الذي ينفق فإن الله عز وجل ينفق عليه، والذي لا ينفق فيدخر أو يكنز فإنه يعامل بمثل ما يصنع مع الفقراء، فجزاؤه من جنس عمله.

    والإيكاء: هو ربط فم السقاء أو القربة، وهنا تشبيه للبخيل، فالله تعالى سوف يعامله بهذا الشيء، فلا يعطيه، أو مثلما هو يخرج الشيء القليل فالقليل، فالله يعامله بهذه الصورة أيضاً.

    وقوله صلى الله عليه وسلم: (أنفقي أو انفحي، أو انضحي، ولا تحصي فيحصي الله عليك).

    والإحصاء: هو التقصي في العد والحساب

    والإنسان الذي يخرج المال للمحتاجين ولا ينظر كم أعطى، فالمعاملة من الرب سبحانه تبارك وتعالى معه كذلك، فالله أحق بالجود، فمن كان كريماً مع الناس كان الله أحق بذلك منه.

    لذلك رأينا الإنسان التاجر إذا ذكره النبي صلى الله عليه وسلم وقد جاء يوم القيامة وحاسبه الله سبحانه، فلما سأله: هل عملت خيراً قط؟ اندهش وتحير فلم يعد يدري ما يقول! فهو لا يذكر شيئاً من الخير، قال: ما عملت خيراً قط!

    ثم ذكره الله بشيء يسير بسيط عمله، قال: بلى، أنا تذكرت شيئاً، ما هو هذا الشيء ؟ قال: قلت: كنت أعامل الناس في التجارة، أي: في البيع والشراء، فكنت أنظر الموسر، وأتجاوز عن المعسر.

    يعني: عندما يأتي شخص غني يشتري، وأخر الثمن يومين أو ثلاثة، كنت أصبر عليه.

    وكنت أتجاوز عن المعسر، أي: الفقير الذي اشترى ولم يقدر أن يدفع، هنا الجزاء من جنس العمل.

    فكان جواب رب العالمين أن قال: نحن أحق بهذا منك، أي: أنت تجاوزت، فالله عز وجل أحق بالتجاوز منك، فتجاوز عنه وعفا عنه سبحانه تبارك وتعالى، فهنا جزاؤك حين تنفق لله، أن ينفق الله عليك، تعطي أكثر، فالله يعطيك أكثر.

    يقول هنا في الحديث: (ولا توعي فيوعي الله عليك) من الوعاء، أي: تأخذ الوعاء وتغطيه، حتى لا يأخذ أحد منه، فسيقفل عليك باب من أبواب الرزق، ولو أنك فتحت فتح لك هذا الباب من أبواب الرزق.

    شرح حديث: (مثل البخيل والمنفق...)

    حديث آخر: وفيه مثال جميل يذكره النبي صلى الله عليه وسلم، وهو حديث في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (مثل البخيل والمنفق) وبالمثل تتضح للإنسان الصورة ويستحضرها ويعرف حسنها أو قبحها.

    فقال: (مثل البخيل والمنفق كمثل رجلين عليهما جنتان من حديد من ثديهما إلى تراقيهما، فأما المنفق فلا ينفق إلا سبغت أو وفرت على جلده حتى تخفي بنانه).

    فهذا إنسان يريد أن يقاتل الأعداء، واشترى قميصاً حلقاته من حديد، من أجل أن يتقي به سيف الخصم، ثم وضع هذا القميص من رقبته إلى أصابع قدميه، فالإنسان المنفق يده مبسوطة، فهو ينفق في وجوه الخير ويده سهلة الحركة في الإنفاق.

    والآخر خائف ضام يديه على صدره وعلى رقبته لا يريد أن يخرج شيئاً، كمثل القميص يحتبس في هذا المكان ولا ينزل.

    فعندما يقاتل هذا عدوه وهذا عدوه، أيهما ينجو؟

    قال صلى الله عليه وسلم: (فأما المنفق فلا ينفق إلا سبغت) أي: يمد يده كالقميص ينزل ويغطي سائر جسده.

    قال: (أو وفرت على جلده حتى تخفي بنانه) حتى يلقى ثواب الله سبحانه وتعالى، ووقايته لهذا العبد من النار، تسبغ فوق هذا الإنسان فيقيه الله عز وجل النار، معناه: أنه كلما أنفق استرخت المفاصل، ويسرت يده، وإذا بالقميص يوارى هذا الإنسان، فقال صلى الله عليه وسلم: (حتى تخفي بنانه وتعفو أثره)، انظروا هنا القميص الذي لبسه، غطاه كله وغطى أصابعه وآثار مشيه.

    وقوله: (تعفو أثره) المعنى: أنه يريد أن يتوارى من عدوه بلبسه هذا القميص، فحين يهرب من عدوه يطمس قميصه آثار الأقدام فيتواري عن عدوه، كذلك هذا الإنسان الذي أنفق كأنه ستر نفسه من النار، فلا تلفحه ولا تطوله هذه النار.

    قال: (وأما البخيل فلا يريد أن ينفق شيئا، إلا لزقت كل حلقة مكانها) البخيل تحدثه نفسه هل ينفق أو لا؟ فيكون أكثر تثبتاً على المال، كمثل القميص الذي لبسه يقف في مكانه ولا ينزل، وكل حلقة لزقت مكانها، فهو يوسعها فلا تتسع، ويريد أن ينجو من غضب الله ومن عذابه يوم القيامة وهو لا ينفق.

    إذاً هنا الإنسان المؤمن ينفق لله عز وجل فينفق الله عز وجل عليه في الدنيا، ويعطيه الأجر العظيم في الآخرة، ويقيه النار، والعياذ بالله.

    تربية الله لصدقة العبد حتى تكون كالجبل

    وعن أبي هريرة أيضاً في الصحيحين: قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب، ولا يقبل الله إلا الطيب).

    هذا قيد، أن تنفق ولكن من مال طيب، وليس من مال خبيث (بعدل تمرة) أي: بقدر تمرة، من كسب طيب، (ولا يقبل الله إلا الطيب؛ لأن الله يقبلها بيمينه) أي كرم مثل هذا الكرم العظيم من رب العالمين؟

    النفقة التي تعطيها للفقير تكون في يد الله قبل أن يأخذها هذا الفقير، ولذلك كان البعض من الصحابة يطيب المال؛ لأنه يعلم أنها تكون في يد الله قبل أن يأخذها هذا الفقير.

    قال: (فإن الله يقبلها بيمينه ثم يربيها لصاحبها) أي: قبلها رب العالمين ورباها، وزادها لصاحبها، إذاً: الأجر المضاعف عشر حسنات، ثم مائة حسنة، ثم ألف حسنة، ثم أضعاف مضاعفة لا يعلمها إلا الله على شيء قليل فعلته.

    قال: (ثم يربيها لصاحبها كما يربي أحدكم فلوه) أي: كالمهر الصغير تربيه وتطعمه حتى يكبر، وفجأة أصبح مثل الجبل شيئاً عظيماً، قال: (كما يربي أحدكم فلوه حتى تكون مثل الجبل).

    شرح حديث: (اسق حديقة فلان...)

    وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (بينما رجل بفلاة من الأرض، فسمع صوتاً في سحابة: اسق حديقة فلان، فتنحى ذلك السحاب، فأفرغ ماءه في حرة، فإذا شرجة من تلك الشراج قد استوعبت ذلك الماء كله، فتتبع الماء).

    هذا الحديث فيه فضل رب العالمين سبحانه حين يعامل عبده الجواد الكريم الذي ينفق لله سبحانه وتعالى، أي: جعل حظاً في ماله لله لا بد أن يخرجه في كل وقت، فهذا شخص يمشي في صحراء، لقي سحابة، وسمع صوتاً من السحابة: اسق حديقة فلان، هنا أراد الله عز وجل أن يسمعه ذلك، وأن يريه حتى يحدث غيره بذلك.

    فأخذ يتتبع السحابة، ويمشي وراءها ينظر إلى أين ستصل؟ فأمطرت السحابة في مكان، وإذا بالماء يأخذ مسلكاً واحداً من المسالك، ويمشي في طريق هذا المسلك حتى يصل إلى حديقة، وهذا الشخص يتتبع ذلك، فرأى صاحب الحديقة فسأله: ما اسمك يا عبد الله؟ قال: فلان! بنفس الاسم الذي سمعه من السحابة.

    فقال له: لماذا تسألني عن اسمي؟ فقال: (سمعت صوتاً في السحاب الذي هذا ماؤه، يقول: اسق حديقة فلان لاسمك، فما تصنع فيها؟ قال: أما إذ قلت هذا)، والمعنى: أني لم أكن لأخبرك لولا أنك بشرتني بهذه البشارة.

    قال: (أما إن قلت هذا فإني أنظر ما يخرج منها)، أي: من الحديقة (فأتصدق بثلثه)، لم يتصدق بالنصف، ولم يتصدق بثلاثة أرباع، ولكن بأقل، إذاً: هنا تصدق بالثلث والثلث كثير، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (الثلث، والثلث كثير).

    فأنفق الرجل لله عز وجل الثلث، قال: (فأتصدق بثلثه، وآكل أنا وعيالي ثلثه، وأرد فيها ثلثه)، أي: الثلث الثالث أرده فيها وأزرعها مرة أخرى، فكان هذا الذي أنفق الثلث، أعطاه الله عز وجل سحابة خاصة تسقي زرعه.

    هذا كرم عظيم من رب العالمين سبحانه، نتعلم منه أن ننفق لله، وأن نخلص النية، وألا نستكثر شيئاً أخرجناه لله سبحانه، فإن الله يخلف خيراً، وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى [طه:73].

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم.

    وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.