إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. أحمد حطيبة
  4. شرح رياض الصالحين
  5. شرح رياض الصالحين - جواز الأخذ من غير مسألة ولا تطلع إليه والأكل من عمل يده

شرح رياض الصالحين - جواز الأخذ من غير مسألة ولا تطلع إليه والأكل من عمل يدهللشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الإسلام يدعو المسلم إلى العمل والحركة، ويزجره عن الكسل والخمول، ولذا جاءت النصوص الكثيرة في الزجر عن سؤال الناس، والحث على الكسب الحلال والتصدق منه والجود، فاليد العليا خير من اليد السفلى.

    1.   

    جواز الأخذ من غير مسألة ولا تطلع إليه

    ما جاء في جواز الأخذ من غير مسألة والأكل من عمل اليد

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    قال الإمام النووي رحمه الله: [باب جواز الأخذ من غير مسألة ولا تطلع إليه.

    عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه عبد الله بن عمر عن عمر رضي الله عنهم قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطيني العطاء فأقول: أعطه من هو أفقر إليه مني، فقال: خذ، إذا جاءك من هذا المال شيء وأنت غير مشرف ولا سائل فخذه فتموله، فإن شئت كله وإن شئت تصدق به، وما لا فلا تتبعه نفسك.

    قال سالم : فكان عبد الله لا يسأل أحداً شيئاً ولا يرد شيئاً أعطيه) متفق عليه.

    باب الحث على الأكل من عمل يده والتعفف به عن السؤال والتعرض للإعطاء.

    قال الله تعالى: فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ [الجمعة:10].

    وعن الزبير بن العوام رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لأن يأخذ أحدكم أحبله ثم يأتي الجبل فيأتي بحزمة من حطب على ظهره فيبيعها فيكف الله بها وجهه خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه) رواه البخاري ].

    يذكر الإمام النووي رحمه الله في كتابه رياض الصالحين باب جواز الأخذ من غير مسألة ولا تطلع إليه، وباب الحث على الأكل من عمل يده.

    شرح حديث: (إذا جاءك من هذا المال شيء وأنت غير مشرف ولا سائل فخذه...)

    عن عمر يرويه عنه عبد الله بن عمر ابنه، ويرويه عن عبد الله ابنه سالم بن عبد الله بن عمر رضي الله تبارك وتعالى عن الجميع.

    يقول عمر : (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطيني العطاء فأقول: أعطه من هو أفقر إليه مني)، يعطيه من الأموال التي تأتي النبي صلى الله عليه وسلم من مغانم الفيء ونحو ذلك، فكان يقسمها على ما أمر الله تبارك وتعالى به في الغنائم، قال الله سبحانه: وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ [الأنفال:41] الآية.

    فذكر أن الخمس يصرف في هذه المصارف، والأربعة الأخماس تكون للغانمين المجاهدين في سبيل الله تبارك وتعالى، وإذا كان المال فيئاً فقال الله سبحانه: مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ [الحشر:7].

    فكان النبي صلى الله عليه وسلم يقسم هذا المال بحسب ما أمر الله سبحانه تبارك وتعالى به، فكان يقسم على المؤمنين بحسب ما أعطاه الله سبحانه، قد يعطي الجميع، وقد يعطي الأكثر، وقد يعطي البعض بحسب المال.

    قال عمر رضي الله عنه: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطيني العطاء) ، كأنه تكرر هذا الشيء من النبي صلى الله عليه وسلم أن يعطيه، (فأقول: أعطه من هو أفقر إليه مني) يعني يوجد من هو أفقر مني، وأحوج مني لهذا المال.

    فلما تكرر هذا من عمر رضي الله عنه علمه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (خذه، إذا جاءك من هذا المال شيء وأنت غير مشرف ولا سائل فخذه).

    المشرف: أن يتطلع إليه يريده، والسائل: الطالب، فالمشرف أن يكون في نفسه يريد أن يأخذ هذا المال ولكن لا يسأل، وقد يريد الإنسان ويطلب ويسأل، وعمر لا هذا ولا هذا، لا سأل النبي صلى الله عليه وسلم ولا استشرفت نفسه هذا المال.

    فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا جاءك من هذا المال شيء وأنت غير مشرف ولا سائل فخذه فتموله)، العطاء هو الذي يعطاه الإنسان، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يعطي، ومن بعده الخلفاء الراشدون كانوا يعطون الأموال من المغانم والفيء وغير ذلك أعطيات.

    وكان عمر رضي الله تبارك وتعالى عنه في عهده يعطي الناس على حسب تقدمهم في الإسلام وتقدمهم في الهجرة وقربهم من النبي صلى الله عليه وسلم وغير ذلك، فجعل كل سنة مرتباً لكل إنسان منهم حتى عم الخير بفضل الله سبحانه وتعالى على الجميع.

    فتعلم عمر من النبي صلى الله عليه وسلم أنه إذا جاءك من هذا المال شيء فاقبله طالما أنك لم تسأله ولم تستشرف له، فخذ ما آتاك الله سبحانه وتعالى من بيت المال، وقد أعطى النبي صلى الله عليه وسلم لـعمر من مال الغنائم ومن مال الفيء ونحو ذلك.

    قال: (فخذه فتموله) أي: اتخذه مالاً وانتفع به.

    (فإن شئت كله وإن شئت تصدق به) فالنبي صلى الله عليه وسلم أعطى عمر ولا يرد عطاء النبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك ما أعطاك الخلفاء من بيت المال فخذه وتموله إن احتجت إليه، وإن لم تحتج إليه فاقبله وأعطه للفقراء، فيجري الله عز وجل على يدك الخير، ولا تمتنع من هذا المال طالما أنك لم تسأله، ولكن إما أن تنتفع به إذا كنت محتاجاً أو تعطيه لغيرك.

    وهذا أدب عظيم علمه النبي صلى الله عليه وسلم لـعمر ولغيره، المال الذي من بيت المال حق المسلمين، ما أتى من أجل أن يدخر في بيت المال، ويمكث عند النبي صلى الله عليه وسلم أو عند الخلفاء من بعده، بل يوزع هذا المال بحسب ما يريه الله تبارك وتعالى.

    ولو أنه أعطى هذا المال لـعمر وقال عمر : لا أريد، فغيره من الناس أيضاً سيقولون: لا نريد، وعمر ما هو مستشرف ولا متطلع ولا سائل، ولكن غيره قد يكون مستشرفاً لهذا المال.

    و عمر أخلص في رفضه لله سبحانه، ولعل غيره لا يخلص في رفضه لهذا الشيء، وسيفتح على الناس باب شر، فيقول أحدهم: لا أريد؛ حياءً من الناس، وهو يريده ومحتاج إليه، فيأتي من الباب الخلفي، وإذا لم يكن عنده دين يسرق من أموال الناس، فأغلق النبي صلى الله عليه وسلم هذا الباب، فإذا رأيت أنك محتاج فأعطيتك فخذ، فإن كنت غير محتاج فأعطه لمن ترى أنت، ولكن اقبل المال بحيث أن غيرك لا يستحي أن يأخذ حقه من بيت المال.

    فتعلم عمر رضي الله عنه هذا، فأخذ هذا المال، وكان يعطي من هذا المال بعد ذلك لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لما تولى الخلافة، وقسم الناس حسب مراتبهم في الإسلام ومراتبهم في الهجرة ومراتبهم من النبي صلى الله عليه وسلم.

    وكان حكيم بن حزام يرفض أن يأخذ المال منه، فكان يشهد عليه الناس ويذكر ما حدث بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الأثر، ويقول: اشهدوا أن حكيماً لا يريد أن يأخذ المال الذي هو حقه من بيت مال المسلمين.

    وفي رواية لهذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (فإن شئت كله وإن شئت تصدق به، وما لا فلا تتبعه نفسك)، أي: إذا لم تأخذ لحاجة فلا تطمع في شيء، فإذا آتاك الله عز وجل المال فخذ ما آتاك الله سبحانه.

    قال سالم بن عبد الله : فكان عبد الله لا يسأل أحداً شيئاً.

    انتفع عبد الله بن عمر بما سمع من أبيه رضي الله عن الجميع، قال: (فكان لا يسأل أحداً شيئاً، ولا يرد شيئاً أعطيه) يعني: ما كان يطلب من الخلفاء شيئاً ولو طلب لأعطوه، فقد كان عبد الله بن عمر محبوباً رضي الله تبارك وتعالى عنه.

    ولكنه ما كان يطلب من أحد شيئاً، فإذا أعطاه الخلفاء أو أعطاه أحد على وجه الهدية قبل ذلك، لكن هو لا يطلب، والسبب ما سمعه من حديث النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، فهو يأخذ المال فينتفع به إما لنفسه وإما أن يتصدق به أو يعطي الناس على وجه الهدية ونحوها.

    1.   

    الحث على الأكل من عمل اليد

    الأمر بالانتشار للعمل بعد الصلاة

    ذكر المؤلف باب الحث على الأكل من عمل يده، والتعفف به عن السؤال والتعرض للإعطاء.

    والمسلم يعمل ويتكسب ويعلم أن أشرف المكاسب ما تعب فيه وكد وكدح، وجاءه المكسب ولو كان قليلاً، ولكنه يفرح بهذا الشيء، فله أجره عند الله؛ لأنه يتعفف ولا يسأل أحداً من الناس، ولأنه يقوت أهله وعياله، ولو ترك ذلك لأثم، وكفى بالمرء إثماً أن يضيع من يعول، فإذا كان الإنسان يكتسب حتى لا يقع في هذا الإثم فهو مأجور عند الله سبحانه وتعالى.

    جاء في القرآن في سورة الجمعة قول الله عز وجل: فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ [الجمعة:10].

    يوم الجمعة يوم عيد، فإذا صليت الجمعة وأديت ما عليك، فاذهب وابتغ من فضل الله بالعمل، أو بالصناعة أو بالتجارة، ما طلب منك ربنا أنك تقعد يوم الجمعة في البيت، وأن تستريح في الجمعة أو في غيرها، ولكن الله عز وجل أمرك أن تكتسب، فابتغ من فضل الله سبحانه، وإذا أديت الفرض فأنت حر في أن تستريح أو تعمل، ولكن لا تمد يدك للناس وأنت قادر على أن تعمل وتتكسب.

    شرح حديث: (لأن يأخذ أحدكم أحبله ثم يأتي الجبل فيحتطب...)

    قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لأن يأخذ أحدكم أحبله ثم يأتي الجبل فيأتي بحزمة من حطب على ظهره فيبيعها؛ فيكف بها وجهه خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه).

    الصحابة ما كانوا حطابين، ومهنة جمع الحطب من أقل المهن، ولكن مهما كانت فهي أفضل من أن يسأل الإنسان غيره، فالصحابة منهم التجار ومنهم الزراع، وأهل المدينة كانوا متعودين على الزراعة، والمهاجرون كانوا متعودين على التجارة، ولكن لا يقعد الإنسان من غير عمل.

    النبي صلى الله عليه وسلم يعلم المسلم ألا يسأل أحداً شيئاً، فيقول: خذ حبلاً على كتفك واذهب إلى الجبل فاحتطب من هناك، ثم بع هذا الحطب للناس، فتنتفع بهذا الشيء فتتكسب وتؤجر على ذلك.

    قال صلى الله عليه وسلم: (فيبيعها فيكف بها وجهه)، سيبيع ويكسب ويكف الله عز وجل وجهه بذلك ويكتفي ولا يسأل أحداً شيئاً، فهذا خير له وأفضل له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه.

    سؤال الناس فيه ذل، حتى لو أعطوك فتوجد منة من الذي أعطاك، فالأفضل أن لا يسأل أحداً.

    قال هنا: (خير له)، السؤال لا خير فيه إلا للمحتاج أو المضطر، أما غير ذلك فسؤال الناس لا خير فيه.

    فالخير للإنسان أن يكتسب بنفسه ويتعب نفسه، فعلينا أن نكسب المال الحلال من وجهه، ما ننتظر المال الحرام، وما ننتظر أن ينزل الله علينا رزقاً من السماء، ولكن نبحث عن ذلك ونمشي في الأرض وننتشر فيها ونأكل من رزق الله ونبحث عن فضل الله سبحانه.

    والإنسان لا يستكبر عن عمل مهما كان هذا العمل، وكثير من الشباب يبحثون عن أعمال وإذا وجد عملاً قال: هذا العمل لا يناسبني!

    جلوسك في البيت أذل لك من عمل لا يناسبك، ابحث عن العمل الحلال ولو كان من أقل الأعمال، طالما أنك تكف به نفسك عن سؤال الناس، فهذا خير لك وأفضل لك، حتى ولو كانت الأجرة فيه قليلة، ولو علم الله عز وجل في قلبك الخير لأعطاك الكثير بعد ذلك لصبرك وتعففك عن سؤال الناس، فيجب على الإنسان المسلم أن يبحث عن الرزق الحلال من وجهه، ولا يقعد في البيت ينتظر من يصرف عليه، ولا يقعد في البيت وينتظر إنساناً يعطيه مالاً يقرضه، وليس عنده ما يسدد به هذا القرض!

    جاء شابان إلى النبي صلى الله عليه وسلم يسألانه فنظر إليهما، فوجدهما شابين جلدين، فقال: (إن شئتما أعطيتكما، واعلما أنه لا حظ في هذا المال لغني ولا لذي مرة سوي).

    يعني: سأعطيكما من هذا المال إذا كنتما محتاجين أو مضطرين، لكن: (لا حظ في هذا المال لغني).

    وقد يقولان: نحن فقراء ما عندنا فقال: (ولا لذي مرة سوي)، فالشاب القوي الذي فيه جلد وفيه قوة لا حظ له في مال الصدقة ولا حظ له في مال الزكاة.

    فلا تأخذ مالاً لا تستحقه، واسع في طلب الرزق واعمل، وبفضل الله يرزقك سبحانه: إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ [الأنفال:70].

    وعن أبي هريرة رضي الله عنه هنا قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لأن يحتطب أحدكم حزمة على ظهره)، لن يأخذ معه حماراً ولا حصاناً يحمله عليه، بل سيحمله على ظهره (خير له من أن يسأل أحداً فيعطيه أو يمنعه).

    فالأفضل للإنسان أن يتعب في طلب الرزق، وهذا أفضل من أن تمد يدك لإنسان فيقول لك: ما عندي، فاذهب واعمل فأنت قوي تقدر على أن تعمل، ولا تمد يدك إلى أحد من الخلق، ومد يدك إلى الله الذي يرزق سبحانه.

    شرح حديث: (كان داود لا يأكل إلا من عمل يده)

    في صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم: (كان داود عليه السلام لا يأكل إلا من عمل يده)، داود كان ملكاً، ومع هذا كان يأكل من عمل يده!

    وغيره من الأنبياء كانوا يعملون، ولكن ذكر النبي صلى الله عليه وسلم لنا هنا داود لأن العادة أن الملوك لا يشتغلون بالكسب، وعندما يذكرون عنه أنه يصنع الدروع قد يظن أن المقصود أن الأتباع هم الذين كانوا يصنعون السوابغ، يعني الزرود والدروع؛ فلأنه ملك فقد كان الذين حوله هم الذين يصنعون، لكن النبي صلى الله عليه وسلم يذكر الشيء على حقيقته، فأخبر أن داود كان لا يأكل إلا من عمل يده، فيعمل عليه الصلاة والسلام وهو ملك من الملوك، ملكه الله عز وجل على بني إسرائيل ومع ذلك كان يصنع الزرود، أي: يصنع القمصان من الحديد ليلبسها المجاهدون ويبيعها ويأكل من هذه الصنعة.

    وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم كما في صحيح مسلم قال: (كان زكريا عليه السلام نجاراً).

    وجاء في المستدرك بإسناد واه كما ذكر الحافظ ابن حجر قال: (كان داود زراداً) يعني يصنع الزرود، وربنا قال له: وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا [سبأ:11]، علمه الله عز وجل صنع القميص الذي من حلق حديدية، حلقة وحلقة وبينهما مسمار يربط الحلقيتن، فيقدر المسمار على قدر الحلقة، ويصنع حلقة يضمها إلى الأخرى حتى يكون قميصاً يقدر الإنسان أن يتحرك فيه ويحميه من السهام.

    قال: (وكان آدم حراثاً) كان آدم يزرع ويأكل مما زرعه عليه الصلاة والسلام.

    قال: (وكان نوح نجاراً) فعلم النجارة وكان لا يعلم شيئاً عن صناعة السفن، فأوحى إليه ربه سبحانه أن يصنع السفينة.

    قال: (وكان إدريس عليه الصلاة والسلام خياطاً، وكان موسى راعياً) وكون موسى راعياً هذا مذكور في القرآن، حيث استؤجر ثمان سنوات أو عشر سنوات ليعمل بالرعي مقابل أن يتزوج عليه الصلاة والسلام.

    والغرض أن الأنبياء كانوا يعملون، ونبينا عليه صلى الله عليه وسلم عمل قبل ما يوحى إليه، فقد رعى الغنم صلى الله عليه وسلم، وما من نبي إلا ورعى الغنم، وكذلك تاجر مع السيدة خديجة رضي الله تبارك وتعالى عنها، فتاجر وكسب وربح مالاً كثيراً صلوات الله وسلامه عليه.

    وبعدما أوحي إليه صلوات الله وسلامه عليه وهاجر وفرض الجهاد جعل الله للنبي صلى الله عليه وسلم أعظم المكسب، فقال: (وجعل رزقي تحت ظل رمحي)، يعني الجهاد في سبيل الله سبحانه وتعالى، فرزقه كان من المغانم، وما كان يأخذها ويستأثر بها على المسلمين وإنما كان له الخمس من المغانم، فالمغنم يقسم أخماساً كما في الآية: وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ [الأنفال:41]، لله وللرسول قسم واحد من خمسة أقسام: لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ [الأنفال:41] فعددهم ستة لكن الحقيقة أنهم يقسمون خمسة أقسام، فقسم للنبي صلى الله عليه وسلم وهو خمس الخمس، وكان هذا رزقه عليه الصلاة والسلام، وكان له خمس الفيء كاملاً، فجعل الله رزقه تحت ظل رمحه كما قال صلى الله عليه وسلم.

    شرح حديث: (ما أكل أحد طعاماً قط خيراً من أن يأكل من عمل يده)

    عن المقدام بن معد يكرب رضي الله تبارك وتعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما أكل أحد طعاماً قط خيراً من أن يأكل من عمل يده).

    خير الطعام وأفضل الطعام الذي تأكله مما كسبته بعرق جبينك، أحل المال الذي تأكله وأشهى الطعام وأفضل وأطهر الطعام وأطيب الطعام الذي تعبت أنت فاكتسبته بتعبك وعرق جبينك.

    قد يأكل الإنسان من هدية، قد يأكل الإنسان من صدقة، قد يأكل الإنسان من طعام فلان، ولكن طعامك الذي اكتسبته بمالك وتعبت فيه واجتهدت فيه هذا أحل الطعام لك وأفضل الطعام لك.

    قال: (وإن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده).

    1.   

    الكرم والجود والإنفاق في وجوه الخير

    إخلاف الله تعالى على المنفقين

    ذكر المصنف باب الكرم والجود والإنفاق في وجوه الخير ثقة بالله تعالى.

    الثقة بالله عظيمة، المؤمن واثق في الله، ووعد الله حق، لا يخلف الله الميعاد، فإذا قال: وَمَا أَنفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ [سبأ:39] فيقيناً أنه يخلفه سبحانه وتعالى، والمسلم يعتقد ذلك يقيناً ويقسم على ذلك، فإن الله عز وجل هو الذي وعد بذلك، والله لا يخلف الموعد أبداً.

    فهنا في هذه الآية قال سبحانه: وَمَا أَنفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ [سبأ:39] فأنفق ولا تخف فربنا سيخلف غيره، على شرط ألا يكون في الإنفاق سرف أو يكون الإنفاق في غير محله، فما كان واجباً عليك فأخرجه، ولا تنظر للنافلة وتترك الفرض الذي عليك!

    لا يجوز للإنسان الذي عليه زكاة مال أن يقول: أخرج صدقة بدل زكاة المال، فزكاة المال فرض عليك، فأخرج أولاً زكاة المال، ثم بعد ذلك أنت حر فتصدق أو لا تتصدق، ولكن الزكاة فرض عليك، والإنسان يجب عليه أن ينفق على عياله ولا يترك عياله جائعين وليس عندهم كسوة، ويصرف على إنسان غريب وعياله يحتاجون إلى ذلك، فأهل البيت أولى.

    النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ابدأ بنفسك، وابدأ بمن تعول)، فتبدأ بنفسك وتبدأ بأقاربك الذين تعولهم ثم بعد ذلك أعط الغريب، ولذلك النفقة على القريب فيها أجران، صلة وصدقة، والنفقة على الغريب صدقة فقط، فالنفقة على القريب أعظم أجراً منها على الغريب.

    قال سبحانه: وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنفُسِكُمْ وَمَا تُنفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ [البقرة:272].

    (وما تنفقوا) يعني: مهما أنفقتم من النفقات في خير: (فلأنفسكم) يعني: نفعها لأنفسكم.

    وقال الله: لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ [الحج:37].

    الإنسان الذي ينحر الذبائح في الهدي وفي الضحية وغيرها هل ربنا سيستفيد منها شيئاً؟

    لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا [الحج:37] لن ينال الله سبحانه وتعالى هذه اللحوم، ولن يأكلها، ولن ينتفع بذلك حاشا لله سبحانه، ولكن ما هو الذي يصل إلى الله؟ الذي يصل إلى الله التقوى، يرفع إليه العمل الصالح، التقوى ترفع إليه لتؤجروا أنتم على هذه التقوى من فضل الله سبحانه.

    وهنا قال: وَمَا تُنفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ [البقرة:272].

    يعني الأصل أنك لا تنفق نفقة إلا وأنت مستحضر أن هذه لله ليست رياءً ولا سمعة، ليس لأن يقول الناس فلان أنفق أو يلقبوه بالجواد والمنفق، ولكن ينفق ليبتغي وجه الله سبحانه: وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ [البقرة:272].

    سيعطيك الله على الشيء الذي أنفقته عشرة أضعافه، بل لو لم تنفق أخذت مثله، أنت نويت النفقة ثم بدا لك أنك محتاج لهذا المال، أو بعدما جئت لتتصدق تذكرت أن عليك ديناً وقضاء الدين أفضل، فلم تنفقه وأرجعت المال إلى جيبك، فالله عز وجل يؤجرك وكأنك أنفقت هذا المال!

    انظر إلى كرم ربك سبحانه وتعالى، أنت لم تفعل وأعطاك الأجر كأنك فعلت، فالله يوفي لك المكيال، يعطيك ليس مثل الذي أنت عملته فقط، بل أوفى وأوفى وأفضل.

    (وأنتم لا تظلمون) يعني: والحال أنكم لا تظلمون من الله عز وجل.

    وقال تعالى: وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ [البقرة:273] فإذا علم ذلك فهو يخلف عليك ويؤجرك عليه.

    فضل التنافس في الإنفاق

    في الصحيحين عن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالاً فسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله حكمة فهو يقضي بها ويعلمها).

    الحسد هنا الغبطة، والمعنى: أنك تراه ينفق فتتمنى في نفسك وتقول: يا ليتني مثله، فما الفرق بين الغبطة والحسد؟

    الحسد الذي ذكره النبي صلى الله عليه وسلم هنا المقصود به الغبطة، أن تغبطه وتود أن لك مثله، لكن الحسد الحقيقي هو تمني زوال النعمة، مثل إنسان يرى في يد الإنسان مالاً فيتمنى أن يسرق هذا المال منه، ويتمنى أن هذا المال يضيع منه من أجل أن يبقى مثله.

    وشر الحاسد على نفسه وعلى غيره أيضاً، ولعله يكون سبباً في زوال نعمة الغير بسبب عينه، فالإنسان الحاسد يستشعر أنه مظلوم، ولذلك يقولون: ما رأينا ظالماً أشبه بالمظلوم من الحاسد، هو ظالم ويتشبه بالمظلوم؛ لأنه لا يعجبه أن الله أعطى فلاناً وما أعطاه، فالحاسد متسخط على ربه سبحانه، متسخط على أقدار الله سبحانه، يقول: لماذا أعطى فلاناً وما أعطاني أنا؟ فيتمنى زوال نعمة الغير.

    وهنا يقصد النبي صلى الله عليه وسلم بالحسد الغبطة، فلا مانع من أن المسلم يجد من هو أفضل منه ويقول: يا ليتني أكون مثل هذا الإنسان.

    فالحسد بمعنى الغبطة يكون في أمرين، قال: (لا حسد إلا في اثنتين)، فإذا كنت فعلاً تحسد أحد بمعنى تغتبط فيه وتتمنى مثله فليكن في هذين الأمرين وهما: (رجل آتاه الله مالاً فسلطه على هلكته في الحق)، كان غنياً فسلط ماله بالتصرف في الحق، يخرجه للفقراء وللمساكين، ولا يضيع حق نفسه وحق بيته، فينفق بالقدر الذي يرضي به ربه سبحانه وتعالى، فالله عز وجل آتاك المال لتخرجه وليس من أجل أن تكنزه حتى تموت وتتركه لغيرك!

    جعل الله المال لتنفق منه في سبيل الله عز وجل وفي وجوه الخير، فهذا الإنسان ينفق بالعدل، ينفق بالإحسان، يعطي ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والفقراء وغيرهم، فهذا لك أن تقول: يا ليتني مثل فلان، يا ليت ربنا أعطاني حتى أكون مثله، وهذا الإنسان لا يحرمه ربه أبداً من فضله ومن كرمه، هذا الغني الذي يعرف حق الله ويعطي من غير رياء ولا سمعة، فهذا لا يضيعه الله عز وجل، بل يزيد له من فضله ومن كرمه سبحانه.

    والآخر: (رجل آتاه الله حكمة)، تعلم العلم الشرعي، فالحكمة تطلق على معان منها أن يضع الشيء في موضعه، فالحكيم يفكر بالعقل وعنده قلب وفيه لب.

    وتطلق الحكمة بمعنى سنة النبي صلى الله عليه وسلم، والحكمة بمعنى الإصابة في الدين.

    فهذا رجل أعطاه الله عز وجل علماً في الكتاب وعلماً في سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وأعطاه الحكم الصواب في الأشياء فهذا حكيم، فهو يقضي بها ويعلمها.

    قال: (رجل آتاه الله حكمة فهو يقضي بها) يعني أفعاله مبنية على الحكمة، لا يخالف قوله عمله، ولا يخالف عمله علمه، ولكن يعمل بما علم، آتاه الله حكمة فهو يقضي بها في أفعاله وفي قضائه ويعلمها للناس، هذا الذي يستحق أن يقول الإنسان: يا ليتني مثله.

    ليس مال للمرء إلا ما أنفقه لله تعالى

    عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أيكم مال وارثه أحب إليه من ماله ؟ قالوا: يا رسول الله! ما منا أحد إلا ماله أحب إليه، قال: فإن ماله ما قدم ومال وارثه ما أخر) رواه البخاري .

    الصحابة أهل صدق وأهل عدل، وجوابهم جواب صدق، وربما لو سئل غيرهم: هل مالك أحب إليك أو مال الورثة؟ سيقول: مال الورثة، أترك لهم فلوساً حتى لا يضيعوا، لكن الصحابة عرفوا أن المال اختبار وامتحان من الله عز وجل.

    المال في يدك وأنت تتصرف في هذا المال: فالإنسان إما أن ينفقه في الحق ويبقى له الأجر والثواب عند الله عز وجل، وإما أن ينفقه في الباطل فعليه الإثم، وإما أن يدخره وهذا المدخر إما أن يؤدي زكاة ماله أو لا يؤديها، فإذا أدى زكاة ماله انتفع بقدر هذه الزكاة الواجبة عليه، والباقي لم ينتفع به شيئاً، وإذا أخرج من هذا الباقي فأعطى في الحقوق فالله ينمي هذا بإعطائه.

    فالإنفاق خير للإنسان من أن يترك المال للوارث ، فلما سألهم النبي صلى الله عليه وسلم من مال الوارث أحب إليه من ماله؟ يعني: أن ربنا يرزقه مالاً فيجمعه لورثته ويحرم نفسه منه حتى يموت ولم ينتفع بهذا المال ويتركه للوارث! فقالوا: مالنا أحب إلينا من مال الوارث، فنحن نتحكم به ونحكم به ونعطي ونمنع؛ فقالوا هذا لأنهم أهل صدق وأهل إنفاق رضوان الله تبارك وتعالى عليهم، والمآثر التي تكون عند الله عز وجل لن تكون إلا بالبذل: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ [التوبة:111].

    فقال صلى الله عليه وسلم: (فإن ماله ما قدم)، حقيقة مالك ما قدمته لله سبحانه فادخرته عنده بالإنفاق في وجوه الخير.

    قال: (ومال الوارث ما أخرت)، الذي ادخره في الدنيا لن ينتفع به يوم القيامة، وهذا يكون للوارث وليس لك أنت.

    فضل التصدق ولو بشق تمرة

    وفي الصحيحين عن عدي بن حاتم رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (اتقوا النار ولو بشق تمرة).

    يعني لا تستقل الصدقة، وإذا عودت نفسك على الإنفاق ولو بأقل الأشياء يكون لك عند الله عز وجل أجر عظيم يوم القيامة، فإذا أعطيت هذا الإنسان تمرة، وأعطيت الآخر شق تمرة، وأعطيت للثالث مثلها، وأنت لم تحتقر هذا الشيء ولكن جدت بالموجود، فهذا خير من المنع.

    وقد كان الصحابة رضوان الله عليهم منهم من ينفق الكثير جداً، ومنهم من ينفق القليل بحسب ما أعطاه الله سبحانه تبارك وتعالى، فهنا قال النبي صلى الله عليه وسلم: (اتقوا النار) يعني تتقيها بالقليل وبالكثير، ولو بأقل القليل، ولو بشق تمرة!

    جود النبي صلى الله عليه وسلم

    وفي الصحيحين عن جابر رضي الله عنه قال: (ما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً قط فقال: لا).

    انظروا إلى كرم النبي صلى الله عليه وسلم:

    فتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم إن التشبه بالكرام فلاح

    قال الله عن النبي صلى الله عليه وسلم: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [الأحزاب:21] لا يمكن أن تكون مثله صلى الله عليه وسلم، فالنبي صلى الله عليه وسلم معصوم قد كمله الله فكان أكمل خلق الله، خلقاً وخلقاً، ولكن يتشبه الإنسان به.

    (فما سئل شيئاً قط فقال: لا)، عادته الكرم صلى الله عليه وسلم، فالذي يطلب منه شيئاً يعطيه صلى الله عليه وسلم، حتى ولو كان الشيء الذي يرتديه، كما في قصة المرأة التي نسجت للنبي صلى الله عليه وسلم إزاراً وكان محتاجاً إليه، فإزاره كان قد تمزق، ومع ذلك يقول له رجل: (اكسنيه يا رسول الله! فقال: نعم، ورجع إلى بيته وخلعه ولبس القديم وأعطى الرجل هذا الجديد).

    ما كان يمنع أحداً شيئاً صلوات الله وسلامه عليه، فعلينا ألا نبخل، كثير منا يقول: أهلي أولى بمالي، وأنا محتاج لهذا الشيء، وليس مطلوباً منك مالك كله، ولكن تشبه بالنبي صلى الله عليه وسلم بأن تعطي لله سبحانه تبارك وتعالى الواجب، وتعطي أيضاً من المستحب حتى يكون لك عند الله عز وجل الأجر، ولا تكن صعباً فالإنسان إذا أعطى فهذا خير.

    وإذا لم يعط فقال الله: وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا [الإسراء:28] ، فترد السائل بالكلمة الطيبة، تقول مثلاً: إن شاء الله ربنا يعطيك، وإذا ربنا أعطاني أعطيك، ربنا يرزقنا ويرزقك، كلمة طيبة أفضل من أن تطرده منتهراً له، أو تقول: ما معي، ففرق بين إنسان يقول قولاً كريماً ميسوراً وبين من لا يعطي وينهر السائل.

    دعاء الملائكة للمنفقين

    في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من يوم يصبح العباد فيه إلا وملكان ينزلان فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقاً خلفاً، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكاً تلفاً).

    كل يوم في الصبح ينزل ملكان من عند الله عز وجل، عملهم هذا الدعاء، ودعاء الملائكة مستجاب عند رب العالمين سبحانه.

    يقول أحدهما: (اللهم أعط منفقاً خلفاً) يعني: الذين ينفق أعطه، خلفاً مكان الذي أنفقه، والله يعطي ويزيد سبحانه بكرمه وبفضله.

    والآخر يدعو على البخيل الشحيح: (اللهم أعط ممسكاً تلفاً) إذا استحضر المؤمن ذلك ووجد عنده فضل، فمن كان ذا فضل فليعد بفضل زاده على من لا زاد له، فالذي عنده من فضل الله سبحانه فليعط ولو الشيء اليسير.

    نسأل الله عز وجل أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.

    وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.