إسلام ويب

شرح رياض الصالحين - الرجاء في رحمة الله [3]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • نبي الأمة صلى الله عليه وسلم يرشد العبد ألا يقنط أبداً من رحمة رب العالمين، فرحمة الله واسعة، وإذا كان خوف العبد من الله يمنعه من المعاصي، فالرجاء فيما عنده يدفع العبد إلى التوبة، وإلى حسن الظن بالله سبحانه وتعالى، فالإنسان المؤمن إذا تاب إلى الله تاب الله عليه، والله تعالى عند ظن عبده به.

    1.   

    شرح حديث: (إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار)

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    قال الإمام النووي رحمه الله: [باب في الرجاء.

    وعن أبي موسى رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن الله تعالى يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها) رواه مسلم .

    وعن أبي نجيح عمرو بن عبسة السلمي رضي الله عنه قال: (كنت وأنا في الجاهلية أظن أن الناس على ضلالة وأنهم ليسوا على شيء وهم يعبدون الأوثان، فسمعت برجل بمكة يخبر أخباراً، فقعدت على راحلتي فقدمت عليه، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم مستخفياً جرآء عليه قومه، فتلطفت حتى دخلت عليه بمكة فقلت له: ما أنت؟ قال: أنا نبي، قال: قلت: وما نبي؟ قال: أرسلني الله، قال: قلت: وبأي شيء أرسلك؟ قال: أرسلني بصلة الأرحام، وكسر الأوثان، وأن يوحد الله ولا يشرك به شيئاً، قال: قلت: فمن معك على هذا؟ قال: حر وعبد، ومعه يومئذ أبو بكر وبلال رضي الله عنهما، قال: قلت: إني متبعك، قال: إنك لن تستطيع ذلك يومك هذا، ألا ترى حالي وحال الناس! ولكن ارجع إلى أهلك فإذا سمعت بي قد ظهرت فائتني) وذكر الحديث.

    فالإنسان المؤمن يرجو رحمة رب العالمين مما يسمع من آيات في كتاب الله سبحانه، ومما يسمع من أحاديث للنبي صلى الله عليه وسلم، فلا ييئس من رحمة رب العالمين أبداً، وهو الذي ذكر عن نفسه سبحانه أن رحمته وسعت كل شيء قال تعالى: وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ [الأعراف:156].

    وأخبر عن نفسه سبحانه أن رحمته سبقت غضبه، فالمؤمن يرجو رحمة الله، وإذا وقع في ذنب من الذنوب سارع وبادر إلى التوبة سبحانه، فإنه يعلم أن ربه غفور رحيم سبحانه، ويعلم أن ربه شديد العقاب، فإذا كانت عليه حقوق لأهلها أرجع الحقوق وأعادها إلى أهلها، واستحلهم من هذه الحقوق ومما وقع في حقهم من مآثم، ويتوب إلى الله عز وجل، فالله يتوب على من تاب.

    فهنا في هذه الأحاديث حديث لـأبي موسى الأشعري رضي الله عنه في صحيح مسلم ، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله تعالى يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار).

    والمعنى: أن الله عز وجل يقبل توبة عباده ليل نهار، فالله عز وجل هو الذي يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، والله على كل شيء قدير، لا يعجزه شيء مهما تعاظم ذنب الإنسان، فرحمة الله أعظم، فمهما كثرت خطايا الإنسان فإن رحمة الله أكثر وأكبر وأعظم، فجعل باباً للتوبة مفتوحاً لا يغلق حتى تطلع الشمس من مغربها، فالله عز وجل يتوب على عباده الذين يتوبون إليه.

    وهنا عبر بهذه الكلمة الطيبة الجميلة: أن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، وأنه يدعو عبده، وعادة البشر فيما بينهم إذا بسط يده إلى إنسان كأنه يقول: تعال إلي.. تعال إلي.. وربنا ينادي عباده وخاصة في الليل في وقت السحر: (هل من تائب فأتوب عليه؟! هل من مستغفر فأغفر له؟! هل من سائل فأعطيه؟!).

    فالله عز وجل كريم رحيم ودود يقبل من عباده توبتهم ويثيبهم الأجر، بل وقد يحول سيئاتهم إلى حسنات فضلاً منه وكرماً سبحانه، فيبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، فمن أساء بالنهار لا ينتظر النهار الآخر حتى يتوب إلى الله، ولكن ليتب حالاً إلى الله عز وجل، فمن وقع في الذنب بالليل فليتب حالاً إذا طلع عليه الصبح، أو إذا انتهى وراجع نفسه فليتب إلى الله سريعاً، فالمعنى هنا: أن العبد مهما أذنب وتاب إلى الله فإن الله يتوب عليه سبحانه.

    فهذه التوبة مفتوحة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت الشمس من مغربها كان من العلامات الكبرى لقيام الساعة التي إذا تحققت هذه العلامات كلها فإنه يختم على الناس الأحياء: هذا مؤمن وهذا كافر، ولا تقبل توبة بعد ذلك.

    فإذا خرجت الدابة من الأرض ختمت على وجوه الناس: هذا مؤمن وهذا كافر، فيصبحون يتبايعون فيما بينهم، فيشتري الإنسان من الآخر ويقول له: يا كافر أعطني كذا، والكافر يقول: يا مؤمن! أعطني كذا، يكتب عليهم ذلك.

    ولا تقبل توبة حين تظهر العلامات الكبرى للساعة، ومن ذلك خروج الدابة من الأرض، ونزول المسيح على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وطلوع الشمس من مغربها، وهي عشر علامات ستأتي في آخر الكتاب في المنثورات والملح إن شاء الله.

    1.   

    شرح حديث عمرو بن عبسة في إسلامه

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    قال الإمام النووي رحمه الله: [باب في الرجاء.

    وعن أبي موسى رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن الله تعالى يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها) رواه مسلم .

    وعن أبي نجيح عمرو بن عبسة السلمي رضي الله عنه قال: (كنت وأنا في الجاهلية أظن أن الناس على ضلالة وأنهم ليسوا على شيء وهم يعبدون الأوثان، فسمعت برجل بمكة يخبر أخباراً، فقعدت على راحلتي فقدمت عليه، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم مستخفياً جرآء عليه قومه، فتلطفت حتى دخلت عليه بمكة فقلت له: ما أنت؟ قال: أنا نبي، قال: قلت: وما نبي؟ قال: أرسلني الله، قال: قلت: وبأي شيء أرسلك؟ قال: أرسلني بصلة الأرحام، وكسر الأوثان، وأن يوحد الله ولا يشرك به شيئاً، قال: قلت: فمن معك على هذا؟ قال: حر وعبد، ومعه يومئذ أبو بكر وبلال رضي الله عنهما، قال: قلت: إني متبعك، قال: إنك لن تستطيع ذلك يومك هذا، ألا ترى حالي وحال الناس! ولكن ارجع إلى أهلك فإذا سمعت بي قد ظهرت فائتني) وذكر الحديث.

    فالإنسان المؤمن يرجو رحمة رب العالمين مما يسمع من آيات في كتاب الله سبحانه، ومما يسمع من أحاديث للنبي صلى الله عليه وسلم، فلا ييئس من رحمة رب العالمين أبداً، وهو الذي ذكر عن نفسه سبحانه أن رحمته وسعت كل شيء قال تعالى: وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ [الأعراف:156].

    وأخبر عن نفسه سبحانه أن رحمته سبقت غضبه، فالمؤمن يرجو رحمة الله، وإذا وقع في ذنب من الذنوب سارع وبادر إلى التوبة سبحانه، فإنه يعلم أن ربه غفور رحيم سبحانه، ويعلم أن ربه شديد العقاب، فإذا كانت عليه حقوق لأهلها أرجع الحقوق وأعادها إلى أهلها، واستحلهم من هذه الحقوق ومما وقع في حقهم من مآثم، ويتوب إلى الله عز وجل، فالله يتوب على من تاب.

    فهنا في هذه الأحاديث حديث لـأبي موسى الأشعري رضي الله عنه في صحيح مسلم ، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله تعالى يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار).

    والمعنى: أن الله عز وجل يقبل توبة عباده ليل نهار، فالله عز وجل هو الذي يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، والله على كل شيء قدير، لا يعجزه شيء مهما تعاظم ذنب الإنسان، فرحمة الله أعظم، فمهما كثرت خطايا الإنسان فإن رحمة الله أكثر وأكبر وأعظم، فجعل باباً للتوبة مفتوحاً لا يغلق حتى تطلع الشمس من مغربها، فالله عز وجل يتوب على عباده الذين يتوبون إليه.

    وهنا عبر بهذه الكلمة الطيبة الجميلة: أن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، وأنه يدعو عبده، وعادة البشر فيما بينهم إذا بسط يده إلى إنسان كأنه يقول: تعال إلي.. تعال إلي.. وربنا ينادي عباده وخاصة في الليل في وقت السحر: (هل من تائب فأتوب عليه؟! هل من مستغفر فأغفر له؟! هل من سائل فأعطيه؟!).

    فالله عز وجل كريم رحيم ودود يقبل من عباده توبتهم ويثيبهم الأجر، بل وقد يحول سيئاتهم إلى حسنات فضلاً منه وكرماً سبحانه، فيبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، فمن أساء بالنهار لا ينتظر النهار الآخر حتى يتوب إلى الله، ولكن ليتب حالاً إلى الله عز وجل، فمن وقع في الذنب بالليل فليتب حالاً إذا طلع عليه الصبح، أو إذا انتهى وراجع نفسه فليتب إلى الله سريعاً، فالمعنى هنا: أن العبد مهما أذنب وتاب إلى الله فإن الله يتوب عليه سبحانه.

    فهذه التوبة مفتوحة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت الشمس من مغربها كان من العلامات الكبرى لقيام الساعة التي إذا تحققت هذه العلامات كلها فإنه يختم على الناس الأحياء: هذا مؤمن وهذا كافر، ولا تقبل توبة بعد ذلك.

    فإذا خرجت الدابة من الأرض ختمت على وجوه الناس: هذا مؤمن وهذا كافر، فيصبحون يتبايعون فيما بينهم، فيشتري الإنسان من الآخر ويقول له: يا كافر أعطني كذا، والكافر يقول: يا مؤمن! أعطني كذا، يكتب عليهم ذلك.

    ولا تقبل توبة حين تظهر العلامات الكبرى للساعة، ومن ذلك خروج الدابة من الأرض، ونزول المسيح على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وطلوع الشمس من مغربها، وهي عشر علامات ستأتي في آخر الكتاب في المنثورات والملح إن شاء الله.

    مجيء عمرو بن عبسة وإسلامه بمكة قبل الهجرة

    ومن الأحاديث حديث أبي نجيح واسمه: عمرو بن عبسة السلمي رضي الله عنه، فيذكر أنه أسلم، ويذكر قصة إسلامه رضي الله تبارك وتعالى عنه.

    فكان -وهو في الجاهلية- عنده نور في قلبه يبين له أن هؤلاء الناس على باطل وعلى شرك وضلالة، ولم يكن يعتقد ما يعتقدون من أباطيل في الجاهلية، فقال: (كنت وأنا في الجاهلية -يعني: قبل النبي صلى الله عليه وسلم- أظن أن الناس على ضلالة).

    الله هو الذي قذف في قلبه أن هؤلاء المشركين على ضلالة وباطل، وأنهم ليسوا على شيء وهم يعبدون الأوثان.

    قوله: (قال: فسمعت برجل بمكة يخبر أخباراً) سمع أن شخصاً في مكة خرج في هذا الزمن يخبر أخباراً.

    قال: (فقعدت على راحلتي -رجل يبحث عن الحق وعن الدين رضي الله عنه- فقدمت عليه، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم مستخفياً جرآء عليه قومه).

    وكان هذا في أول الإسلام وأول الدعوة إلى الله عز وجل، وقال صلى الله عليه وسلم: (بدأ الإسلام غريباً، وسيعود غريباً كما بدأ، فطوبى للغرباء)، بدأ غريباً برجل واحد وهو النبي صلوات الله وسلامه عليه، يدعو قومه إلى الدين، فيدخل معه في الدين -كما ذكر لنا هنا- حر وعبد وامرأة وصبي.

    فقد دخلت معه من النساء خديجة ، ومن الصبيان علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ومن الرجال الأحرار أبو بكر الصديق رضي الله عنه، ومن العبيد بلال رضي الله تبارك وتعالى عنه.

    فهؤلاء الذين كانوا معه مسلمين، فبدأ الإسلام بهؤلاء غريباً، قال عمرو بن عبسة : (فتلطفت حتى دخلت عليه بمكة فقلت: ما أنت؟ قال: أنا نبي، قال: قلت: وما نبي؟ قال: أرسلني الله، قال: قلت: وبأي شيء أرسلك؟ قال: أرسلني بصلة الأرحام، وكسر الأوثان، وأن يوحد الله ولا يشرك به شيئاً).

    هنا دعا إلى الله عز وجل، وبين محاسن هذا الدين العظيم، فالدين كبير وعظيم، ولكن البدء دائماً يكون بالأهم، وأهم شيء هو توحيد الله عز وجل، ومكارم الأخلاق، فذكر له صلى الله عليه وسلم ما يعرفه الناس بعقولهم من أن هذه الأصنام باطلة، ولذلك هذا الرجل قبل أن يدخل في الإسلام كان يعرف أن هذا الذي عليه المشركون من عبادة باطل، ولكن أين الحق؟ فهو يبحث عن الحق رضي الله تبارك وتعالى عنه، فلما ذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم ذكر له أن الله أرسله بذلك قال: (أرسلني بصلة الأرحام) فهذه مكارم الأخلاق؛ لأن أهل مكة كانوا يشيعون على النبي صلى الله عليه وسلم أنه جاء بقطع الأرحام، فكذبهم النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه إنما جاء بصلة الأرحام لا بقطعها.

    قال: (وكسر الأوثان) كسر ما يعبد من دون الله سبحانه تبارك وتعالى، والكلمة جميلة وعظيمة، ما قال: إبطال الأوثان، وإنما قال: كسر الأوثان، فالذي يتفكر يقول: والله لو كانت تنفع غيرها لدافعت عن نفسها وهي تجد من يكسرها، فهذه الأوثان باطلة، فأعمل عقلك في هذا الشيء، واعلم أن هذه أوثان تكسر ولا تملك أن تدفع عن نفسها.

    قال صلى الله عليه وسلم: (وأن يوحد الله ولا يشرك به شيئاً، قال: قلت: فمن معك على هذا؟) أي: من دخل في هذا الدين معك؟ (قال: حر وعبد)، الحر: أبو بكر رضي الله عنه، والعبد: بلال رضي الله عنه.

    قال: (قلت: إني متبعك) انظر إلى نور الإيمان عندما يكون في قلب الإنسان! لم ينظر إلى الكثرة ولم يقل: عندما يكثر الذين معك سأسلم، مثلما قال كفار قريش، فقد كانوا يقولون له: عندما يكثر عدد الذين معك ندخل في هذا الدين، فأنت ليس معك أحد، فينظرون إلى الكثرة على أنها دليل الصواب والخطأ، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم لا ينظر إلى مثل ذلك، فالحق حق وإن قل أتباعه، والباطل باطل وإن كثر أشياعه، فهذا حق وذاك باطل، فهذا النبي صلوات الله وسلامه عليه يخبر أن معه حراً وعبداً على هذا الدين.

    يقول الرجل: (إني متبعك، قال: إنك لن تستطيع ذلك يومك هذا) وهنا هل منعه النبي صلى الله عليه وسلم؟

    لا، فهو لم يمنعه من الإسلام، فلا يجوز للنبي صلى الله عليه وسلم ولا لغيره أن يمنع أحداً من الإسلام، وإنما المعنى: أنه إذا اتبعه وترك قومه ليكون مع النبي صلى الله عليه وسلم في مكة فإن النبي صلى الله عليه وسلم لا يستطيع أن يدفع عنه هؤلاء الكفار، فقال له: امكث في قومك مسلماً حتى يظهر هذا الدين فتأتي وتكون معنا، فهذا من رأفته ورحمته وشفقته صلى الله عليه وسلم، فإن هذا الرجل ضعيف، ماذا سيملك لنفسه بين هؤلاء الجحافل من المشركين؟! فإذاً: يبقى مسلماً في قومه إلى أن يظهر الله الإسلام.

    فقال صلى الله عليه وسلم للرجل: (إنك لن تستطيع ذلك يومك هذا، ألا ترى حالي وحال الناس؟) يعني: الناس كثرة وهم يؤذونني، ولا أقدر عليهم، فكيف أدفع عنك؟! (فقال: ولكن ارجع إلى أهلك، فإذا سمعت بي قد ظهرت فائتني).

    فالمسألة هي أن تكون معي وتكون في مكانك أنت، أما الإسلام فقد قبله منه صلى الله عليه وسلم، ودخل الرجل في الإسلام بذلك.

    مجيء عمرو بن عبسة إلى المدينة

    قال: (فذهبت إلى أهلي وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وكنت في أهلي، فجعلت أتخبر الأخبار) لأن الإسلام دخل في قلب الرجل، وبدأ يبحث وينظر ماذ عمل النبي صلى الله عليه وسلم؟ ويتسمع لأخباره صلوات الله وسلامه عليه.

    يقول: (وأسأل الناس حين قدم المدينة، حتى قدم نفر من أهلي من المدينة، فقلت: ما فعل هذا الرجل الذي قدم المدينة؟) وكأنه كان يخفي إسلامه، ولم يظهره خوفاً من قومه، (قال: فقالوا: الناس إليه سراعاً، وقد أراد قومه قتله فلم يستطيعوا ذلك، قال: فقدمت المدينة، فدخلت عليه فقلت: يا رسول الله! أتعرفني؟ قال: نعم أنت الذي لقيتني بمكة) كيف سينساه صلوات الله وسلامه عليه وهو رجل جاءه في وقت الضعف يقول: أتبعك وأنت في هذه الحال؟ والذي أرجعه إلى بلده هو النبي صلوات الله وسلامه عليه رحمة وشفقة عليه.

    (قال: فقلت: يا رسول الله! أخبرني عما علمك الله وأجهله)، لم يقل له: أريد أن أدخل في دين الإسلام فهو من البداية عرف أن هذا الدين حق، وتابع بقلبه النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن أمره النبي صلى الله عليه وسلم بالعودة إلى بلده.

    تعليم النبي لعمرو بن عبسة أوقات الصلاة

    فهو الآن يسأل النبي صلى الله عليه وسلم: ما هي أحكام الإسلام التي نزلت عليك؟ علمني مما علمك الله وأجهله، أخبرني عن الصلاة؟ (فقال النبي صلى الله عليه وسلم: صل صلاة الصبح، ثم أقصر عن الصلاة حتى ترتفع الشمس قيد رمح، فإنها تطلع حين تطلع بين قرني شيطان، وحينئذ يسجد لها الكفار، ثم صل، فإن الصلاة مشهودة محضورة).

    النبي صلى الله عليه وسلم يبين له مواقيت الصلوات في هذا الحديث، فقال: (صل صلاة الصبح) أي: في وقتها، (ثم أقصر عن الصلاة حتى ترتفع الشمس) والمعنى: صلاة الصبح ليس هناك صلاة بعدها، فأقصر عن الصلاة حتى تطلع الشمس، وهل عندما تطلع الشمس يصلي نافلة؟ يقول له صلى الله عليه وسلم: (ثم أقصر عن الصلاة حتى ترتفع الشمس قيد رمح) يعني: في نظر الناظر إليها، (فإنها تطلع حين تطلع بين قرني شيطان)، وقت طلوع الشمس هذا هو وقت يسجد الكفار فيه للشمس، فلا يجوز للمسلم أن يؤخر الفرض إلى هذا الوقت باختياره، ولا يجوز له أن يصلي النافلة وقت طلوع الشمس، وتجد في التقويم (وقت الشروق) فهذا الوقت لا يجوز لك أن تؤخر صلاة الصبح فتصليها فيه باختيارك -ولا يجوز وأنت قاعد في هذا الوقت- أن تصلي نافلة حتى ترتفع الشمس بمقدار ربع ساعة أو ثلث ساعة، ثم تصلي صلاة الضحى إن شئت.

    قال صلى الله عليه وسلم: (فإنها تطلع حين تطلع بين قرني شيطان، وحينئذ يسجد لها الكفار) فنهانا أن نتشبه بهم.

    قال: (ثم صل فإن الصلاة مشهودة محضورة)، وهي صلاة الضحى، فصل وقت الضحى إلى ما قبل الظهر مباشرة، قال: (حتى يستقل الظل بالرمح، ثم أقصر عن الصلاة) أي: عند الزوال، وذلك عندما تكون الشمس في كبد السماء فوق رأس الإنسان، ويكون الظل كله تحت قدميه فيقول له: لا تصل في هذا الوقت، وهو وقت يسير قبل صلاة الظهر بقدر ركعة على الأقل، فهذا الوقت لا يجوز له أن يصلي فيه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (فإنه حينئذ تسجر جهنم) فيكون قبل وقت صلاة الظهر بمقدار دقيقة أو دقيقتين بقدر صلاة ركعة فقط، فهذا هو الوقت الذي تحرم فيه الصلاة، فالذي يدخل ينتظر حتى يؤذن لصلاة الظهر.

    قال صلى الله عليه وسلم: (فإذا أقبل الفيء فصل) فتخيل أنك واقف والشمس تطلع من المشرق فترتفع وترتفع إلى أن تكون فوق رأس الإنسان، فتبتدئ تميل بعد ذلك إلى المغرب، فإذاً: ظلك يتحول إلى ناحية المشرق، فالوقت الذي يتحول فيه هذا الظل هو وقت منعك منه النبي صلى الله عليه وسلم أن تصلي فيه.

    قال: (فإذا أقبل الفيء) أي: الظل، كان الظل يتقلص ويتقلص حين صار تحت قدميك، وابتدأ ينتقل بعد ذلك إلى الناحية الأخرى منك، فيكون الظل عند وقت أذان الظهر قد بدأ يتحول من المغرب إلى المشرق.

    قال: (فإذا أقبل الفيء فصل، فإن الصلاة مشهودة محضورة حتى تصلي العصر) أي: فصل الفريضة والنافلة حتى وقت العصر فهو وقت مفتوح، فصل فيه ما شئت من نوافل، وليس هناك كراهة.

    قال صلى الله عليه وسلم: (ثم أقصر عن الصلاة حتى تغرب الشمس) أي: فإذا صليت العصر فلا تصل نافلة حتى تغرب الشمس.

    وهنا استثنى العلماء فيما بعد صلاة الفجر وبعد صلاة العصر صلاة ما له سبب، مثل: إنسان فاتته سنة الفجر القبلية فصلاها بعد الفجر، فيجوز له أن يصلي ويقصر عن الصلاة، ولا يصلي نافلة أخرى، وإذا كان الإنسان في هذا الوقت يدخل المسجد لسماع درس أو غيره فليصل تحية المسجد، إلا أن يكون عند طلوع الشمس فلا يجوز له أن يصلي.

    كذلك قبل الغروب، فبعد صلاة العصر لا صلاة إلا ما له سبب، كإنسان يصلي تحية المسجد أو سنة فائتة فاتته، ولكن لا يصلي غير ذلك، قال لنا هنا: (ثم أقصر عن الصلاة حتى تغرب الشمس) فقبيل غروب الشمس يرجع وقت التحريم مرة أخرى مثل وقت طلوع الشمس، والعلة هنا أنها تغرب بين قرني شيطان، فلا يجوز للمسلم أن يؤخر صلاة العصر إلى قبيل الغروب اختياراً؛ لأنه يتشبه بعباد الشمس من الكفار، والمسلم كأنه بفعله هذا يقلد هؤلاء الكفار فيؤخر صلاة العصر إلى هذا الوقت، وسماها النبي صلى الله عليه وسلم صلاة المنافقين؛ لأن المنافق يرقب الشمس حتى إذا اصفرت قام فنقرها أربعاً لا يذكر الله فيها إلا قليلاً، فاحذر أن تتشبه بالكفار أو تتشبه بالمنافقين وتؤخر صلاة العصر اختياراً إلى وقت اصفرار الشمس.

    وقال صلى الله عليه وسلم: (فإنها تغرب بين قرني شيطان، وحينئذ يسجد لها الكفار).

    تعليم النبي لعمرو بن عبسة الوضوء مع ذكر ما فيه من فضل

    قال عمرو فقلت: (يا نبي الله! فالوضوء حدثني عنه؟

    قال صلى الله عليه وسلم: ما منكم رجل يقرب وضوءه فيتمضمض ويستنشق فينتثر إلا خرت خطايا وجهه وفيه وخياشيمه).

    هذا هو المقصد من هذا الحديث: أن الإنسان عندما يتوضأ تتساقط الذنوب مع آخر قطر الماء، فعندما يغسل وجهه فإن ذنوب الفم والأنف والوجه والعينين تنزل كلها مع الماء.

    (فقال: ما منكم رجل يقرب وضوءه -ماء الوضوء- فيتمضمض ويستنشق فينتثر إلا خرت خطايا وجهه وفيه وخياشيمه -أنفه-، ثم إذا غسل وجهه كما أمره الله إلا خرت خطايا وجهه من أطراف لحيته مع الماء، ثم يغسل يديه إلى المرفقين إلا خرت خطايا يديه من أنامله مع الماء، ثم يمسح رأسه إلا خرت خطايا رأسه من أطراف شعره مع الماء، ثم يغسل قدميه إلى الكعبين إلا خرت خطايا رجليه من أنامله مع الماء، فإذا هو قام يصلي، فحمد الله تعالى وأثنى عليه، ومجده بالذي هو له أهل، وفرغ قلبه لله تعالى إلا انصرف من خطيئته كهيئته يوم ولدته أمه).

    فهذا حديث عظيم جداً في فضل الله سبحانه تبارك وتعالى على العبيد، في صلاتهم، ووضوئهم، فهذا الوضوء يفعل ذلك.

    ثم انظر إلى الصلاة التي تنفع الإنسان! قال صلى الله عليه وسلم: (فإن قام فصلى، فحمد الله تعالى ) يعني: قرأ بفاتحة الكتاب، وعرفنا في الحديث الآخر أن الله سبحانه تبارك وتعالى يقول: (قسمت الصلاة بيني وبين عبدي قسمين، ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:2]، قال الله تعالى حمدني عبدي، وإذا قال: الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ [الفاتحة:3] قال: أثنى علي عبدي، فإذا قال: مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [الفاتحة:4]، قال: مجدني عبدي، فإذا قال: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5] قال: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل، فإذا قال: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ [الفاتحة:6] إلى آخر الفاتحة قال: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل).

    فهنا يحمد الله سبحانه تبارك وتعالى، ويثني عليه، ويمجده بالذي هو له أهل، وهذا كله في فاتحة الكتاب إذا قرأها.

    أهمية الخشوع في الصلاة

    وهنا القيد، إذ قال: (وفرغ قلبه لله تعالى) فالذي يصلي يفرغ قلبه لله سبحانه تبارك وتعالى، فلا يصلي وهو يفكر في عمله، ولا يصلي وتفكيره حول فلان، ولكن ليفرغ قلبه، وهذا عزيز وصعب أن يدخل الإنسان في الصلاة ويتفرغ بكله إلى الصلاة، فهذا صعب على الإنسان إلا من أعطاه الله سبحانه ومن عليه بذلك، لذلك يحاول المسلم جاهداً في ذلك، ويأتي الشيطان على الإنسان فيختلسه شيئاً من صلاته، فيرجع مرة أخرى لصلاته، ثم يرجع إلى تدبره، فيأتي الشيطان ليلهيه ويذكره بشيء في البيت وبشيء في السوق، وبشيء في كذا، فكلما خرج عن صلاته فهو اختلاس يختلسه الشيطان منه.

    ولذلك جاء في الحديث: (إن العبد ليصلي الصلاة ليس له منها إلا عشرها، إلا تسعها، إلا ثمنها، إلا سبعها، إلا سدسها، إلا خمسها، إلا ربعها، إلا ثلثها، إلا نصفها)، وسكت النبي صلى الله عليه وسلم، وكأن الغالب من أحوال الناس أنهم لا يخرجون بصلاة كاملة.

    فإذا كان الإنسان قد فرغ قلبه في صلاته لله رب العالمين، وخرج من هذه الصلاة بفضل من الله وكما قال سبحانه: إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ [المائدة:27] فيقبل هذه الصلاة ويغفر لهذا العبد، وينصرف من خطيئته كهيئته يوم ولدته أمه.

    فالإنسان المؤمن يعود نفسه على الانتباه في صلاته، وعلى ذكر الله سبحانه، والتدبر الذي قال لنا ربنا فيه: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا [محمد:24] فالمؤمن يتدبر آيات الله سبحانه، فإذا جاء الشيطان واختلس منه شيئاً لا يترك نفسه مع الشيطان، ولكن ليرجع بسرعة ويتدبر ويتأمل، حتى يكون في النهاية من المتدبرين الخاشعين في صلاته وله هذا الأجر، فإذا دخل في الصلاة خرج منها كهيئته يوم ولدته أمه.

    وإذا أحسن الوضوء والصلاة وفرغ قلبه لله، فهذه هي الصلاة التي ذكر الله لنا، قال تعالى: إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ [العنكبوت:45] فهذه هي الصلاة المقبولة التي قبلها الله فأعطى الإنسان بها نوراً في الدنيا ونوراً يوم القيامة، وجعلها تنهى هذا الإنسان عن الفحشاء والمنكر.

    تأكيد عمرو بن عبسة لسماعه فضل الوضوء والصلاة من رسول الله

    فـعمرو بن عبسة رضي الله عنه حدث بهذا الحديث وعنده صحابي آخر، وهو أبو أمامة رضي الله عنه فقال له أبو أمامة : (يا عمرو بن عبسة انظر ما تقول! في مقام واحد يعطى هذا الرجل؟!).

    يعني: كأنه استكثر أن كل هذا يعطاه العبد في مقام واحد، أنه إذا توضأ هذا الوضوء خرت الخطايا كلها منه، ثم يدخل في الصلاة فيخرج منها كيوم ولدته أمه، ليس عليه ذنب، يقول له: تذكر جيداً أن تكون قد نسيت شيئاً مما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم.

    فكان جواب عمرو رضي الله عنه أنه قال: (يا أبا أمامة ! لقد كبرت سني، ورق عظمي، واقترب أجلي، ومالي حاجة أن أكذب على الله تعالى)، وحاشا لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن يكذبوا على النبي صلى الله عليه وسلم أو على ربهم سبحانه.

    قال: (ولا على رسول الله صلى الله عليه وسلم لو لم أسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا مرة أو مرتين أو ثلاثاً حتى عد سبع مرات ما حدثت بهذا أبداً).

    يعني: هذا الحديث لم يقله النبي صلى الله عليه وسلم مرة واحدة، بل قاله سبع مرات، والعدد (سبعة) يذكره العرب بمعنى: الكثرة، ولعله قالها أكثر من ذلك.

    قال: لو لم أسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا مرة أو مرتين أو ثلاثاً -حتى عد سبع مرات- ما حدثت أبداً به.

    قال: (ولكني سمعته أكثر من ذلك).

    وحق للصحابي الذي سمع ذلك أن يبلغ ذلك للأمة حتى لا ييئسوا من رحمة رب العالمين، وحتى يعرفوا فضل الصلاة، فهي ركن من أركان الإسلام، بل هي من أعظم أركان الإسلام بعد شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    ولذلك المؤمن الذي يصلي يعرف أن هذه الصلاة صلة بينه وبين ربه فيحسن هذه الصلاة ويستقيم فيها، ويأتيها ويعلم أن له في الوضوء أجر، وله في المشي إلى المسجد أجر، وفي صلاة الجماعة أجر، وفي انتظار الصلاة أجر، وفي التسبيح بعد الصلاة أجر، وفي القعود في المسجد بين الصلاة والصلاة أجر.

    فكل هذه الأجور العظيمة في هذه الصلاة لها منزلة كبيرة عند الله، فتعرف منزلة الصلاة، وأنها لم تفرض على الأرض وإنما فرضت في السماء، فالصلاة عالية جداً، ومنزلتها عظيمة جداً، يرتفع النبي صلى الله عليه وسلم إلى السماء، فتفرض عليه وهو فوق السماوات صلوات الله وسلامه عليه.

    1.   

    شرح حديث: (إذا أراد الله رحمة أمة قبض نبيها قبلها)

    كذلك من الأحاديث: حديث لـأبي موسى الأشعري رضي الله عنه كما في صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إذا أراد الله تعالى رحمة أمة قبض نبيها قبلها، فجعله لها فرطاً وسلفاً بين يديها، وإذا أراد هلاك أمة عذبها ونبيها حي، فأهلكها وهو حي ينظر، فأقر عينه بهلاكها حين كذبوه وعصوا أمره).

    والصحابة عندما يسمعون ذلك ينظرون: يا ترى هل يموت النبي صلى الله عليه وسلم أولاً أم أصحابه؟!

    فهنا النبي صلى الله عليه وسلم كأنه يخبرهم عن رحمة رب العالمين بهذه الأمة، وهو رحمة مهداة إلى هذه الأمة صلوات الله وسلامه عليه، فالله عز وجل قال: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ [الأنبياء:107] (وما - إلا) أسلوب حصر، فهو رحمة لهذه الأمة صلوات الله وسلامه عليه، وقد وعد الله هذه الأمة ألا يعذبهم وهو فيهم صلى الله عليه وسلم، وزادهم من فضله وكرمه، فقال تعالى: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ [الأنفال:33].

    قوله: (وأنت فيهم) أي: وأنت رحمة للأمة، فإذا قبض الله النبي صلى الله عليه وسلم فالرحمة باقية منه سبحانه، بأن يستغفر المؤمنون رب العالمين فيغفر لهم ولا يعذبهم، أي: عذاباً عاماً يستأصل الجميع، ولكن لا يمنع أن يكون على بعض الأقوام شيء من غضب الله عز وجل فيأخذهم ببعض ذنوبهم في الدنيا، ولكن العذاب العام الذي يستأصل الأمة لا يكون؛ لأن الله وعد هذه الأمة أنه لا يهلكهم ونبيهم فيهم عليه الصلاة والسلام، ولا يهلكهم وهم يستغفرون.

    وذكر الإمام النووي رحمه الله في فضل الرجاء آية وهي قول الله عز وجل عن العبد الصالح: وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ * فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ [غافر:44-45] وهذا مؤمن من آل فرعون يدعو قومه للإيمان بالنبي موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام، فهم يكذبون موسى عليه الصلاة والسلام وهذا يقول لهم: إن هذا رجل جاءكم بالبينات من رب العالمين.

    وقال لهم: وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ [غافر:41] فقال عنه سبحانه أنه قال: وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ [غافر:44].

    فإذا توكل الإنسان على الله وفوض أمره إلى الله فإن الله يقيه من كل سوء ومكروه، قال تعالى: فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا [غافر:45] لما توكل على الله وفوض الأمر إليه إذا بالله سبحانه تبارك وتعالى يقيه مكرهم.

    1.   

    شرح حديث: (والله لله أفرح بتوبة عبده من أحدكم يجد ضالته)

    كذلك من الأحاديث حديث أبي هريرة رضي الله عنه كما في الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (قال الله عز وجل: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه حيث يذكرني، والله لله أفرح بتوبة عبده من أحدكم يجد ضالته بالفلاة).

    يذكر في هذا الحديث العظيم أن الله عز وجل عند ظن عبده به، فالعبد لا يظن بالله إلا الخير، فإذا به يعمل الخير، والله عز وجل يعطيه الأجر على ذلك، ويكون عند ظن هذا العبد، فإذا أساء العبد وعلم أن الله غفور رحيم فتاب إلى الله عز وجل وأصلح حاله مع الله، وأصلح حاله مع الخلق، وأحسن الظن بالله أنه يتجاوز عن سيئاته، ويغفر له ذنوبه فهو عند ظنه: (أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه حيث يذكرني) في أي مكان يذكر الله عز وجل فإن الله عز وجل معه.

    قال النبي صلى الله عليه وسلم: (والله لله أفرح بتوبة عبده من أحدكم يجد ضالته بالفلاة)، يفرح الله عز وجل بتوبة العبد إليه، والعبيد عبيد الله سبحانه، فلو شاء لأهلكهم وهو غير ظالم لهم سبحانه، ولو شاء لأعطاهم سبحانه تبارك وتعالى ولا ينفد ما عنده.

    وهنا انظروا إلى العبد الذي خلقه الله، فإن الله به رحيم سبحانه، يفرح بتوبته، فإذا فرح بتوبة العبد هل تتخيل أنه يفرح بتوبته ثم يعذبه سبحانه تبارك وتعالى.

    ولذلك يقول: (والله لله أفرح بتوبة عبده من أحدكم يجد ضالته بالفلاة)، وفي رواية أخرى أن هذا الإنسان الذي وجد ضالته في الفلاة: (كان عليها طعامه وشرابه، فإذا بهذه الناقة تنفلت) أي: تهرب منه وتضيع منه في الفلاة، (فأيقن بالهلكة)، لأنه لا ناقة له يرحل عليها، ولا طعام يأكله، ولا شراب يشربه، فجاء تحت ظل شجرة ووضع يده تحت رأسه ونام مستسلماً للموت فاستيقظ من نومه فوجد الناقة أمامه، (فاستيقظ ووجد ضالته أمامه، فإذا به يفرح فرحاً عظيماً، فقال: اللهم أنت عبدي وأنا ربك! أخطأ من شدة الفرح) فهذه فرحة هذا العبد حين وجد ضالته، ولله عز وجل المثل الأعلى.

    وهنا يفرح الله سبحانه بأن العبد يتوب إليه أشد من فرح أحدكم إذا ضل منه شيء في فلاة فوجده، فإذا فرح الله عز وجل بتوبة العبد هل نظن أنه سيحاسبه ويعذبه؟ الله سبحانه تبارك وتعالى أرحم بعبده.

    يقول النبي صلى الله عليه وسلم عن ربه: (ومن تقرب إلي شبراً تقربت إليه ذراعاً).

    والجزاء من جنس العمل، فإذا تقربت من الله عز وجل فإن الله يتقرب إليك، ولكن كيف ستتقرب إلى الله؛ هل ستصعد بسلم إلى السماء؟ لا، وإنما تتقرب إلى الله بالعمل، والعمل يرفع إلى الله عز وجل، فإذا تقربت بالعمل فإن الله عز وجل يتقرب إليك بجزاء هذا العمل، فأنت تتقرب إليه شبراً والثواب يكون عشرة أمثال، وأضعافاً مضاعفة لا يعلمها إلا الله سبحانه تبارك وتعالى.

    فالمعنى: كلما تقربت إليه بعمل أعطاك ثواباً جزيلاً عظيماً لا يخطر على بالك، (من تقرب إلي شبراً تقربت إليه ذراعاً، ومن تقرب إلي ذراعاً تقربت إليه باعاً).

    والذراع معروف.

    والباع: هو فتح اليدين، أي: يعطيك أكثر مما تقربت إليه سبحانه تبارك وتعالى.

    قال: (وإذا أقبل إلي يمشي أقبلت إليه أهرول)، والهرولة بمعنى: الإسراع للطاعة، فإن الله يسرع إليك بالثواب.

    وفي الحديث الآخر: (إن الله لا يمل حتى تملوا) فيمل العبد، وحاشا لله أن يمل سبحانه، ولكن المعنى هنا أنه يقطع عنك الثواب والأجر حين تمل أنت من العبادة، فأنت تبادر وتسارع إلى الطاعة، والله يسرع إليك بثواب هذه الطاعة، أي: في الدنيا والآخرة، فإذا مل العبد وترك الطاعة انقطع عنه هذا الثواب حتى يراجع الطاعة مرة أخرى.

    وفي رواية للحديث قال: (وأنا معه حين يذكرني).

    1.   

    شرح حديث: (لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله)

    وروى مسلم عن جابر رضي الله عنهما. أي: عنه وعن أبيه عبد الله بن حرام الأنصاري ، أحد الشهداء الذين خاطبهم الله كفاحاً رضي الله عنه؛ ولذلك عندما يحدثون عن جابر بن عبد الله يقولون: رضي الله عنهما.

    سمع جابر النبي صلى الله عليه وسلم قبل موته بثلاثة أيام يقول: (لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله عز وجل).

    والمعنى: ليكن حسن الظن في قلبك، حتى إذا جاءتك الوفاة كنت على حسن الظن بربك سبحانه، أي: حسن الظن الذي يدفعك إلى العمل، وإحسان الظن هذا ينفعك في حال وفاتك، فالله عز وجل يقول: (أنا عند ظن عبدي بي).

    وهنا يقول: (لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله)، وجاء النبي صلى الله عليه وسلم على عبد شاب وهو يموت، فسأله صلى الله عليه وسلم وقال: (كيف تجدك؟ قال: أجدني أرجو الله وأخاف ذنوبي) أنا أرجو رحمة رب العالمين، لكنني خائف من ذنوبي، فقال صلى الله عليه وسلم: (لا يجتمعان في مثل هذا الموطن إلا أعطاه الله ما رجاه، وأمنه مما يخاف)، فعند الوفاة إذا كان العبد يرجو رحمة رب العالمين فالله عند حسن ظنه به.

    وهناك حديث آخر عن أنس بن مالك يرويه الترمذي يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (قال الله تعالى: يا ابن آدم! إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي).

    العبد يدعو ربه سبحانه تبارك وتعالى وقد يكون من العصاة أو من أهل الكبائر، بل من أهل الكفر، فإذا تاب ورجع إلى الله تبارك وتعالى ودعا ربه فإن الله يغفر له يقول: (غفرت لك ولا أبالي)، وسيبالي بماذا؟ من الذي سيحاسب الله سبحانه تبارك وتعالى حاشا له سبحانه؟

    قال: (يا ابن آدم! لو بلغت ذنوبك عنان السماء، ثم استغفرتني غفرت لك).

    العبد يذنب ذنباً ثم ذنباً ثم كبيرة ففاحشة إلى أن تصل إلى عنان السماء، ثم يتوب إلى الله عز وجل توبة نصوحاً يعلم الله صدقه في ذلك فيغفر له، ويأتيه بقرابها مغفرة، فلو ملأ ما بين السماء والأرض ذنوباً ثم تاب إلى الله، فإنه يغيرها ويملؤها له ربه سبحانه بالفضل والرحمة.

    قال هنا سبحانه: (إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً لأتيتك بقرابها مغفرة).

    والمعنى من جميع هذه الأحاديث: أن العبد لا يقنط أبداً من رحمة رب العالمين، فرحمة الله واسعة، وخوف العبد من الله يمنعه من المعاصي، والرجاء فيما عند الله يدفع العبد إلى التوبة وإلى حسن الظن في الله سبحانه وتعالى.

    فالإنسان المؤمن إذا تاب إلى الله عز وجل علم فضل الله عز وجل عليه في أنه ألهمه التوبة، وعلم فضل الله عز وجل عليه في أنه قبل منه هذه التوبة، وعلم فضل الله عز وجل عليه أن ثبته على الهدى.

    نسأل الله عز وجل أن يتوب علينا، وأن يثبتنا على الهدى حتى نلقاه.

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم.

    وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.