إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. أحمد حطيبة
  4. شرح رياض الصالحين
  5. شرح رياض الصالحين - التحذير من إيذاء الصالحين والضعفة والمساكين

شرح رياض الصالحين - التحذير من إيذاء الصالحين والضعفة والمساكينللشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الإيذاء سلوك مشين ينبذه الشرع، ويمقته الطبع السليم، ولذا فقد حرمه الشرع عموماً، وشنع على من يؤذي الصالحين والضعفاء والمساكين خصوصاً، ولأن نكاية الأذى فيهم أشد كانت العقوبة أشد، كما أن الضعفاء قد يكونون محل ولاية الله، فمن عاداهم فقد استوجب العداء من الله واستوجب غضبه.

    1.   

    بيان حرمة إيذاء المسلمين عموماً والصالحين خصوصاً

    بيان فضل الصالحين والضعفاء والمساكين

    أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم.

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلّ وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين، أما بعد:

    فقال المؤلف رحمه الله: [باب التحذير من إيذاء الصالحين والضعفة والمساكين.

    قال الله تعالى: وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا [الأحزاب:58].

    وقال تعالى: فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ * وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ [الضحى:9-10].

    وأما الأحاديث فكثيرة منها: حديث أبي هريرة رضي الله عنه في الباب قبل هذا: (من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب).

    ومنها حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه السابق في باب ملاطفة اليتيم، وقوله صلى الله عليه وسلم: (يا أبا بكر ! لئن كنت أغضبتهم فقد أغضبت ربك).

    وعن جندب بن عبد الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من صلى صلاة الصبح فهو في ذمة الله، فلا يطلبنكم الله من ذمته بشيء، فإنه من يطلبه من ذمته بشيء يدركه، ثم يكبه على وجهه في نار جهنم)، رواه مسلم].

    إن هؤلاء الصالحين والضعفاء والمساكين لهم فضيلة عند الله سبحانه وتعالى، فالصالحون أولياء الله سبحانه، والله يذكر أولياءه فيقول: أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ [يونس:62-63].

    فالمؤمن التقي ولي لله سبحانه، ولذلك ينبغي أن يحذر الإنسان أن يؤذي ولياً لله، وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن الله عز وجل يقول: من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب).

    والفضل لا يختص بالصالحين فحسب، بل المسكين له عند الله عز وجل منزلة، يجليها قول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث: (اللهم أحيني مسكيناً، وأمتني مسكيناً، واحشرني في زمرة المساكين)، كما أنهم من أوائل الناس دخولاً الجنة إذا كانوا من أهل التقوى، وذلك لما في أخلاق المساكين من التواضع، والخشوع لرب العالمين سبحانه، ولذلك أحب النبي صلى الله عليه وسلم أن يكون على مثل خلق هؤلاء، وأن يحشر معهم يوم القيامة صلوات الله وسلامه عليه.

    كما أن للضعفة منزلة عند الله، فكم من إنسان نراه ضعيفاً، فقيراً، ذا حاجة، إلا أن له عند الله عز وجل منزلة، بل قد يكون ممن لو أقسم على الله لأبره، كما جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم.

    التحذير من إيذاء المساكين والضعفة من المؤمنين

    فلذلك ينبغي على الإنسان الذي يؤذي أحداً من هؤلاء أن يخاف على نفسه، فقد ينتصر الله عز وجل لهم، وينتقم منه يوماً من الأيام، وقد يظن الإنسان أن هذا ضعيف لا ناصر له، فيتجبر عليه، ويتقوى عليه، فإذا بالله يبتليه بشيء لا يقدر على مقاومته، أو النجاة منه، ولذلك قال الله عز وجل: وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا [الأحزاب:58].

    و(الأذى): اسم جنس يعم جميع أنواع الأذى، كأن يستضعف إنساناً فيتطاول عليه باللسان، فيسبه ويشتمه، أو يتطاول عليه باليد، كأن يأخذ ما معه وهو غير قادر على أن يدافع عن نفسه.

    ففي الآية يحذرنا ربنا سبحانه ممن يؤذي المؤمنين فيقول: وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا [الأحزاب:58]، والمنافقون ديدنهم أن يؤذوا المؤمنين، فتجدهم يرمونهم بالتهم العظام، بل قد تجرأ كبيرهم على أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها، ورماها بالفاحشة إفكاً وزوراً وكذباً، وإذا بالبعض من المسلمين يقلدون هذا المنافق، ويرددون ما افتراه، فحذرهم الله عز وجل أشد التحذير، كما حذر هؤلاء المنافقين، فيحذرهم الله عز وجل بأن لهم الإثم العظيم عند الله، وأنهم بصنيعهم قد احتملوا البهت، والبهت: أشد الكذب والافتراء، وما احتملوه من الإثم والبهتان بين وواضح وسيحاسبهم الله عز وجل عليه.

    لذلك ينبغي على الإنسان المؤمن أن يكون عفيف اللسان، وإذا سمع أناساً يخوضون في أعراض أناس كفهم وزجرهم وأمرهم بالمعروف ونهاهم عن المنكر، وإن لم يقدر على الإنكار عليهم فليعتزل هؤلاء ولا يجلس معهم؛ لأنه إن جلس معهم فقد يدخل في قول الله عز وجل: إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ [النساء:140]، فليس له إذا جلس في مجلس وسمع كلاماً منكراً، إلا أن ينهى عن هذا المنكر، أو أن يترك هذا المكان ولا يجلس فيه.

    غضب الله على من يغضب الضعفاء من المؤمنين

    ومن الأحاديث التي جاءت في هذا الباب حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، الذي ذكره النووي في باب ملاطفة اليتيم، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لـأبي بكر : (يا أبا بكر ! لئن كنت قد أغضبتهم لقد أغضبت ربك).

    أما الحديث الذي ذكره قبل ذلك فهو حديث عائذ بن عمرو وهو في صحيح مسلم وفي مسند الإمام أحمد ، وفيه: أن سلمان وصهيباً وبلالاً كانوا قعوداً في أناس، وكانوا من فقراء المسلمين المجاهدين في سبيل الله سبحانه وتعالى، وممن يحبهم الله، فمر بهم أبو سفيان ، وكأنهم لما رأوه تذكروا ما عمل فيهم أبو سفيان أيام مكة، فقالوا له: ما أخذت سيوف الله من عدو الله مأخذها بعد!

    وكان هذا في هدنة صلح الحديبية بين السنة السادسة والثامنة من الهجرة، فلما قالوا ذلك سمعهم أبو بكر رضي الله عنه، فقال: أتقولون هذا لشيخ قريش وسيدها! وكأن أبا بكر الصديق يتألف أبا سفيان لعله يسلم يوماً من الأيام.

    فأخبر الناس النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لـأبي بكر الصديق : (يا أبا بكر ! لعلك أغضبتهم؟ لئن كنت أغضبت هؤلاء لقد أغضبت ربك. فأسرع أبو بكر إليهم فقال: أي إخوتاه! لعلكم غضبتم، فقالوا: لا، يا أبا بكر ! يغفر الله لك). وتسامحوا مع أبي بكر رضي الله تعالى عنه، وقالوا: (يغفر الله لك).

    والظاهر أن أبا بكر ما قصد أن يؤذيهم، وإنما قصد أن يتألف أبا سفيان لعله يسلم، وقد أسلم بعد ذلك في عام الفتح.

    التحذير من إيذاء من كان في ذمة الله

    من الأحاديث التي في الباب: حديث جندب بن عبد الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من صلى صلاة الصبح فهو في ذمة الله).

    أعظم صلاة في اليوم نصليها هي صلاة الصبح، وأعظم الصلوات هي التي تقام والدنيا مظلمة، وفي شدة البرد، إذ يترك الإنسان فراشه ويخرج إلى بيت الله عز وجل مصلياً، ولذلك كان الذي يصلي صلاة الصبح في ذمة الله سبحانه وتعالى، والمعنى: أن الله سبحانه وتعالى يضمنه، ولذا عندما يأتي إنسان يستلف من آخر فقد يسأله الدائن ضمنياً على أن يدفع، وإذا لم يدفع المدين دفع الضامن عنه، ولله المثل الأعلى، إذ الله يضمن من يصلي الصبح فيصبح مضموناً لله سبحانه وتعالى، فهو يكفله ويدافع عنه.

    قال النبي صلى الله عليه وسلم: (فلا يطلبنكم الله من ذمته بشيء)، ومعلوم أن الإنسان لا يستطيع أخذ شيء من ذمة الله عز وجل، وإنما المعنى في الحديث هو: التحذير من إيذاء من صلى صلاة الصبح في جماعة مع المسلمين، ولذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: (فإنه من يطلبه من ذمته بشيء يدركه)، أي: أنه لا يستطيع أن يفلت من الله سبحانه وتعالى، بل سيدركه، وإذا أدركه كان جزاءه أن: (يكبه على وجهه في نار جهنم)، والعياذ بالله.

    وفي الحديث: بيان أن الإنسان الذي يواظب على صلاة الجماعة وخاصة صلاة الفجر فهو صالح؛ لأنه من داوم عليها يوشك ألا يغفل عن غيرها، وكأن صلاة الفجر تعد المقياس على أن هذا إنسان صالح أو ليس صالحاً، ودهي ليل على أنه لا يرائي، إذ إن المرائي قد يصلي مرة أو مرتين في المواسم ثم يترك، أما الإنسان الصالح فهو مداوم عليها في الشتاء، أو الصيف، في الحال الحسن، أو السيئ، فيرى دائماً مداوماً على الصلاة لله سبحانه وتعالى حريصاً على أدائها في بيت الله، فاستحق أن يكون في ذمة الله، فليحذر الذي يؤذي هذا الإنسان، فإن الله لن يتركه.

    1.   

    التعامل مع الناس بالظاهر والباطن إلى الله عز وجل

    من أسلم ظاهراً عصم ماله ودمه إلا بحق الإسلام

    يقول الإمام النووي: [باب في إجراء أحكام الناس على الظاهر وسرائرهم إلى الله تعالى]:

    الأصل فيمن قال: لا إله إلا الله أنه مسلم، وينبغي أن يتعامل معه على أنه مسلم، إذ إن الأحكام تجري على ما يظهر من الإنسان، فمن عرف عنه أداء الصلاة والصوم في نهار رمضان فهو مسلم، أما السرائر فتوكل إلى الله عز وجل، فلم يؤمر العبد أن ينقب عن سريرة أي إنسان.

    قال الله تعالى: فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ [التوبة:5]، أي: أن هؤلاء الكفار الذين يحاربون الإسلام إذا تابوا فشهدوا أن لا إله إلا الله، وعرف أنهم يصلون ويدفعون الزكاة إذا طلبت منهم، وجب أن يخلى سبيلهم ويعدوا إخواناً للمسلمين في الدين قال تعالى: فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ [التوبة:11].

    وعن ابن عمر رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماؤهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله تعالى)، الحديث متفق عليه.

    وفيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم مأمور بجهاد الكفار إلى أن يسلموا ويدخلوا في دين الله سبحانه وتعالى، أو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون، لقوله سبحانه وتعالى: حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ [التوبة:29].

    فإذا التقى المسلمون مع المشركين كان لهم أن يدعوهم إلى إحدى ثلاث خصال: إما أن يسلموا فيكف عنهم ويقبل منهم، وإما أن يدفعوا الجزية وهم على دينهم، فيقبل منهم ويكف عنهم، وإما أن يصروا على القتال فيقاتلوا ويحاربوا؛ لأنهم إن أسلموا وشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وأقاموا الصلاة وأدوا الزكاة فقد عصموا دماهم وأموالهم، وعند ذلك لا يجوز أن يؤخذ مال مسلم بغير طيب نفس منه.

    قوله صلى الله عليه وسلم: (إلا بحق الإسلام) أي: إلا أن يأتي شيئاً فيه القصاص، كمن أسلم ثم قتل عمداً وعدواناً، فإنه يستحق القصاص، أو قطع يد إنسان عمداً وعدواناً، فيستحق أن تقطع يده، وهكذا.

    قوله: (وحسابهم على الله تعالى) أي: أنهم إذا أتوا بالأشياء الظاهرة فليس لنا عليهم شيء، وأمرهم إلى الله، وإن كان من فعل تلك الأشياء الظاهرة يبطن النفاق والكفر، فلا شأن لنا به طالما أظهر لنا الإسلام، فنعامله على ما يظهر منه، أما ما أبطنه فالله عز وجل يتولى أمره فيه.

    من أدى الشهادتين حرم ماله ودمه وحسابه على الله

    وروى مسلم من حديث طارق بن أشيم رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من قال: لا إله إلا الله محمد رسول الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه وحسابه على الله تعالى).

    والمعنى: أن الإنسان إذا أتى بكلمة التوحيد، وكفر بما يعبد من دون الله فذلك هو مقتضى كلمة التوحيد، إذ إن معنى كلمة التوحيد: لا إله يستحق العبادة إلا الله الإله الواحد الرب سبحانه وتعالى.

    وقوله: (أشهد أن محمداً رسول الله) أي: أنه يتوجه إلى ربه سبحانه وتعالى بالعبادة، وهذه العبادة التي جاءت على لسان النبي صلى الله عليه وسلم، فهو متبع للنبي صلى الله عليه وسلم ليس مبتدعاً، وليس مخترعاً من قبل نفسه.

    فالإنسان المؤمن يعرف هذه الكلمة حق المعرفة، فيعلم أن الله سبحانه وتعالى هو الإله، الذي يستحق العبادة، وأن عبادة الله ليست باختراع ولا ابتداع، وإنما عن طريق هدي محمد الرسول صلوات الله وسلامه عليه، فما جاء به من كتاب وسنة عبد الله سبحانه وتعالى عن طريقه.

    قوله: (وكفر بما يعبد من دون الله) وهذا معنى: (لا إله)، إذ إن (لا إله) تعني: لا إله من الآلهة الباطلة يستحق العبادة، بل يكفر بكل الآلهة الباطلة؛ لقول الله عز وجل: فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انفِصَامَ لَهَا [البقرة:256]، فمن كفر بكل ما يعبد من دون الله ولم يوجه العبادة إلا إلى الله وحده لا شريك له، فقد حرم ماله ودمه، ويظل ذلك التحريم مقيداً بالقيد الأول: (إلا بحق الإسلام).

    وعلى ذلك فالإنسان المسلم معصوم الدم لكونه مسلماً، إلا إذا أتى بشيء يستحق عليه أن يقتص منه في النفس، أو في الأعضاء، وكذلك هو معصوم المال، إلا إذا أتى بشيء يستحق عليه أن يدفع ثمن الجناية التي جناها، أو ثمن الإتلاف والإفساد الذي أفسده، فلو أنه أفسد مال غيره وجب عليه أن يدفع ثمن هذا الذي أفسده، وأن يصلح ما أفسده.

    من قال لا إله إلا الله حقن دمه وإن قالها تعوذاً

    جاء في حديث للمقداد بن الأسود رضي الله عنه أنه قال: قلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: (أرأيت إن لقيت رجلاً من الكفار فاقتتلنا، فضرب إحدى يدي بالسيف فقطعها، ثم لاذ مني بشجرة، فقال: أسلمت لله، أأقلته يا رسول الله بعد أن قالها؟ قال: لا تقتله).

    فكلمة التوحيد تعصم الإنسان وتجعل المسلم يتحرج من أن يقاتل مسلماً إلا بحق من حقوق الله سبحانه وتعالى، والمقداد بن الأسود حين يفترض هذا الفرض يريد أن يأخذ رداً على ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم، وتصويره هذا يوحي أنه يرغب أن يقول له النبي: لا حرج.

    والصورة التي يرسمها للنبي صلى الله عليه وسلم تشعر أنه ما قال: لا إله إلا الله إلا تعوذاً من القتل، لا أنه مسلم، فكان الجواب من النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تقتله)، لا تقتله، وإن قطع يدك، وإن قال هذه الكلمة لما رأى السيف نازلاً على رقبته.

    فقال المقداد: (قلت يا رسول الله! قطع إحدى يدي، ثم قال ذلك بعدما قطعها! فقال: لا تقتله، فإن قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله، وإنك بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال).

    ومعنى قوله: (أنت بمنزلته وهو بمنزلتك) أن الرجل كان كافراً قبل أن يقول كلمة التوحيد، فمنزلته أن دمه هدر، فلما قال: لا إله إلا الله صار بمنزلتك أنت، أي: صار مسلماً معصوم الدم، فأنت مسلم معصوم الدم، وسفك دمك حرام على هذا الإنسان وإن قاتلك وهو كافر، إلا أنه بعد أن أسلم صار مثلك، والإسلام يجب ما قبله، فلا يجوز لك أن تقتله وقد قال هذه الكلمة، فإن قتلته صرت بمنزلته قبل أن يقولها.

    وليست منزلته أن تكون كافراً ولكن المنزلة أن دمه مهدر؛ لأنه كان كافراً غير معصوم الدم، وأنت الآن قتلت نفساً مؤمنة متعمداً، فصار دمك هدراً، وتقتل به؛ لأنك تعمدت قتله بعدما قال: لا إله إلا الله.

    ففهم من الحديث أن هذه الكلمة العظيمة: (لا إله إلا الله) تعصم دم الإنسان، وأن الإنسان لا يجوز له أن يستهين بـ(لا إله إلا الله)، ولا بالإنسان الذي يقولها، كأن يضربه بالسيف فيقتله، والله تبارك وتعالى يقول: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا [النساء:93].

    من أظهر الإسلام فقد حرم قتله

    وعن أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال: (بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحرقة من جهينة- والحرقة اسم مكان في قبيلة جهينة- فصبحنا القوم على مياههم، ولحقت أنا ورجل من الأنصار رجلاً منهم، فلما غشيناه، قال: لا إله إلا الله، فكف عنه الأنصاري وطعنته برمحي حتى قتلته) أي: أن أسامة قتل هذا الرجل.

    وتوضح هذه رواية أخرى في صحيح مسلم من حديث جندب بن عبد الله : أن أسامة قال للنبي صلى الله عليه وسلم: (كان رجل من المشركين إذا شاء أن يقصد إلى رجل من المسلمين قصد له فقتله)، أي: أنه كان رجلاً جباراً، ما كان يجد واحداً من المسلمين إلا قتله، فترصد أسامة ورجل من الأنصار لهذا الرجل، فقصدا غفلة الرجل، فلما وصلا إليه أخذ يقول: لا إله إلا الله، على أنه ما قال ذلك إلا بعدما قتل مجموعة من المسلمين، فقتله أسامة وخاف الأنصاري، ولما جاء البشير إلى النبي صلى الله عليه وسلم بالنصر أخبره بما صنع أسامة ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (لم قتلته؟ فقال: يا رسول الله! أوجع في المسلمين، وقتل فلاناً وفلاناً وسمى له نفراً، وإني حملت عليه، فلما رأى السيف قال: لا إله إلا الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أقتلته بعدما قال: لا إله إلا الله! فكيف تصنع بـلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة؟).

    وفي رواية أسامة قال: (أقتلته بعدما قال: لا إله إلا الله؟ فما زال يكررها حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم).

    والمعنى: أنه تمنى أن إسلامه كان بعد هذه القصة؛ لأن الإسلام يجب ما قبله، وعدم استغفار النبي صلى الله عليه وسلم له نوع من التأنيب له، وتخويف لغيره من المسلمين، وإن كان أسامة هو حبيب رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلا أنه صلى الله عليه وسلم أبى أن يستغفر له، وظل يردد: كيف تصنع بـلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة؟

    قال: (فقلت: يا رسول الله! استغفر لي، فجعل لا يزيد على ذلك، يقول: كيف تصنع بلا إله إلا الله، إذا جاءت يوم القيامة؟).

    وجملة هذه الأحاديث وغيرها من الأحاديث تدل على أن الإنسان المؤمن يجب أن يحذر من أن يسفك دم إنسان مسلم يقول: لا إله إلا الله، فتأتي هذه الكلمة يوم القيامة وصاحبها يقول لله عز وجل: سل هذا فيم قتلني، فقد كنت مسلماً أقول: لا إله إلا الله فقتلني هذا؟

    وقد يخرج الإنسان بعذر في الدنيا ويقبل منه؛ لكنه عند الله لا يساوي شيئاً، فإن كان ما ارتكبته بسبب الغضب فإن الجبار يغضب عليك يوم القيامة ويدخلك نار جهنم والعياذ بالله، وإنما يحق الله عز وجل الحق يوم القيامة، ويأخذ للمظلوم من ظالمه.

    التعامل مع الناس بما ظهر منهم

    عن عبد الله بن عتبة بن مسعود قال: سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: (إن ناساً كانوا يؤخذون بالوحي في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن الوحي قد انقطع).

    والمعنى: أن ناساً من المنافقين كانوا معروفين بالنفاق، فكان الله ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم وحياً فيخبره بأن فلاناً منافق، فكان النبي صلى الله عليه وسلم ينطق بوحي من الله عز وجل، أما الآن بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم فقد سن لنا عمر رضي الله عنه قاعدة عظيمة، يقول لنا سيدنا عمر رضي الله عنه: (إنما نأخذكم الآن بما ظهر لنا من أعمالكم):

    أي: أن العمل دليل على أن هذا الإنسان صالح، أو أن هذا الإنسان مفسد.

    ثم يقول: (فمن أظهر لنا خيراً أمناه وقربناه، وليس لنا من سريرته شيء):

    أي: أننا لا نحاسب إنساناً على نيته وسريرته، فالذي يحاسب على النية هو الله عز وجل، وإنما يحاسب المسلمون الناس على ما يبدونه وما يظهرونه.

    ثم قال عمر رضي الله عنه: ( وليس لنا من سريرته شيء، فالله يحاسبه في سريرته، ومن أظهر لنا سوءاً لم نأمنه ولم نصدقه، وإن قال إن سريرته حسنة):

    فالإنسان يعامل بما أظهر، فإن أظهر قبيحاً سيئاً حوسب على ذلك وإن ادعى إن سريرته حسنة، كأن يكون ظاهر هذا الإنسان أنه تارك للصلاة، تارك للصوم، تارك لأمر الله سبحانه وتعالى، مجالس لأهل النفاق والمعصية، فيحاسب على ظاهره، ويعامل على ظاهره.

    وكذلك إذا كان إنساناً صالحاً فإنه يعامل على ظاهره، وليس لنا من باطنه شيء، فباطنه وسريرته إلى الله عز وجل.