إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. أحمد حطيبة
  4. شرح رياض الصالحين
  5. شرح رياض الصالحين - فضل الحب في الله والحث عليه وإعلام الرجل من يحبه أنه يحبه [1]

شرح رياض الصالحين - فضل الحب في الله والحث عليه وإعلام الرجل من يحبه أنه يحبه [1]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن الإيمان إذا وقر في قلب المؤمن وصدقه العمل ظهرت حلاوته وذاقها صاحبها، وإن مما يجد به العبد حلاوة الإيمان هو كونه يحب المرء لا يحبه إلا من أجل الله سبحانه، ولقد كان النبي صلى الله عليه وسلم أكثر الخلق حباً لله وكذلك الأنبياء.

    1.   

    حب النبي صلى الله عليه وسلم لربه سبحانه وتعالى

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين:

    أما بعد:

    قال الإمام النووي رحمه الله: [ باب فضل الحب في الله والحث عليه وإعلام الرجل الذي يحبه أنه يحبه، وماذا يقول له إذا أعلمه.

    عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه، كما يكره أن يقذف في النار)، متفق عليه.

    وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجل قلبه معلق بالمساجد، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه)، متفق عليه ].

    لقد ذكرنا حديث أنس فيما سبق، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر ثلاث خصال من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان، وكل إنسان مؤمن يحب أن يتذوق طعم الإيمان وحلاوة الإيمان، فأمر الإيمان ليس تمنياً وليس أمراً خيالياً.

    ولكن الإيمان يقر في قلب الإنسان ويصدقه عمل الإنسان، فإذا وقر الإيمان في قلبك وصدقه عملك، وشعرت بحب الطاعة وبحب الله سبحانه وتعالى، ورسوله صلوات الله وسلامه عليه وأصحابه ومن يحب الله سبحانه ويحب رسوله صلوات الله وسلامه عليه، إذا شعرت بذلك وجدت حلاوة الإيمان.

    فلأجل أن يجد المرء حلاوة الإيمان فلابد من أمور: الأمر الأول: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما:

    يحب الله سبحانه ويحب رسوله صلى الله عليه وسلم، ويفضلهما على ما سواهما في الحب، فالأصل حب الله وحب الرسول صلوات الله وسلامه عليه.

    وإذا كان الإنسان يفضل غير ذلك فإن حبه سيمنعه من الطاعة طبعاً، وكل إنسان لو سئل: هل تحب الله عز وجل أكثر أم تحب أهلك وعيالك؟ يقول: أحب الله أكثر ولا شك في ذلك، ولكن المحك في ذلك وقت التطبيق، فإذا ابتلاه الله عز وجل بشيء هل يسخط على الله سبحانه وتعالى؟

    فإذا كان يسخط على الله إذا ابتلاه فيما يحبه دل على أنه يفضله على حبه لله سبحانه وتعالى.

    والنبي صلى الله عليه وسلم لما توفى الله عز وجل ابنه إبراهيم عليه السلام، إذا به تدمع عيناه صلى الله عليه وسلم، والحزن جبلة في الإنسان على وفاة حبيبه.

    فحزن النبي صلى الله عليه وسلم على وفاة ابنه، ودمعت عيناه، ولكن لم يتكلم إلا بما يرضي الله سبحانه وتعالى، فإذا به يقول: (إن العين لتدمع وإن القلب ليحزن ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا لفراقك يا إبراهيم لمحزونون).

    والنبي صلى الله عليه وسلم قد امتلأ حناناً ورأفة ورحمة، فكيف يموت ولده ثم يظل يضحك، فهذا لا يمكن أبداً لأنه كان رفيقاً رقيقاً.

    فهو يحزن صلى الله عليه وسلم لأنه بشر يحب ابنه صلوات الله وسلامه عليه، فحزن ودمعت عيناه ولكنه لم يتضجر من هذا الأمر لأن ما عند الله خير له مما في الدنيا، فرضي بقضاء الله وقدره سبحانه وتعالى.

    يقول: (وإنا لفراقك يا إبراهيم لمحزونون)، ومع ذلك لا نقول إلا ما يرضي ربنا، لا ما يسخط الله، فضرب المثل صلى الله عليه وسلم والقدوة الحسنة في ذلك كما ضربها في غير ذلك: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ [الأحزاب:21].

    ولما مات إبراهيم ابن النبي صلى الله عليه وسلم انكسفت الشمس، فإذا بالصحابة يقولون: انكسفت لموت إبراهيم ، والإنسان إذا كان في مثل هذه المصيبة لن يخطر على باله ما يقوله الناس لأنه غير منتبه لهذا الأمر بسبب مصيبته.

    إلا النبي صلى الله عليه وسلم فإنه وقف للناس ليردهم عن قولهم وقال: (إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا تنكسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا كان ذلك فافزعوا إلى الصلاة)، فأمرهم أن يصلوا صلوات الله وسلامه عليه.

    فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين، فعلى ذلك لابد أن يصحح لهم مفهوماً خاطئاً يتكلمون به ويفهمونه، حتى ولو كان حزيناً على وفاة ابنه.

    وهناك واقعة أخرى حدثت له صلى الله عليه وسلم: ففي يوم بدر، نصر الله عز وجل المؤمنين، وماتت ابنة النبي صلى الله عليه وسلم، ففي فرحة الناس في هذا اليوم بنصر الله وابنته تموت صلوات الله وسلامه عليه، ومع ذلك أخفى حزنه عن الناس.

    فلم يظهر حزنه للناس لأنهم كانوا فرحين بنصر الله عز وجل لهم في هذا اليوم الذي كان فيه أول وقعة حقيقية بين عسكر الكفر وعسكر الإيمان، بل تجاوز أحزانه صلى الله عليه وسلم، وأظهر فرحه بنصر الله عز وجل للمؤمنين.

    فحب الله عز وجل وحب دين الله سبحانه وتعالى هو الذي جعل نبيه صلى الله عليه وسلم ينطق بالحق في كل موطن، ولذلك لما سألوه: (نكتب عنك يا رسول في حال غضبك فقال: اكتبوا، فوالذي نفسي بيده لا يخرج منه إلا الحق) فهو لا ينطق بالهوى ولكن ينطق بالحق.

    فكلما أراد الإنسان الأسوة الحسنة والقدوة العظيمة، فإن أسوته وقدوته في النبي صلوات الله وسلامه عليه، إذا أصابه هم أو حزن أو مصيبة، ما كان لينسى دين الله سبحانه وتعالى.

    والإنسان مخلوق في الدنيا ليبتلى: أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ [العنكبوت:2] مخلوق في الدنيا ليمتحن : وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الأَمْوَالِ وَالأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ [البقرة:155-157] فضلان من الله عز وجل: وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ [البقرة:157] وهداية من الله عز وجل لهؤلاء، فالإنسان المؤمن يبتليه ربه لينظر أيكم أحسن عملاً، فالمؤمن ينظر إلى الدنيا أنها دار بلاء ودار محن ودار اختبار والنتيجة عند الله يوم القيامة

    فإذا ابتلاه الله فليأتس بالنبي صلوات الله وسلامه عليه وليقتد به فقد ابتلي وصبر صلوات الله وسلامه عليه.

    1.   

    صبر إبراهيم على البلاء محبة لله سبحانه

    إن إبراهيم أبو الأنبياء على نبينا وعليه الصلاة والسلام ابتلاه الله سبحانه وتعالى فصبر.

    ابتلاه في أبيه وابتلاه في ابنه وابتلاه في زوجته، فإذا به يصبر الصبر العظيم:

    ابتلاه في أبيه فكان أبوه كافراً وكان صانعاً للأصنام يصنعها لقومه، وإذا بإبراهيم يجادل أباه حتى يمنعه من ذلك فلم يقدر على ذلك عليه الصلاة والسلام، حتى قال له أبوه: لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا [مريم:46] أي: ابتعد عني وإلا رجمتك: قَالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا * وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا [مريم:47-48].

    ويذهب مع امرأته سارة إلى مصر فإذا به يجد جباراً من الجبابرة، وإذا بالجبار يسأل: من هذه؟ ويخاف إبراهيم أن يقول: هي زوجتي. خشية أن يقتله هذا الجبار ليأخذها منه، فكانت الحيلة أن قال: هي أختي، فعرض بالكلام.

    وهذه بلية ومصيبة نزلت بإبراهيم وانتظر الفرج من الله سبحانه وتعالى، فإذا بالجبار يأخذها ويريدها لنفسه، وإذا بها تدعو ربها سبحانه ويدعو إبراهيم ربه سبحانه وتعالى، فيكشف الكرب العظيم الذي كان فيه إبراهيم وسارة عليهما الصلاة والسلام.

    وصرع الله هذا الجبار حتى وقع ولم يستطع أن يقربها بسوء، مرة ومرتين وثلاثاً حتى قال: إنما أتيتموني بشيطانة، وأرجعها إلى إبراهيم وأخدمها هاجر، فكانت هاجر أمة لـسارة أهدتها لإبراهيم، فكانت أمة لإبراهيم وأم ولد له بعد ذلك.

    وابتلاه الله عز وجل في ولده ووحيده إسماعيل عليه وعلى أبيه وعلى نبينا الصلاة والسلام، الذي جاءه بعد الكبر وبعد سنين طويلة كان يتمنى فيها الولد فإذا بالله عز وجل يأمره في المنام أن يذبح ولده.

    حتى يعلم سبحانه علم مشاهدة هل يحب إبراهيم ولده أكثر من حبه لله أم يحب الله أكثر من حبه لولده.

    إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ [الصافات:102] هل قال: أضغاث أحلام؟ هل قال: هذا أمر من منام ولن أنفذه؟

    لا، فقد علم أن أباه لا يرى إلا ما يأمر الله عز وجل به، فقال: يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ [الصافات:102].

    فكان بلاءً عظيماً أن يذبح ابنه كما يذبح الشاة.

    وتله للجبين، واستسلم لأمر رب العالمين، فإذا بالله عز وجل يقول: أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا [الصافات:104-105] أي: قد فعلت ما أمرت به وأظهرت حبك لنا فوق حبك لأي شيء.

    لقد هجر بلده ووطنه وهاجر منهم حين عبدوا غير الله تفضيلاً لحب الله سبحانه فوق حبه للبلد وللوالد وللأهل، لقد كان حبه لله عز وجل فوق كل شيء، عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام.

    والإنسان المؤمن يحب الله جل في علاه ويظهر هذه المحبة، وخاصة في وقت البلاء، ويستشعر أن الله عز وجل امتحنه ليرفع درجته وليكفر خطيئته وسيئته، فيرضى بقضاء الله عز وجل، ولا مانع من أن يحزن ولكن لا يتضجر على الله عز وجل ولا يتسخط على قضاء الله وقدره سبحانه قال: (وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله).

    يحب أخاه المؤمن لأنه مطيع لله لأنه عابد لله لأنه يحب الله سبحانه وتعالى، (وأن يكره أن يعود في الكفر)، أي: إذا كان كافراً فأسلم، وإذا لم يكن كذلك بأن شب ونشأ على الإسلام وولد فيه يبغض الكفر وأهله كبغضه أن يلقى في النار فإذا كان كذلك فإنه يستشعر ويتذوق حلاوة الإيمان.

    1.   

    شرح حديث: ( سبعة يظلهم .... )

    شدة هول يوم القيامة وحره

    عن أبي هريرة رضي الله عنه في المتفق عليه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله).

    يظلهم الله في يوم عظيم طويل وهو يوم القيامة، يوم يجتمع الخلائق الأولون والآخرون إنسهم وجنهم، وتتنزل الملائكة تحيط بهم فلا مهرب ولا ملجأ من الله إلا إليه، وإذا بالشمس تدنو من رءوس العباد، فإذا بالعرق يسيل، فمنهم من يبلغ عرقه إلى رجليه.. وإلى قدميه.. وإلى كعبيه.. وإلى ركبتيه.. وإلى حقويه، ومنهم من يغطي منكبيه، ومنهم من يلجم فاه.

    وذلك بحسب ما كان يبذل العرق لله في الدنيا، هل كان يتعب نفسه لله؟ هل كان يصلي فيتعب لله سبحانه؟ هل كان يأمر بمعروف وينهى عن منكر ويقضي حوائج الناس فيتعب نفسه طاعةً لله؟ فمن بذل العرق في الدنيا نجا يوم القيامة!

    وحين تدنو الشمس من الرءوس إذا بالله عز وجل يظل من يشاء بظله سبحانه وتعالى يوم لا ظل إلا ما جعله الله عز وجل لهؤلاء من ظل.

    وقوله: (سبعة يظلهم الله ...) المقصود: سبعة أصناف وليس سبعة رجال، فيكون تحت كل صنف رجال كثيرون ونساء كثيرات.

    معنى قوله: (إمام عادل وشاب نشأ في عباد الله)

    قال: (إمام عادل)، والإمام هنا بمعنى الحاكم الذي يحكم بشرع الله عز وجل ويعدل بين الرعية.

    قد يحكم الحاكم بشرع الله ولا يعدل بين الناس، يحكم في الظاهر ويظلم الناس في الباطن، فهنا يقول لنا: (إمام عادل) أي: يعدل بين الخلق.

    قال: (وشاب نشأ في عبادة الله):

    سواء كان ذكراً أو أنثى، فاحرص على أن تكون عابداً لله سبحانه وتعالى.

    وإن كان الله عصمك من الوقوع في الكبائر وحبب إليك الصلاح فداوم على ذلك حتى تكون من هؤلاء، ولا تأمن مكر الله سبحانه وتعالى ولا تغتر بنفسك، فكم من إنسان غرته عبادته فإذا بالله يقلبه عن عادته ويكون على غير ما كان عليه.

    فالله عز وجل يهدي من يشاء ويضل من يشاء: (وإن العبد ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن العبد ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها).

    إذا كنت شاباً نشأت في طاعة الله وحفظت كتاب الله فاحذر من الغرور، فإن الغرور يردي صاحبه، وإذا كان عندك أولاد فعلمهم الطاعة وعلمهم حب الله سبحانه وتعالى، وعلمهم أن يكون حب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم أحب إليهم مما سواهما.

    معنى قوله: (ورجل قلبه معلق بالمساجد)

    قال: (ورجل قلبه معلق بالمساجد).

    والمساجد بيوت الله سبحانه وتعالى، والذي تعلق قلبه بالمساجد أحب الصلاة وأحب الله عز وجل.

    والمسجد ليس كالنادي يذهب إليه الإنسان من أجل أن يقابل الإخوة ويتكلم معهم، بل يحب المسجد لأنه بيت الله، ويحافظ عليه ويحترمه ويوقره ولا يؤذي أحداً فيه، ويقرأ فيه كتاب الله عز وجل ويستمع فيه لدرس العلم، ويصلي الصلاة المفروضة، ويخرج من بيت الله إلى بيته وفي قلبه حنين متى يرجع إلى بيت الله سبحانه وتعالى.

    فالرجل الذي قلبه معلق بالمساجد من حبه لبيوت الله سبحانه وتعالى قلبه معلق بها إذا خرج منها حتى يعود، وفي رواية: (إذا خرج من بيت الله حتى يرجع إليه)، فيصلى صلاة الظهر ويرجع إلى بيته وإلى عمله وقلبه مشتاق متى يأتي وقت العصر من أجل أن أذهب وأصلي في بيت الله سبحانه وتعالى.

    علم الأجر والفضل فهو مستحضر لذلك، ولذلك جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم في الكفارات، قال: (وانتظار الصلاة بعد الصلاة، وإسباغ الوضوء في السبرات، ونقل الأقدام إلى الجماعات).

    فهذه كفارات يكفر الله عز وجل بها خطايا الإنسان: منها: أن تسبغ الوضوء في وقت ما تكره ذلك، كأن يكون الماء شديد البرودة في الشتاء، ومع ذلك تتوضأ فتحسن الوضوء؛ فإن الله يكفر عنك خطاياك.

    وانتظار الصلاة بعد الصلاة في بيت الله سبحانه، ما لم تضيع عملاً واجباً عليك أن تؤديه لتطعم عيالك وتنفق على قرابتك مثلاً.

    وكذلك: نقل الأقدام إلى الجماعات، وأنت ذاهب إلى بيت الله لصلاة الجماعة، فكل خطوة ترفعك درجة والأخرى تحط عنك سيئة فتحتسب هذا كله عند الله عز وجل.

    وقد أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن الخطايا تتناثر وتتساقط أثناء الوضوء؛ إذاً: الصلاة إلى الصلاة كفارة لما بينهما، والوضوء يزيل عنك الخطايا، تغسل يديك فتنزل الخطايا مع آخر قطر الماء، وتغسل وجهك فتنزل الخطايا إن وجدت مع آخر قطر الماء، وتغسل رجليك فتتساقط الخطايا.

    فإذا ذهبت إلى الصلاة فكل خطوة تخطوها تمحو عنك خطيئة والأخرى ترفعك درجة، فإذا جئت بيت الله ووقفت تصلي مع الناس في جماعة يجعل الله سبحانه كل الذنوب الباقية عليك فوق رأسك وفوق منكبيك.

    فإذا كبرت تساقطت، وإذا ركعت تساقطت، وإذا سجدت تساقطت، وإذا انتهيت من الصلاة وقرأت آية الكرسي كنت مستحقاً للجنة لقراءتك هذه الآية.

    فمن الذي يسمع مثل هذا الثواب العظيم ثم لا يبقى قلبه معلقاً ببيت الله تعالى؟ وهذا الأجر تناله في الدنيا، فإذا كان يوم القيامة يظلك الله في ظله يوم لا ظله إلا ظله.

    ويوم القيامة بعض الخلق يدعون ربهم ويقولون: يا رب اصرفنا ولو إلى النار، لأنهم وجدوا أن هذا اليوم شديد حتى ظنوا أن النار أهون من الموقف بين يدي الله عز وجل.

    قوله: ورجل قلبه معلق بالمساجد أي: يحب بيت الله، والفريضة في المساجد على الرجال، والمرأة صلاتها في بيتها خير لها من صلاتها في بيت الله عز وجل.

    معنى قوله: (ورجلان تحابا في الله...)

    قال: (ورجلان تحابا في الله):

    وكذلك المرأة لو أحبت المرأة في الله.

    وهذا هو المقصود في هذا الباب: (رجلان تحابا في الله)، أي: الذي جمعهما هو الحب في الله فإذا اجتمعا فعلى القرآن والحديث والنصيحة لكل منهما.

    وكان الصحابة إذا تقابلوا يقول أحدهم للآخر: كيف حالك، فيقوله: الحمد لله، فيقول: عن هذا أسأل!

    أي: أنا أسألك من أجل أن تقول: الحمد لله. فقط فلا يريد منه أن يحدثه عن المال والعيال وإنما من أجل أن يذكره بالله سبحانه وتعالى.

    فكانوا يتذاكرون ويتناصحون ولم يكن أحدهم يحب الآخر من أجل أن يضيع عليه وقته، أو يشغله عن الله عز وجل أو يجده في المسجد يقرأ القرآن فيأتي إليه يلهيه ويكلمه عن قصة حصلت له أو غيرها فيمنعه من العبادة، ولكن يعينه على طاعة الله سبحانه، كما قال: (اجتمعا عليه وتفرقا عليه).

    فاجتماعهما على طاعة، وإذا افترقا افترقا على تسليم ومحبة ومودة وطاعة لله سبحانه وتعالى، والمحبة في الله عظيمة جداً فأنت ترجو بها الدار الآخرة ولا تنتظر بها حظاً في الدنيا، وإذا كان أخوك مشغولاً فلا تزده شغلاً بزيارتك أو بكثرة كلامك أو بإلهائه عن عمله وعن عبادته وعن طاعته، فالحب في الله عز وجل أنك تعين صاحبك على الطاعة ولا تمنعه منها.

    معنى قوله: (ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال...)

    قال: (ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله).

    لها جمال ولها مال ولها منصب وتدعوه. إذاً: عندها كل المغريات والأسباب فإذا به يحب الله ويخاف من الذنوب ويقول: إني أخاف الله، فامتنع من المعصية.

    ونحن في زمن فيه بلاء عظيم وفيه مصائب وفتن، فكل إنسان يمتلئ قلبه بحب الله عليه أن يبتعد عن هذه الابتلاءات وعن هذه الفتن، ويخاف على نفسه.

    فلا أحد معصوم ولا تثق بنفسك، وتقول: أنا لا يهمني ولا يوجد ما يفتنني، فإن النظرة بريد الزنا، وقد يفتن الإنسان ويستثار فإذا به ينقلب من عبد يحب الله إلى عبد عابد لشهواته وهواه مضيع لنفسه.

    فالبلاء شديد والفتن شديدة، ولذلك على كل إنسان أن يستحضر في قلبه: (ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال، فقال: إني أخاف الله)، إذا مر الإنسان في الطريق ووجد الفتن أمامه فعليه أن يبتعد عن ذلك، ويغض بصره ويخاف الله سبحانه وتعالى لعله يكون من هؤلاء.

    معنى قوله: (ورجل تصدق بصدقة فأخفاها...)

    قال: (ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه):

    وصدقة السر تطفئ غضب الرب، فلا تمنن ولا تستكثر ما أعطيت ولا تؤذ الإنسان الذي أعطيته الصدقة، بل تصدق في السر وحاول أن تخفيها حتى عن نفسك.

    وقوله: (حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه) فيه مبالغة في الإخفاء حتى لا يعلم أحد من هذا الذي أنفق.

    فهذا يستحق أن يظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله.

    وآخرهم: (ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه):

    وكذلك المرأة.

    قد يكون بين الناس فيسمع الذكر ويتأثر ويبكي ويكون له أجر، ولكن المحك والاعتبار هنا أن يكون في بيته وحيداً أو في مكان لا يراه فيه أحد، فيذكر الله ويذكر الجزاء والحساب وقلة عمله فإذا به يخاف ويبكي من خشية الله سبحانه، فيكون أحد هؤلاء الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله؛ نسأل الله عز وجل أن يجعلنا منهم.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.