إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. أحمد حطيبة
  4. شرح رياض الصالحين
  5. شرح رياض الصالحين - زيارة أهل الخير والأماكن الفاضلة والحب في الله

شرح رياض الصالحين - زيارة أهل الخير والأماكن الفاضلة والحب في اللهللشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد ندب الله عز وجل إلى مجالسة أهل الخير، والجلوس معهم، وجاءت الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم مرغبة في ذلك، ومبينة فضلها وعظيم أجرها، وخاصة الحب في الله سبحانه الذي هو أوثق عرى الإيمان.

    1.   

    ما جاء في زيارة الصالحين ومواضع الفضل

    أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين.

    وبعد:

    قال الإمام النووي رحمه الله: [ باب زيارة أهل الخير ومجالستهم، وصحبتهم، ومحبتهم، وطلب زيارتهم، والدعاء منهم، وزيارة المواضع الفاضلة ].

    روى الإمام مسلم عن أسير بن جابر رضي الله عنه، (أن أهل الكوفة وفدوا على عمر رضي الله عنه، فقال عمر : هل هاهنا أحد من القرنيين؟ فجاء ذلك الرجل وكان يسخر من أويس فقال عمر : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن رجلاً يأتيكم من اليمن يقال له: أويس لا يدع باليمن غير أم له، قد كان به بياض فدعا الله فأذهبه عنه إلا موضع الدينار أو الدرهم، فمن لقيه منكم فليستغفر لكم) .

    وفي رواية: (إن خير التابعين رجل يقال له: أويس ، وله والدة، وكان به بياض، فمروه فليستغفر لكم).

    وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قال: (استأذنت النبي صلى الله عليه وسلم في العمرة، فأذن لي، وقال: لا تنسنا يا أخي من دعائك، فقال كلمة ما يسرني أن لي بها الدنيا).

    وفي رواية: (قال: أشركنا يا أخي في دعائك) رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن صحيح.

    وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يزور قباء راكباً وماشيا، فيصلي فيه ركعتين) متفق عليه.

    وفي رواية: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يأتي مسجد قباء كل سبت راكباً وماشيا، وكان ابن عمر يفعله).

    والمعنى: أن المؤمن يصاحب من يحبه في الله سبحانه وتعالى، ويزوره في الله، ليس لهدف من الدنيا، ولا لتسامر ولا لتضييع وقت، وإنما زيارة محبة في الله تبارك وتعالى.

    فيحب أهل الخير وأهل الفضل، ويصحبهم، ويجالسهم، ويزورهم، ويدعو لهم، ويطلب منهم أن يدعو له، إلى غير ذلك مما يكون فيه الفضل.

    و

    قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إنما مثل الجليس الصالح وجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن يحذيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحاً طيبة، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد ريحا منتنة). متفق عليه.

    وفيه مثال لنوعين من الأصدقاء والأصحاب:

    النوع الأول: وهم الذين يتآخون في الله سبحانه وتعالى، فيجتمعون عليه، ويتفرقون عليه، فلهم أجر عظيم عند الله سبحانه.

    وهذا الإنسان تستفيد منه كلما لقيته، ولو بالتسليم عليه، ولو بأن يدعو لك، فهو مثل حامل المسك، إما أن تنتفع منه بريح طيبة، وإما أن تشتري منه، وإما أن يهبك ويعطيك من المسك الذي معه.

    والنوع الآخر: صديق السوء، وهو الذي إذا جالسته لم يزل يتكلم عن فلان، ويغتاب فلان، وهكذا. فيؤذيك بذلك. فإما أن تنكر عليه وتنجو، وإما أن تسكت فيهلكك وتهلك معه.

    فهو مثل نافخ الكير، أي: الحداد الذي ينفخ الكير، فإذا جلست معه شممت منه رائحة خبيثة، أو أنه قد يحرق ثيابك، أو يلوثها بما معه من نار وما معه من أذى.

    ولذلك فالإنسان المؤمن يصاحب المؤمنين، ويرجو الخير من وراء ذلك، ويحذر الإنسان المؤمن من السخرية من أحد من المسلمين، فلعله يسخر من إنسان وهو أفضل منه، وكان الأولى بدلاً من أن يسخر منه، أن يطلب منه أن يدعو له.

    1.   

    قصة عمر رضي الله عنه مع أويس القرني

    وهنا قصة اختصرناها، وذكرنا لفظها المختصر الذي في صحيح مسلم .

    وفي لفظ آخر طويل عن أسير بن عمرو قال: كان عمر بن الخطاب إذا أتى عليه أمداد أهل اليمن سألهم: أفيكم أويس بن عامر ؟ حتى أتى على أويس رضي الله تبارك وتعالى عنه.

    فقد كان عمر مهتماً لهذا الشيء، فكلما يأتيه أناس من اليمن يسألهم فيكم أويس ؟ إلى أن وفد عليه في سنة من السنين قوم وفيهم أويس ، فقال له عمر رضي الله عنه: أنت أويس بن عامر ؟ قال: نعم. قال: من مراد ثم من قرن ؟ يعني: من هذه القبائل، من قبيلة مراد التي هي من قرن. قال: نعم.

    قال: فكان فيك برص فبرأت منه إلا موضع درهم. وهذه أوصاف جاء بها عمر ، من النبي صلى الله عليه وسلم، الذي أخبره بهذا الشيء، ولذلك فإن عمر بن الخطاب كان حريصاً على أن يقابل أويساً هذا، رضي الله تبارك وتعالى عنه.

    قال له أويس : نعم.

    قال: هل لك والدة؟

    قال: نعم.

    قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (يأتي عليكم أويس بن عامر مع أمداد من أهل اليمن، من مراد ثم من قرن، كان به برص فبرأ منه، إلا موضع درهم). والبرص: البهاق، فإذا كثر في الجسد فهو البرص، فذهب منه البرص، وهو قل أن يذهب من الإنسان، ولكن ببركة دعاء هذا الرجل، وببركة بره لأمه رضي الله تبارك وتعالى عنه، أذهب الله عز وجل عنه ذلك، وأبقى له موضعاً مثل الدينار يذكره بنعمة الله عز وجل عليه.

    قال له عمر : إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يأتي عليكم أويس بن عامر مع أمداد من أهل اليمن، من مراد ثم من قرن، كان به برص فبرأ منه إلا موضع درهم، له والدة هو بها بر، لو أقسم على الله لأبره)، يعني: أنه رجل بلغ من الصلاح درجة أنه لو أقسم على الله، فإن الله عز وجل يستجيب له؛ لأنه يحبه سبحانه فقد أنزله منزلة عظيمة، حتى إنه ليدنو ويقسم على الله فيبره الله سبحانه وتعالى.

    قال النبي صلى الله عليه وسلم: (فإن استطعت أن يستغفر لك فافعل). وهذا يقوله لـعمر ، ومن معه، إذا استطعت أن يستغفر لك أويس وهو من التابعين، وليس من الصحابة، والصحابة أفضل من غيرهم على العموم. ولكن أويساً قد يكون فيه فضيلة على بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، بحيث إنه يقسم على الله فيبره الله، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم لـعمر : إن استطعت أن تجعله يستغفر لك فافعل.

    فقال له عمر : فاستغفر لي. فاستغفر له أويس . فقال له: عمر : أين تريد؟

    فقال: الكوفة.

    قال له: عمر : ألا أكتب لك إلى عاملها؟ يعني: يكتب له إلى العامل الذي في الكوفة حتى يستوصى به.

    فقال لـعمر : أكون في غبراء الناس أحب إلي.

    أي: لا أريد أن أكون معروفاً بين الناس، بل أكون مع فقراء الناس وصعاليكهم ومن لا يعرف، فهذا أفضل لي وأحب إلي.

    فلما كان من العام المقبل، أي: السنة الثانية، حج رجل من أشرافهم، فوافى عمر رضي الله عنه، فسأله عن أويس ، وكان الرجل يعرفه، وكأنه يعرف لكن لا يعرف فضله ولا شرفه فقال: تركته رث البيت، قليل المتاع.

    ولكنه لم يقسم على الله عز وجل ليملأ له بيته متاعاً؛ لأنهم نظروا إلى الدنيا فاحتقروها، ولم يجعلوا لها قيمة، ونظروا إلى الآخرة فجمعوا لها، وادخروا من أجلها، فنئوا عن الدنيا، وأقبلوا على الآخرة، فلم يضرهم أن لم يكن معهم متاع، ولو أن عمراً كتب له إلى أمير الكوفة، لكان أنزله منزلة الأمراء مثلاً. ولكنه رضي الله عنه لم يطلب دنيا، فكان رث البيت، قليل المتاع.

    فقال عمر لهذا الرجل: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (يأتي عليكم أويس بن عامر مع أمداد من أهل اليمن، من مراد ثم من قرن ، كان به برص فبرأ منه، إلا موضع درهم، له والدة هو بها بر، لو أقسم على الله لأبره، فإن استطعت أن يستغفر لك، فافعل).

    فعندما عاد الرجل إلى الكوفة، ذهب مباشرة إلى أويس ، وقال له: استغفر لي فرد عليه أويس : أنت أحدث عهداً بسفر صالح. يعني: أنت كنت مسافراً، وقدمت من حج أو من عمرة، فأنت الذي تستغفر لي، ولست أنا من يستغفر لك، قال: فاستغفر لي.

    ثم سأله: لقيت عمر ؟ قال: نعم. قال: فاستغفر لـعمر واستغفر للرجل. ففطن له الناس، فانطلق على وجهه، وغادر من المكان الذي هو فيه، حتى لا يسمع أحد به.

    فخاف على نفسه من الرياء، وخاف على نفسه من فتنة الناس، فإن الذي يقبل على الناس يغره الناس، والعادة أن الإنسان لو ترك نفسه للناس فإنهم يغرونه، يقولون له: أنت سيدنا، وأنت كبيرنا، وأنت أشرفنا، وأنت، وأنت... حتى يغتر الإنسان في نفسه.

    ولذلك فإن المؤمن يقبل على الناس بالوجه الذي لا يفتن فيه، فإذا وجد من الناس المديح فهو أعلم بنفسه من الناس، فكل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون، ولو أن الإنسان أعطى أذنه للناس ليمدحوه فإنه يوشك أن يغتر فيهلك ويضيع، ولذلك فإن المؤمن حريص على أن لا يسمع مدحاً من أحد، ولا يسمع من الناس إلا النصح.

    ولذلك فإن أويساً رضي الله لم يصبر ولم يطق أن يسمع من الناس مديحاً وإن كان هذا المديح حقا، وهو قد مدحه النبي صلى الله عليه وسلم، وهو الصادق المصدوق، المعصوم صلوات الله وسلامه عليه، الذي لا ينطق عن الهوى. فلولا أن هذا الرجل له فضل عند الله عز وجل، لما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الذكر العظيم.

    وفي رواية لهذا الحديث في صحيح مسلم :

    أن أهل الكوفة وفدوا على عمر رضي الله عنه، وفيهم رجل ممن كان يسخر بـأويس . يعني: أن أويساً كان من الفقراء، ومن صعاليك المسلمين، ومن عادة الناس أنهم عندما يجدون شخصاً فقيراً، خلق الثياب، رث المتاع والبيت، فإنهم يسخرون منه، ولا يعطونه قدراً ولا منزلة.

    فكان أويس هكذا فيهم، وكان لا يأبه بذلك، وكان من ضمن هذا الوفد شخص يسخر منه، ولو دعا عليه أويس فلعل الله عز وجل أن يستجيب له، ويصنع به الأشياء الذي يبتليه بها، ولكن أويساً كان حليماً وصبوراً فسكت عنه، ولم يقل شيئاً رضي الله تبارك وتعالى عنه.

    فهذا الرجل وفد على عمر رضي الله عنه، فقال عمر : هل ها هنا أحد من القرنيين، فجاء ذلك الرجل، فقد كان من نفس قبيلته، وليس بعيداً عنه.

    فجاء إلى عمر ، فقال عمر رضي الله عنه: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن رجلاً يأتيكم من اليمن يقال له: أويس لا يدع باليمن غير أم له، قد كان به بياض فدعا الله تعالى فأذهبه، إلا موضع الدينار أو الدرهم، فمن لقيه منكم فليستغفر له).

    وفي رواية:

    قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن خير التابعين رجل يقال له: أويس )، فهو خير التابعين رضي الله تبارك وتعالى عنه.

    ولم يقل خير الناس، فـعمر رضي الله عنه كان خيراً منه، وأبو بكر خير منهما رضي الله تبارك وتعالى عنه، والنبي صلى الله عليه وسلم خير من الجميع، ولكن الغرض أن هذا خير تابعي في هؤلاء القوم الذين لم يروا النبي صلوات الله وسلامه عليه.

    وقد يكون فيه فضيلة في إجابة الدعاء بالقسم على الله، أكثر من بعض الصحابة، فهو قد فضل بشيء وليس بكل شيء على أصحاب النبي صلوات الله وسلامه عليه.

    فالغرض: أن هذا الرجل الذي كان يسخر من أويس تبين له أن أويساً هذا مستجاب الدعوة، فعرف قدر نفسه وقدر هذا الذي يسخر منه.

    ولذلك فإن الإنسان المؤمن لا يسخر من أحد أبدا، فلا ينظر إلى ثياب الإنسان الذي يكلمه، ولكن ينظر إلى ما يقوله من حكمة وموعظة وكلام جيد.

    وقد وفد بعض الصالحين على أمير من الأمراء، وكان قد لبس جبة رثة خلقة، فجعل الأمير ينظر إلى جبته وهو يتكلم، يعني: مستنكراً لجبته. فكان من كلام الرجل الحكيم للأمير أن قال: لا تنظر إلى الجبة وانظر إلى لابسها. يعني: لا تنظر إلى الجبة المقطعة المرقعة، وانظر إلى الذي يكلمك حتى تفهم ما يقوله لك.

    فهذه منزلة أويس عند الله سبحانه تبارك وتعالى، والذي كان ذلك الرجل يسخر منه.

    1.   

    طلب الدعاء من الصالحين

    من الأحاديث الواردة في طلب الدعاء من الصالحين:

    ما رواه الإمام الترمذي وأبو داود بإسناد فيه ضعف، وإن كان الترمذي قال: حسن صحيح، وفيه: (أن عمر رضي الله عنه خرج لعمرة، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: لا تنسنا يا أخي من صالح دعائك، أو لا تنسني يا أخي من دعائك).

    والحديث إسناده ضعيف، ولكن أن يطلب الإنسان من أخيه المسلم الذي يظن فيه فضيلة أن يدعو له هذا شيء حسن،

    ولكن على وجه لا يغتر فيه هذا الذي تطلب منه الدعاء؛ لأن الإنسان أحياناً عندما يجد إنساناً يحبه في الله يبدأ يمجده ويعظمه إلى أن يرفعه عن قدره، فيغره في نفسه. فلا تغر أخاك، فقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (احثوا في وجوه المداحين التراب).

    فالمؤمن يخاف على نفسه من الغرور، ويخاف على نفسه من مدح الناس، والنبي صلى الله عليه وسلم قد حذرنا من مثل ذلك، فعندما سمع رجلاً يمدح أخاه في وجهه قال: (قصمت ظهر أخيك)، ولذلك لا تعود نفسك على كثرة المدح لإنسان، ولا تغر أحداً، ولا تفتنه في دينه، والله قال لنا: فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى [النجم:32].

    1.   

    زيارة المواضع الفاضلة

    الصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة في ما سواه من المساجد.

    ومسجد النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة فيه بألف صلاة في غيره من المساجد.

    المسجد الأقصى جاءت أحاديث بأن الصلاة فيه بخمسمائة وإن كان فيها ضعف، وأحاديث على النصف من ذلك بمائتين وخمسين صلاة، ولكن له فضيلة عظيمة، ويكفي في ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، والمسجد الحرام، والمسجد الأقصى).

    نسأل الله عز وجل أن يحرره من دنس اليهود وكفرهم وشركهم، لعنة الله عليهم، وعلى من والاهم من أهل الكتاب، ومن الكفرة الملاعين. نسأل الله عز وجل أن يحرره، وينصر الإسلام والمسلمين.

    وهذه فضيلة هذه المساجد الثلاثة.

    ولمسجد قباء فضيلة أيضاً، فإنك عندما تذهب إليه وتصلي ركعتين فإن لك أجر عمرة؛ ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يأتيه كل يوم سبت ماشياً، ويصلي فيه ركعتين كما جاء في الحديث المتفق عليه: عن ابن عمر (كان النبي صلى الله عليه وسلم يزور قباء راكباً وماشيا، فيصلي فيه ركعتين).

    والغرض أن تذهب إلى الأماكن الفاضلة التي فيها الأجر العظيم، المسجد الحرام والمسجد النبوي وبيت المقدس وتذهب إلى مسجد قباء، كما فعل النبي صلوات الله وسلامه عليه.

    1.   

    فضل الحب في الله

    الحب في الله عند الأنصار

    قال الإمام النووي رحمه الله:

    [ باب: الحب في الله والحث عليه، وإعلام الرجل من يحبه أنه يحبه، وماذا يقول له إذا أعلمه ].

    قال الله تعالى: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ [الفتح:29]، فالنبي صلى الله عليه وسلم والذين معه من المؤمنين فيهم هذه الصفات العظيمة، وهي: الشدة على الكفار، فيجاهدون في سبيل الله عز وجل، ولا يخافون لومة لائم، ولا يفرون إذا لقوا العدو، وهم فيما بينهم رحماء، فيرحم المؤمن أخاه المؤمن؛ لأن المؤمن فيه ذل لأخيه المؤمن.

    ولذلك فالله سبحانه وتعالى يخبرنا: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ [المائدة:54]، فصفة المؤمن مع أخيه المؤمن أنه يخفض له جناح الذل من الرحمة، ويعرف قدر أخيه، ويواسيه في مصيبته، ويحبه لطاعته، وينصحه إذا وجد منه شيئاً يخالف أمر الله تبارك وتعالى، ويستر عليه إذا وجد منه شيئاً من المعاصي أو الذنوب؛ لأن: (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا).

    وقال سبحانه: وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ [الحشر:9]، فهذا وصف الله عز وجل لأهل المدينة والأنصار.

    الذين تبوءوا الدار أي: المدينة.

    والإيمان أي: فكأنهم نزلوا في وسط الإيمان، وفي قلب الإيمان. فقد امتلئوا إيماناً رضوان الله تبارك وتعالى عليهم، وفاض منهم هذا الإيمان، حتى كأنهم نزلوا بداخله رضوان الله تبارك وتعالى عليهم.

    وهم يحبون من هاجر إليهم، ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا، ويؤثرون على أنفسهم. فالمهاجرون هاجروا وليس معهم مال ولا شيء إلى الله وإلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمدحهم الله بقوله: أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ [الحشر:8]، فصدقوا الله فصدقهم الله عز وجل، فنزلوا على المدينة فاستقبلهم الأنصار، وأحبوهم وآخوهم في الله سبحانه وتعالى، وأنفقوا عليهم، وأعطوهم من أموالهم ومن ديارهم، وآثروهم على أنفسهم، فهم يؤثرون على أنفسهم حتى ولو كان بهم جوع.

    فهذه صفات المؤمن أنه يحب أخاه، ويؤثره، ويفضله على نفسه، كما ذكر الله عز وجل هؤلاء.

    وليس كل الناس كالمهاجرين والأنصار، ولكن على الأقل على المؤمن إذا لم يحب أخاه فوق حبه لنفسه، أن يحبه مثل حبه لنفسه أو أقل، فيحبه مثل ما يحب ولده، ويحب أهله، ويحب أصدقاءه المقربين، فيحب المؤمن لكونه مؤمنا، ومطيعاً لله عز وجل، فينفعه هذا يوم القيامة، وينفعه في قبره.

    متى يجد المرء حلاوة الإيمان

    وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه، كما يكره أن يقذف في النار) متفق عليه.

    وهذا فيه هذا الفضل من الله تبارك وتعالى لهؤلاء المؤمنين، الذين أرشدهم وأحبهم، فجعل في قلوبهم الإيمان، وجعل هذه صفاتهم.

    قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ثلاث من كن فيه)، أي: إذا وجدت هذه الصفات فقد وجدت حلاوة الإيمان، فالإيمان له حلاوة في القلب، وحلاوة في التكلم بألفاظ الإيمان، وبشرع الله تبارك وتعالى، يجدها الإنسان المؤمن الذي فيه هذه الصفات:

    (أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما)، وكل إنسان لو سئل: هل تحب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم؟ يقول: نعم. لا يوجد أحد يقول: لا. ولكن أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، فهنا يتفاوت الناس في ذلك، ويظهر هذا حين يخير الإنسان بين الطاعة والمعصية، فإنسان تدفعه شهوته لاختيار المعصية، فإذا به قد فضلها على حبه لله، ولرسوله صلوات الله وسلامه عليه.

    و(كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون)، ولكن الإنسان المؤمن إذا عرضت له معصية فإنه يفكر أن هذه المعصية تبعده عن الله عز وجل، وبسبب أن حب الله في قلبه أقوى يقول: لا أريد أن أقع في هذه المعصية. فهذا الله ورسوله أحب إليه مما سواهما.

    وقد يجد شيئاً من الأشياء يميل قلبه إليه، كأن يكون أخ من إخوانه يظن أنه مستحق لشيء، فيريد أن يكذب من أجله مثلاً، فيتذكر قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا [النساء:135]، فيتذكر أنه سيشهد مع هذا الإنسان وهو لم ير شيئا؛ لأنه يصعب عليه تركه، ولكن الله عز وجل أرحم به مني، وهو الذي أمرني أني أعدل في شهادتي، وكونه أمرني أن أشهد بالحق فيلزمني ذلك، ولو على نفسي، ولو على الوالدين والأقربين، إن يكن فقيراً أو غنياً فالله أولى به.

    قال: (وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله): وقد يحب الإنسان إنساناً للدنيا، أو يحبه لعقله أو لنفعه وجاهه، ولكن الحب الذي يريده الله عز وجل منا هو: الحب في الله تبارك وتعالى، بأن تحب المرء لا تحبه إلا في الله، فإذا أقبل عليك فلا تفرح، وإذا أعرض عنك فلا تحزن، فلا فرق بين الحالتين؛ لأنك تحبه في الله عز وجل.

    أما أن تحب فلاناً ثم تقول: إنه لا يعطيني ولا يزورني فلن أحبه، فهذا لا يصح لأنك أصبحت كأنك لا تحبه إلا من أجل أن يقبل عليك، ويجلس معك، ويكون معك.

    والمطلوب أن تحب الإنسان المؤمن لطاعته، فإذا وجدت عالماً قد لا تنتفع أنت بعلمه ولكن غيرك ينتفع بعلمه فأحبه، لكونه يبذل علمه للخلق، وتحب من حفظ القرآن، لكونه يحفظ كتاب الله عز وجل، وتحب من يعمل بالطاعة لكونه يعمل بالطاعة، وسواء نفعك أنت أو لم ينفعك، وسواء زارك أو لم يزرك، فأحبه لله عز وجل، فلعل الله أن يجمعك معه يوم القيامة.

    أما أن تحب إنساناً من أجل أنه يجلس معك، ويأتيك ويزورك؛ فإذا لم يفعل فلا تحبه، فراجع هذه المحبة؛ لأن المحبة في الله هي التي ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أنه ليس من ورائها أي هدف آخر من الأهداف.

    (وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه)، فتحب الإنسان لله عز وجل، وتحب الإيمان وأهل الإيمان، وتبغض الكفر والمعاصي، وتكره أن تعود إلى الكفر بعد إذ أنقذك الله منه، كما تكره أن تقذف في النار.

    فهذه هي علامات الإيمان التي تظهر في قلب الإنسان المؤمن، فيجد حلاوته في قلبه.

    نسأل الله عز وجل أن يذيقنا حلاوة الإيمان، وأن يجعلنا إخوة فيه متحابين، وأن يجمعنا في مستقر رحمته.

    وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.