إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. أحمد حطيبة
  4. شرح رياض الصالحين
  5. شرح رياض الصالحين - زيارة أهل الخير ومجالستهم

شرح رياض الصالحين - زيارة أهل الخير ومجالستهمللشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن زيارة أهل الخير ومجالستهم ومحبتهم فيها خير عظيم؛ لأن الأخلاق تعدي، والمرء على دين صاحبه وخليله، وإن الحذر من أهل الشر ومن مصاحبتهم أمر مطلوب؛ لأن أخلاقهم تعدي، وليس وراءهم إلا الوقوع في المعاصي والذنوب.

    1.   

    زيارة أهل الخير وصحبتهم ومحبتهم

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    أما بعد:

    قال الإمام النووي رحمه الله: [باب زيارة أهل الخير ومجالستهم وصحبتهم ومحبتهم وطلب زيارتهم والدعاء منهم وزيارة المواضع الفاضلة.

    قال الله تعالى: وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا [الكهف:60]، إلى قوله تعالى: قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا [الكهف:66].

    وقال تعالى: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ [الكهف:28].

    وعن أنس رضي الله عنه، قال: قال أبو بكر لـعمر رضي الله عنهما بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم: انطلق بنا إلى أم أيمن رضي الله عنها نزورها كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزورها، فلما انتهيا إليها بكت، فقالا لها: ما يبكيك، أما تعلمين أن ما عند الله خير لرسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقالت: إني لا أبكي أني لا أعلم أن ما عند الله خير لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن أبكي أن الوحي قد انقطع من السماء، فهيجتهما على البكاء فجعلا يبكيان معها، رواه مسلم .

    وعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أن رجلاً زار أخاً له في قرية أخرى، فأرسل الله تعالى على مدرجته ملكاً، فلما أتى عليه، قال: أين تريد، قال: أريد أخاً لي في هذه القرية، قال: هل لك عليه من نعمة تربها عليه، قال: لا، غير أني أحببته في الله تعالى، قال: فإني رسول الله إليك، بأن الله قد أحبك كما أحببته فيه)، رواه مسلم.

    والأفضل للإنسان المؤمن أن يتزاور مع إخوانه في الله سبحانه وتعالى، زيارة بزيارة، محبة في الله عز وجل، ليس لطلب دنيا، أو جاه، وليس للإملال، ولا للمضايقة، ولا للمناقشة وإنما زيارة لله عز وجل، تكون دليلاً على المحبة.

    1.   

    التعلم من أهل الخير ولو كانوا مفضولين

    قال الله عز وجل: وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا [الكهف:60].

    ذكرنا في تفسير سورة الكهف هذه القصة، وفيها أن موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام قام خطيباً في بني إسرائيل فخطبهم ووعظهم موعظة عظيمة جليلة، فإذا بهم يبكون من هذه الموعظة، فسأله أحدهم، قال: أي الناس أعلم؟ فقال موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام: أنا أعلم، فأجابه عن العلم بالشريعة، وهو كذلك.

    ولكن عتب الله عز وجل عليه، أنه قال: أنا أعلم، ولم يرد العلم إلى الله سبحانه تبارك وتعالى، فقال: بلى، عبدنا خضر هو أعلم منك. يعني في أشياء أخر أنت لا تعرفها.

    فموسى قال: كيف السبيل إلى لقياه؟

    فإنه حين علم أن هناك من هو أعلم منه أراد أن يكون تلميذاً وتابعاً لهذا المعلم الذي هو أعلم منه، فدله الله عز وجل في القصة التي في سورة الكهف.

    والغرض أن الإنسان يتعرف على من هم أفضل منه وأعلم، وقد صنع ذلك موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام، ولا شك أن موسى أفضل من الخضر على نبينا وعليهما الصلاة والسلام، فإن موسى رسول، والخضر غاية ما قيل فيه إنه نبي.

    وموسى على علم من الشريعة اعترف الخضر أنه لا يعرفها، وموسى أحد أولي العزم من الرسل، والخضر ليس من هؤلاء على نبينا وعليهم الصلاة والسلام، ولكن مع ذلك ذهب الأفضل وهو موسى إلى المفضول وهو الخضر ليتعلم منه.

    فلما أتاه، وهنا ظهر من المعلم أدب التعليم، قال: قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا [الكهف:67] وإذا بموسى يظهر ذل المتعلم، ويقول: قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا [الكهف:69] أي: سأتبعك وأسمع كلامك ولن أعصي لك أمراً.

    الأفضل هو موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام، لكن طالما أن الله قال له: هذا أعلم منك، إذاً: أتعلم منه ما هو أعلم به مني.

    وجاءت القصة على النحو الذي ذكره الله عز وجل، وفي النهاية لم يصبر موسى على متابعة الخضر، وكان في أول مرة قد نسي فقال: لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا [الكهف:71]، وفي المرة الثانية تعمد وقال: لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا [الكهف:74] وفي المرة الثالثة مل؛ لأنه لم يفهم ما الذي يفعله الخضر وهو يتابعه؛ لأن الله عز وجل أخبر بذلك، وفي النهاية تعمد أن يفارقه قال: لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا [الكهف:77]، قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا [الكهف:78]، وأخبر الله عز وجل بذلك.

    قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ [الكهف:28]، هؤلاء الذين يطلبون الله سبحانه وتعالى، أولى أن تلازمهم وأن تصبر معهم لأنهم لم يطلبوا دنيا، ولم يطلبوا جاهاً، وإنما طلبوا وجه الله عز وجل، فاستحقوا أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم مرافقاً لهم في هذه الدنيا، وأن يلازمهم، وهم الذين يدعون ويوحدون الله، ويطلبون من الله سبحانه وتعالى.

    1.   

    زيارة أبي بكر وعمر لأم أيمن

    عن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: قال أبو بكر لـعمر رضي الله عنهما بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم: انطلق بنا إلى أم أيمن.

    وأم أيمن هي حاضنة النبي صلى الله عليه وسلم وخادمة النبي صلى الله عليه وسلم في طفولته، ولما كبر النبي صلى الله عليه وسلم أعتق أم أيمن رضي الله تبارك وتعالى عنها، وزوجها من حبه، زيد بن حارثه ، فأنجبت له أسمامة بن زيد رضي الله تبارك وتعالى عنه.

    وكان النبي صلى الله عليه وسلم يبرها ويقول: أم أيمن أمي، فقد ربت النبي صلى الله عليه وسلم، وبعد أن مات النبي صلى الله عليه وسلم قال أبو بكر لـعمر: انطلق بنا نزورها، يعني نبرها، فإنها كانت للنبي صلى الله عليه وسلم بمنزلة أمه، فقد كانت خادمته، وحاضنته، وكان يقول عنها أمي.

    فذهبا إليها، فلما انتهيا إليها بكت رضي الله تبارك وتعالى عنها، وتذكرت أيام النبي صلى الله عليه وسلم وزيارة النبي صلى الله عليه وسلم لها، وكيف كان يفضلها ويعطيها، وأحياناً كانت تتعنت في أشياء فيعطيها النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن يرضيها صلوات الله وسلامه عليه.

    فلما سألاها: ما يبكيك، أما تعلمين أن ما عند الله خير لرسول الله صلى الله عليه وسلم؟ وهذا حق، فما عند الله خير للمؤمنين، فكيف بالنبي صلوات الله وسلامه عليه، لا شك أنه خلص من هذه الدنيا ومن بلائها ومن مصائبها ومما فيها من شرور، ونجا صلوات الله وسلامه عليه، وذهب للقاء ربه عز وجل، فيصبرنها بأن ما عند الله خير من هذه الدنيا.

    فقالت: أنا لا أشك في هذا، أنا أعرف أن ما عند الله خير لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن أبكي على شيء آخر، أبكي أن الوحي قد انقطع من السماء، يعني كان ينزل الوحي بالحق عند رب العالمين.

    وطالما أن الوحي ينزل ففيه رحمة تنزل من السماء، ولما مات النبي صلى الله عليه وسلم انقطع هذا الوحي والرحمة التي كانت تنزل من السماء، فأبكي على ذلك، فهيجتهما على البكاء، فبكيا رضي الله تبارك وتعالى عنهم جميعاً.

    والغرض منه بيان زيارة أبي بكر الصديق وعمر رضي الله تبارك وتعالى عنهما لهذه المرأة الصالحة الفاضلة التي كانت مربية النبي صلى الله عليه وسلم يوماً من الأيام.

    1.   

    شرح حديث: (زيارة رجل لأخيه في قرية أخرى)

    وعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أن رجلاً زار أخاً له في قرية أخرى).

    وهنا الزيارة لم تكن لمصلحة، فلم يذهب إليه من أجل أن ينتفع بجاه أو بمال أو من أجل أن يطلب منه شيئاً أو يرد إليه جميلاً فعله، وإنما كانت زيارة في الله سبحانه.

    لذلك الذي يزور أخاً له في الله، عليه أن يبتغي الأجر قبل أن يبتغي أنه سيجد هذا الإنسان وهل سيسمح له أو لا؟ وهل سيقابله أو لا؟ وهل سيضيفه أو لا؟ فلا ينظر لهذا كله، ولكن ينظر لأنه يحبه في الله سواء قابله أم لم يقابله، وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا [النور:28]، فيرجع وهو سليم الصدر من ذلك، ولكنه وفى بأن زاره في الله عز وجل.

    (فذهب هذا الرجل فأرسل الله تبارك وتعالى على مدرجته)، والمدرجة: الطريق، أرسل الله عز وجل ملكاً في الطريق رصداً لهذا في صورة إنسان، وقال لهذا الرجل الذي ذهب يزور أخاً له إلى قرية أخرى، (أين تريد؟ قال: أريد أخاً لي في هذه القرية).

    قال: (هل لك عليه من نعمة تربها عليه)، يعني هل جئت من أجل أنه صنع لك جميلاً جئت ترب هذه النعمة وتقوم بها وترد له الجميل؟

    (فقال له: لا، غير أني أحببته في الله)، يعني زيارة خالصة لا أريد منه شيئاً إلا إني أحبه في الله.

    فقال له هذا الملك: (فإني رسول الله إليك، بأن الله قد أحبك كما أحببته فيه) .

    والحب في الله عز وجل شيء عظيم يجعل الإنسان يؤثر أخاه على نفسه، ويحافظ عليه كمحافظته على نفسه وأكثر، وينصحه في الله عز وجل، كما ينصح لنفسه ولولده ولأهله، لأنه يحبه في الله.

    وإذا مات هذا الإنسان فإن أخاه في الله يذكره، وينظر في أمره وفي دينه ويستغفر له، ويذكر قديم عمله، فيسأل الله عز وجل له رحمته.

    والأخ في الله ينفع أخاه في كل وقت إلى أن يدخل معه الجنة، بل ينفعه بعد دخوله الجنة أيضاً، فلعل هذا يكون منزله في الجنة عالياً، وأخاه في منزلة دونها بكثير، فيشفع له عند الله، فيرفعه درجات في الجنة، وهذا إذا كانت المحبة لله عز وجل، وليس لطلب شيء.

    1.   

    شرح حديث: (من عاد مريضاً أو زار أخاً له في الله)

    وعن أبي هريرة ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من عاد مريضاً أو زار أخاً له في الله، ناداه مناد: بأن طبت وطاب ممشاك وتبوأت من الجنة منزلاً).

    في الحديث أن الذي يزور أخاً في الله، أو يعوده إن كان مريضاً، من أجل أن يخفف عنه ما هو فيه، لا ليثقل عليه ولا ليضايقه، ولا ليمكث عنده، وإنما ذهب يزور المريض ويخفف عنه ويظهر له محبته وينصرف، يناديه مناد: طبت وطاب ممشاك، وتبوأت من الجنة منزلاً.

    والحديث وإن كان إسناده فيه شيء، ولكن جاء حديث في مسلم وفيه: (من عاد مريضاً لم يزل في خرفة الجنة أو مخرفة الجنة حتى يرجع)، الذي يعود مريضاً يكون في بستان من بساتين الجنة، وهو يزور هذا المريض.

    وجاء في الحديث الآخر: (أنه يستغفر له سبعون ألف ملك) وهذا للذي يعود مريضاً يبتغي بذلك وجه الله سبحانه وتعالى.

    1.   

    شرح حديث (مثل الجليس... )

    عن أبي موسى الأشعري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إنما مثل الجليس الصالح وجليس السوء، كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن يحذيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحاً طيبة، ونافخ الكير، إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد منه ريحاً منتنة).

    والمسلم العاقل يتفكر فيمن يصاحبه ويحبه ويصادقه، والصديق الصدوق الناصح هو الذي يحب لله عز وجل وليس لدنيا ولا لهدف غير ابتغاء وجه الله سبحانه وتعالى.

    فيحب المسلم لكونه مسلماً ولكونه محسناً، ولكونه مطيعاً لله سبحانه وتعالى، إذاً كن في مجالس أصدقاء الخير وأصحاب الخير، وفي مجالس العلم، فلا تزال البركة والرحمة تنزل من السماء، والملائكة تتغشى هؤلاء وتكون حولهم، ويستغفرون لهم، فإذا رجعوا إلى الله عزل وجل ذكروهم بخير، وذكروا أنهم أتوهم وهم يصلون، وتركوهم وهم يصلون.

    وجليس السوء جلسته ليست صالحة، جلسته فيها الفساد، وفيها السوء وفيها الغيبة والنميمة، وفيها العقوبة من الله سبحانه وتعالى، ولذلك (ما اجتمع قوم في مجلس لم يذكروا الله عز وجل فيه، ولم يصلوا على النبي صلى الله عليه وسلم؛ إلا قاموا حين يقومون عن جيفة حمار).

    والحمار لا يحل ذبحه ولا أكله، فكأنهم جلسوا ليس إلى حمار مذبوح، بل إلى حمار منتن.

    هذا في الدنيا، ويوم القيامة يخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن عليهم ترةً يوم القيامة، أي: حسرة وندامة يوم القيامة.

    فالجليس الصالح وجليس السوء، مثلهما كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (كحامل المسك ونافخ الكير)، ومن يتفكر في هذا المثال الذي ضربه النبي صلوات الله وسلامه عليه، يجد أمراً عجيباً: فحامل المسك هو إنسان يبيع المسك وعنده الرائحة الطيبة الجميلة، وحامل المسك لك معه أشياء:

    إما أن يحذيك، يعني: يعطيك من الطيب، فتنتفع بالرائحة الطيبة.

    وإما أن تبتاع منه، أي: تشتري منه هذه الريح الطيبة فتنتفع بها.

    وإما أنه لا يعطيك ولا تشتري منه، لكن الرائحة الطيبة تخرج وتنتشر فتستمتع بهذه الرائحة الطيبة.

    فإذا الجليس الصالح كله خير، إما أن يعظك موعظة تنتفع بها، وإما أن تطلب منه موعظة فيعظك بها، وإن لم يكن هذا ولا هذا، ستسمع منه لغيرك كلاماً طيباً تستفيد أنت منه وهذا هو الجليس الصالح.

    ومثل جليس السوء كنافخ الكير، حداد يحرق بالنار أشياء، والرائحة الكريهة تخرج من عنده، فإما أن تتأذى بهذه الرائحة المنتنة، وإما أن يصيبك من شرر النار ما يحرق عليك ثيابك، فلا تنتفع بشيء من ذلك.

    وجليس السوء تنصحه فلا يقبل منك النصيحة، ومن ثم يبدأ يوجه إليك أنت من سيئاته، فإما أن يؤذيك بكلامه، بأن يوقعك في غيبة وفي نميمة وفي بتهان وفي كلام قبيح تستحق عليه العقوبة عند الله عز وجل يوم القيامة، وإما أن يؤذي غيرك فتسمع منه ألفاظاً نابية وكلاماً قبيحاً، وشيئاً لا تقدر أن ترد عليه فيه، فكله شر!

    1.   

    شرح حديث: (تنكح المرأة لأربع)

    وفي المتفق عليه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (تنكح المرأة لأربع: لمالها، ولحسبها ولجمالها، ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك).

    كأنه يقول لنا صلى الله عليه وسلم: المرأة يخطبها الخطاب ويتزوجها الرجال لواحدة من هذه، أو لجميعها، فإن كان للجميع فحسن وخير، ولكن إذا كنت تخير بين هذه الأشياء فابحث أول ما تبحث عن الدين، لأنه قد يضيع المال وتبقى المرأة على ما هي عليه من خلق وضيع غير طيب، وقد تكون شحيحة وممسكة لهذا المال، ولا تقدر أبداً أن تنتفع أنت من مالها بشيء.

    ولحسبها: بأن يكون أهلها لهم شرف، فتضايق الإنسان وتذله بأهلها، ولا يقدر أن يقيمها ولا يقومها.

    ولجمالها: ولعلها تذله بجمالها.

    ولدينها: (فاظفر بذات الدين تربت يداك)، يعني إما أن تختار ذلك وإما أن تستحق أن يدعو عليك بأن تترب يداك، أي تلتصق بالتراب، بدل أن يكون في يدك مال دعا عليك بالفقر، وهذا الذي يبحث عن المال ويبحث عن الجمال وينسى دين الله عز وجل.

    والغرض منه بيان أن الإنسان مع زوجته وهي صاحبته، في حياته إلى أن يموت أحدهما أو يتفارقا، فإذا كانت امرأة طيبة، سترجو من ورائها الخير في بيتك ومعك ومع أولادك، وستنال منها كل الخير، والإنسان يعتاد على المرأة التي معه، فإن كانت جميلة فسيعتاد على رؤيتها ويصبح عنده أمراً عادياً، وإن كان لها مال فلعلها تعينه بمالها ولعلها لا تعينه، إنما الخلق هو الذي يبقى؛ لأن خلقها يتجدد في كل يوم، إما موعظة جميلة، أو نصيحة حسنة، أو دعوة لهذا الإنسان، أو معاونة على أمر من الأمور، فكلها خير فيظهر منها الخلق الحسن والدين الحسن مع زوجها، فإذا غاب عن البيت اطمأن لبيته، فحياته في استقرار، وفي طمأنينة لكون امرأته حسنة الخلق صالحة ترضي ربها سبحانه، وتحسن إلى زوجها، وهذا لا يتوفر إلا في المرأة ذات الدين، فاظفر بها كما قال النبي صلوات الله وسلامه عليه.

    1.   

    طلب الزيارة من الصالحين

    روى البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم لـجبريل: (ما يمنعك أن تزورنا أكثر مما تزورنا؟)، فأنزل الله سبحانه وتعالى: وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ [مريم:64]، فلا ينزل بحسب ما يريد، ولكن بأمر الله سبحانه وتعالى، لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ [مريم:64]، فالله عز وجل يملك كل شيء.

    ويطلب النبي صلى الله عليه وسلم الرفقة الطيبة الصالحة جبريل عليه السلام فهو لا يعصي الله أبداً، وكل بني آدم خطاء، فأحب النبي صلى الله عليه وسلم مصاحبة جبريل، وقال له زرنا أكثر مما تزورنا، فأنزل الله عز وجل أن الأمر ليس لك ولا لجبريل، ولكن الأمر أمر الله عز وجل وقتما يشاء الله ينزل جبريل، والغرض هو طلب مصاحبة الطيبين ليستفيد من حسن صحبتهم.

    1.   

    الحث على مصاحبة أهل الخير والتحذير من أهل الشر والسوء

    عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تصاحب إلا مؤمناً، ولا يأكل طعامك إلا تقي) وهذا حديث عظيم جميل رواه أبو داود والترمذي، وإذا لم يوجد مؤمن فلا تصاحب أحداً، والإنسان مع صاحبه كل منهما يقلد الآخر، وكل منهما يأخذ من خلق الآخر، والخلق الطيب يعدي، والخلق الرديء يعدي، واللهجة والكلام والألفاظ تعدي، والإنسان السيء النابي الألفاظ تجد الذي يصاحبه يقلده شيئاً بعد شيء حتى يصبح كلامه مثل كلامه بسبب المصاحبة، والمرافقة، وكثرة الأخذ والرد، ولذلك يأمرك النبي صلى الله عليه وسلم، أن تصاحب الإنسان المؤمن الذي يصلي ويصوم، ويعرف الله سبحانه وتعالى، الذي لا ينطق بالقبيح ولا يفعل القبيح.

    (ولا يأكل طعامك إلا تقي): أنت قد تتعب في كسب المال وجمعه، فإذا حصلت على مال واشتريت به طعاماً ثم أعطيته لإنسان شقي فاسد يأكله فإنه لن يشكرك، فهو عند الله عز وجل ليس له منزلة ولا له قدر، فلن يشكرك هذا الإنسان.

    لكن التقي إذا أعطيته القليل شكرك، وحمد الله عز وجل وعرف لك قدرك وفضلك، ولعل الإنسان الصالح يأكل ويدعو لك، فتؤجر بدعاء هذا الإنسان وتؤجر بإطعامك له.

    والإنسان الفاجر إذا أعطيته الكثير يحسدك، ويقول: أكل هذا عندك؟ إذاً أنت حرامي، وإذا أعطيته القليل، فضحك، وكلا الحالتين لن تنفع مع هذا الإنسان، تجد البعض يصلي وإذا عزمه إنسان ووجد العزومة كبيرة بدأ يحسده، ويقول: من أين أتى بالمال، هذه عزومة ملوك، وبدل أن يشكر هذا الإنسان ويدعو له بالبركة، يقول، من أين يأتي بالمال؟ ويحسده على نعم الله عليه!

    أما التقي فإنه يتقي الله سبحانه، ولن يتلفظ بلفظة نؤذيك؛ لأن لسانه منضبط بشرع الله سبحانه وتعالى، وأنت مستفيد من الصاحب التقي فإن في دخوله بيتك بركة وبدعائه لك، وبأكله من طعامك فكله خير.

    1.   

    الرجل على دين خليله

    وعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الرجل على دين خليلة، فلينظر أحدكم من يخالل)، رواه أبو داود والترمذي بإسناد صحيح، ومعنى الحديث أن الرجل مقلد لصاحبه.

    والإنسان السوي يمشي مع السوي، والسيئ يمشي مع السيئ، ولذلك لا يصطحب اثنان إلا لصفة جامعة بينهما، وحين تجد الإنسان يميل إلى إنسان آخر فاعرف أن هناك صفة مشتركة بين الاثنين تعجبهما، إما أن هذا مصل وهذا مصل، وإما أن هذا كثير صيام وهذا كثير صيام، وإما أن هذا يمزح والثاني مثله يحب المزح، وإما أن هذا فاسد والثاني مثله يحب الفساد، فلا بد أن تكون هناك صفة جامعة بين الاثنين، ولذلك قالوا: أنهم رأوا حمامة تطير مع غراب ومن غير الممكن أن تطير حمامة مع غراب فجعلوا يراقبون الحمامة والغرب فوجدوا أن الاثنين أقدامهم مكسورة فجمعتهم علة واحدة، وهي الكسر.

    فكذلك الأشقياء يجتمعون مع بعضهم فيستأنس كل منهما بعيب الآخر، ولذلك تجد الإنسان الفاسد حين يجد الإنسان الصالح ينفر منه، ويتضايق منه، ولا يحبه ولا يحب أن يمشي معه، لأنه إذا مشى معه سيقال له: فلان أحسن منك، فيريد الذي يكون مثله في الفساد، لذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث: (الرجل على دين خليله) وإذا كان صاحبه الذي يحبه في دينه رقة، ستجد أن هذا الشيء موجود فيه، وإذا كان يصاحب الإنسان التقي قوي الإيمان ستجد أن في قلبه من الخير ما يدفعه لصحبة هذا الإنسان الخير، فلينظر أحدكم من يخالل، أي: من يصادق ومن يصاحب ومن يكون خليلاً له، حبيباً له وقريباً من قلبه.

    وفي الحديث الآخر المتفق عليه: (المرء مع من أحب)، فإذا كان يحب الصالح، فإن يكون معه يوم القيامة، وإذا كان يحب الإنسان المفسد الفاسد، فإنه يكون معه يوم القيامة.

    وتكملة هذا الحديث أن أعرابياً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وسأله: (متى الساعة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أعددت لها؟)، فالرجل كأنه تأثر وقال: (ما أعددت لها من كثير صوم ولا صلاة)، أي: لم أجهز لها كثير صوم ولا صلاة ولكن هناك شيء أعددته للساعة قال: (ولكني أحب الله ورسوله)، يعني في قلبي المحبة لله عز وجل وللرسول صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (أنت مع من أحببت).

    فبعدما صدمه بالسؤال الذي أوقف الرجل وجعله يراجع نفسه، أعطاه الجواب الجميل منه صلى الله عليه وسلم الذي طمأنه: أنت تحب الله فأنت في جنته، وتحب الرسول، فأنت معه صلوات الله وسلامه عليه (المرء مع من أحب)، وفي الرواية الأخرى، قال: (ما أعددت لها؟ قال الرجل: ما أعددت لها من كثير صوم ولا صلاة ولا صدقة، ولكني أحب الله ورسوله، فقال صلى الله عليه وسلم: أنت مع من أحببت).

    هذا من حديث أنس، وجاء من حديث ابن مسعود وفيه: (جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: يا رسول الله! كيف تقول في رجل أحب قوماً ولم يلحق بهم)، يعني هو يحب أناساً صالحين لكن لا يستطيع أن يدركهم، فلا يستطيع أن يصلي مثلهم، ولا يستطيع أن يحفظ مثلهم ولا يستطيع أن يصوم مثلهم، لكنه يحبهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (المرء مع من أحب)، فكانت كلمة أعجبت الصحابة وطيبت نفوسهم؛ لأن كلاً منهم يحب النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن من مثل النبي صلى الله عليه وسلم ومن سيعمل عمله، وكانوا يخافون أن لا يروه يوم القيامة، لأن درجته في الجنة عالية فطمأنهم النبي صلى الله عليه وسلم أن المرء مع من أحب.

    1.   

    خيار أهل الجاهلية هم خيار أهل الإسلام إذا فقهوا

    في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الناس معادن كمعادن الذهب والفضة، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا).

    الذهب ذهب مهما مرت عليه السنون، ومهما تغير بالطين والتراب فإنك إذا أخرجته وغسلته ونقيته عاد ذهباً مرة أخرى، والفضة مثل ذلك وباقي المعادن تصدأ، لكن الذهب والفضة لها ميزة عن غيرها من المعادن، والناس كذلك معادن، منها ما فيها شوائب، ومنها ما هو ذهب وفضة، فخيارهم في الجاهلية، أي: الذي كان في الجاهلية فيه رجولة، وفيه شهامة وفيه حسن خلق، فإنه حين يسلم يزيده الإسلام من ذلك، فخياركم في الجاهلية هم خياركم في الإسلام إذا تعلموا هذا الدين وإذا تفقهوا.

    لذلك الإنسان يشرف بهذا الدين العظيم ويزداد خيراً بأن يتعلم الفقه في الدين وأن يعمل بما يتعلم.

    وقال صلى الله عليه وسلم: (والأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف).

    الأرواح جنود، مثلما الأبدان جنود، تجد الإنسان يحب إنساناً آخر بمجرد أن ينظر إليه، ويشعر أنه يعرفه من قبل، والأرواح من جنود الله عز وجل، يعارفها على بعضها بما شاء سبحانه وتعالى، فما عرفه الله عز وجل على غيره في وقت يعلمه الله عز وجل تجده يحبه ويميل إليه.

    وهذا الحديث جاء من حديث عائشة رضي الله عنها في مسند أبي يعلى ، وفيه قصة، وهي أن امرأة كانت بمكة تحب المزح، فلما هاجرت إلى المدينة نزلت على امرأة مثلها، تحب الضحك، فبلغ عائشة رضي الله عنها أن فلانة التي تحب المزح نزلت على فلانة التي مثلها، فقالت: صدق حبي رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف)، فكأن الإنسان ينزل على الشبيه له، والتآلف والمحبة التي تكون بين القلوب تكون في الأرواح قبل ذلك، فالمرء مرآة قرينه، والمرء ينزل على شكيله ومن كان مثله.

    لذلك حاول أن تتعرف على الصالحين وتحبهم ولا تنظر إلى الغنى والفقر، ولا تنظر إلى المراكز وإلى العلو، ولا تنظر إلى القوة والضعف، ولكن انظر إلى الصلاح تنتفع وتنفع صاحبك.

    نسأل الله عز وجل أن يجعلنا من عباده الصالحين، وأن يمن علينا برفقة الصالحين.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.