إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. أحمد حطيبة
  4. شرح رياض الصالحين
  5. شرح رياض الصالحين - النفقة على العيال

شرح رياض الصالحين - النفقة على العيالللشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد أمر الله عز وجل الرجل بالإنفاق على أهله وعياله، وأوجبه عليه، ومع ذلك إذا احتسب الرجل تلك النفقة فإنه يؤجر عليها، كذلك المرأة لو أنفقت على عيالها فإنها تؤجر على ذلك. كذلك حث الشرع على الإنفاق مما يحب المرء من الجيد لا الرديء، حتى يبلغ الكمال في خصال الخير، وأمر أيضاً الآباء بأمر أبنائهم بالصلاة عند السابعة وتعليمهم، وضربهم عليها عند العاشرة، والتفريق بينهم في المضاجع.

    1.   

    وجوب النفقة على العيال

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    قال الإمام النووي رحمه الله: [ باب النفقة على العيال.

    قال الله تعالى: وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ [البقرة:233].

    وقال تعالى: لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا [الطلاق:7].

    وقال تعالى: وَمَا أَنفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ [سبأ:39].

    وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (دينار أنفقته في سبيل الله، ودينار أنفقته في رقبة، ودينار تصدقت به على مسكين، ودينار أنفقته على أهلك، أعظمها أجراً الذي أنفقته على أهلك)، رواه مسلم ].

    هذا باب النفقة على العيال، والنفقة من الإنفاق، يعني: الإخراج للمال لأجل أولاده أو زوجته أو من يقوم بالنفقة عليهم، وغير ذلك ممن يتكفل الإنسان بمعونتهم.

    قال الله عز وجل: وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ [البقرة:233].

    يعني: على الأب أن ينفق على أولاده وعلى زوجاته، وهذا الرجل إذا طلق امرأته وهي حامل أو وهي ترضع الصبي فيلزمه أن ينفق عليها خلال فترة الرضاعة أو خلال فترة الحمل، فإذا كانت النفقة للمطلقة فكيف بالزوجة التي هي معك، فهي من باب أولى.

    لم يكلفنا الله سبحانه وتعالى ما لا نطيق، وإنما أمر بالإنفاق مما يقدر الإنسان عليه، ولذلك يقول لنا في سورة الطلاق: لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ [الطلاق:7]، أي: إذا وسع ربنا على الإنسان فلينفق من السعة، وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ [الطلاق:7]، أي: من ضيق عليه رزقه فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ [الطلاق:7].

    إذاً: هنا لم يكلف الإنسان الفقير أن ينفق نفقة الغني، ولا الإنسان الغني أن يضيق ويقتر، بل الإنسان الغني ينفق من سعته، والإنسان الفقير ينفق مما أعطاه الله سبحانه، ورحمة ربنا عظيمة جداً، قال سبحانه لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا [الطلاق:7]، وقال لنا: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة:286]، أي: على قدر طاقة الإنسان وقدرته، فلا يكلف الله الإنسان أكثر مما يطيق.

    بل من رحمته سبحانه أنه كلف الإنسان الشيء الذي يطيق أكثر منه، فقال لنا: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة:286]، ولما فرض علينا الصلاة فرض خمسين صلاة، وبعد هذا نزلت إلى خمس، والإنسان يصلي الفريضة ويصلي النوافل، فهو يقدر أن يصلي أكثر من خمس صلوات في اليوم، فربنا لم ينظر إلى قدرة الإنسان، وإنما نظر إلى طاعة الإنسان وإلى الاستمرارية في ذلك، فكلفه بأقل مما يطيق، خمس صلوات فقط في اليوم والليلة.

    كذلك في النفقة لا يكلفك شططاً، ولا يكلفك ما لا تقدر عليه، ولكن في حدود المعروف تنفق على المرأة من الطعام والشراب والكسوة والسكنى، لا تزيد ولا تنقص.

    قال الله سبحانه: وَمَا أَنفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ [سبأ:39]، (ما) يعني: أي شيء تنفقه سواء كان قليلاً أو كثيراً لك أجره عند الله عز وجل، باحتسابك النية في ذلك.

    قال: فَهُوَ يُخْلِفُهُ [سبأ:39]، أي: يخلف عليك غيره، فأنت كلما أنفقت نفقة جاءت غيرها من الله سبحانه، وكلما بخل الإنسان وبدأ يقصر في النفقة الواجبة عليه عومل بما يفعله، بأن يملأ قلب الإنسان بالفقر، ويجد فقره بين عينيه، ولذلك في حديث النبي صلى الله عليه وسلم المتفق عليه من حديث أبي هريرة يقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان، فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقاً خلفاً، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكاً تلفاً) أي: ينبغي الثقة في رزق الله سبحانه، وذلك بأن ينفق الإنسان وهو واثق بأن ربنا سيخلف عليه، ولا يقول: من أين يعطيني.

    انظر أنه عندما يتزوج الإنسان يأتيه الرزق والبركة، لكن كون الإنسان يقول لما يريد أن يتزوج: من أين سأتزوج؟ نقول: اسع في طلب الرزق، ولست مأموراً أن تتزوج وأنت فقير، ولكن إن كنت تريد أن تعف نفسك فثق أن الله يعينك، لكن اخرج وابحث عن عمل وابحث عن رزق حلال، وثق في أن الله سيعفك وسيعطيك من فضله ومن كرمه سبحانه.

    وتلقى كثيراً ممن تزوجوا يقول لك: أنا يوم ذهبت لأخطب ما كنت أجد نقوداً، ثم فتح الله عليّ فوجدت رزقاً.

    نقول: كن على ثقة في رزق الله، واترك الحرام، واعلم أن رزقك مكتوب من ساعة ما خلقك الله سبحانه، ولا تقل مثلاً: أنا أشتغل في شركة خمور، وعندي عيال! فإن عليك أن تبحث عن الرزق الحلال، وأن تبتعد عن الحرام ابتغاء مرضاة الله سبحانه وتعالى، أما أن تقول: ليس أمامي غير هذا العمل، كأنك أنت الذي ترزق نفسك، فلا، بل عليك أن تبحث عن أسباب الرزق الحلال، خذ بالأسباب ودع النتيجة على الرزاق الكريم سبحانه وتعالى، وهل تظن أنك تطيع ربنا سبحانه فيضيق عليك ولا يعطيك؟!

    الطاعة من ورائها الخير العظيم من الله سبحانه، فهو يرضى عنك ويرضيك ويعطيك.

    وقد قال عز وجل للنبي صلى الله عليه وسلم: وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى [الضحى:5] ولقد أعطى نبيه صلى الله عليه وسلم وأرضاه وكذلك كل من يطيعه سبحانه وتعالى يعطيه ويرضيه، لكن اصبر وابحث عن الحلال وابحث عن أسباب الرزق وسيأتيك رزقك الذي كفله الله عز وجل لك.

    قال في الحديث: (ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان) ينزل ملك لا يعصي الله سبحانه وتعالى، هو ملك خلقه الله عز وجل لهذه المهمة، ينزل من أجل أن يدعو لإنسان، وملك آخر يدعو على إنسان، الأول يدعو ويقول: (اللهم أعط منفقاً خلفاً)، أي: الذي ينفق ابتغاء وجهك يا رب! فاخلف عليه، والثاني يقول: (اللهم أعط ممسكاً تلفاً)، أي: الذي يمسك ويمتنع عن النفقة الواجبة مع القدرة فضيق عليه، فهنا الملك يدعو عليه، ولا ينزل الملك من أجل أن يدعو دعوة غير مستجابة، بل هذا الملك خلقه الله عز وجل لذلك، فالله يستجيب هذا الدعاء.

    فاحرص على أن تنفق من سعتك مما قدرك الله سبحانه، لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا [الطلاق:7]، وورد في الحديث أن السيدة عائشة رضي الله عنها جاءتها سائلة تسأل فأعطتها تمرة، يعني: لم تجد في البيت سوى تمرة، فأعطتها الفقيرة، فكان لها أجرها.

    1.   

    النفقة على الأهل والعيال أفضل النفقات وأعظمها أجراً

    هنا ذكر الإمام النووي رحمه الله حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (دينار أنفقته في سبيل الله، ودينار أنفقته في رقبة، ودينار تصدقت به على مسكين، ودينار أنفقته على أهلك، أعظمها أجراً الذي أنفقته على أهلك).

    انظر عظمة ربنا سبحانه وتعالى، وأنت عند إنفاقك تريد أن تفرح أهلك وتريد أن تطعم زوجتك وعيالك، وهو أحب إليك من إنفاقه على غيرهم، ومع ذلك فهو أكثر أجراً من إنفاقك الدينار في الجهاد في سبيل الله عز وجل، ومن إنفاقه في تحرير رقبة، وكذلك من التصدق به على مسكين.

    فإذاً: أعظمها أجراً ما تنفقه على أهلك، طالما أنك تنفقه لتعف به نفسك وتعف به أهلك، وتمنعهم عن سؤال الناس، لكن على الإنسان أن ينفق على أهله بسماحة وهو محب للإنفاق، من غير تبذير ولا إسراف، وإنما يضع الأشياء في مواضعها.

    وعن أم سلمة قالت: قلت: (يا رسول الله! هل لي أجر في بني أبي سلمة أن أنفق عليهم؟)، عيال أم سلمة من أبي سلمة رضي الله عنهما، وأم سلمة كان قد تزوجها أبو سلمة وتوفي عنها، وعوضها الله عز وجل من هو أفضل من أبي سلمة فقد تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان لها مال رضي الله عنها، فتسأل النبي صلى الله عليه وسلم: (هل لي أجر أن أنفق على أولاد أبي سلمة )، الذين هم عيالها هي (فقال النبي صلى الله عليه وسلم لها: نعم، لك أجر ما أنفقت عليهم).

    أي: كلما أنفقت على عيالك لك الأجر في ذلك.

    إذاً: ليس الرجل فقط له الأجر حين ينفق على عياله، والمرأة أيضاً إذا أنفقت على عيالها لها الأجر من الله سبحانه وتعالى.

    1.   

    الإخلاص والاحتساب في الإنفاق يقتضي الأجر والثواب

    ورد في حديث سعد بن أبي وقاص يقول النبي صلى الله عليه وسلم لـسعد : (وإنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله).

    يعني: أن تنفق النفقة وأنت تبتغي وجه الله سبحانه وتعالى، لا رياء ولا سمعة.

    ثم قال: (إلا أجرت بها حتى ما تجعل في في امرأتك)، يعني: حتى الشيء الذي تستقله، وترى أنك تمزح وتضحك فيه، كأن تضع في فم امرأتك لقمة تمزح معها وتضحك فلك أجر في هذا الشيء الذي فيه ضحك.

    أيضاً في حديث أبي مسعود البدري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إذا أنفق الرجل على أهله نفقة يحتسبها فهي له صدقة).

    هذا فيه دليل على أن النية عظيمة جداً، وتجارة رابحة مع الله سبحانه وتعالى، فكونك تنوي الخير وتعمله تؤجر عليه أضعافاً، وكونك تنوي الخير ولا تعمله تؤجر عليه، وكونك تنوي الشر نية جازمة تحاسب عليها عند الله عز وجل؛ لأنك ما تركت فعل الشر إلا لأنك لم تتمكن منه، أما لو نويت الشر ومن ثم خفت من الله عز وجل، فإنك تؤجر على ذلك حسنة.

    فإذاً: النية الحسنة مع الله عز وجل تجارة رابحة وعظيمة، بل الإنسان الذي ينوي الخير ومن ثم يرجع فيه، بأن يمد يده في جيبه ليخرج صدقة، ومن ثم بخل ولم يخرجها، فإنه يؤجر عليها، انظر إلى كرم ربنا سبحانه وتعالى، حيث يأجره؛ لأنه أراد فعل خير مع أنه لم يفعله، لكن لو تصدق أجر عليها بعشر أمثالها، إلى ما يشاء رب العالمين سبحانه وتعالى.

    1.   

    أعظم الإثم وأكبره تضييع الإنسان من يعول

    ورد في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يقوت).

    وفي رواية: (أن يضيع من يعول).

    وفي رواية: (كفى بالمرء إثماً أن يحبس عمن يملك قوته).

    يعني: الإنسان الذي يجمع المال ويترك أهله جياعاً ويحرمهم وهو معه المال، فهنا يقول لك: (كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يقوت) فكونك تبخل على أهلك وتضيعهم حتى يموتوا من الجوع، أو يشحذوا من الناس أو يسرقوا وأنت قادر على الإنفاق، فإن هذا إثم عظيم جداً، يكفي لإدخال صاحبه النار، كفاه هذا الإثم أنه ضيع من يعول ومن يقوت.

    ورد في حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (اليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول)، (اليد العليا) أي: يد المعطي هي اليد العليا، ويد الآخذ هي اليد السفلى.

    (وابدأ بمن تعول) يعني: وابدأ بالنفقة على نفسك وعلى زوجتك وعلى العيال، فهؤلاء أولى من الغريب، بعد ذلك أخرج للغير بحسب ما يقدرك الله سبحانه وتعالى.

    قال: (وخير الصدقة ما كان عن ظهر غنى) يعني: كأنه يحث الإنسان إن تصدق ألا يتصدق بكل ما عنده، بل يبقي لنفسه وأهله وعياله ما يغنيهم ويعفهم، بحيث لا يحتاج إلى أحد من الناس.

    فقوله: (خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى) يعني: إذا كنت غنياً فأنفق، وإذا كنت فقيراً وليس عندك إلا ما يكفيك فأبدأ بنفسك وعيالك، ولك الأجر في هذا الشيء، قال تعالى: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة:286].

    ومن كرم ربنا سبحانه وتعالى أنه لم يجعل في مالك حقاً للغير وأنت محتاج إليه، بل أمرك أن تبدأ بنفسك وأهلك وعيالك، وما زاد فأعط للغريب ولمن يحتاج.

    قال في الحديث: (ومن يستعفف يعفه الله، ومن يستغن يغنه الله).

    قوله: (من يستعفف) الجزاء من جنس عمل الإنسان، فالإنسان عليه أن يكون عفيفاً معززاً له كرامته، فهو لا يمد يده إلى أحد.

    قوله: (ومن يستغن يغنه الله) أي: إذا استغنى المرء بالله أغناه، والغنى غنى النفس لا المال، فهو قد يستغني بالشيء اليسير، ولا يمد يده إلى الناس؛ لأن الله عز وجل لم يحوجه إلى أحد من خلقه أبداً.

    أما الإنسان الذي ينظر إلى ما في يد الناس ويحسدهم ويتمنى أن يصير ما عند الناس عنده، والناس ليس عندهم شيء، فهذا الإنسان يملأ الله عز وجل قلبه فقراً، ومهما أعطاه من مال فهو يحس أنه فقير وأنه محتاج.

    إذاً: من يتعفف يعفه الله ويجعله عفيفاً، ويعطه ما يعفه عن سؤال الخلق، ومن يستغن بالله سبحانه وتعالى يغنه الله؛ هذا وعد صادق من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الله يغنيك إذا تعففت وإذا استغنيت عن الخلق بالخالق سبحانه وتعالى.

    1.   

    حث المرء على الإنفاق مما يحب

    يقول الإمام النووي : [ باب الإنفاق مما يحب ومن الجيد ].

    يعني: الشيء الذي تحبه تنفق منه ولا تنفق الشيء الرديء الذي لا تحبه، بل إذا تصدقت فتصدق بالشيء الذي مثلك يأكله، أما أنك تتصدق بالحاجة التي لا تأكلها، فتقول: بدل ما أرميها في الزبالة أعطيها للفقير، نقول: هذا لا ينبغي؛ لأن الله تعالى قال في الآية: لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ [آل عمران:92] أي: لن تنالوا هذه الدرجة العالية درجة الأبرار وتجمعوا خصال الخير حتى تنفقوا مما تحبون.

    جاء في الحديث عند الطبراني بإسناد صحيح: (أن رجلاً مر على النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه فرأوا من جلده ونشاطه، فقالوا: يا رسول الله! لو كان هذا في سبيل الله؟)، يعني: أن الرجل قوي ويعمل بجد وبهمة وبنشاط، فلو كان يجاهد في سبيل الله لكان أحسن، فقال لهم صلى الله عليه وسلم: (إن كان خرج يسعى على أولاد صغار فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على أبوين شيخين كبيرين فهو سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على نفسه يعفها فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى رياء ومفاخرة فهو في سبيل الشيطان). يعني: جعل النبي صلى الله عليه وسلم من يعمل بهمة ونشاط وحب للعمل من أجل النفقة الواجبة على نفسه وعلى أولاده جعل كل ذلك في سبيل الله سبحانه وتعالى، لم يضيق علينا في النفقة في سبيل الله بحيث يحصرها في الجهاد، بل تكرم علينا ربنا سبحانه فأخبرنا على لسان نبينا صلى الله عليه وسلم أن من خرج يسعى على أولاد صغار فهو في سبيل الله، يعني: أجره كأجر المجاهد في سبيل الله سبحانه، وكذلك من خرج يسعى على أبوين شيخين كبيرين فهو في سبيل الله، ومن خرج يسعى على نفسه يعفها فهو في سبيل الله، لكن من خرج يسعى رياء ومفاخرة فهو في سبيل الشيطان.

    فكونك تصلي الفريضة فأنت في سبيل الله عز وجل ومأجور على صلاتك، وتصلي النافلة أنت مأجور على ذلك، وتخرج إلى العمل من أجل أن تكسب مالاً لتعف نفسك وأهلك فأنت في سبيل الله، وعندما تنام من أجل أن تستريح حتى تقوم لتصلي الفريضة فإن نومك في سبيل الله وقيامك في سبيل الله وعملك ونشاطك في سبيل الله، حتى في مداعبة الرجل أهله وفي جماعه أهله يؤجر على ذلك، فهذا من كرم ربنا سبحانه وتعالى على عبيده، فانظر إلى عظمة هذا الحديث.

    الحديث الآخر: يقول صلى الله عليه وسلم: (إن المعونة تأتي من الله على قدر المئونة) يعني: الله عز وجل يعينك إن ذهبت للعمل من أجل نفقتك وأهلك، وما عليك إلا أن تسعى، فستأتي المعونة منه سبحانه على قدر المئونة فلا تكسل، بل اعمل وإن كان العمل الآن لا يأتي بالثمن الكبير، ولكن على الأقل عملت وأريت الله من نفسك أنك بذلت الجهد وبحثت وتعبت في هذا العمل الذي لقيته على قدر الحال، فالله عز وجل يعطيك الأجر، وييسر لك ما هو خير لك، لكن كونك تجلس وتنتظر الرزق يأتيك من السماء فلا، إن السماء لا تمطر ذهباً ولا فضة، بل اخرج واسع وابحث عن الرزق، ورزقك يأتيك طالما بحثت.

    قال النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث الصحيح: (إن المعونة تأتي من الله على قدر المئونة، وإن الصبر يأتي من الله على قدر البلاء)، يعني: الله عز وجل لا ينزل بالعبد بلاء لا يقدر أن يصبر عليه، لأن من رحمة الله بعباده وعدله وكرمه أن أنزل البلاء على قدر صبر الإنسان، وكلما ازداد الإنسان قرباً عند الله، وازداد محبة عند الله زاده بشيء من البلاء؛ حتى يرفع درجته.

    يذكر الإمام النووي من الآيات في هذا الباب قول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ [البقرة:267]، يعني: لا تأتى إلى الأشياء الرديئة وتعطيها للفقير، مثلاً: في زكاة الفطر يخرج الإنسان أردأ أنواع التمر ويعطيه للفقير، هذا لا ينبغي، لكن أخرج الشيء الذي تأكله وأعطه للفقير، الطعام الذي تأكله تصدق به، فالإنسان قد لا يكون له نفس أن يأكل هذا الطعام؛ لأنه بائت، ولكنه حلو وجيد ومثله يؤكل، فلا بأس أن يتصدق به، لكن يكون عنده طعام قد تغيرت رائحته ويتصدق به فلا؛ لأن الله تعالى يقول: وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ [البقرة:267]، يعني: هذا الشيء الذي لا ترضى أن تأخذه ولا أن تشتريه إلا أن تتساهل وتتسامح في أخذه، فهذا لا يجوز لك أن تنفق من مثله، ولكن أنفق من خير ما أعطاك الله سبحانه وتعالى.

    1.   

    مسارعة الصحابة إلى الإنفاق من المحبوب

    يقول لنا أنس بن مالك رضي الله عنه: (كان أبو طلحة رضي الله عنه أكثر الأنصار بالمدينة مالاً من نخل، وكان أحب أمواله إليه بيرحاء، وكانت مستقبلة المسجد، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب، قال أنس : فلما نزلت هذه الآية: لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ [آل عمران:92]).

    انظروا تطبيق الصحابة رضوان الله تبارك وتعالى عليهم، وليس مطلوباً منك أن تفعل كفعلهم، ولكن المطلوب منك أن تنفق من الشيء الذي تقدر عليه، وربنا أوجب عليك الزكاة (2.5%)، فاقتد بالصحابة ومهما أنفقت فلن تبلغ مد أحدهم ولا نصيفة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن نتأمل في سيرتهم وكيف بلغوا المبلغ العظيم في عبادتهم ربهم، وفي إنفاقهم أحب الأموال إليهم.

    (قال أنس : فلما نزلت هذه الآية: لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ [آل عمران:92]، قام أبو طلحة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! إن الله تعالى يقول: لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ [آل عمران:92] وإن أحب مالي إلي بيرحاء، وإنها صدقة لله تعالى أرجو برها وذخرها عند الله تعالى).

    يعني: قال الله عز وجل: (مِمَّا تُحِبُّونَ) ولم يقل: حتى تنفقوا أحب الأشياء إليكم، وهذا تكرم من الله سبحانه، فقوله: (مِمَّا تُحِبُّونَ) يعني: أنت تحب أشياء فأنفق من هذه الأشياء التي تحبها لا كلها، و(من) تبعيضية.

    فـأبو طلحة كان أعظم شيء يحبه حديقة كاملة فتصدق بها، وهذا شيء كبير جداً ولكن كانت نظرته للدار الآخرة، كأنه يقول: أنا سأعطي هذه الحديقة وربنا سيعطيني أفضل وأحسن من هذه الحديقة بكثير، فقال للنبي صلى الله عليه وسلم: (وإنها صدقة لله تعالى أرجو برها وذخرها)، أي: أرجو البر على ذلك، وأن تكون مدخرة لي عند الله سبحانه وتعالى.

    قال: (فضعها يا رسول الله! حيث أراك الله)، يعني: تصرف فيها كما تحب حيث أراك الله سبحانه.

    فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (بخ بخ! ذلك مال رابح، ذلك مال رابح)، يعني: تعجب النبي صلى الله عليه وسلم لإحسان هذا الرجل ولعظيم صدقته، فقال: (بخ) وهي كلمة تقال للتعجب، فهو صلى الله عليه وسلم تعجب من فعل هذا الرجل الطيب رضي الله تعالى عنه، ولتفخيم أمر الصدقة التي أخرجها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (ذلك مال رابح) يعني: أن لك الربح من الله والأجر العظيم على صدقتك، لا يضيع عند الله سبحانه، بل يربحك عليها الأجر العظيم.

    فقال صلى الله عليه وسلم: (قد سمعت ما قلت، وإني أرى أن تجعلها في الأقربين)، وهنا النصيحة العظيمة الذي يعلمها لنا النبي صلى الله عليه وسلم، عندما يأتي إليك إنسان بمال كثير ويقول لك: أنفق هذا المال، قد تقول: آخذ منه المال وأنفقه من أجل أن يكون لي نصف الأجر، لكن اصبر قليلاً وانظر ماذا فعل النبي صلى الله عليه وسلم، لم يقل: هات المال وأنا سوف أتصدق به، بل قال له: اجعله في الأقارب الفقراء، ومعلوم أن الدال على الخير له مثل أجر فاعله، فهو عليه الصلاة والسلام نصحه وأرشده إلى أنه إذا كان هناك أحد في أقربائك فقير فأنفق هذا المال عليه، حتى تكون له صدقة وصلة ويحصل على أجرين.

    فقال صلى الله عليه وسلم: (وإني أرى أن تجعلها في الأقربين، فقال أبو طلحة رضي الله عنه: أفعل يا رسول الله، فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه).

    نتعلم من ذلك أننا ننصح لغيرنا كما ننصح لأنفسنا، ونتعلم أن على الإنسان أن يخرج من طيب ماله الذي يرجو بركته، ويرجو الأجر من الله عز وجل عليه، فينفق لله ويحتسبه، وما نقص مال من صدقة، كما قال النبي صلوات الله وسلامه عليه، والصحابة كانوا ينفقون نفقات عجيبة جداً، وكان ربنا سبحانه وتعالى يعطيهم أضعافاً مضاعفة.

    وهذا عبد الرحمن بن عوف كان ينفق نفقات عجيبة جداً، ويقال إن عبد الرحمن بن عوف لم يجب عليه في ماله زكاة؛ لأنه كان ينفقه قبل أن يحول عليه الحول ويتصدق به، وربنا يعطيه مثله وأضعافه، وكان يسمع أن الفقراء يسبقون الأغنياء يوم القيامة بنصف يوم، فهو ينفق من أجل أن يدخل مع الفقراء، فربنا سبحانه يعطيه بنيته، وقد شهد له النبي صلى الله عليه وسلم بأنه أحد العشرة الذين بشروا بالجنة، ومع ذلك كان ينفق ويعطي ولم يتكل على ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم.

    وهذا الزبير بن العوام قيل: كان عنده من العبيد ألف، الذين يعملون ويأتونه بالأجرة، وكان تاجراً محظوظاً، وكان ابن عمة النبي صلى الله عليه وسلم وحواري رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان من المتصدقين ومن أهل الكرم رضي الله تعالى عنه، فقد كان الألف عبد يأتونه بالأجرة، فيأخذ الأجرة ولا يأكل منها أبداً، وإنما يجعلها كلها لله عز وجل، ينفقها في سبيل الله سبحانه وتعالى، فكان ربنا سبحانه وتعالى يبارك له في ماله.

    وهذا أبو بكر الصديق رضي الله عنه كان ينفق ماله كله في سبيل الله سبحانه وتعالى، وعمر بن الخطاب كان ينفق نصف ماله في سبيل الله سبحانه وتعالى، وكانت نفقاتهم عظيمة، فقد كانوا يرجون بها أن يعفو الله تعالى عنهم يوم القيامة ويدخلهم جنته.

    1.   

    وجوب أمر الرجل أهله وأولاده بالمعروف ونهيهم عن المنكر

    أمر الرجل أهله بالصلاة والطاعات

    يقول الإمام النووي : [ باب وجوب أمره أهله وأولاده المميزين، وسائر من في رعيته بطاعة الله تعالى، ونهيهم عن المخالفة، وتأديبهم ومنعهم من ارتكاب منهي عنه ].

    أي: يجب على الإنسان أن يأمر أهله بالمعروف وينهاهم عن المنكر.

    قال الله تعالى: وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا [طه:132]:

    أي: قال تعالى للنبي صلى الله عليه وسلم: وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ فهل يا ترى كان يمكن أن يقصر صلى الله عليه وسلم؟ لا، لم يقصر في ذلك أبداً، ولكن من باب (إياك أعني واسمعي يا جارة)، يقول ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم الذي لم يقصر في ذلك، حتى كأنه يقول: الكلام لكم أنتم، اسمعوا ومروا أهليكم بالصلاة واصطبروا عليها، كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يأمر أهله بالصلاة.

    والرجل حين يأمر أهله بالصلاة قد لا يستجيبون لأمره، لعلهم يتوانون ويتأخرون، فقد يكسل في أمرهم، فقيل له: اصبر ولا تطاوعهم؛ لأنك لو طاوعتهم سيضيعون وتضيع معهم بل مرهم بصلاة الفريضة بأن يصلوها في بيت الله سبحانه، يأتي وقت الفجر توقظ أهل البيت ليؤدوا صلاة الفجر، تأمرهم بذلك وتصطبر على ذلك.

    قال الله سبحانه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا [التحريم:6]، يحب الإنسان أن يقي نفسه بلاء الدنيا، ومصائب الدنيا، وأمراض الدنيا، فعندما يسمع بوجود تطعيم من وباء كذا، تراه يجري ليطعم نفسه، ويطعم عياله من أجل ألا يحصل لهم ذلك الوباء، هذا في الدنيا، فهنا لو نظر الإنسان نظرة إلى الدار الآخرة، هل ممكن الخائف على عياله من مرض في الدنيا ووباء أن يضيعهم يوم القيامة ويدخلون النار؟ ليس ممكناً، ولكن قد يسهو الإنسان وينسى الآخرة فربنا يذكره، ويأمره بأن يقي نفسه وأهله ناراً وقودها الناس والحجارة، قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا [التحريم:6]، أي: أن تقي نفسك وأهلك.

    تأديب النبي صلى الله عليه وسلم للحسن ومنعه من فعل المحرم

    عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (أخذ الحسن بن علي رضي الله عنهما تمرة من تمر الصدقة فجعلها في فيه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كخ كخ، ارم بها، أما علمت أنا لا نأكل الصدقة).

    كان النبي صلى الله عليه وسلم من أشد الناس حناناً على أهله، فقد كان صلى الله عليه وسلم يشم الحسن والحسين رضي الله عنهما ويقول: (هما ريحانتاي من الدنيا)، صلوات الله وسلامه عليه، وكان صلى الله عليه وسلم يمكن الحسن أو الحسين وهو ساجد أن يصعد على ظهره، كل هذا من حنانه صلى الله عليه وسلم معهما، لكنه عندما أخذ شيئاً حراماً لم يسكت عليه الصلاة والسلام على ذلك، مع أن الحسن كان طفلاً صغيراً، وعندما مد يده وأخذ تمرة واحدة من تمر الصدقة ووضعها في فمه لم يتركه يأكلها، وقال: سأدفع ثمنها، بل أمره برميها من فمه، فإذاً: يؤدب الصغير على مثل ذلك ولو بإخراج اللقمة الحرام من فمه.

    يقول صلى الله عليه وسلم: (كخْ) وفي رواية: (كخٍ).

    قوله: (أما علمت أنا لا نأكل الصدقة) يعني: أن النبي صلى الله عليه وسلم يعلم الصبي وهو صغير ويقول له: نحن لا نأكل الصدقة ولا يحل لنا ذلك، ومع أنه صبي صغير فقد أمره النبي صلى الله عليه وسلم بالمعروف ونهاه عن المنكر، وإن كان الصبي ليس مخاطباً بالتكليف وليس مكلفاً، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم يعلمه بأنه لا يجوز لك أن تأخذه حتى ولو كنت لست مكلفاً.

    تعليم النبي صلى الله عليه وسلم لربيبه عمر بن أبي سلمة آداب الأكل

    ورد في حديث آخر لـعمر بن أبي سلمة ابن زوجة النبي صلى الله عليه وسلم وربيبه، وكان في حجره وهو صبي صغير، يقول: (كنت غلاماً في حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت يدي تطيش في الصحفة، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا غلام! سم الله تعالى -أي: قل باسم الله- وكل بيمينك وكل مما يليك).

    ينبغي تعليم الصبي آداب الأكل بحيث لا يأكل بشماله ولا يبطش بيده في الطعام من كل جهة وإنما يأكل من أمامه، حتى إذا كان مع الناس لا يمد يده قبل غيره، وإنما يسمي الله سبحانه وتعالى، ولا ينتقي أحسن المأكولات ويأكلها ويترك غيرها.

    إذاً: لا بد من التعليم، يعلم الطفل كيف يأكل، بحيث يقول قبل أن يمد يده: باسم الله، ولا يأكل إلا من مما يليه، كذلك يعلمون كيف يدخلون المساجد، حتى لا يحدثوا فوضى فيها، فالطفل إذا لم يعلم ويؤدب فقد يقل أدبه على الكبار، وإذا كبر صار قليل أدب.

    عندما تجد طفلاً صغيراً في الجامع يقل أدبه أو يجري أمام المصلين فخذه وعلمه الأدب ولا تقس عليه، ولكن علمه الأدب، ولا تسكت على المنكر وأنت تراه، وبعض الإخوة إذا أنكرت على عياله يقول: وأنت ما شأنك، لقد كان الحسن والحسين يركبان على ظهر النبي صلى الله عليه وسلم!

    نقول: أولاً: ابنك ليس الحسن ولا الحسين ، ثانياً: النبي صلى الله عليه وسلم أمر الحسن أن يرمي تمرة الصدقة من فمه، والنبي صلى الله عليه وسلم دخل المسجد ذات مرة وأمامة بنت بنته صلى الله عليه وسلم فوقه، من أجل ألا تؤذي الناس بأن تجري بين الصفوف، أو تبكي، فكان صلى الله عليه وسلم إذا قام رفعها وإذا نزل وركع أو سجد وضعها، فهو صلى الله عليه وسلم أمسكها حتى لا تؤذي أحداً من الناس.

    فلا آتي أنا بابني من أجل أن يتدلع في المسجد، فإذا قام إنسان وأمره أو نهاه غضبت، لا؛ لأن ابنك الذي يؤذي إنساناً في المسجد عليك إثمه؛ لأنك لا أمرته بمعروف ولا نهيته عن منكر، بل منعت غيرك من أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر.

    فإذاً: من أراد أن يأتي بولده المسجد فلا يأتي به إلا وهو في السن الذي يعقل فيه الصلاة، بأن يكون عمره سبع سنوات، وتعلمه أدب المسجد، ويكون مكانه خلف الصفوف لا أن تجعله يجري أمام الناس، ولا يكون في الصفوف الأولى؛ لأنهم بعد أن يدخل الإمام في الصلاة يخرجون من الصفوف، فتحدث فرجات بين الصفوف، فمن يتحمل هذا الشيء؟ نقول: إن قطع الصفوف لا يجوز وإثم ذلك على والد هذا الطفل الذي ترك فرجة في الصف.

    فاتقوا الله سبحانه وتعالى في أنفسكم وفي بيت الله!

    كذلك الذين يأتون بأطفالهم في صلاة التراويح، فتجد الواحد يأتي بابنه ويعطي له (آيسكريم) في يديه، فهو يأكل ويبعثر في المسجد، أنت بهذا الشيء ما الذي يؤمنك أن أحداً يدعو عليك وعلى ابنك فتصاب بشؤم عمل ابنك في هذا المسجد.

    اتقوا الله! إنما بنيت المساجد لما بنيت له، تعلم ابنك الأدب حين تأتي به إلى بيت الله سبحانه وتعالى، كذلك النساء تجد الواحدة منهن تأتي بمجموعة من عيالها، الناس يصلون وهي لا تصلي، وإنما جاءت لتسمع الدرس؛ لأنها حائض وعيالها حولها يؤذون النساء وقت الصلاة.

    الذي يأتي من أجل أن يسمع الدرس، أو يأتي من أجل صلاة الجماعة عليه أن يحترم المسجد ولا يأتي ليزعج أحداً بعياله، وإذا كان العيال يزعجون الناس فاتركهم في البيت.

    حث المسلم على القيام بالواجب تجاه من ولاه الله عليهم

    ورد من حديث ابن عمر أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته، الإمام راع ومسئول عن رعيته، الرجل راع في أهله ومسئول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسئولة عن رعيتها، والخادم راع في مال سيده ومسئول عن رعيته، فكلكم راع ومسئول عن رعيته).

    لم يكن أحد إلا وهو راع ومسئول، إما أن تكون رجل البيت، وإما أن تكون المرأة هي الزوجة في البيت، وإما أن يكون الخادم، أو العامل في العمل، فكل إنسان مسئول عن عمله، سيسأله الله عز وجل يوم القيامة.

    (كلكم راع)، بدأ بالجمع ثم فصل هذا الجمع فكل إنسان مسئول عن رعيته، أنت في بيتك مسئول عن زوجتك وأولادك، وأنت في عملك مسئول عمن تحت يدك، ومسئول عما استأمنك الله عز وجل عليه، لا تقصر ولا تفرط، فالله سبحانه وتعالى سيسألك فأعد للسؤال جواباً، انظر ما تقول لربنا يوم القيامة، فالرجل راع في أهله ومسئول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسئولة عن رعيتها، فهي مسئولة عن أولادها، وعن مال زوجها وعن نفسها.

    وكذلك إذا كان خادماً أو أجيراً، فإنه مسئول عن مال الإنسان الذي جعله خادماً أو أجيراً، سيسأل يوم القيامة عن هذه الرعية، والعامل في عمله مسئول عن عمله، هل أتقن أو لم يتقن، فما تحت يدك من المال أو غيره فأنت مسئول عن الصغير والكبير يوم القيامة، (فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته).

    أمر الأولاد بالصلاة لسبع وضربهم عليها والتفريق بينهم في المضاجع لعشر

    أخرج أبو داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين) أي: تعلم الولد الصلاة وهو ابن سبع سنين، وكونك تعلمه وهو ابن سنتين أنت حر، لكن ليس في المسجد ولكن في البيت؛ لأنه ما زال صغيراً لا يفهم، وقد يؤذي الناس في بيت الله سبحانه.

    يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين) أي: إذا كان عمر الطفل سبع سنين فإنه يؤمر بالصلاة ويعلم.

    قوله صلى الله عليه وسلم: (واضربوهم عليها وهم أبناء عشر سنين)، يعني: يتعلم الطفل الصغير الذي عمره سبع سنين الصلاة بأركانها وشروطها، ويعلم كيف يتوضأ ويتطهر للصلاة، ويؤمر بالصلاة، ويصطحبه والده إلى المسجد ليتعلم مع الناس، ويحترم بيت الله سبحانه وتعالى.

    فقوله: (واضربوهم عليها وهم أبناء عشر)، أي: الطفل إذا بلغ عشر سنين وتكاسل عن الصلاة فاضربه ضرباً غير مبرح، مع أنه غير مكلف، لكن مع ذلك إن تكاسل عن الصلاة فإنه يضرب، من أجل أن يحافظ على الصلاة، بحيث يبلغ هذا الصبي وهو يعرف الصلاة ويعرف أحكام الصلاة، من الوضوء، والطهارة والشروط والأركان، والواجبات والنوافل والهيئات، فيتقن هذه الصلوات، ولا تحتاج بعد ذلك لا لضرب ولا غيره.

    وعندما تأتي إلى المسجد ومررت على أشخاص في الشارع لا يصلون فسلم عليهم وقل لهم: تعالوا نصلي! إذا كنت مأموراً بأن تأمر الصبي الصغير بالصلاة، فالكبير من باب أولى، لا تقل: نفسي نفسي؛ لأن نفسي نفسي ليوم القيامة فقط، أما في الدنيا فلأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من الدنيا وما فيها، وفي رواية: (لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك مما طلعت عليه الشمس)، أي: تطلع الشمس على الكرة الأرضية كلها فهداية شخص على يديك خير لك مما فيها.

    فاسأل نفسك كل يوم: كم أمرت الناس بالمعروف ونهيتهم عن المنكر، إذا فعلت هذا الشيء فلك أجر عظيم عند الله، وتجارة رابحة، وليس شرطاً أن يستجاب لك، فكم من إنسان نقول له: تعال صل، يقول: نعم سآتي وراءك الآن ولا يأتي، وثاني يوم وثالث يوم، وبعد سنة تلقاه قد أتى ليصلي لوحده، فهذا الذي هداه هو الله سبحانه وتعالى، لكن أنت سبب من الأسباب.

    لا تيئس من أحد أبداً، دعوت شخصاً اليوم ولم يستجب فلا تيئس، بل واصل دعوته، وفي يوم من الأيام لعل الله عز وجل أن يهديه ويكون لك الأجر، لكن لا تعامل الناس بعنف، ولا تقل: هلك الناس، ففي الحديث: (من قال: هلك الناس فهو أهلكهم)، لا تلح على إنسان بالقوة، فقد يكون عنده عذر، كأن يكون على جنابة وما كان يصلي، فكيف يدخل المسجد وهو على هذه الصورة؟!

    ليس الصلاة فقط، لعل إنساناً عنده مال ولا يؤدي زكاة ماله، ولا يعرف أحكام الزكاة، فهذا تعلمه وتقول: زكاة المال حكمها كذا وكذا، والمفروض عليك أنك تؤدي كذا.

    أذكر واحداً من المصلين معنا في المسجد وهو رجل كبير في السن أتاني مرة وقال لي: أنا عندي مال ولا أعرف الزكاة، ويقول لي: أنا أتصدق كثيراً لكن لا أعرف الصدقة من الزكاة.

    إذاً: نعلم الناس ما يجهلونه من أحكام، فالإنسان المسلم في كل مكان يدعو الناس إلى الله سبحانه وتعالى؛ لأن حياة المسلم كلها دعوة لله سبحانه وتعالى.

    ثم قال صلى الله عليه وسلم: (وفرقوا بينهم في المضاجع) أي: تفرق بين الذكور والإناث، لا تنام البنت بجانب الولد الذي عمره عشر سنين، بل يفرق بين الجميع، كل واحد في سريره عند مرحلة البلوغ أو قبيل البلوغ؛ يعتاد الولد أنه لا يطلع على العورات أو لا ينظر إلى ما يحرم.

    وجوب تعليم الأولاد الصلاة

    من الأحاديث في هذا الموضوع حديث آخر يقول لنا صلى الله عليه وسلم: (علموا الصبي الصلاة لسبع سنين)، قال في الرواية الأولى: (مروا أولادكم)، وهنا قال: (علموا)، يعني: أن أقول له: صل يا ولد، فهو قد يصلي الصلاة أربع ركعات أو خمس ركعات؛ لأنه لا يدري كيف يصلي؛ فلذلك قال: (علموا الصبي) أي: تعلمه الصلاة، تسأله: هل تعرف كيف تصلي أو لا تعرف؟ تعال فأرني كيف تصلي، هل تحفظ الفاتحة أو لا تحفظها؟ اقرأ علي الفاتحة، وقد يوجد أناس كبار في السن لا يحفظون الفاتحة، فهؤلاء يعلمون دون إحراج.

    إذاً: إذا علم الإنسان غيره كيف يقرأ فاتحة الكتاب فإنه يؤجر عليه، لو أن شخصاً قال لنا: أنا لا أحفظ التشهد، نقول له: إذا لم تحفظ التشهد فقل: سبحان الله والحمد لله، حتى تحفظ التشهد، ولكن قبل ما تقول له قل: سبحان الله والحمد لله، قل له: اكتب التشهد في ورقة وضعها أمامك وأنت تصلي واقرأها؛ لأننا نقرأ في أبواب الفقه أن التشهد واجب، وأقله أن يقول: التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله! هذا أقل ما يكون في التشهد.

    فكون الإنسان يحتسب ويجلس مع الشخص الذي لا يحفظ التشهد خمس دقائق، سيحفظ التشهد ويصلي ما شاء الله له من صلاة، ويكون لي فيها الأجر العظيم.

    قوله: (علموا) لقد بعث الله النبي صلى الله عليه وسلم معلماً ومؤدباً ومربياً، فقد كان صلوات الله وسلامه عليه يعلم الناس برفق، فهذا ابن مسعود يقول: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمني التشهد كفي في كفه أو يدي في يده كما يعلمني السورة من القرآن)، فكذلك أنت أيها الداعية إذا وجدت إنساناً يقول لك: أنا لا أحفظ الفاتحة، فلا تستسهل الأمر وتقول له: قل: سبحان الله والحمد الله؛ لأنه قد يستمر على ذلك إلى أن يموت، ولكن علمه الفاتحة، وقد تلقى الكثير من هؤلاء يقول لك: أحفظ آيات منها، لكن يحتاج إلى من يرتبها له، فأنت لو حفظته، فإنك تؤجر على هذا الشيء من الله عز وجل.